المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

ب أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة بـ الشاملة ب

غير معروف

صفحة ٢٠ من ٣٢

ثالثا: قولهم: "إن المراد من نصوص الزيَدة والنقصان ازديَد نوره وضيائه في القلوب الجواب عنه: إن حمل نصوص زيَدة الإيمان ونقصانه على ازديَد نور الإيمان وضعفه حمل للنصوص على المجاز بدو ن تعذنر الحقيقة. ويقال كذلك" إن زيَدة نور الإيمان وضعفه يلزم منهما قوة الإيمان وضعفه وزيَدته ونقصانه، وذلك أنه إذا لم تحدث الزيَدة والنقصان في الإيمان لم تحدث القوة والضعف في نوره، فقوة نور الإيمان وضعفه لأجل قوة الإيمان نفسه وضعفه وهذا أمر واضح لا يخفى على ذي لب. بل يمكن أن يقال: إن هذا اعتراف بزيَدة الإيمان، فإن الإيمان نور يجعله الله في قلب من شاء من عباده فسواء قيل: إن الإيمان يزيد وينقص، أو نور الإيمان يزيد وينقص، فلا مشاحة بالتعبير إذا كانت الحقيقة واحدة. فتبين بهذا أن هذا التأويل نقض لأصل مذهبهم، وهو أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص. رابعا: قولهم: "إن المراد من الزيَدة الثواب على الإيمان ... ". (1/408) الجواب عنه أن قول السلف يقتضي الزيَدة والنقصان في الإيمان وثواب الإيمان ليس بإيمان، وهذا ظاهر لأن الثواب جزاء على عمل الطاعة، وليس هو الطاعة كما أن العقاب على المعصية ليس هو المعصية 1. وذا يتبين لنا ضعف استدلالاتهم وتهافت تأويلاتهم والقول الحق في هذه المسألة هو ما دل عليه الكتاب والسنة وما عليه سلف الأئمة من أن الإيمان يزيد وينقص. قال الله تعا جمااعُوا لاكُمْ فااخْشاوْهُمْ فـازااداهُمْ إِيمااناًية173." وقال تعا زااداتهُْمْ إِيمااناً واعالاى رابهنِِمْ يـاتـاواكَّلُونا2." وقال تعا فامِنـْهُمْ مانْ يـاقُولُ أايُّكُمْ زااداتْهُ هاذِهِ إِيمااناً فاأامَّا الَّذِينا آمانُوا فـازااداتهُْمْ إِيمااناً واهُمْ ياسْتـابْشِرُونا واأامَّ ا الَّذِينا فيِ قـُلُوبهِِمْ ماراضٌ فـازااداتهُْمْ رِجْساً إِلىا رِجْسِهِمْ وامااتُوا واهُمْ كاافِرُونا "سورة التوبة: الآيتان 124-125." وقال تعاخايرٌْ مارادناً "سورة مريم: الآية76."

عدد الصفحات ٣٠٥

وقال تعاياةٌ آمانُوا بِرابهنِِمْ وازِدْنااهُمْ هُدىً الآية13." وقال تعاداناا اللََُّّ واراسُولُهُ واصاداقا اللََُّّ واراسُولُهُ واماا زااداهُمْ إِلا إِيمااناً واتاسْلِيماًاب: الآية22." __________ 1 انظر كتاب مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص 407. (1/409) وقال تعايـازْداادُوا إِيمااناً ماعا إِيماانَِِّمْ واللََِِّّ جُنُودُ السَّمااوااتِ واالأْارْضِ واكاانا اللََُّّ عالِيماً حاكِيماً4." وقال تعا31." وأما الأدلة من السنة: فقد عقد البخاري باب "زيَدة الإيمان ونقصانه وقول الله تعا هُدىًا إِيمااناً وقال1. ثم ساق حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قا ل: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير" 2. ومن الأدلة: حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يَ معشر النساء تصدقن وأكثرن من الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يَ رسول الله أكثر أهل النار؟ قال تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لبنٍ منكن" قالت: يَ رسول الله وما نقصان العقل والدين؟ قال: "أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العق ل __________ 1 صحيح البخاري مع فتح الباري1/103. 2 أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب زيَدة الإيمان ونقصانه 1/103 ح44" ومسلم كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها 1/182 ح32 كلاهما من طريق قتادة عن أنس بن مالك

عدد الصفحات ٣٠٦

(1/410) وتَكث الليالي ما تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين" 1. وفي صحيح مسلم: "لقي أبو بكر حنظلة الأسدي فقال كيف أنت يَ حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرا قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: نافق حنظلة يَ رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما ذاك؟ قلت: يَ رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأ ي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده إنكم لو تدومون على ما تكونون عندي من الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يَ حنظلة ساعة وساعة" 2. ومن الأدلة حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائكم" 3. __________ 1 أخرجه البخاري كتاب الحيض باب ترك الحائض الصوم 1/405 ح504" ومسلم كتاب الإيمان باب نقصان الإيمان بنقص الطاعات 1/87 ح80" كلاهما من طريق عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري. 2 كتاب التوبة باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة وجواز ترك ذلك في بعض أوقات الاشتغال بالدنيا 4/2106 ح2750" من طريق أبي عثمان النهدي عن حنظلة الأسيدي 3 أخرجه أبو داود كتاب السنة باب الدليل على زيَدة الإيمان ونقصانه 5/60 ح4682، والترمذي كتاب الرضاع باب ما جاء في حق المرأة على زوجها 3/457 ح1162 كلاهما من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة، قال الترمذي على أثره: "هذا حديث حسن صحيح". (1/411)

عدد الصفحات ٣٠٧

وأما الآثار عن السلففمنها قول عبد الله بن مسعود في دعائه: "اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها" 1. وقول عمير بن حبيب الخطمي: "الإيمان يزيد وينقص قيل له: وما زيَدته ونقصانه؟ قال: إذا ذكر عزَّ وجلَّ وحمدناه وخشيناه فذلك زيَدته، فإذا غفلنا وضيعنا فذلك نقصانه" 2. وكان عمر بن ا طاب رضي الله عنه يقول لأصحابه: "هلموا نزدد إيمانا فيذك رون الله" 3. وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول للرجل: "اجلس بنا نؤمن ساعة؛ فيجلسان فيذكران ويحمدانه" 4. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: "فالأمر الذي عليه السنة عندنا ما نص عليه علماؤنا مما اقتصصناه في كتابنا هذا أن الإيمان بالنية والقول والعمل جميعا، وأ نه درجات بعضها فوق بعض، إلا أن أولها وأعلاها الشهادة باللسان كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي جعله فيه بضعة وسبعين جزءا، فإذا نطق بها القائل أقر بما جاء من عند الله لزمه اسم الإيمان بالدخول فيه بالاستكمال عند الله لا على تزكية النفوس، وكلما ازداد طاعة وتقوى ازداد به إيمانا" 5. __________ 1 شرح أصول الاعتقاد 3/942، وكتاب الشريعة ص 112.. 2 الإيمان لابن أبي شيبة ص36؛ والشريعة للآجري ص112. 3 الإيمان لابن أبي شيبة ص36؛ والشريعة للآجري ص112. 4 الإيمان لابن أبي شيبة ص36؛ والإيمان لأبي عبيد ص72؛ شرح أصول اع تقاد أهل السنة والجماعة 3/943. 5 الإيمان ص66. (1/412) وقال ابن عبد البر: "أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل ولا عمل إلا بنية، والإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إ يمان" 1. والأدلة من الكتاب والسنة والآثار الواردة عن السلف في أن الإيمان يزيد وينقص كثيرة جدا وبمناسبة كثرة الأدلة في هذه المسألة وعدم حصرها يقول العلامة الألوسي مفتي الحنفية في بغداد: " وما عليَّ إذا خالفتُ في بعض المسائل مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه للأدلة التي لا تكاد تحصى، فالحق أحق بالاتباع، والتقليد في مثل هذه المسائل من سنن العوام" 2.

عدد الصفحات ٣٠٨

فظهر أن القول بأن الإيمان يزيد وينقص هو الصواب؛ لأنه موجب الشرع، بل وموجب العقل لما تقدم بيانه من أن التصديق يزيد وينقص وأن اليقين على ثلاث مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين. وهذا أمر معلوم بالفطرة إذ ليس المخبر كالمعاين كما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس الخبر كالمعاينة ... " 3. __________ 1 التمهيد9/238. 2 روح المعا 9/167. 3 تقدم تخريجه (1/413) الفصل الثالث: الاستثناء في الإيمان منع الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى الاستثناء في الإيمان وهو أن يقول المؤمن: أنا مؤمن إن شاء الله. نص على ذلك غير واحد من أهل العلم كالتفتازاني 1 والنسفي2 والسمرقندي3، وابن الهمام4، وقاسم بن قطلوبغا 5. ومنع الاستثناء بناء على ما ذهب إليه في حقيقة الإيمان منأنه تصديق وإقرار باللسان، لأن القول بالاستثناء عنده يقتضي الشك في الإيمان؛ إذ التصديق أمر معلوم لا تردد فيه عند تحقيقه، ومن تردد في تحقيقه لم يكن مؤمنا قطعا. وإذا لم يكن الاستثناء للشك والتردد فالأولى أن يترك بل يقال: أنا مؤمن حقا دفعا للإيهام 6. واستدل امام أبو حنيفة رحمه الله تعالى على مذهبه بما يأتي: __________ 1 شرح المقاصد 5/215. 2 بحر الكلام ص41. 3 الصحائف الإلهية ص461. 4 المسايرة2/381، ط المكتبة التجارية الكبرى بمصر وفي طبعة دائرة المعارف الإسلامية2/229. 5 حاشية قاسم بن قطلوبغا على المسايرة2/381 ط المكتبة التجارية الكبرى بمصر وطبعة دائرة المعارف الإسلامية 2/229. 6 شرح المقاصد 5/215.

عدد الصفحات ٣٠٩

(1/415) ورد في الوصية عن أبي حنيفة أنه قال: "المؤمن مؤمن حقا والكافر كافر حقا وليس الإيمان شك، كما ليس في الكفر شك لقوله تعا حاقناً لهاُمْ داراجااتٌ عِنْدا رابهنِِمْ واماغْفِراةٌ وارِزْقٌ كارِيمٌ4." {151 "1. قال شارح الوصية "أقول: إن من قام به التصديق فهو مؤمن حقا، ومن قام به خلافه فهو كافر حقا ... قال أهل السنة والجماعة: إذا أتى بالإيمان يقول أنا مؤمن حقا من غير شك ولا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله..كذا في بحر الكلام" 2. واستدل أصحاب أبي حنيفة لمذهبه ذلك بوجوه أحدها: أنه تقرر أن الإيمان اسم للتصديق، والتصديق من المعاني الحقيقية المعلومة التي إذا تحققت في محل وجب إتصافه بها كالقعود والجلوس والسواد والبياض، ولا شك أن هذه الأوصاف إذا حصلت لشيء صح أن يقال له قاعد، جالس، أسود، أبيض، لا محالة بدون استثناء. فكذلك الإيمان إذا حصل لشخص صح أن يقال إنه مؤمن حقا بدون استثناء" 3. الثاني: "أن من فرق بين الاستثناءكونه مؤمنا عنده، وبين الاستثناء في كونه مؤمنا عند الله بأن يقول: أنا مؤمن ـ أي عندي ـ بلا استثناء، ولكن أنا مؤمن عند الله إن شاء الله، فتفريقه هذا باطل لأن __________ 1 الوصية معشرحها لحسين بن اسكندر الحنفي ص 4. 2 شرح كتاب الوصية ص 4. 3 تبصرة الأدلة340/ب. (1/416) الإيمان إذا تحقق في الحقيقة كان صاحبه مؤمنا عند الله حقيقة أيضا؛ إذ لا شك حصول الإيمان الآن، وإنما الشك في كون الإيمان باقيا عند موت صاحبه؛ لأن كون الرجل يموت على الإيمان خارج عن موضوعنا هذا.

عدد الصفحات ٣١٠

بل الكلام في صحة إطلاق المؤمن على من عنده إيمان استثناء، سواء يبقى هذا الإيمان أم يزول، كما أن من حصل له القعود والقيام صح إطلاق قاعد وقائم عليه بلا استثناء سواء يزول القعود والقيام أم لا"1. الثالث: "أن الله سبحانه وتعالى قد شهد قطعا بالإيمان لمن آمن بالله ورسله بدون استثناء فقال الرَّسُولُ بمِا ا أُنْزِلا إِلايْهِ مِنْ رابنِهِ واالْمُؤْمِنُونا 285" ... "2. الرابع: "أن الله تعالى مدح المؤمنين بقطعهم بإيمانَّم دون استثناء حيث قال حكاية عن المؤمن إِنـَّناا سماِعْناا مُناادِيًَ يـُناادِي لِلإِيماانِ أانْ آمِنُوا بِرابنِ كُمْ فاآمانَّا193." ولم يأمرهم بالاستثناء3. الخامس: "أن الاستثناء يرفع جميع العقود نحو الطلاق والعتاق والنكاح والبيع فكذلك يرفع عقد الإيمان" 4. السادس: استدل قاسم بن قطلوبغا بحديث الحارث بن مالك الأنصاري ولفظه: "أنه مر برسول صلى الله عليه وسلم فقال له: كيف أصبحت يَ حارث؟ __________ 1 تبصرة الأدلة340/ب-341/أ" الأزهرية. 2 تبصرة الأدلة341/ب 3 بحر الكلام ص40. 4 حاشية قاسم بن قطلوبغا على المسايرة2/381-382. (1/417) قال: أصبحت مؤمنا حقا وحديث عبد الله بن زيد الخطمي ولفظه: "إذا سئل أحدكم أم ؤمن أنت فلا يشك". وحديث علي بن أبي طالب ولفظه: " كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ دخل علينا عويمر أبو الدرداء فقال: يَ نبي الله، إني أقول: أنا مؤمن حقا فقال: يَ أبا الدرداء، إن لم تقل حقا فكأنك قلتا أنا مؤمن باطلا". الجواب عن أدلة أبي حنيفة وأصحابه: "أ" الجواب عن دليل أبي حنيفة:

عدد الصفحات ٣١١

قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى: المؤمن مؤمن حقا والكافر كافر حقا وليس في الإيمان شك، كما ليس في الكفر شك ... ". الجواب عنه: إن هذا استدلال في غير محله، لأن قوله تعاحاقناً لهاُمْ دارا جااتٌ عِنْدا رابهنِِمْ واماغْفِراةٌ وارِزْقٌ كارِيمٌمْ واإِذاا تُلِياتْ عالايْهِمْ آيَاتُهُ زااداتهُْمْ إِيمااناً واعالاى رابهنِِمْ يـاتـاواكَّ لُونافال: الآية2." فالمؤمنون حقا هم المتصفون بهذه الصفات، وليس كل مؤمن كذلك. فهؤلاء هم الكمنل من المؤمن الذي حققوا الإيمان ظاهرا وباطنا. ومن لم يتصف بتلك الصفات التي ذكرها الله لم يكن مؤمنا حقا، وإن كان مؤمنا، كما يفيد ذلك القصرُ في قوله تعا{ :لى داراجااتٌ عِنْدا رابهنِِمْ واماغْفِراةٌ وارِزْقٌ كارِيمٌ "سورة الأنفال: الآيَت4." المعنى هؤلاء هم المؤمنون حقا لا غيرهم، فكيف يصح مع ذلك أن يقول كل من حصل له أصل الإيمان أنا مؤمن حقا. أما قوله: "فليس في (1/418) الإيمان شك". فنعم، إن الشك ينافي صحة الإيمان فلا يجتمع الإيمان والشك. وهذا لا يوجب منع الاستثناء في الإيمان على وجه البراءة من تزكية النفس، لكن يوجب منع الاستثناء على وجه التردد، وهذا لا يصدر ممن يؤمن بالله واليوم الآخر ولا يقصده من يعلم من نفسه الإيمان واليقين. "ب" الجواب عن أدلة أصحاب أبي حنيفة: الدليل الأول: "إنه تقرر أن الإيمان اسم للتصديق، والتصديق من المعاني الحقيقية المعلومة ... ". الجواب عنه: يقال: إن أساس هذه الشبهة هو أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، وأنه لا يزيد ولا ينقص. وهذا الأساس باطل والحق المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن الإيمان هو التصديق بالجنان، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان كما تقدم بيانه. وإذا ثبت أن الإيمان شيء مركب من أمور ثلاثة وأنه يزيد وينقص وأن الإيمان له مقتضيات ومتطلبات قد لا تتوفر في مدعي الإيمان، فليس الإيمان مثل القعود والقيام ونحوهما من الأمور المحسوسة المعلومة

عدد الصفحات ٣١٢

بالقطع، حتى يقطع الإنسان بأنهمؤمن كما يقطع بأنه قاعد أو قائم، لأن الإيمان من الكيفيات النفسانية ومن الأمور غير المحسوسة، فلا يمكن للإنسان أن يجزم قطعا بأنه أتى بجميع متطلبات الإيمان وجميع مقتضياته، وأنه قد تجنب جميع ما يناقض الإيمان ويخالفه إذا فقياس "الإيمان" على "القيام والقعود" قياس مع الفارق، لأن الإنسان إذا قام أو قعد صح أن يقال عنه: إنه قائم أو قاعد لأن ذلك من الأمور المحسوسة التي تختلف عن الأمور القلبية والنفسية كالإيمان الذي له مقتضياته ومتطلباته فإذا قال: (1/419) أنا مؤمن"بدون الاستثناء " فقد زكى نفسه بشيء لم يتوفر فيه مقتضياته وقال قولا بدون علم. فالحاصل أن قياس الإيمان على القيام والقعود باطل، لأنه قياس مع الفارق، وتَثيل في غير محله، وخارج عن الموضوع والله أعلم. الدليل الثاني: "إن من فرق بين الاستثناء في كونه مؤمنا عنده، وبين الاستثناء في كونه مؤمنا عند الله ... ". الجواب عنه: يقال: إن هذه الشبهة مبنية على أساسين: الأول: أنه ظن أن الاستثناء في الإيمان لأجل الموافاة والخاتَة، لا لأجل الإيمان الموجود الآن. الثاني: أنه لا فرق بين كون الرجل مؤمنا عند نفسه وبين كونه مؤمنا عند الله. وكلا هذين الأ ساسين ممنوع: أما الأول: فلأن سلف هذه الأمة وأئمة السنة لم يقولوا بجواز الاستثناء في الإيمان لأجل الموافاة، والخاتَة، وليس هذا مأخذهم في جواز الاستثناء قطعا، وهذا خارج عن محل النزاع، بل محل النزاع هو الإيمان الحالي الموجود الآن، فكان سلف هذه الأمة وأئمة السنة يرون جواز الاستثناء في الإيمان الموجود بقطع النظر عن الموافاة والخاتَة لئلا يقع الإنسان في تزكية نفسه بدون علم. والذي ظن أن السلف إنما كانوا يجونِزون الاستثناء في الإيمان، إنما أرادوا الموافاة والخاتَة فقد أبعد النجعة وأتى بالباطل وكذ ب على سلف (1/420)

عدد الصفحات ٣١٣

هذه الأمة أو أخطأ عليهم في بيان تفسير مأخذهم ظنا منه أن هذا هو مذهب السلف، فأخطأ في بيان مذهبهم، ومثل هذا قد وقع فيه بعض الكلابية والأشعرية بل بعض من ينتسب إلى مذهب الإمام أحمد وغيرهم أيضا، مع أن كلام بعض السلف صريح في أن الاستثناء في ا لإيمان لأجل أن ألا يقع الإنسان في تزكية نفسه، ولم يقل أحد منهم إن الاستثناء لأجل الموافاة والخاتَ ة 1. وأما الثاني: فلا شك أن الرجل يكون مؤمنا عند نفسه ولا يكون مؤمنا عند الله، كالذي يرتكب شركا أكبر أو غيره من نواقض الإسلام ومع ذلك يظن أنه مؤمن وهذا واضح أفلا يحبط عمل الإنسان وهو لا يشعر؟ فكيف مع ذلك يقال أن من كان مؤمنا عند نفسه يجب أن يمون مؤمنا عند الله". ولا شك أن من كان مؤمنا كما أمر الله فهو مؤمن عند الله، ولا يقدح فيه الاستثناء الذي منشؤه الحذر من تزكية النفس، وإنما يقدح فيه الاستثناء الذي منشؤه الشك. ومعلوم أن الاستثناء على هذا الوجه لا يصدر من مؤمن صحيح الإيمان؛ لأن الإيمان والشك لا يجتمعان. الدليل الثالث: "إن الله سبحانه وتعالى قد شهد قطعا بالإيمان لمن آمن بالله ورسله بدون استثناء ... ". الجواب عنه: يقال: إن قياس شهادة العبد لنفسه بالإيمان بدون استثناء على شهادة الله تعالى للمؤمنين بالإيمان بدون الاستثناء قياس باطل، لأن الله __________ 1 انظركتاب الإيمان لشيخ الإسلام ص319،413،418،419،426. (1/421) تعالى لا يقول إلا حقا ولا يشهد إلا على حق واقع، فإذا شهد الله تعالى لشخص أوأشخاص بالإيمان دل ذلك قطعا ويقينا على حصول الإيمان وأنَّم مؤمنون. وهكذا شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لشخص بالإيمان دليل على كونه مؤمنا حقا يقينا، أما شهادة الناس بعضهم لبعض بالإيمان، أو شهادة الشخص لنفسه بالإيمان؛ فقد تكون صحيحة وقد تكون غير صحيحة، ولهذا أنكر الله تعالى على الأعراب حين ادنعوا الإيمان حين لم يتمكن الإيمان في قلوبهم قال تعا قُلْ لماْ تـُؤْمِنُوا والاكِنْ قُولُوا أاسْلامْناا والامَّا يادْخُلِ الأِيماانُ فيِ قـُلُوبِكُمْ واإِنْ تُطِيعُوا اللََّّا واراسُ ولاهُ لا يالِتْكُمْ مِنْ

عدد الصفحات ٣١٤

أاعْماالِكُمْ شايْئاً إِنَّ اللََّّا غافُورٌ راحِيمٌ 14." فقد ظنوا أنفسهم مؤمنين كغيرهم من المؤمنين المجاهدين الصادقين المذكورين في قوله تعا الْمُؤْمِنُونا الَّذِينا آمانُوا باِللََِّّ واراسُولِهِ ثمَُّ لماْ يـارْتاابُوا واجااهادُ وا بأِامْواالهِِمْ واأانـْفُسِهِمْ فيِ سابِيلِ اللََِّّ أُولائِكا هُمُ الصَّادِقُونا15." ولم يكن هؤلاء الأعراب كذلك الدليل الرابع: " أن الله تعالى مدح المؤمنين بقطعهم بإيمانَّم دون استثناء ... " الجواب عنه: يقال: ما في هذه الآية خارج عن محل النزاع لأن النزاع في قول القائل: أنا مؤمن إن شاء الله بصيغة اسم الفاعل وبالجملة الاسمية التي تدل على الثبات والدوام فتشعر بالكمال الذي في دعواه تزكية النفس، وأما الجملة الفعلية فهي بخلاف ذلك، ثم إنَّا في الآية قد وردت في مقام التو سل إلى الله، لا في مقام الإخبار عن النفس في خطاب الناس الذي تدخله الدعوى والفخر. وفي ضوء هذا الفرق بين الجملة الاسمية والفعلية (1/422) يجوز أن يقول المرء: آمنت بالله ورسله وكتبه بدون استثناء وقد كان السلف يرون ا لاستثناء في الإيمان بأن يقول المرء: أنا مؤمن إن شاء الله، ولكن لو قال: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله لم يحتج للاستثناء. قال الإمام أبو بكر الخلال جامع علوم الإمام أحمد: "أخبرني أحمد بن أصرم المزني أن أبا عبد الله قيل له: إذا سألني رجل أمؤمن أنت؟ قال: سؤاله إيَك بدعة، لا يشك في إيمانك أو قال لا نشك في إيماننا. قال المز ني: وحفظي أن أبا عبد الله قال: أقول كما قال طاووس: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله"1. وهذا لأن المرء إذا قصد الإيمان المطلق الكامل ينبغي له أن يستثني، وإذا قصد مطلق الإيمان ف يحتاج إلى الاستثناء. قال شيخ الإسلام: " ... فلما علم السلف مقصدهم ـ يعني كيد الم رجئة ـ صاروا يكرهون الجواب ـ أي جواب قولهم أمؤمن أنت ـ أو يفصلون في الجواب، وهذا لأن لفظ الإيمان فيه

عدد الصفحات ٣١٥

إطلاق وتقييد، فكانوا يجيبون بالإيمان المقيد الذي لا يستلزم أنه شاهد فيه لنفسه بالكمال، وذا كان الصحيح أنه يجوز أن يقال: أنا مؤمن بلا استثناء إذا أراد ذلك، لكن ينبغي أن يقرن كلامه بما يبين أنه لم يرد الإيمان المطلق الكامل ولهذا كان أحمد يكره أن يجيب عن المطلق بلا استثناء يقدمه" 2. __________ 1 السنة للخلال ص601 وقال محققها: إسناده صحيح ونقل ك لام الإمام أحمد هذا بهذا الإسناد بالجزم شيخ الإسلام في كتاب الإيم ان ضمن مجموع الفتاوى 7/449. 2 كتاب الإيمان ضمن مجموع الفتاوى 7/448،449. (1/423) وقال: فصل وأما الاستثناء في الإيمان ... فالناس فيه على ثلاثة أقوال: منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجوز الأمرين باعتبارين، وهذا أصح الأقوال ... "1. فتبين بهذا أن قول السلف في الاستثناء راجع إلى أن الإيمان يزيد وينقص فلما كان الإيمان منه مطلق ومقيد فهو على مرتبتين: مرتبة الإيمان المطلق الكامل، ومرتبة مطلق الإيمان؛ فأجازوا الاستثناء في الأول دون الثاني. الدليل الخامس: "إن الاستثناء يرفع جميع العقود نحو الطلاق والعتاق والنكاح والبيع فكذلك يرفع عقد الإيمان". الجواب عنه: أن يقال هذا من التلبيس، فإنه ليس النزاع في الاستثناء في عقد الإيمان، وهو ما يحصل به الدخول في الإسلام؛ فإن ذلك عقد ينافيه الاستثناء، وإنما النزاع في قول المسلم مخبرا عن نفسه: أنا مؤمن وهذا إخبار وليس بإنشاء. الدليل السادس: استدل قاسم بن قطلوبغا بحديث الحارث بن مالك الأنصاري ولفظه: "أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: كيف أصبحت يَ حارث؟ قال: أصبحت مؤمن ا حقا". وحديث عبد الله بن زيد الخطمي ولفظه: " إذا سئل أحدكم أمؤمن أنت فلا يشك ".

عدد الصفحات ٣١٦

__________ 1 كتاب الإيمان ضمن مجموع الفتاوى 7/429. (1/424) وحديث علي بن أبي طالب ولفظه: "كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ دخلعلينا عويمر أبو الدرداء فقال: يَ نبي الله، إني أقول: أنا مؤمن حقا فقال: يَ أبا الدرداء، إن لم تقل حقا فكأنك قلتا أنا مؤمن باطلا". الجواب عنه: أما حديث الحارث بن مالك فأخرجه الطبراني في المعجم الكبير 3/302 من طريق زيد بن الحباب، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد السكسكي، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن الجهم، عن الحارث بن مالك، قال الهيثمي: "رواه الطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وفيه من يحتاج إلى الكشف عنه"1. فيظهر لي أنه أراد بمن يحتاج إلى الكشف عنه محمد بن الجهم فلم أر من ترجم له سوى الحافظ ابن حجر، إذ ذكره في القسم الرابع من الإصابة وقال: إنه من أتباع التابعين 2. وعلى هذا فإسناد هذا الحديث منقطع؛ إذ محمد بن الجهم لم يدرك أحدا من الصحابة. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف 11/129 ح2114" من طريق معمر عن صالح بن مسمار وجعفر بن برقان أن النبي صلى عليه وسلم قال: للحارث بن مالك، وأخرجه ابن المبارك في كتاب الزهد ص 106 ح314" من طريق معمر عن صالح بن مسمار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للحارث بن مالك، وأورده ابن حجر في الإصابة وقال: "هو معضل" 3. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 11/43 ح10474" وفي كتاب __________ 1 مجمع الزوائد1/57. 2 الإصابة6/330. 3 1/303. والمعضل هو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر بشرط التوالي وإن لم يكن بالتوالي فهو منقطع. انظر تدريب الراوي 1/211. (1/425)

عدد الصفحات ٣١٧

الإيمان ص38 من طريق ابن نمير عن مالك بن مغول عن زبيد. قال الألباني في حاشيته على كتاب الإيمان لابن أبي شيبة: "والحديث معضل فإن زبيدا من الطبقة السادسة التي لم تلق أحدا من الصحابة". وأخرجه البزار كما في كشف الأستار 1/26 ح32"، والبيهقي في الشعب كما في الإصابة 1/303 كلاهما من طريق يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس بن مالك قال البزر على أثره: "تفرد به يوسف وهو لين الحديث". وقال الهيثمي: "رواه البزار وفيه يوسف بن عطية لا يحتج به" 1. وقال البيهقي كما في الإصابة: "منكر وقد خبط فيه يوس ف فقال: مرة: الحارث، وقال مرة: حارثة" 2. قلت: يوسف بن عطية قال عنه الحافظ في التقريب: "متروك3. وأما حديث عبد الله بن زيد الخطمي فأخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد 1/55، وقال عنه الهيثمي: "وفي إسناده أحمد بن بديل وثقه النسائي وأبو حاتم وضعفه آخرون". قلت: قال فيه الحافظ في التقريب: "صدوق له أوهام" 4. لكن الحديث لو صح؛ لم يكن دليلا على منع الاستثناء في الإيمان الذي يقول به أهل السنة، بل على منع الاستثناء الذي يتضمن الشك والتردد في الإيمان، وهو محرم عند الجميع، لأنه يناقض الإيمان. فالحديث يدل __________ 1 مجمع الزوائد1/57. 2 الإصابة1/303. 3 2/38 4 التقريب1/11. (1/426) على منع الشك في الإيمان، لا على منع الاستثناء الذي يقول به أهل السنة خوفا ال تزكية بدون علم مع عدم "الشك" في الإيمان. وهذا الحديث لا ينافي الاستثناء فضلا عن أن الاستدلال بهذا الحديث

عدد الصفحات ٣١٨

باطل وأما حديث علي فأخرجه غنجار في تاريخ بخارى، كما في حاشية ابن قطلوبغا على المسايرة 1، و يذكر إسناده حتى ينظر فيه، وحسبه أنه غير صحيح؛ لأنه يستبعد أن يكون هناك حديث مرفوع إسناده صحيح وتهمله جميع دواوين السنة ليحفظه لنا غنجار في تاريخ بخاري، ثم إن لفظه أشبه بلفظ الأحاديث الموضوعة البعيدة عن حسن بيانه صلى الله عليه وسلم وفصاحة تعبيره. ثم إن المستدل به لا يقول بمقتضاه وهو وجوب قول العبد: أنا مؤمن حقا بل يكفي عندهم قول: أنا مؤمن. فواعجبا لأهل الكلام يقولون: إن أخبار الآحاد ظنية فلا يحتجون بها في العقائد، ثم يحتجون بمثل هذا الحديث الذي لا يعرف في كتب السنة المسندة، أليس هذا تناقضا واضحا؟. وبعد فقد تبين مما تقدم ضعف القول بتحريم الاستثناء في الإيمان، كما ه و قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى وأصحابه. ويقابل هذا القول قول طائفة أوجبت الاستثناء، لأن الإيمان عندهم هو ما يموت عليه صاحبه، والإنسان لا يعلم هل يموت مؤمنا أو كافرا، ولا يعتدون بالإيمان السابق قبل الموافاة 2 . فعلى هذا الاعتبار قالوا بوجوب الاستثناء، ونسبه شيخ الإسلام إلى الكلابية وغيرهم ممن يرون الاستثناء مع القول بعدم تفاضل الإيمان ... قال شيخ الإسلام: "وهذا المأخذ مأخذ كثير من __________ 1 2/229. 2 مجموع الفتاوى 7/429،430. (1/427) المتأخرين من الكلابية وغيرهم ممن يريد أن ينصر ما اشتهر عن أهل السنة والحديثمن قولهم: أنا مؤمن إن شاء الله؛ ويريد مع ذلك أن الإيمان لا يتفاضل، ولا يشك الإنسان في الموجود منه وإنما يشك في المستقبل" 1. فدعوى أن الإيمان المعتبر عند الله هو ما يوافي عليه العبد ربه، وأنه لا عبرة به قبل ذلك غ صحيحة، وطرد هذا أن الكافر ليس بكافر في الحال إلا بشرط أن يموت على الكفر، ثم إن هذا المعنى ليس هو تعليل السلف فهم لم يوجبوا الاستثناء لأجل هذا، وإنما قالوا بوجوبه خشية تزكية الإنسان لنفسه بدون علم. فالموافاة عندهم شرط بالفوز ودخول الجنة، لا شرط في ثبوت الإيمان في الحال.

عدد الصفحات ٣١٩

وهناك مأخذ ثان: وهو أن اان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك ما نَّاه عنه كله، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاع تبار فقد شهد لنفسه أنه من الأبرار المتقين القائمين بجميع ما أمروا به، وترك كل ما نَّوا عنه فيكون من أولياء الله 2. فهذا المأخذ يقتضي وجوب الاستثناء لكننع من ترك الاستثناء إذا أريد أصل أو مطلق الإيمان. وقول الطائفتين خطأ. القول بتحريم الاستثناء مطلقا أو وجوبه مطلقا، والمذهب الحق هو الوسط؛ فلا إفراط ولا تفريط وهو الذي عليه السلف؛ فأجازوا الاستثناء باعتبار، ومنعوه باعتبار آخر، فأجازوه خوف تزكية الإنسان نفس ه، ومنعوه إذا أراد المستثني الشك في أصل إيمانه 3. __________ 1 مجموع الفتاوى 7/430. 2 مجموع الفتاوى 7/446. 3 انظر كتاب الشريعة ص 136، شرح العقيدة الطحاوية ص 334. (1/428) قال الآجري: "من صفة أهل الحق ممن ذكرنا من أهل العلم الاستثناء في الإيمانعلى جهة الشك نعوذ بالله من الشك في الإيمان، ولكن خوف التزكية لأنفسهم من الاستكمال بالإيمان، لا يدري أهو ممن يستحق حقيقة الإيمان أم لا؟ وذلك أن أهل العلم من أهل الحق إذا سألوا: أمؤمن أنت؟ قال: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار وأشبا ه هذا، والناطق بهذا، والمصدق به بقلبه مؤمن، وإنما الاستثناء بالإيمان لا يدري أهو ممن يستوجب ما نعت الله عزَّ وجلَّ به المؤمنين من حقيقة الإيمان أم لا؟ هذا طريق الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان، عندهم أن الاستثناء في الأعمال، لا يكون في القول والتصديق بالقلب، وإنما الاستثناء في الأعمال الموجبة لحقيقة الإيمان، والناس عندهم على الظاهر مؤمنون به يتوارثون، وبه يتناكحون، وبه تجري أحكام ملة الإسلام، ولكن الاستثناء منهم على حسب ما بيناه لك وبينه العلماء من قبلنا ... "1. ومن خلال ما تقدم يتبين لنا أن السلف سلكوا مسلكا وسطا في الاستثناء وتركه، وفصلوا في ذلك، فلم يقولوا بتحريم الاستثناء مطلقا كقول المرجئة، ولا بوجوب الاستثناء مطلقا كقول الكلابية، وإنما أوجبوه في حال، ومنعوه في حال، مستدلين بأدلة 2 من الكتاب والسنة. فمن الكتاب قوله تعا { راسُولاهُ الرُّؤْيَ باِلحْاقنِ لاتادْخُلُنَّ الْماسْجِدا الحْارااما إِنْ شااءا اللََُّّ آمِنِينا محُالنِقِينا رُؤُوساكُمْ

عدد الصفحات ٣٢٠