المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

ب أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة بـ الشاملة ب

غير معروف

صفحة ٢١ من ٣٢

وامُقاصنِرِينا لا تخااافُونا فـاعالِما ماا لماْ تـاعْلامُوا فاجاعالا مِنْ دُونِ ذالِكا فـاتْحاً قارِيباً 27." __________ 1 كتاب الشريعة ص136. 2 انظر هذه الأدلة في كتاب الشريعة ص 136-140؛ وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 3/965-985. (1/429) وقوله تعا ياشااءا اللََُّّ وااذْكُرْ رابَّكا إِذاا ناسِيتا واقُلْ عاساى أانْ يـاهْدِيانِ رابينِ لأاقـْرابا مِنْ هاذاا راشادا 23-24." أما من السنة النبوية فحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل فيقول: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" 1. وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قال رسول صلى الله عليه وسلم "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا" 2. وورد الاستثناء عن بعض الصحابة والتابعين من ذلك ما رواه أو عبيد القاسم بن سلام: "أن رج قال عند ابن مسعود: أنا مؤمن فقال ابن مسعود: أأنت من أهل الجنة؟ فقال: أرجو، فقال ابن مسعود: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الأخرى" 3. وروى اللالكائي عن جرير بن عبد الحميد قال: "كان الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد وعمارة بن القعقاع والعلاء بن المسييب __________ 1 أخرجه م سلم كتاب الجنائز باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها 2/669 ح102 " من طريق عطاء ابن يسار عن عائشة. 2 أخرجه البخاري كتاب الدعوات باب لكل نبي: دعوة مستجابة 11/96 ح304" من طريق الأعرج عن أبي هريرة، ومسلم كتاب الإيمان باب اختيار النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الشفاعة

عدد الصفحات ٣٢١

لأمته1/188 ح334" من طريق أبي سلمة بن عبد الله عن أبي هريرة 3 كتاب الإيمانللقاسم بن سلام ص67. (1/430) وابن شبرمة1 وسفيان الثوري وحمزة الزيَت يقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله ويعيبون على من لا يستثني" 2. وروى الآجري عن الفضل بن زيَد قالسمعت أبا عبد الله ـ أحمد بن حنبل ـ يقول: إذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله فليس بشاك، قيل له: إن شاء الله أليس هو شك فقال: معاذ الله أليس قد قال الله عزَّ وجلنْ شااءا اللََُّّ27." وفي علمه أنَّم يدخلونه، وصاحب القبر إذا قيل له: وعليه تبعث إن شاء الله فأي شك ها هنا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" 3 " ...4. إلى غير ذلك من الأدلة الصريحة، فالمقصود أن من أوجب الاستثناء مطلقا؛ فقد بالغ في إثبات الاستثناء وأفرط في ذلك، ومن حر م الاستثناء مطلقا واستند إلى دعوى لم تصح وهي أن الإيمان عبارة عن التصديق القلبي فحسب؛ فقد غالط وخالف النصوص وفرق. وأما من يوجبه في حال ويمنعه في حال آخر؛ فهو أسعد الناس بالدليل لحرصه على مسايرة النصوص الشرعية واتباع ما تدل عليه دون إفراط ولا تفريط. __________ 1 هو عبد الله بن شبرمة بضم المعجمة وسكون الموحدة وضم الراء ابن الطفيل بن حسان الض الكوفي قال عنه ابن حجر: "أبو شبرمة الكوفي القاضي ثقة فقيه من الخامسة مات سنة أربع وأربعين ومائة". تقريب التهذيب 1/422. وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب5/250. 2 شرح أصول ا عتقاد أهل السنة والجماعة 3/979. 3 تقدم تخريجه 4 كتاب الشريعة ص138. (1/431)

عدد الصفحات ٣٢٢

الفصل الرابع: علاقة الإسلام بالإيمان اختلف الناس في مسمى الإيمان والإسلام على مذاهب: أحدها: أن الإسلام والإيمان شيء واحد وهما مترادفان، وهذا قول البخاري على ما قاله الحافظ ابن حجر في الفتح 1 والمز2، والمروزي3، وابن مندة4، وابن عبد ال5 والبغوي6 وأبو يعلى7. الثاني: التفريق بين الإسلام والإيمان، فالإسلام الكلمة، والإيمان العمل. وهذا قول الزهري 8. __________ 1 فتح الباري1/114. 2 مسند أبي عوانة1/49. 3 تعظيم قدر الصلاة1/418،2/506،535. 4 الإيمان لابن مندة1/321. 5 التمهيد9/247-250. 6 شرح السنة 1/10. 7 مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص429. 8 مختصر سنن أبي داود7/49. (1/433) الثالث: قول طائفة أجابوا بما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن اسلام والإيمان، حيث فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالإيمان بالأصول الستة، ذكره ابن أبي العز 1 و ينسبه لأحد. الرابع: ان النسبة بين الإسلام والإيمان عموم وخصوص مطلق. فالإسلام أعم مطلقا والإيمان أخص مطلقا، وذلك أن الإسلام اسم لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسم لما بطن من الاعتقاد كما في حديث جبريل. فدل على أن المسلم قد يكون مؤمنا. وقد لا يكون مؤمنا أما المؤمن فهو مسلم في جميع الأحوال، فالمسلم أعم مطلقا والمؤمن أخص مطلقا. فكل مؤمن مسلم ولا عكس إذ يجوز أن يكون مسلما ولا يكون مؤمنا. وإليه ذهب الإمام أبو سليمان الخطابي 2. الخامسأن الإيمان والإسلام يتفقان في موطن إذا أفردا ويختلفان في موطن آخر إذا ذكرا معا، فقد

عدد الصفحات ٣٢٣

يطلق الإسلام ويراد به ما يشمل الإيمان، ويطلق الإيمان ويراد به ما يشمل الإسلام كذلك، وقد يذكر الإسلام ولا يراد به الإيمان وقد يطلق الإيمان ولا يراد به الإسلام. وحاصل هذا المذهب أن الإسلام والإيمان إذا افترقا اجتمع مدلولهما، وإذا اجتمعا اختلف مدلولهما، وهذا قول أبي بكر الإسماعيلي 3 وابن الصلاح4 وشيخ الإسلام5 وابن رجب 6 وابن __________ 1 شرح العقيدة الطحاوية ص 382. 2 مختصر سنن أبي داود7/49،50.. 3 جامع العلوم والحكم 1/64. 4 شرح مسلم للنووي 1/147-148. 5 انظر كتاب الإيمان ص 246،257. 6 جامع العلوم والحكم1/67،72. (1/434) أبي العز1. أما أبو حنيفة فهل الإسلام والإيمان عنده بمعنى واحد؟ أم أن أحدهما غير الآخر؟ فالذي ورد في الفقه الأكبر برواية ابنه حماد ما حاصله أن الإسلام والإيمان بينهما فرق من ناحية اللغة، فالإسلام هو التسليم والانقياد لأوامر الله، والإيمان هو التصديق كما تقدم تقرير مذهبه، فيطلق الإسلام على الأعمال ظاهرة والإيمان على التصديق. وأما من ناحية الشرع فبين الإسلام والإيمان تلازم فلا يوجد إسلام بلا إيمان ولا إيمان بلا إسلام. قال أبو حنيفة: "والإسلام هو التسليم والانقياد لأوامر الله تعالى، فمن طريق اللغة فرق بين الإسلام والإيمان، ولكن لا يكون إيمان بلا إسلام، ولا يوجد إسلام بلا إيمان فهما كا لظهر مع البطن. والدين اسم واقع على الإيمان والإسلام والشرائع كلها 2 "3. وهذا يدلدلالة صريحة على المغايرة بين مسمى الإيمان والإسلام في اللغة لكنهما في الشرع متلازمان. هذا وقد شرح المغنساوي كلام الإمام أبي حنيفة هذا على وفق ما تقدم ذكره وكذا القاري 4. __________ 1 شرح العقيدة الطحاوية ص 383-384.

عدد الصفحات ٣٢٤

2 الفقه الأكبر ص304،305. 3 لم أقف على مثلهذا الكلام في الكتب الأخرى عن أبي حنيفة، ومن المعلوم أن الفقه الأكبر لم يثبت أن كل ما فيه من كلام أبي حنيفة رحمه الله تعالى ولا سيما مثل هذه المباحث الكلامية الدقيقة الغامضة التي لم تكن في الصدر الأول، وإنما وجدت بعد تطور التأليف والتدوين في علم الكلام والتفريعات والتخريجات على كلام الأئمة. 4 شرح الفقه الأكبر ص 130،131. (1/435) وزاد المغنساوي قائلا في شرح كلام أبي حنيفة: "ولا يوجد إسلام بلا إيمان: لأن ا لإسلام هو التسليم والانقياد لأوامر الله تعالى وذلك لا يوجد إلا بعد التصديق والإقرار، فلا يعقل بحسب الشرع مؤمن ليس بمسلم، أو مسلم ليس بمؤمن، وهذا مراد القوم بترادف الاسمين واتحاد المعنى" 1. قلت: مراده بالقوم هاهنا الحنفية الماتريدية ومعنى ترادف الاسمين مع اتحاد المعنى أن يكون لمسمى واحد اسمان فما فوق. قال الجرجاني: "الترادف عبارة عن الاتحاد في المفهوم وقيل: ه و توالي الألفاظ المفردة على شيء واحد باعتبار واحد" 2. أما الحنفية الماتريدية فنجد بعضهم يصرح بأن الإسلام والإيمان مترادفان: منهم أبو المعين النسفي فقد قال: "فصل. وإذا عرف أالإيمان هو التصديق؛ عُرف أن الإيمان والإسلام واحد. والاسمان من قبيل الأسماء المترافة وكل مسلم مؤمن وكل مؤمن مسلم" 3. ونرى بعضهم يصرح بأنَّما واحد، كنور الدين الصابوني فقد قال: "ثم إن الإسلام والإيمان واحد عندنا خلاف أصحاب الظواهر وذلك أن الإيمان تصديق الله تعالى فيما أخبر من أمره ونواهيه والإسلام هو الانقياد __________ 1 شرح الفقه الأكبر ل لمغنساوي ص35. يعني المغنساوي أن المراد من الترادف الواقع في كلام أ حنيفة ليس هو الترادف الاصطلاحي وهو كون الاثنين لمسمى واحد كالأسد والغضنفر لهذا الحي وان المفترس، بل يقصد أبو حنيفة بالترادف التلازم بمعنى أن الإيمان لا ينفك عن الإسلام وهما متلازمان في الو جود شرعا وإن كان بينهما اختلاف في المفهوم لغة.

عدد الصفحات ٣٢٥

2 التعريفات ص77، ط / دار الكتاب العر 3 تبصرة الأدلة ص341/أ (1/436) والخضوع للألوهية فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكما فلا يتغايران 1. وعمر النسفي فقد قال: "والإيمان والإسلام واحد" 2. وقال التفتازا3 في تعليل هذا القول: عين ما نقلت عن الصابوني آنفا وهكذا عبد الله النسفي فقد صرح بأنَّما واحد، وقال في تفسيره لقوله تعا غا يرْا بـايْتٍ مِنا الْمُسْلِمِينا 35-36." قال: "وفيه دليل على أن الإسلام والإيمان واحد4. والذي يظهر لي أن هؤلاء الذين قالوا بالترادف لا يقصدون الترادف الاصطلاحي بمعنى أن الإسلام والإيمان اسمان لمسمى واحد، بل يقصدون أن الإسلام والإيمان في الشرع لا ينفك أحدهما عن الآخر، فهما متلازمان. وهذا يوافق ما قاله أبو حنيفة في الفقه الأكبر، ولذلك قال المغنساوي في التوفيق بين قول من قال بالترادف ومن قال بالتلازم: "وهذا مراد القوم بترادف الاسمين واتحاد المعنى" 5. وقد علمنا مما تقدم من قول الصابوني، وشارح الفقه الأكبر المغنساوي أن معنى ترادف الإسلام والإيمان كونَّما متلازمين، فيرجع هذا القول في المعنى إلى ما تقدم عن الإمام أبي حنيفة من التغاير مع التلازم بين الإسلام والإيمان. أما ما ذكره أبو المعين النسفي فلا يتفق مع مذهب __________ 1 البداية ص157. 2 العقيدة النسفية مع شرحها للتفتازاني ص 128 ط/ الهندية 3 العقيدة النسفية مع شرحها للتفتازاني ص 128. 4 مدارك التنزيل3/419. 5 شرح الفقه الأكبر للمغنساوي ص 35. (1/437)

عدد الصفحات ٣٢٦

أبي حنيفة ويلزم منه على قوله أن الإيمان هو التصديق، وأن الإسلام كذلك هو التص ديق. قال ابن أبي العز في مناقشة القول بأن الإسلام والإيمان مترادفان: "وطائفة جعلوا الإسلام مرادفا للإيمان ... مع أنَّم قالوا: إن الإيمان هو التصديق بالقلب ثم قالوا: الإسلام والإيمان شيء واحد فيكون الإسلام هو التصديق، وهذا لم يقله أحد من أهل اللغة وإنما هو الانقياد والطاعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم لك أسلمت وبك آمنت" 1 " ...2. واستدل أبو المعين النسفي بما 1- قوله تعا85." 2- قوله تعاينا عِنْدا اللََِّّ الأِسْلامُ19." 3- قوله تعاأاخْراجْناا مانْ كاانا فِيهاا مِنا الْمُؤْمِنِينا فاماا واجادْناا فِيهاا غايرْا بـايْتٍ مِنا الْمُسْلِمِينا "سورة الذريَت: الآيتان 35-36." 4- وقوله تعالى حكاية عن موسىساى يَا قـاوْمِ إِنْ كُنـْتُمْ آمانـْتُمْ باِللََِّّ فـاعالايْهِ تـاواكَّلُوا إِنْ كُنـْتُمْ مُسْلِمِينا84." 5- وقوله تعا53." __________ 1 أخرجه البخاري كتاب قيام الليل باب التهجد 3/2 ح1120"، ومسلم كتاب صلاة المسافرين باب الدعاء في صلاة الليل 1/533 ح769"، كلاهما من طريق طاوس عن ابن عباس 2 شرح العقيدة الطحاوية ص 382،3853. (1/438) 6- قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة1، وفي رواية "إلا نفس مسلمة"2. الجواب عن أدلة أبي معين النسفي "أ" أن يقال: إن غاية ما في هاتين الآيت الأِسْلامُ الآيتين هو الإسلام الشرعي المتضمن للإيمان الشرعي. وليس المراد بالإسلام في هاتين الآيتين الانقياد ظاهرا فقط، فلا دلالة في هذه الآية على أن الإسلام والإيمان مترادفان.

عدد الصفحات ٣٢٧

"ب" أما قوله تعافِيهاا غايرْا بـايْتٍ مِنا الْمُسْلِمِينا فغاية ما في هذه الآية جواز إطلاق المؤمن على المسلم وليس فيهما إشارة إلى ترادفهما. قال ابن أبي العز: "فلا حجة فيه لأن أهل البيت المُخراج كانوا متصفين بالإسلام والإيمان ولا يلزم من الاتصاف بهما ترادف" 3. وأيضا رد هذا الاستدلال أحد أئمة الحنفية الماتريدية الهندية __________ 1 أخرجه أحمد 1/79، والترمذي كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة التوبة 5/276 ح3092"، والحاكم في المستدرك 4/178، جميعهم من طريق زيد بن يثبع عن علي بن أبي طالب. قال الترمذي "هذا حديث حسن" وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي. 2 أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه 1/105،106 ح178" من طريق ابن المسيب عن أبي هريرة. 3 شرح العقيدة الطحاوية ص 387 ط دار البيان (1/439) عبد العزيز الفريهاري حيث قال: "الاستثناء لا يلزم اتحاد االمستثنى والمستثنى منه، بل يجوز أن يكون الأول أعم، كقولك أخرجنا ال علماء فلم نجد إلا النحاة" 1. "ج" وأما الاستدلال بقوله تعالى حكاية عن موسى تـاواكَّلُوا إِنْ كُنـْتُمْ مُسْلِمِينا84." وقوله تعايَتِناا فـاهُمْ مُسْلِمُونا53." يقال: غاية ما في هاتين الآيتين صحة إطلاق المسلم على المؤمن لأن الإسلام والإيمان مترادفان أع أن هؤلاء كانوا مسلمين مؤمنين ولا يلزم من ذلك الترادف بين الإسلا م والإيمان، أو أن كل مؤمن مسلم، كإطلاق الكتاب على القرآن فهما ليسا مترادفين؛ إذ كل منهما يدل على معنى في القرآن، وإن كان المسمى واحدا وهو كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. وأما قوله تعالِمُونا53." ففيه أن من آمن الإيمان الشرعي المتضمن الإقرار والعمل، فلا شك أنه مسلم لكن ليس فيه دليل على كون الإيمان والإسلام مترادفين.

عدد الصفحات ٣٢٨

قال الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره لهذه الآية: "لأن الذي يؤمن بآيَتنا إذا سمع كتاب الله تدبره وفهمه وعقله وعمل بما فيه وانتهى إلى حدود الله الذي حد فيه فهو الذي سمع السماع النافع" 2. __________ 1 النبراس ص413. 2 تفسير ابن جرير21/56. (1/440) "د" وأما الاستدلال بحديث: "لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة"، وفي رواية: "إلا نفس مسلمة". يقال: غاية ما في هذا الحديث جواز إطلاق المؤمن على المسلم وبالعكس، لكن هل فيه أن الإسلام والإيمان مترادفان، بمعنى أنَّما اسمان لمفهوم واحد؟ لأن النفس المؤمنة التي تدخل الجنة هي مسلمة، وكذا النفس المسلمة التي تدخل الجنة هي مؤمنة. وليس المراد من الإسلام الانقياد ظاهرا كإسلام المنافقين، كما أنه ليس المراد من الإيمان مجرد التصديق بدون العمل والإقرار؛ فهذا لم يقصده رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الذي صدق بقلبه فقط ولم يقر بلسانه ولم يعمل بالأركان فهذا ليس من المؤمنين، كما أنه ليس من المسلمين؛ فلا يدخل الجنة. الترجيح: الذي يظهر لي أن الراجح قول من يقول إن الإسلام والإيمان يتفقان في موطن ويختلفان في موطن آخر، فقد يطلق الإيمان ويراد به الإسلام، وبالعكس، وقد يطلق الإسلام على الأعمال الظاهرة، ويطلق الإيمان على الأعمال القلبية؛ لأنه قول وسط وبه تجمع النصوص الشرعية المختلفة، لأن للإيمان حقيقة لغوية وحقيقة شرعية، وهكذا للإسلام حقيقة لغوية وحقيقة شرعية. فباعتبار الحقيقة اللغوية يفترق الإسلام والإيمان، وباعتبار الحقيقة الشرعية يتضمن الإيمان الإسلام. وكذا يستلزم الإيمان الإسلام هذا مقتضى النصوص الواردة في الكتاب وال سنة. وحاصل هذا المذهب أن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا اختلفا في (1/441)

عدد الصفحات ٣٢٩

مدلولهما وإذا افترقا اجتمعا في مدلولهما، وذلك مثل ألفاظ الفقير مع المسكين والبر مع التقوى والفحشاء مع المنكر، والخير والمعروف، والإثم والعدوان 1 ونحوهما من الألفاظ التي فيها اشتراك موطن وافتراق في موطن آخر بحسب التقييد والإطلاق. فأنت ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الإسلام والإيمان في حديث جبريل؛ ففسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالأعمال القلبية، فالإسلام في هذا الحديث الإيمان المقيد باعتقاد القلب، وليس المراد من الإسلام والإيمان الإيمان المطلق، والإسلام المطلق، لأن الإيمان المطلق يتضمن الإسلام والإسلام المطلق يتضمن الإيمان. ففي حديث جبريل لما اجتمع الإسلام والإيمان افترق مدلوهما وترى في قوله تبارك وتعا عِنْدا اللََِّّ الأِسْلامُ19" ذكر الإسلام بدون الإيمان فالمراد من الإسلام هنا الإسلام المطلق الشامل للإيمان، لأنه ليس المراد الإسلام الظاهر فقط، بل المراد الإسلام الذي يشمل الأعمال الظاهرة والأعمال القلبية، وهكذا لفظ الإيمان في حديث: "لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة" يراد به الإيمان المطلق المتضمن للإسلام، وليس المراد بالإيمان هنا الإيمان المقيد الذي هو التصديق بالقلب فقط دون الإقرار باللسان والعمل بالأركان، ولذلك صح لنا أن نقول: إذا افترق الإيمان والإسلام اتفق مدلولهما. ثم يجب ألا يفهم أحد من قولنا: إذا اجتمعا افترقا أن الفرق بين الإسلام والإيمان فرق التباين والمغايرة الضدية بحيث لا يجتمعان في محل واحد كما هو الشأن في المتضادين المتباينين، لأن هذا المعنى ليس __________ 1 انظر كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ص153-159، وشرح العقيدة الطحاوية ص 392، ط المكتب الإسلامي. (1/442) المقصود من التفريق، بل المراد من هذا التفريق بين الإسلام والإيمان أن لكل واحد مسمى غير الآخر مع التلازم بينهما تلازم الروح والبدن، فقد شبه شيخ الإسلام التلازم والتباين بين الإسلام والإيمان بالروح والبدن، فالروح شيء والبدن شيء إلا أنه لا حياة للبدن بلا روح والروح لا بد لها من بدن. فالإيمان كالروح والإسلام كالبدن فهما متلازمان، لا أ ن مسمى أحدهما غير الآخر 1. قال ابن أبي العز مبينا ارتباط الإسلام والإيمان: "لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له،

عدد الصفحات ٣٣٠

إذاً لا يخلو المؤمن من إسلام به يتحقق إيمانه، ولا يخلو المسلم من إيمان يصح به إسلامه2. فالمقصود أن الفرق بين الإسلام والإيمان ليس للتضاد والتباين بل لأجل أن لكل منهما حقيقة لغوية وشرعية يجب اعتبارها، مع التلازم بينهما بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر كالشهادتين، لأنه لكل من الشهادتين 3 حقيقة غير حقيقة الأخرى، مع التلازم بينهما، وعدم انفكاك إحداهما عن الأخرى __________ 1 مجموع الفتا وى 7/367. 2 شرح العقيد ة الطحاوية ص392، ط/ المكتب الإسلامي ط/ الخامسة 3 شرح العقيدة الطحاوية ص 392، ط/ المكتب الإسلامي (1/443) الفصل الخامس: حكم مرتكب الكبيرة تَهيد في انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر وتعر يف الكبيرة والصغيرة: اختلف العلماء في انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر على قولين: 1- ذهب الجمهور من السلف والخلف إلى أن من الذنوب كبائر وصغائر 1. 2- وشذت طائفة فقالت: إن جميع الذنوب كبائر ليس فيها صغائر 2. ونسب هذا القول إلى الخوارج القاضي عبد الجبار 3، ونسبه ابن بطال إلى الأشعرية 4، ونسب النووي والحافظ ابن حجر هذا القول __________ 1 شرح مسلم للنووي 2/85؛ وفتح الباري10/409؛ والمرقاة في شرح المشكاة 1/121. 2 انظر فتح الباري10/409؛ والمراعاة1/121. 3 انظر شرح الأصول الخمسة ص 632. 4 انظر فتح الباري10/409. (1/445)

عدد الصفحات ٣٣١

إلى أبي إسحاق الإسفراييني. وقال أيضا: "وحكى القاضي عياض هذا المذهب عن المحققين" 1. ونسب الحافظ ابن حجر هذا القول إلى الباقلاني وأصحابه2. قلت: روي هذا أيضا عن ابن عباس رضي الله عنه3، ولكن قال القرطبي على ما قاله الحافظ: "ما أظنه يصح عن ابن عباس؛ لأنه مخالف لظاهر القرآن في الفرق بين الصغائر والكبائر" 4. قلت: لو سلمت صحته؛فيحمل على قوله الآخر المفسر المفصل في تحديد الكبيرة 5. وقد تفلسف إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني فقال: "كل ذنب كبيرة بالنسبة إلى حق تعالى، وإن كان في الذنوب تفاوت في الصغر والكبر فيما بينهما" 6. وقد نوه الحافظ ابن حجر بكلام الجويني هذا بعضالتنويه 7. ولكن الحقيقة أن كلامه هذا من قبيل القياس الفلسفي، بل الحق أن من الذنوب كبائر وصغائر. قال أبو حامد الغزالي: "إنكار الفرق بين الصغيرة والكبيرة لا يليق بالفقيه" 8. __________ 1 شرح مسلم للنووي 2/84؛ وفتح الباري10/409. 2 انظر فتح الباري10/409. 3 رواه ابن جرير في تفسير 5/40. 4 فتح الباري10/410. 5 انظر حد الكبيرة عند ابن عباس في تفسير ابن جرير5/4. 6 انظر الإرشاد ص328؛ وشرح الإرشاد لأبي بكر الميموني ص 631،632. 7 انظر فتح الباري10/409،410. 8 شرح مسلم للنووي 2/85؛ وفتح الباري10/409؛ عن كتاب البسيط للغزالي. (1/446) وقال النووي والحافظ ابن حجروقد تظاهر على ذلك ـ أي على الفرق ـ دلائل الكتاب والسنة واستعمال سلف الأمة وخلفها" 1. وقال ابن القيم في الجواب الكافي: "الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنص القرآن والسنة وإجماع السلف" 2. وقال في المدارج: "الذنو ب تنقسم إلى صغائر وكبائر بنص القرآن وإجماع السلف" 3.

عدد الصفحات ٣٣٢

أما القرآن فقوله تعادْخالاً كارِيماً "سورة النساء: الآية31." وقال تعا كاباائِرا الأِثمِْ واالْفاوااحِشا إِلا اللَّماما }32." أما من السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إ رمضان مكفرنات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" 4. ثم اختلف القائلون بانقسام الذنوب في حد الكبيرة والصغيرة على ضربين: الأول: من حصر الكبيرة في عدد معين ثم اختلفوا فقيل: هي __________ 1 شرح مسلم للنووي 2/85؛ وانظر فتح الباري10/409؛ والمرقاة1/121. 2 الجواب الكافي ص186. 3 مدارج السالك 1/342. 4 أخرجه مسلم كتاب الطهارة باب الصلوات الخمس 1/209 ح233"، من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة. (1/447) ثلاث1 وقيل: هي أربع2 وقيل: هي سبع3 وقيل: هي تسع4 وقيل: هي إحدى عشرة5 وقيل: هي سبع عشرة 6 وقيل: سبعون7 وقيل: سبعمائة ولا يخفى أن حصر الكبائر بعدد معين لا وجه له ولا دليل عليه. وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الذنوب بأنَّا من الكبائر، فقد قال عليه السلام: "اجتنبوا السبع الموبقات " 8. وقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور" 9. وقال: "من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه 10. __________ 1 روى ذلك ابن جرير عن عبد الله بن مسعود5/41. 2 روى ذلك ابن جرير عن عبد الله بن مسعود5/41. 3 روى ذلك ابن جرير عن علي رضي الله عنه5/37. 4 روى ذلك ابن جرير عن عمر رضي الله عنه5/39.

عدد الصفحات ٣٣٣

5 الجواب الكافي ص188. 6 قال أبو طالب المكي: "أربع في القلب وأربع في اللسان وثلاث في البطن واثنتان في الفرج واثنتان في اليدين وواحدة في الرجلين وواحدة في جميع البدن". انظر الجواب الكافي ص 188. 7 رواه ابن جرير عن ابن مسعود5/41. وانظر الجامع لأحكام القرآن 8 أخرجه البخاري كتاب الوصايَ باب قول الله تعا يأاْكُلُ ونا فيِ بُطُونَِِّمْ نااراً واساياصْلاوْنا ساعِيراً 5/393 ح776" من طريق أبي الغيث عن أبي هريرة 9 أخرجه البخاري كتاب الأدب باب عقوق ال والدين من الكبائر 10/403 ح5976"، من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيه. 10 أخرجه البخاري كتاب الأدب باب لا يسب الرجل و الديه 10/403 ح5973"، ومسلم كتاب الإيمان باب بيان الكبائر 1/92 ح90." كلاهما من طريق حميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو (1/448) الضرب الثاني: من عرنف الكبيرة بضابط دون ذكر عدد معين، ثم اختلفوا فقيل: الكبة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب فهو كبيرة 1. وقيل: الكبائر ما كان فيه من المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما كان بينك وب 2. وقيل: كل معصية يقدِم عليها المرء من غير استشعار خوف وحذار ندم كالمتهاون بارتكابها والتجرؤ عليها اعتيادا 3 وقيل: كل ذنب عظم عِظاما يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبيرة 4. وقيل: كل ما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو من الكبائر 5. والراجح: هو أن كل ذنب توعد عليه بالنار أو اللعنة أو الغضب فهو كبيرة وهذا أمثل الأقوال قاله ابن أبي العز 6. ومن أجمع ما قيل في بيانه؛ ما قاله المباركفوري: "والراجح أن كل ذنب نص على كبره أو عظمه أو توعد عليه بالعقاب في الآخرة أو ختم بالغضب واللعنة أو علق عليه حد أو شدد النكير عليه أو وصف فاعله بالفسق فهو كبيرة" 7. __________ 1 روى ذلك ابن جرير عن عبد الله بن عباس5/41.

عدد الصفحات ٣٣٤

2 قاله سفيان الثوري. انظر مدارج السالكين 1/349. 3 قاله أبو حامد الغزاانظر شرح مسلم للنووي 2/85. 4 قاله ابن الصلاح. انظر شرح صحيح مسلم للنووي 2/85. 5 شرح العقيدة الطحاوية ص 414، د دار البيان 6 شرح العقيدة الطحاوية ص 414. 7 مرقاة المفاتيح1/12. (1/449) قال شيخ الإسلام: " إن هذا الضابط أولى من سائر تلك الضوابط المذكورة لوجوه أحدها: أنه المأثور عن السلف بخلاف تلك الضوابط فإنَّا لا تعرف عن أحد من الصحابة والتابعين. الثانى: أن الله قالخالاً كارِيماً "سورة النساء:31." فقد وعد مجتنب الكبائر بتكفير السيئات واستحقاق الوعد الكريم وكل من وعد بغضب الله أو لعنته أو نار أو حرمان جنة أو ما يقتضى ذلك فإنه خارج عن هذا الوعد ... الثالث: أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله في الذنوب فهو حد يتلقى من خطاب الشارع وما سوى ذلك ليس متلقى من كلام الله ورسوله. الرابع: أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر، وأما تلك الأمور فلا يمكن الفرق بها بين الكبائر والصغائر ... 1. وبما ذكر من هذه الوجوه يتبين رجحان هذا القول، وإنه أولى من سائر تلك الضوابط وأما الصغيرة فهي خلاف الكبيرة؛ فكل ذنب لم يقترن بوعيد أو حد أو لعن أولم يشدد النكير عليه ولم يوصف فاعله بالفسق فهو صغيرة 2. __________ 1 مجموع الفتاوى 11/654-655. 2 انظر الجواب الكافي ص188. (1/450)

عدد الصفحات ٣٣٥

حكم مرتكب الكبيرة نصوص الكتاب والسنة تدل دلالة واضحة على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر ولا يخرج من الدين بسبب ارتكابه للكبيرة، وإنما ينقص إيمانه فلا يذهب عنه الإيمان بالكلية، بل يبقى معه مطلق الإيمان، وارتكاب الكبيرة ليس سببا للخلود في النار، إلا الشرك بالله. قال تعا ذالِكا لِمانْ ياشااءُ وامانْ يُشْرِكْ باِللََِّّ فـاقادِ افْترااى إِثمْاً عاظِيماً48." قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: "وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليها ما لم تكن الكبيرة شركا بالله " 1. قال تعا{ :لأُنـْثاى باِلأُنـْثاى فامانْ عُفِيا لاهُ مِنْ أاخِيهِ شايْءٌ فااتنِبااعٌ باِلْماعْرُوفِ واأادااءٌ إِلايْهِ بإِِحْساا نٍ: الآية178." فسمى المقتول أخا للقاتل وقال تعاخْراى فـاقااتِلُوا الَّتيِ تـابْغِي حاتىَّ تافِيءا إِلىا أامْرِ اللََِّّ فاإِنْ فااءاتْ فاأاصْلِحُوا بـايـْنـاهُماا باِلْعادْلِ واأاقْسِطُوا إِنَّ اللََّّا يحُِبُّ الْمُقْسِطِينا 9." فالإيمان والأخوة الإيمانية لا يزولان مع وجود الاقتتال كغيره من الذنوب والكبائر التي دون الشرك 2. __________ 1 جامعالبيان 5/126. 2 انظر تفسير الكلام المنان7/134،135. (1/451) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسر قوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفىن منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه" 1. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول أتعرف ذنب

عدد الصفحات ٣٣٦