"ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم3. وقال: "وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة فلا يزاد في ذلك ولا ينقص منه" 4. وقال: "وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدنر ذلك تقديرا محكما مبرما، ليس فيه ناقص ولا معقب ولا مزيل ولا مغيرنِ ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه"5. في بيان المرتبة الثانية وهي كتا به الذي اشتمل على كل ما سيكون، يقول الإمام أبو حنيفة: "وقدنره وكتبه في اللوح المحفوظ" 6. وقال: "ونقِرُّ بأن الله تعالى أمر القلم أن يكتب فقال القلم، ما أكتب يَ رب؟ فقال الله تعالى: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة لقوله __________ 1 الفقه الأكبر ص302،303. 2 الفقه الأك302،303. 3 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص21. 4 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 31. 5 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص35. 6 الفقه الأكبر ص302. (1/526) تعا{ :تاطارٌ1" سورة القمر: الآيتان52-53." وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال "ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رقم، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن؛ لم يقدروا عل يه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه كائنا، لم يقدروا عليه، جفن القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه" 2. وفي بيان المرتبة الثالثة وهي الإيمان بمشيئة الله وقدرته العامة على كل شيء يقول الإم ام أبو حنيفة:
عدد الصفحات ٣٨٥"ولا يكون في الدنيا ولا في الآخرة شيء إلا بمشيئته3. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال "وكل شيء يجري بتقديره، ومشيئ ته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة العباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن" 4. وفي بيان المرتبة الرابعة وهي الإيمان بأن الله خالق كل شيء يقول الإمام أبو حنيفة: "خلق الله الأشياء لا من شيء" 5. __________ 1 الوصية مع شرحها ص 21. 2 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 35. 3 الفقه الأكبر ص302. 4 العقيدة الطحاوية بتعليق الألبا ص 21. 5 الفقه الأكبر ص302. (1/527) وقال: "وكان الله تعالى خالقا قبل أن يخلق" 1. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال "خالق بلا حاجة ... خلق الخلق بعلمه" 2. وقال: "ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم" 3. __________ 1 الفقه الأكبر ص304. 2 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص20. 3 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص21. (1/528)
عدد الصفحات ٣٨٦المبحث الثالث: أفعال العباد يذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن جميع أفعال العباد مخلوقة، خلقها الله عزَّ وجلَّ في الفاعلين لها، دل على هذا قوله: "نقرن بأن العبد مع أعماله وإقراره ومعرفته مخلوق، فلما كان الفاعل مخلوقا، فأفعاله أولى أن تكون مخلوقة" 1. وقوله: "وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم، والله تعالى خالقها، وهي كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره" 2. قال محمد بن الحسن بعدما ذكر قول3 عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "تكون النطفة في الرحم أربعين يوما، ثم تكون علقة أربعين يومان ثم يعطى خلقه: فيقول: رب ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما رزقه ـ قال محمد بن الحسن وبهذا نأخذ وبه كان يأخذ أبو حنيفة، الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره" 4. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب __________ 1 الوصية مع شرحها ص 14. 2 الفقه الأكبر ص303. 3 أصله صحيح مسلم 4/2036 يرفعه عبد الله بن مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم 4 شرح أصول اعتقاد أهل السنة وا ماعة 2/704. (1/529) أحنيفة وصاحبيه حيث قال: "وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد" 1. وما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة هو ما جاءت به الأدلة من كتاب الله كقوله تعا شايْءٍ62." فيخبر الله تعالى أنه خالق الأشياء كلها وربها ومليكها وربها والمتصرف فيها وكلٌ ما تحت تدبيره وقهره وكلاءته 2، فأفعال العباد من جملة المخلوقات وقال تعاورة الحديد: الآية22." فما يصيب الخلق من خير وشر، كله قد كتب في اللوح المحفوظ من قبل أن يخلقها سبحانه وتعالى،
عدد الصفحات ٣٨٧فالله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعالهم من الطاعات والمعاصي. وقال تعا تـاعْمالُونا96." قال البغوي في قوله تعاعْمالُونا الأصنام، وفيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى" 3. وقال ابن جرير في قوله تعا فيكون معنى الكلام حينئذ والله خلقكم وعملكم، والآخر أن يكون بمعنى الذي فيكون معنى الكلام عند ذلك: والله خلقكم والذي تعملونه: أي والذي تعملون منه الأصنام، وهو الخشب __________ 1 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص53. 2 تفسير ابن كث 6/105. 3 تفسير البغوي4/31. (1/530) والنحاس والأشياء التي كانوا ينحتون منها أصنامهم" 1. ورجنحالوجه الثاني ابن جرير 2 وابن القيم3 ورجح الأول ابن كث 4. ومن السنة حديث حذيفة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله يصنع كل صانع وصنعته" 5. وصحن عن ابن عمر أنه قال: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس" 6. وما ذهب إليه أبو حنيفة في أفعال العباد وأنَّا مخلوقة لله تعالى هو عين مذهب السلف. قال اللالكائي: "إن أفعال العباد كلها مخلوقة لله عزَّ وجلَّ طاعتها ومعاصيها" 7. __________ 1 تفسير ابن جرير33/75. 2 تفسير ابن جرير23/75. 3 شفاء العليل ص234. 4 تفسير ابن كث 6/22. 5 أخرجه البخاري في خلق أفعال الع باد 39،40، وابن أبي عاصم في السنة1/158، وابن مندة
عدد الصفحات ٣٨٨التوحيد1/267؛ واللالكائي شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 3/538،239، والحاكم المستدرك 1/31،32؛ والبيهقي في الأسماء والصفات338، وفي شعب ايمان 1/501،502؛ جميعهم من طريق ربعي بن خراش عن حذيفة والبزار في مسنده كما في مجمع الزوائد 1/158؛ وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح غير أحمد وهو ثقة" وقال الألباني: "إسناده جيد"، انظر ظلال الجنة 1/158، وصححه في سلسلة الأحاديث الصحيحة4/181. 6 خلق أفعال العباد ص41. 7 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/534-537. (1/531) ثم ذكر ما وري عنه ذلك من الصحابة، ومن قال به من التابعين، ومن الفقهاء من أهل مكة ومصر والشام والكوفة والبصرة وبغداد. قال اللالكائي عن أهل الكوفة موطن الإمام أبو حنيفة: "من أهل الكوفة عبد الله بن شبرمة ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وسفيان الثو ري والحسن بن صالح بن حي وشريك وأبو حنيفة النعمان بن ثابت وأبو يوسف ومحمد بن الحسن ... " 1. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أفعال العباد مخلوقة باتفاق سلف الأمة وأئمتها، كما نص على ذلك سائر أئمة الإسلام، الإمام أحمد ومن قبله ومن بعده حتى قال بعضهم: من قال: إن أفعال العباد غير مخلوقة فهو بمنزلة من قال: إن السماء والأرض غير مخلوقة" 2. فالمقصود أن فعل العبد فعله حقيقة، وهو مخلوق ومفعول له سبحانه، وليس هو نفس فعل الله، ففرق بين الفعل والمفعول والخلق والمخلوق 3. __________ 1 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/534-537. 2 مجوع الفت اوى 8/406. 3 مجموع الفتاوى 8/238،393 بتصرف (1/532)
عدد الصفحات ٣٨٩المبحث الرابع: الطوائف المنحرفة في القدر ورد الإمام أبي حنيفة عليها المنحرفون في القدر طرفان متقابلان: طرف يثبت قدر الله سبحانه وتعالى، وغالوا فيه حتى جعلوا العبد مجبورا على فعله، ولم يثبتوا له فعلا ولا كسبا على الحقيقة، بل جعلوه كالريشة في الهواء، وجعلوا نسبة الفعل إلى العبد كنسبتها إلى الجماد، كما يقال: زالت الشمس، ودارت الرحى، وسقط الجدار. هؤلاء يسمون الجبرية 1. وطرف غالوا في النفي وقالوا: لا قدر، والأمر أُنُف، وجعلوا الإنسان خالقافعاله. وهؤلاء هم القدرية 2. وقد بسط الرد عليهم الإمام أبو حنيفة في الفقه اكبر بما لم يبسطه في غيره، وأتباعه متفقون على أن هذا هو مذهبه، وفي هذا يقول شيخ الإسلام: "إن أبا حنيفة من المقرين بالقدر باتفاق أهل المعرفة به وبمذهبه، وكلامه في الرد على القدرية مع روف في الفقه الأكبر وقد بسط الحجج في الرد عليهم بما لم يبسطه على غيرهم في هذا الكتاب، وأتباعه متفقون على أن هذا هو مذهبه وهو مذهب الحنفية المتبعين له. ومن انتسب إليه في الفروع وخرج عن هذا من __________ 1 انظر الفرق بين الفرق ص211؛ وشفاء العليل ص109. 2 انظر الفصل 3/22؛ والملل والنحل1/43؛ وشفاء العليل ص109. (1/533) المعتزلة ونحوهم، فلا يمكنه أن يحكى هذا القول عنه بل هم عند أئمة الحنفية، الذين يفتي بقولهم مذمومون معيبون من أهل البدع والضلالة" 1. وإليك نماذج من كلام الإمام أبي حنيفة في الرد على القدرية وا ية. قال الإمام أبو حنيفة: "وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون ك سبهم على الحقيقة والله تعالى خلقها وهي كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره، والطاعات كلها كانت واجبة بأمر الله تعالى وبمحبته وبرضاه وعلمه ومشيئته وقضائه وتقديره، والمعاصي كلها بعلمه وقضائه وتقدي ره ومشيئته لا بمحبته ولا برضائه ولا بأمره" 2. وقال: "خلق الله تعا الخلق سليما من الكفر والإيمان 3 ثم خاطبهم وأمرهم ونَّاهم، فكفر من كفر بفعله وإنكاره وجحوده الحق بخذلان الله تعالى إيَه، وآمن من آمن بفعله وإقراره وتصديقه بتوفيق الله تعالى ونصرته له" 4.
عدد الصفحات ٣٩٠وقال: "وأخرج ذرينة آدم من صلبه على صورة الذر فجعلهم عقلاء، فخاطبهم وأمرهم بالإيمان ونَّاهم عن الكفر فأقروا له بالربوبية فكان ذلك منهم إيمانا فهم يولدون على تلك الفطرة، ومن كفر بعد ذلك فقد بدنل وغيرن ومن آمن وصدنق فقد ثبت عليه وداوم" 5. __________ 1 منهاج السنة 3/139. 2 الفقه الأكبر ص303. 3 الفقه الأكبر ص302،303. 4 الفقه اكبر ص303. 5 الصواب خلق الله تعالى الخلق على فطرة الإسلام كما سيبينه أبو حنيفة في قوله ا (1/534) وقال: "وهو الذي قدنر الأشياء وقضاها ولا يكون في الدنيا ولا في الآخرة شيء إلا بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره وكتبه في اللوح المحفوظ" 1. وقال: "ولم يجبر أحدا من خلقه على الكفر ولا على الإيمان، ولكن خلقهم أشخاصا، والإيمان والكفر فعل العباد، ويعلم الله تعالى من يكفر في حال كفره كافرا، فإذا آمن بعد ذلك علمه مؤمنا وأحبنه من غير أن يتغيرن علمه" 2. __________ 1 الفقه الأكبر ص302. 2 الفقه الأكبر ص303. (1/535) الفصل الرابع: الصحابة وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الإمام أبو حنيفة يحب جميع الصحابة ويتولاهم. المبحث الثاني: قول الإمام أبي حنيفة في المفاضلة بين عثمان وعلي.
عدد الصفحات ٣٩١المبحث الثالث: قول الإمام أبي حنيفة فيمن يتنقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسبهم. (1/537) المبحث الأول: الإمام أبو حنيفة يحب جميع الصحابة ويتولاهم. أثنى الله على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في آيَت كثيرة كقوله تعا واالَّذِينا آمانُوا ماعاهُ جااهادُوا بأِا مْواالهِِمْ واأانـْفُسِهِمْ واأُولائِكا لهاُمُ الخْايرْااتُ واأُولا ئِكا هُمُ الْمُفْلِحُونا أاعادَّ اللََُّّ لهاُمْ جانَّاتٍ تجاْرِي مِنْ تحاْتِهاا الأانَّْاارُ خاالِدِينا فِيهاا ذالِكا الْفاوْزُ الْعاظِيمُ 88-89." وقال تعاابِقُونا الأاوَّلُونا مِنا الْمُهااجِرِينا واالأانْصاارِ واالَّذِينا اتـَّبـاعُوهُمْ بإِِحْساانٍ راضِيا اللََُّّ عانـْهُمْ واراضُوا عانْهُ واأاعادَّ لهاُمْ جانَّاتٍ تجاْرِي تحاْتـاهاا الأانَّْاارُ خاالِدِينا فِيهاا أاباداً ذالِكا الْفاوْزُ الْعاظِيمُ }توبة الآية100." وقال تعادُوا فيِ سابِيلِ اللََِّّ واالَّذِينا آواوْا واناصارُوا أُولائِكا هُمُ الْمُؤْمِنُونا حاقناً لهاُمْ ماغْفِراةٌ وارِزْقٌ كارِيمٌ74." فوصفهم الله بأنَّم مؤمنون حقا، ومجاهدون بأموالهم وأنفسهم صدقا، وهم المفلحون والفائزون بمغفرة الله ورضوانه، فلهم من عنده تعالى الخيرات والرزق الكريم وجنات النعيم. فأي ثناء أبلغ من هذا الثناء وأي فضل أبلغ من هذا!. (1/539) وكذا أثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحيحة منها حديث جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها ... " 1. وحديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونَّم ثم الذين يلونَّم" 2. وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدَّ أحد ولا نصيفه" 3. فالحديث الأول فيه بيان لفضيلة بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ممن بايعوه تحت الشجرة
عدد الصفحات ٣٩٢وأنَّم لا يدخلون النار أما الحديث الثاني ففيه إثبات الخيرية لجميع الصحابة رضي الله عنهم، الذين هم خير القرون، وأنَّم مقدمون في الفضل على من جاء بعدهم من التابعين. أما الحديث الثالث ففيه بيان لفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث __________ 1 أخرجه مسلم كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أصحاب الشجرة 4/1942 ح2496" من طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد 2 أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم 7/3 ح3650" ومسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضل الصحابة 4/1964 ح2535" كلاهما من طريق زهدم ب ن مضرنب عن عمران بن الحصين. 3 أخرجه البخاري كتاب فضائل الصحابة ب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذا خليلا " 7/21 ح3673" من طريق ذكوان عن أبي سعيد البخدري، ومسلم كتاب فضائل الصحابة باب تحريم سب الصحابة 4/1967 ح2540" من طريق أبي صالح عن أبي سعيد الخدري. (1/540) وصفهم بالصحبة، ونَّى عن التعرض لهم وأوجب ذكرهم بالقول الحسن. وهذا هو ما عليه الإمام أبو حنيفة طاعة لربه وامتثالا لأمر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فهو يحب جميع الصحابة ويترضى عنهم ويتولاهم ولا يتبرأ من أحد منهم ولا يذكرهم إلا بالخير. دل على هذا قول الإمام أبي حنيفة: "ولا نذكر أحدا من أصحاب الرسول إلا بخ ير" 1. وقوله: "ولا نتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نوالي أحدا دون أحد2. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال "ونحب أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نفرنِط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان" 3. وقال: "ومن أحسنا القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه الطاهرات من كل
عدد الصفحات ٣٩٣دنس، وذريته المقدسين من كل رجز فقد برئ من النف اق" 4. وكان أبو حنيفة يقول: "مقام أحدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة واحدة خير من عمل أحدنا جميع عمره وإن طال" 5. ويشهد الإمام أبو حنيفة لمن شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم من الصحابة بالجنة __________ 1 الفقه الأكبر ص304. 2 الفقه الأبسط ص40. 3 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 57. 4 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص58. 5 مناقب أبي حنيفة للمكي ص76. (1/541) حنيفة وصاحبيه حيث قال: "وإن العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشرهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله حق وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، وهو أمين هذه الأمة رضي الله عنهم أجمعين" 1. دل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: " عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئت لسميت العاشر قال: فقالوا: من هو؟ قال: سعيد بن زيد " 2. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة" 3. __________ 1 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني صص58. 2 أخرجه أبو داود كتاب السنة باب في الخلفاء 5/39 ح4649" من طريق عبد الرحمن بن
عدد الصفحات ٣٩٤الأخنس عن سعيد بن زيد والترمذي كتاب المناقب باب مناقب عبد الرحمن بن عوف 5/648 ح3748" والحاكم في المستدرك3/440 كلاهما من طريق حميد بن عبد الرحمن عن سعيد بن زيد، قال الترمذي: "سمعت محمدا: يقول: "هو أصح من الحديث الأول". وقال الألباني: "صحيح". انظر تخريج الألباني على شرح العقيدة الطحاوية ص 550. 3 أخرجه أحمد في المسند 1/193. المذي كتاب المناقب باب مناقب عبد الرحمن بن عوف 5/647 ح3747" كلاهما من طريق عبد الرحمن بن حميد عن أبيه قال الألباني في صحيح الجامع 1/70: "صحيح" وكذا في تخريج الطحاوية ص551 وكذا في مشكاة المصابيح 3/1727. (1/542) هذههي عقيدة الإمام أبي حنيفة في الصحابة؛ فهو يحبهم جميعا، ويتولاهم ولا يفرط في محبة أحد منهم، ولا يذكرهم إلا بالخير. (1/543) المبحث الثاني: قول الإمام أبي حنيفة في المفاضلة بين عثمان وعلي رضي الله عنهما اتفق أهل السنة والجماعة على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها، أبو بكر الصديق رضي الله عنه ومن بعد أبي بكر عمر بن الخطاب وفي هذا يقول النووي: "اتفق أهل السنة والجماعة على أن أفضلهم أبو بكر ثم عمر" 1. وقال ابن الصلاح: "أفضلهم على الإطق أبو بكر ثم عمر" 2. ويقول ابن حجر الهيتمي: "اعلم أن الذي اتفق عليه عظماء الملة، وعلماء الأمة أن أفضل هذه الأمة أبو بكر الصديق ثم عمر رضي الله عنهما" 3. وقال القسطلاني: "إن أفضلهم على الإطلاق عند أهل السنة والجماعة إجماعا أبو بكر ثم عمر"4. ويقول ابن تيمية: "لم يختلف علماء الإسلام في تفضيل أبي بكر __________
عدد الصفحات ٣٩٥1 شرح مسلم 1/148. 2 مقدمة ابن الصلاح ص149. 3 الصواعق المحرفة ص57. 4 المواهب اللدنية7/36-39. (1/544) وعمر، وتقديمهما على جميع الصحابة. وهو قول مالك وأصحابه وأبي حنيفة وأصحابه ... ومن لا يحصى عدده..ممن له في الإسلام لسان صدق، كلهم يجزمون بتقديم أبي بكر وعمر" 1. وهذا ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة بل أجمعوا عليه2، ولكنهم اختلفوا في تفضيل عثمان على علين. وفي هذا يقول الشافعي: "وما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة، وإنما في علي وعثمان ونحن لا نخطنِئ واحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما فعلوا" 3. وقال الزركشي: "وإنما وقع الخلاف في التفضيل بين علي وعثمان 4. فجمهور أهل السنة على تقد عثمان على علين رضي الله عنهم أجمعين. وفي هذا يقول النووي: "وقال جمهورهم ـ يعني أهل السنة ـ ثم عثمان ثم علي" 5. وقال ابن الصلاح: "ثم إن جمهور السلف على تقديم عثمان على علين ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ6. وقال بعض أهل السنة في تقد علين على عثمان. __________ 1 منهاج السنة7/286-288. 2 حكى الإجماع الغزالي في الاقتصاد ص 154، ط دار الكتب العلمية، والأيجي في شرح المواقف 3/279. 3 الاعتقاد للبيهقي ص192. 4 الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة ص 61. 5 شرح مسلم للنووي 15/48. 6 مقدمة ابن الصلاح ص177، ط مكتبة الفارابي تحقيق د/ مصطفى البغا، الطبعة الأو1404هـ (1/545)
عدد الصفحات ٣٩٦وهذا يقول ابن كثير: "والعجب أنه قد ذهب بعض أهل الكوفة من أهل السنة إلى تقديم علين على عثمان، ويحكى عن سفيان الثوري، ولكن يقال إنه رجع عنه 1. ونقل مثله عن وكيع بن الجراح ونصره ابن خزيمة والخطابي وهو ضعيف مردود" 2. وروي هذا القول عن الإمام أبي حنيفة فقد أسندإليه ابن عبد البر في الانتقاء قوله: "الجماعة أن تفضل 3 أبا بكر وعمر وعليا وعثمان وما تتنقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ... " 4. وجاء في السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني أن نوح بن أبي مريم سأل أبا حنيفة عن مذهب أهل السنة فقال: "أن تفضنِل أبا بكر و عمر وتحب عليا وعثمان ... " 5. وجاء في مناقب أبي حنيفة للمكي: "كان أبو حنيفة يفضل أبا بكر على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم عمر، ثم يقول علين وعثمان". وقال ابن أبي العز: "وقد روي عن أبي حنيفة تقديم علين على عثمان رضي الله عنهما ولكن ظاهر مذهبه تقديم عثمان على علين، وعلى هذا عامة أهل السنة" 6. __________ 1 انظر فتح الباري7/16. 2 الباعث الحثيث ص183، ط دار الكتب العلمية 3 في الأصل: "أن فضل أبا بكر.." وهو غلط، والصواب ما أثبت لأن ما بعده مفعول به منصوب 4 ص63. 5 1/158. 6 شرح العقيدة الطحاوية ص 570. (1/546) فقوله روي بصيغة التمريض؛ وهي تشعر بعدم ثبوت هذه الرواية عن الإمام أبي حنيفة. ولعله قد استند على ما روي عن الإمام أبي حنيفة في غير ما موضع من أنه كان يفضل أبا بكر وعمر ويحب عليا وعثمان فقوله: "علي وعثمان" لا يقتضي تقديم علي على عثمان لأن الوار في اللغة العربية لمطلق الجمع، ولأن التقديم الذكري لا يستلزم التقديم في الفضل، فالذي استقر عليه الإمام أبو حنيفة
عدد الصفحات ٣٩٧هو تفضيل عثمان على علي دل على ذلك قوله: "وأفضل الناس بعد النبيين عليهم الصلاة والسلام أبوبكر الصديق ثم عمر بن الخطاب الفاروق ثم عثمان بن عفان ذو النورين ثم علي بن أبي طالب المرتضى رضوان الله تعالى عليهم أجمعين عابدين ثابتين على الحق ومع الحق نتولاهم جميعا" 1. ويقول: "ونقرن بأن أفضل هذه الأمة بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: أبو بكر الصديق ثم عمر عثمان ثم علي رضوان الله عليهم أجمعين" 2. وقال: "أفضل الناس بعد ر سول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان وعلين، ثم نكف عن جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بذكر جميلٍ" 3. وهذا ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه تفضيلا وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم لعثمان رضي الله عنه، ثم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهم __________ 1 الفقه الأكبر ص303-304. 2 الوصية مع شرحها ص 14. 3 كما في النور اللامع "ق-119-ب عنه. (1/547) الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون" 1. وهذا ما استقر عليه أئمة الفقه كالشافعي ومالك في إحدى الروايت وفي هذا يقول ابن تيمية: "وجمهور الناس فضلوا عثمان وعليه استقر أمر أهل السنة، وعليه أئمة الفقه كالشافعي وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك" 2. وحكى القاضي عياض رجوع الإمام مالك عن الوقف في تفضيل عثمان على علين. وفي هذا يقول الزرقاني: " حكى القاضي عياض عن مالك الرجوع عن الوقف إلى تفضيل عثمان وقال: إنه مشهور عن مالك والثوري وكافة أئمة الحديث والفقه وكثير من المتكلمين، وقال القرطبي: إنه الأصح عن مالك إن شاء الله" 3. وذكر ابن بدران في المدخل أن الإمام أحمد كان يفضل أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ويسكت، ثم ربع
عدد الصفحات ٣٩٨بعلي لما ثبت له صحة حديث ابن عمر ونقل عن الإمام أحمد قوله: "كنا نقول: أبو بكر وعمر وعثمان ونسكت حتى صح لنا حديث ابن عمر" 4. قال ابن بدران: "وأما الحديث الذي أشار إليه الإمام فإني كشفت عليه في المسند فلم أجده، ولست أدري هل فيه وزاغ عنه البصر فلم أجده؟! لكني وجدت أن الحافظ أبا القاسم ابن عساكر رواه في ترجمة __________ 1 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص57. 2 منهاج السنة8/197،225. 3 شرح الزرقا ني على المواهب اللدنية 7/38. 4 المدخل ص17،18. (1/548) أبكر الصديق رضي الله عنه من تاريخه الكبير عن ابن عمر قال: كنا نقول ورسول الله حي: أفضل هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي فيبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ينكر، وفي لفظ: ثم ندع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نفاضل بينهما، قال ابن بدران: وحيث أن الإمام أشار إلى صحة هذا الحديث تركنا الكلام عليه اكتفاء بتوثيق إمام المحدثين" 1. والحديث الذي رواه ابن عساكر أصله في صحيح البخاري ولفظه: "كنا نخير ب الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم" 2. ولخص شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب أهل السنة في المفاضلة بين عثمان وعلي بقوله: "ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضي الله عنه و عن غيره، من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان ويربعون بعلي رضي الله عنهم، كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة رضي الله عنهم على تقديم عثمان في البيعة، مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي رضي الله عنهما بعد اتفاقهم على تقديم أبى بكر وعمر أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان وسكتوا، أو ر بعوا بعلي، وقدم قوم عليا، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان" 3.
عدد الصفحات ٣٩٩فالمقصود أن تفضيل عثمان على علي هو ما كان عليه أئمة الفقه __________ 1 المدخل ص17،18. 2 أخرجه البخاري كتاب فضائ ل الصحابة باب فضل أبي بكر 7/16 ح3625" من طريق نافع عن ابن عمر. 3 مجموع الفتاوى 3/153. (1/549) وجمهور أهل السنة، ومن قال بخلاف ذلك فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار كما قال أيوب السختياني: "من لم يقدم عثمان على علين فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار" 1. __________ 1 مجموع الفتاوى 4/428؛ ومنهاج السنة8/225؛ قال ابن تيمية: "ولو لم يكن عثمان أحق بالتقديم وقدموه كانو ا إما جاهلين بفضله وإما ظالمين بتقديم المفضول من غير ترجيح ديني، ومن نسبهم إلى الجهل والظلم فقد أزرى بهم". (1/550) المبحث الثالث: قول الإمام أبي حنيفة فيمن يتنقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسبهم حرنم الله سبحانه وتعالى أن يؤذي المؤمن أخاه المؤمن بسبنٍ أو شتم أو غيبة أو همز أو لمز. قال تعا1." فتوعد الله الهمناز الذي يعيرن الناس، ويطعن عليهم بالإشارة أو بالفعل، وكذا اللمناز الذي يعيبهم بقوله1، بالويل وهو واد في جهنم يسيل من صديد أهل النار وقيحهم2، فمن آذى المؤمنين فقد أ إثما مبينا. وقال تعاماا اكْتاسابُوا فـاقادِ احْتامالُوا بهُْتااناً واإِثمْاً مُبِيناً "سورة الأحزاب: الآية58." فالوعيد الشديد والإثم الأكيد في حق من يؤذي أحدا من المؤمنين عموما بسبنٍ أو نحو ذلك، فكيف
عدد الصفحات ٤٠٠