المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

ب أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة بـ الشاملة ب

غير معروف

صفحة ٢٤ من ٣٢

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار __________ 1 أخرجه البخاري كتاب التفسير باب يثبت الله الذين آمنوا بالق ول الثابت 8/378 ح4699 من طريق سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب. (1/502) فمن أهل النار، فيقالهذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة" 1. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أما إنَّما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله ... " 2. فسؤال الملكين: منكر ونكير، والعذاب في القبر ونعيمه حق واجب شرعا لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أخبار يبلغ مجموعها مبلغ التواتر 3، وهو مقتضى الأدلة من الكتاب والسنة ومتفق عليه بين أهل السنة، قال النووي: "اعلم أن مذهب أهل السنة إثبات عذاب القبر وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة. قال الله تعاارُ يـُعْراضُونا عالا يـْهاا غُدُوناً واعاشِيناً 46." وتظاهرت به الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية جماعة من الصحابة مواطن كثيرة ولا يمتنع في العقل أن يعيد الله الحياة في جزء من الجسد ويعذبه ... إلى أن قال: "والمقصود أن مذهب أهل السنة إثبات عذاب القبر، كما ذكرنا خلافا للخوارج ومعظم المعتزلة وبعض المرجئة" 4. __________ 1 أخرجه البخاري كتاب الجنائز باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي 3/243 ح13789، ومسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب عرض مقعد الميت من الجنة أو ال نار 4/2199 ح2866 كا من طريق نافع عن عبد الله بن عمر. 2 أخرجه البخاري كتاب الوضوء باب من الكبائر ألا يستتر من بوله 1/317 ح216؛ ومسلم كتاب الطهارة باب الدليل على نجاسة البول 1/240،241 ح292 كلاهما من طريق مجاهد عن طاوس عن ابن عباس.

عدد الصفحات ٣٦٩

3 لوامع النوار2/5،23. 4 شرح مسلم للنووي 17/200،201. (1/503) وهذا هو ما عليه أبو حنيفة، دل على ذلكقوله: "سؤال منكر ونكير حق كائن في القبر، وإعادة الروح إلى جسد العبد في قبره حق، وضغطة القبر وعذابه حق كائن للكفار كلهم ولبعض عصاة المؤمنين" 1. وقال: "ونقرن بأن عذاب القبر كائن لا محالة، ونقر بأن سؤال منكر ونكير حق لورود الأحاديث" 2. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ونؤمن بملك الموت الموكنل بقبض أرواح العالمين، وبعذاب القبر لمن كان له أهلا، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضو ان الله عليهم، والقبر روضة من ريَض الجنة أو حفرة من حفر النيران" 3. قال الناصري الحنفي شارحا كلام الطحاوي: "وقد تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أه لا، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، فيجب الاعتقاد بثبوت ذلك. وأما قولهم بسؤال منكر ونكير للميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه، وقولهم بأن القبر روضة من ريَض الجنة أو حفرة من حفر النيران؛ فإنما قالوا ذلك بما تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك كله ولاتفاق الصحابة رضوان الله عنهم على ثبوته" 4. __________ 1 الفقه الأكبر ص306. 2 الوصية مع شرحها ص 23-24. 3 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص50. 4 النور اللامع "ق-110/ب (1/504)

عدد الصفحات ٣٧٠

المبحث الثالث: البعث يبعث الله الموتى من القبور، ويعيدهم معادا جسمانيا، بأن يجمع ما تفرق من أجسامهم، ثم ينشئهم نشأة أخرى، ثم يعيد أرواحهم 1. دل على ذلك قوله تعا فيِ الأارْضِ مُسْتـاقارٌّ واماتااعٌ إِلىا حِينٍ قاالا فِيهاا تحاْيـاوْنا وافِيها ا تَاُوتُونا وامِنـْهاا تخُْراجُونا "سورة الأعراف: الآيتان 24-25." وقوله تعا55." وقوله تعا يـابـْعاثُ مانْ فيِ الْقُبُورِ رة الحج: الآية7." وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق آدم وفيه يركنب " 2. __________ 1 انظر لوامع الأنوار2/157 بتصرف 2 أخرجه مسلم كتاب الفتن باب ما بين النفخت 4/2270 ح142" من طريق الأعرج عن أبي هريرة، وأخرجه ب لفظ آخر مقارب له البخاري كتاب التفسير باب ونفخ في الصور 8/551 ح4814" من طريق أبي صالح عن أبي هريرة (1/505) فالأدلة من الكتاب والسنة متضافرة على إثبات البعث والنشور وما بعده. هذا مقتضى الأدلة بل أجمع عليه المسلمون. قال الصابوني: "ويؤمن أهل السنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة، وبكل ما أخبر الله سبحانه من أهوال ذلك اليوم الحق، واختلاف العباد فيه والخلق فيما يرونه ويلقونه هنالك في ذلك اليوم الهائل، من أخذ الكتاب بالأيمان، والشمائل، والإجابة عن المسائل، إلى سائر الزلازل والبلابل الموعودة في ذلك اليوم العظيم، والمقام الهائل من الصراط، والميزان، ونشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير وغيرها" 1. وهذا هو ما عليه الإمام أبو حنيفة، دل على ذلك قوله: "نقر بأن يحيي هذه النفوس بعد الموت، ويبعثهم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة بالجزاء والثواب" 2. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال:

عدد الصفحات ٣٧١

"ونؤمن بالبعث، وجزاء الأعمال يوم القيامة3. قال حسين الحنفي شارحا كلام الإمام أبي حنيفة: "ونقر بأن الله يحيي هذه النفوس ... "، قال: "أجمع المسلمون على أن الله يحيي الأبدان بعد موتها، ويبعث الموتى من القبور، ومن أجواف الوحوش، ومن حواصيل الطيور، بأن يجمع أجزاءهم الأصلية بعد إعادة ما فني منها بعينه، ويعيد الأرواح إليها، وهذا هو النشء، ثم يسوقهم إلى الموقف، وهذا هو __________ 1 عقيدة السلف أصحاب الحديث ص60،61. 2 الوصية مع شرحها ص 30. 3 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 51. (1/506) الحشر، فيجزيهم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر" 1. وقال الناصري شارحا كلام الطحاوي: "فقالوا: ونؤمن بالبعث بعد الموت، والأخبار الصادرة عن الصدق، وهي الكتب السماوية والرسل الذين قامت على حقنينتهم الآيَت المعجزة لكافة الخليقة ... فنطقت الكتب السماوية كلها بقيام الساعة، وبعث أهلها بعد موتهم وفنائهم، وكذلك نطقت الرسل والأنبياء كلهم جميعا بالبعث بعد الموت، ودلت الحكمة على تحقيق ذلك، وأنه لولا البعث لكان خلق السموات والأرض للعبث؛ إذ كان يكون الإيجاد والإعدام والبناء للهدم بلا عاقبة وذلك سفه وتعالى الله أن يكون صنعه سفها" 2. __________ 1 شرح كتاب الوصية ص 30. 2 النور اللامع ق-111/أ (1/507) المبحث الرابع: أحوال اليوم الآخر وبعد البعث والنشور، وما يكون فيه من أهوال وشدائد، يحشر الخلائق، وتعرض الأعمال، وتوزن في

عدد الصفحات ٣٧٢

الميزان، ثم المرور على الصراط، ثم إلى نعيم مقيم في الجنان، أو عذاب في النيران. وإليك بعض الأدلة مع ذكر نصوص أبي حنيفة وبعض أصحابه في ذلك. فأما الجزاء فدليله قول الله تعانْ جااءا باِلحْاساناةِ فـالاهُ عاشْرُ أامْثاالهِاا وامانْ جااءا باِلسَّينِئاةِ فالا يجُْزاى إِلاَّ مِثـْلاهاا واهُمْ لا يُظْلامُونا160." وقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عزَّ وجلَّ: "يَ عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفنيكم إيَها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" 1. وأما العرض والحساب فدليلهما قول الله تعا الآية18." وقوله تعادالٍ أاتـايـْناا بهِاا واكافاى بِناا حااسِبِينا 47." __________ 1 أخرجه مسلم كتاب البر والصلة والآداب باب تحريم الظلم 4/1994 ح2577" من طريق أ إدريس الخولاني عن أبي ذر. (1/508) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من حوسبعذنِب " فقالت عائشة: يقول الله تعا حِسااباً ياسِيراً 8." قالت فقال: "إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك " 1. وأما الميزان فدليله قوله تعا مانْ خافَّتْ ماواازِينُهُ فاأُمُّهُ هااوِياةٌ واماا أادْرااكا ماا هِياهْ ناارٌ حاامِياةٌ ت 6-11." وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إ الرحمن: سبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده" 2. وأما الصراط فدليله قوله تعا نـُناجنِي الَّذِينا اتـَّقاوْا واناذارُ الظَّالِمِينا فِيهاا جِثِينا 71-72." وقول النبي صلى الله عليه وسلم ـ حين سُئل أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال: " هم في الظلمة دون الجسر" 3. __________

عدد الصفحات ٣٧٣

1 أخرجه البخاري كتاب العلم باب من سمع شيئا فراجع حتى يعرف 1/196،197 ح103" من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة ومسلم كتاب الجنة باب إثبات الحساب 4/2005 ح80" من طريق ابن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة. 2 أخرجه البخاري كتاب الدعوات باب فضل التسبيح 11/206 ح6406" ومسلم كتاب الذكر والدعاء باب فضل التهليل 4/2072 ح2694" كلاهما من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة 3 أخرجه مسلم كتاب الحيض باب بيان صفة منين الرجل والمرأة1/252 ح315" من طريقأبي أسماء الرحبي عن ثوبان. (1/509) وأما الحوض فدليله قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا فرطكم على الحوض" 1. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن قادْرا حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء" 2. أما الجنة والنار فأدلتهما من الكتاب والسنة لا تحصى؛ من ذلك قوله تعا هُمْ فِيهاا خاالِدُونا: الآية42." وقوله تعا36." وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء: "إني رأيت الجنة ... ورأيت النار3. أما رؤية المؤمنين لربهم في الجنة؛ فدل عليها قوله تعامائِذٍ نااضِراةٌ إِلىا رابهنِاا نااظِراةٌ القيامة: الآيتان 22-23." وقوله تعا22،23." وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أهل الجنة الجنة قال يقول الله تبارك __________ 1 أخرجه البخاري كتاب الرقائق باب في الحوض 11/463 ح6575" من طريق شقيق عن عبد الله ومسلم كتاب الفضائل باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته 4/1792 ح2289" من طريق عبد الملك بن عمير عن جندب 2 أخرجه ال بخاري كتاب الرقائق باب في الحوض 11/463-464 ح6580" ومسلم كتاب الفضائل باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم 4/800 ح2303" من طريق ابن شهاب

عدد الصفحات ٣٧٤

عن أنس بن مالك 3 أخرجه البخاري كتاب الكسوف باب صلاة الكسوف جماعة 2/540 ح1052" ومسلم كتاب الكسوف باب ما عرض على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخسوف من أمر الجنة والنار 2/626 ح907" كلاهما من طريق عطاء عن ابن عباس (1/510) وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: أ تبينِض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عزَّ وجلَّ" 1. قال الإمام أبو حنيفة: "ويبعثهم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة بالجزاء والثواب" 2. وقال: "والقصاص فيما بين الخصوم بالحسنات يوم القيامة حق" 3. وقال: "ونقر بأن قراءة الكتاب يوم القيامة حق، لقوله تعا حاسِيباً سورة الإسراء: الآية14 "4. وقال: "ووزن الأعمال بالميزان يوم القيامة حق5. وقال: "ونقر بأن الميزان حق لقوله تعاضاعُ الْماواازِينا الْقِسْطا لِيـاوْمِ الْقِيااماةِ الآية47 " ...6. وقال: "وحوض النبي عليه الصلاة والسلام حق7. وقالوالجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان، ولا تَوت الحور العين أبدا" 8. وقال: "ونقر بأن أهل الجنة في الجنة خالدون، وأهل النارفي النار __________ 1 أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعا 1/163 ح181" من طريق عبد الرحمن بن أ ليلى عن صهيب. 2 كتاب الوصية مع شرحها ص 305. 3 الفقه الأكبر ص305. 4 الوصية مع شرحها ص 28. 5 الفقه الأكبر ص305. 6 الوصية مع شرحها ص 26.

عدد الصفحات ٣٧٥

7 الفقه الأكبر ص305. 8 الفقه الأكبر ص305. (1/511) خالدون؛ لقوله تعالى في حق المؤمنلائِكا أاصْحاابُ الجْانَّةِ هُمْ فِيهاا خاالِدُونا الآية42." وفي حق الكافرين36" ... "1. وقال: "والله تعالى يُرى في الآخرة، ويراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم، بلا تشبيه ولا كيفية" 2. وقالونقر بأن لقاء الله تعالى حق بلا كيفية" 3. وقال الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه: "ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب، والصراط والميزان، والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبداً ولا تبيدان" 4. وقال: "والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثا لأمته حق5. وقال: "والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا إِلىا رابهنِاا نااظِراةٌ الآيتان 22-23 "6. __________ 1 الوصية مع شرحها ص 33. 2 الفقه الأكبر ص304. 3 الوصية مع شرحها ص 31. 4 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص51. 5 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص30. 6 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص26. (1/512)

عدد الصفحات ٣٧٦

الفصل الثالث: القدر توطئة وفيه المباحث التالية: المبحث الأول: كراهية الخوض في القدر عند الإمام أبي حنيفة. المبحث الثاني: مراتب القدر. المبحث الثالث: أفعال العباد. المبحث الرابع: الطوائف المنحرفة في القدر ورد الإمام أبي حنيفة عليها. (1/513) توطئة الإيمان بالقدر جانب مهم من جوانب العقيدة الإسلامية؛ كيف لا وهو الر كن السادس من أركان الإيمان، كما في حديث جبريل: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" 1. وقد دلن على وجوب الإيمان بالقدر نصوص قرآنية كثيرة، منها قوله تعا { : بِقادارٍ49." وقال تعاسورة الحديد: الآية22." والإيمان بالقدر يدخل ضمن توحيد الأسماءوالصفات؛ إذ هو مبني على الإيمان بصفات الله كالعلم والقدرة والإرادة. قال ابن القيم في الكافية الشافية 2: "وحقيقة القدر الذي حار الورى في شأنه هو قدرة الرحمن واستحسن ابن عقيل ذا من أحمد لما حكاه عن الرضا الرباني وكذا يدخل ضمن الإيمان بربوبية الله على خلقه؛ إذ أن من آمن بأن الله هو الخالق المدبر المتصرف في شؤون خلقه كلها، ف هو مؤمن بقضائه وقدره. __________

عدد الصفحات ٣٧٧

1 تقدم تخريجه ص461. 2 2 مع توضيح المقاصد (1/515) فايمان بالقدر وربوبية الله يدخلان ضمن توحيد الأسماء والصفات، وذلك أن الرب اسم من أسماء الله، والربوبية والقدرة والعلم والإرادة من صفات الله العليا. ولفظ القدر قد يراد به التقدير، وقد يراد به المقدر. فإذا أردت أن أفعال العباد نفس تقدير الله الذي هو علمه وكلام ه ومشيئته ونحو ذلك من صفاته فهذا غلط وباطل، وإن أردت أنَّا مقدَّرة لله تعالى فهذا حق؛ فإنَّا مقدرة كما أن سائر المخلوقات مقدرة 1. وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال وعرشه على الماء" 2. فالله سبق علمه بكل مخلوق وقدره، وكتب ذلك في إمام مبين، ثم شاء وخلق وقدر وجوده على وفق ما قدره، لا يخرج عن ذلك شيء، لا أفعال الإنسان ولا غيرها، سواء كان ت هذه الأفعال خيرا أو شرا، طاعة أو معصية. كما لا يخرج عن ذلك ما يصيب الإنسان وما يقع في ا لكون من أحداث، فإذا آمن العبد بهذا كله علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. __________ 1 مجموع الفتاوى 8/410. 2 أخرجه مسلم كتاب القدر باب حجاج آدم و موسى عليهما السلام 4/2044 ح2653 من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص. (1/516) المبحث الأول: كراهية الخوض في القدر عند الإمام أبي حنيفة تقدم ذكر النصوص الشرعية التي تدل على أن القدر أصل من أصول الإيمان، ولهذا تكلم السلف في بيان هذا الأصل ومراتبه وضرورة الإيمان به وآثار هذا الإيمان، ولهم في هذا كتب ورسائل، بل قلما تجد عالما إلا وينص على هذه المسألة في عقائدهم، بيانا للحق وردا للباطل في هذا الباب الذي عظم

عدد الصفحات ٣٧٨

فيه الاضطراب، حتى يكون الناس على بصيرة من أمر دينهم. ومع هذا فقد وردت نصوص شرعية فيها الأمر بالإمساك عن القدر والنهي عن الخوض فيه، ونبنه العلماء عند ذكر هذا الأصل على ذلك، ومما ورد في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا ذكر أصحابي فأمسكوا وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا وإذا ذكر القدر فأمسكوا" 1. __________ 1 أخرجه الطبراني في الكب 10/243-244 وأبو نعيم في الحلية4/108 كلاهما من طريق أ وائل عن ابن مسعود واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل الس نة والجماعة 1/126،7/1250، وابن عدي في الكامل 7/2490، كلاهما من طريق أبي قلابة عن ابن مسعود وابن عدي في الكامل 6/2172 والسهمي في تاريخ جرجان ص 357-358، كلاهما من طريق عطاء عن ابن عمر والطبراني في الكبير 2/96، من طريق الأشعث عن ثوبان، قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/42-46 "حسن لغيره (1/517) وقوله صلى الله عليه وسلم للصحابة لما تنازعوا في القدر: "عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه" 1. وأخرج الإمام أ د عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم والناس يتكلمون في القدر، فكأنما تفقنأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال لهم: ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض، بهذا هلك من كان قبلكم" 2. ومما يجب أن يعلم أن الإمساك عن القدر، وترك الخوض فيه، ليس بترك البحث فيه بإحقاق الحق وإبطال الباطل، فهذا من أهم مهام الدين، ومن العلم النافع. بل المراد من الإمساك الذي أمرنا به، والخوض الذي نَّينا عنه التعمق في القدر، ومحاولة معرفته عن طريق العقل. فالعقل قاصر محدود لا يمكن أن يكتشف الغيب، ويطلع على المجهول الذي استأثر الله بعلمه، وليس أمامه إلا التسليم والإيمان بما __________ 1 أخرجه الترمذي كتاب القدر باب ما جاء في التشديد في الخوض في القدر 4/443 ح2133 من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة قال الترمذي: "وهذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه" قال الألباني في تعليقه على المشكاة 1/36 "قلت لكن يشهد له الذي بعده" قلت: يشير إلى ما رواه

عدد الصفحات ٣٧٩

أحمد في المسند2/181 وابن ماجه1/33، كلاهما من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن ج ده قال البوصيري عنه: "إسناده صحيح" إذن فالحديث بشواهده المتقدمة حسن. 2 أخرجه أحمد في المسند 2/178،وابن ماجه في المقدمة باب في القدر ح85، كلاهما من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال البوصيري في الزوائد:هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. (1/518) يطلعه الله عليه من أمور الغيب، عن طريق الرسل، ويمسك عن الخوض فيما استأثر الله بعلمه. وكذا عن الخوض بالباطل. الاعتراض على الله لم قدر كذا؟ ولم فعل كذا؟ ولم أمر بكذا؟ ولم ينهى عن كذا؟ وهذا مناف للعبودية القائمة على التسليم والاستسلام لله وحده 1. قال الآجري: "باب ترك البحث والتنقير عن النظر في أمر القدر بكيف؟ ولم؟ بل الإيمان به والتسليم، ثم قال بعد ذلك: فهذا طريق أهل العلم: الإيمان بالقدر خيره وشره، واقع من الله عزَّ وجلَّ بمقدور، يضل من يشاء، ويهدي من يشاءلأنبياء: الآية23 ... " 2. وقال ابن بطة: "باب ما أمر الناس به من ترك البحث والتنقير عن القدر والخوض والجدال فيه"، ثم قال بعد ذلك: "فجميع ما قد رويناه في هذا الباب يلزم العقلاء الإيمان بالقدر، والرضا والتسليم لقضاء الله وقدره، وترك البحث والتنقير وإسقاط. لم، وكيف وليست، ولولا، فإن هذه كلها اعتراضات من العبد على ربه، ومن الجاهل على العالم، معارضة المخلوق الضعيف الذليل على الخالق القوي العزيز، والرضا والتسليم طريق الهدى، وسبيل أهل التقوى، ومذهب من شرح الله صدره للإسلام، فهو على نور من ربه فهو يؤمن بالقدر كله خير ه وشره، وأنه واقع بمقدور الله جرى، ومن يعلم أن الله يضل من يشاء لا يسأل عما يفعل وهم __________ 1 انظر شرح ا لعقيدة الطحاوية ص266 بتصرف 2 كتاب الشريعة ص235. (1/519)

عدد الصفحات ٣٨٠

يسألون ... " 1. وقال ابن عبد البر: "والقدر سر الله، لا يدرك بجدال ولا يشفي منه مقال، والحجاج فيه مرتجة لا يفتح شيء منها إلا بكسر شيء وغلقه، وقد تظاهرت الآثار، وتواترت الأخبار فيه عن السلف الأخيار الطيبين الأبرار بالاستسلام والانقياد والإقرار بأن علم الله سابق ولا يكون في ملكه إلا ما يريد رابُّكا بِظالاَّمٍ لِلْعابِيدِ 46"2. وقال ابن أبي العز الحنفي: " وأكبر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الأمة مسألة القدر وقد اتسع الكلام فيها غاية الاتساع وقوله: فمن سأل لم فعلت؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين، اعلم أن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع ... ولهذا كان سلف هذه الأمة التي هي أكمل الأمم عقولا ومعارف وعلوما لا تسأل نبيها: لم أمر الله بكذا؟ ولم نَّى عن كذا؟ ولم قدر كذا؟ ولم فعل كذا؟ لعلمهم أن ذلك مضاد للإيمان والاستسلام وأن قدم الإسلام لا تثبت إلا على درجة التسليم" 3. وعلى هذا المنهج سار الصحابة والتابعون وتابعوهم في النهي عن الخوض في القدر، فقد سئل علي رضي الله عنه عن القدر فقال: "طريق مظلم فلا تسلكه، ثم قال السائل: أخبرني عن القدر فقال: بحر عميق فلا __________ 1 الإبانة2/411. 2 التمهيد6/13،14. 3 شرح العقيدة الطحاوية ص 266،267. (1/520) تلجه، قال السائل: أخبرني عن القدر قال: سر الله فلا تكلنفه" 1. وكذا سئل ابن عمر عن القدر: فقال: "شيء أراد الله عزَّ وجلَّ ألا يطلعكم عليه؛ فلا تريدوا من عزَّ وجلَّ ما أبى عليكم" 2. وقال وهب بن منبه: "نظرت في القدر فتحيرت، ثم نظرت فتحيرت، ووجدت أعلم الناسلقدر أكفهم عنه، وأجهل الناس بالقدر أنطقهم فيه" 3.

عدد الصفحات ٣٨١

وجاء رجل إلى الإمام أبي حنيفة يجادله في القدر فقال له: "أما علمت أن الناظر في القدر كالناظر عين الشمس كلما ازداد نظرا يزداد تحيرنا" 4. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: " وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلَّم الحرمان ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر على أنامه، ونَّاهم عن مر امه كما قال تعالى في كتابه يُسْأالُ عا مَّا يـافْعالُ واهُمْ يُسْأالُونا23." __________ 1 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/629، وكتاب الشريعة ص 240. 2 الشريعة ث235 والإبانة لابن بطة2/408. 3 شرح الفقه الأكبر للقاري ص 69. 4 قئد عقود العقيان "ق77ب (1/521) فمنسأل لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين" 1. __________ 1 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص32،33. (1/522) المبحث الثاني: مراتب القدر الإيمان بالقدر يقوم على أصول ومراتب يقينية، تقوم عليها معاني القضاء والقدر، فلا يتم الإيمان بالقدر إلا بمعرفتها والإيمان بها. وفيما يلي ذكر هذه المراتب مع الاستدلال لها: المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء والسابق لكل شيء. المرتبة الثانية: الإيمان بكتابه الذي اشتمل على كل ما سيكون. المرتبة الثالثة: الإيمان بأن الله خالق كل شيء.

عدد الصفحات ٣٨٢

المرتبة الرابعة: الإيمان بمشيئة الله وقدرته العامة على كل شيء فهو المتفرد بالخلق والإيجاد 1. قال شيخ الإسلام: "وتؤمن الفرقة الناجية ـ أهل السنة والجماعة ـ بالقدر خيره وشره، والإيمان بالقدر على درجتين تتضمنان شيئين. فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات __________ 1 انظر شفاء العليل ص55 بتصرف. ط/ دار الكتب العلمية (1/523) واعاصي والأرزاق والآجال ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق ... وأما الدرجة الثانية فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشية الله سبحانه وتعالى، لا ي كون في ملكه إلا ما يريد وأنه سبحانه وتعالى على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات. فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه لا خلاق غيره ولا رب سواه" 1. دل على المرتبة الأولى والثانية قوله تعاا فيِ السَّمااءِ واالأارْضِ إِنَّ ذالِكا فيِ كِتاابٍ إِنَّ ذالِكا عالاى اللََِّّ ياسِيرٌ 70." وقوله تعا59." وقوله تعالنِ شايْءٍ عِلْماً 12." وقوله تعا}12." ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما منكم أحد إلا وقد كتب الله مقعده من الجنة ومقعده من النار، فقالوا يَ رسول الله أفلا نتكل؟ فقال اعملوا فكل ميسر ثم قرأ واصادَّقا باِلحُْسْنىانـُياسنِرُهُ لِلْعُسْراى 5-10 " ...2. __________ 1 مجموع الفتاوى 3/148،148. 2 أخرجه البخاري كتاب التفسير باب تفسير سورة الليل 8/807 ح44945؛ ومسلم (1/524)

عدد الصفحات ٣٨٣

وقوله صلى الله عليه وسلم: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأر ض بخمسين ألف سنة" 1. ودل على المرتبة الثالثة والرابعة قوله تعا47." وقوله تعا أُمَّةً وااحِداةً 118." وقوله تعاهُ إِذاا أاراادا شايْئاً أانْ يـاقُولا لاهُ كُنْ فـاياكُونُ 82." وقوله تعا29." وقوله تعا خاالِقُ كُلنِ شايْءٍ 62." وقوله تعا شايْءٍ فـاقادَّراهُ تـاقْدِيراً2." ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء" 2. فلا يكون العبد مؤمنا بالقدر حتى يؤمن بهذا كله. وفي بيان المرتبة الأولى وهي علم الله المحيط بكل شيء، يقول الإمام أبو حنيفة: "وكان الله __________ = كتاب القدر باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه 4/2039 ح2648، كلاهما من طريق أبي عبد الرحمن عن علي بن أبي طالب. 1 تقدم تخريجه ص516. 2 أخرجه مسلم كتاب القدر باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء 4/2045 ح2654 من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص. (1/525) تعا عالما في الأزل بالأشياء قبل كونَّا" 1. وقال: "يعلم الله تعالى المعدوم في حال عدمه معدوما، ويعلم أنه كيف يكون إذا أوجده، ويعلم تعالى الموجود في حال وجوده موجودا، ويعلم كيف يكون فناؤه" 2. وقرر الطحاوي هذا في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أحنيفة وصاحبيه حيث قال:

عدد الصفحات ٣٨٤