المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

ب أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة بـ الشاملة ب

غير معروف

صفحة ١٩ من ٣٢

__________ 1 الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية لابن بطة 2/630. (1/388) الفصل الثاني: زيَدة الإيمانونقصانه ذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص 1، والإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان كما تقدم. قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: "والإيمان لا يزيد ولا ينقص" 2. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: "والإيمان واحد وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى" 3. واستدل الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى على مذهبه بما __________ 1 انظر مقالات الإسلاميين ص139؛ وشرح المقاصد 5/211؛ وشرح المواقف 8/397؛ والفرق بين الفرق ص123 تحقيق الكوثري؛ والملل والنحل للشهرستاني 1/141؛ والملل والنحل للبغدادي ص140،والتبصير في الدين ص60، والتمهيد للنسفي ص102. وبحر الكلام ص41؛ والمسامرة بشرح المسايرة س 317؛ والنبراس ص402؛ وشرح العقيدة الطحاوية للميداني ص 99. 2 شرح كتاب الوصية ص 3. 3 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 43،44. (1/389) أولا: لا يتصور نقصان الإيمان إلا بزيَدة الكفر، ولا يتصور زيَدة الإيمان إلا بنقصان الكفر. قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: "الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأنه لا يتصور نقصانه إلا بزيَدة الكفر ولا يتصور زيَدته إلا بنقصان الكفر، وكيف يجوز أن يكون الشخص الواحد في حالة واحدة مؤمنا وكافرا" 1.

عدد الصفحات ٢٨٩

ثانيا: "أن الناس لا يختلفون في التصديق، و يتفاضلون فيه، وقد يتفاضلون في العمل وتختلف فرائضهم، ودين أهل السماء وين الرسل واحد؛ يقول الله تعالى{ : نُوحاً واالَّذِي أاوْحايـْناا إِلايْكا واماا واصَّيـْناا بِهِ إِبـْرااهِيما وامُوساى واعِيساى أانْ أاقِيمُوا الدنِ ينا والا تـاتـافارَّقُوا فِيهِ "سورة الشورى: الآية13"2. هذا وقد جاء في الفقه الأكبر قول الإمام أحنيفة: "وإيمان أهل السماء والأرض لا يزيد ولا ينقص من جهة المؤمان به، ويزيد وينقص من جهة اليقين والتصديق، والمؤمنون مستوون في الإيمان والتوحيد، ومتفاضلون في الأعمال" 3. وهذا النص فيه إشكال؛ وهو أنه مخالف للمتقدم من قول أبي حنيفة: الإيمان لا يزيد ولا ينقص مع تفسير الإمام للإيمان بالتصديق والإقرار، ولما ثبت عن أبي حنيفة في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه وقد تقدم. وهذا صريح في أن الإيمان وهو التصديق عنده لا تفاضل فيه بين __________ 1 كتاب الوصية ص3. 2 رسالة أبي حنيفة لعثمان البتي ص35. 3 الفقه الأكبر ص304. (1/390) المؤمنين، وإنما التفاضل بينهم في الأعمال من الخشية والتقى ومخالفة الهوى ومزمة الأولى. وهذا يقتضي أن التصديق لا يزيد ولا ينقص، وفي هذا النص من الفقه الأكبر صرح بأن الإيمان يزيد وينقص، من جهة اليقين والتصديق. فيظهر والله أعلم أن كلمة "لا" في الجملة الأولى من خطأ النسناخ ومحلنها الجملة الثانية لتكون العبارة هكذا: "وإيمان أهل السماء والأرض يزيد وينقص من جهة المؤمن به ولا يزيد ولا ينقص من جهة اليقين والتصديق". لتتفق مع ما تقدم من كلام أبي حنيفة وما نقله الطحاوي. ولكن شرناح 1 الفقه الأكبر لم يروا هذا النص مشكلا؛ فخرجوه على الفرق بين اليقين وأصل التصديق فأصل التصديق لا يتفاوت، وأما اليقين فإنه مما يجري فيه التفاضل. وهذا عندي لا يرفع الإشكال؛ فإن اليقين 2 هو التصديق الجازم الذي تستقر معه النفس فهو مرتبة من مراتب التصديق

عدد الصفحات ٢٩٠

هذا ما استدل به الإمام أبو حنيفة، أما أصحابه فاستدلوا بما هو آت: أولا: أن الأعمال تشارك الإيمان في اسم الطاعة، والعبادة دون اسم الإيمان. فبزيَدة الأعمال تزداد الطاعة، والعبادة ولا أثر لها في زيَدة الإيمان 3. ثانيا: "أن التصديق شيء بسيط لا يتجزأ ولا ينقسم، فلا يحتمل الزيَدة والنقصان، لأنه لو اختل لتبدَّل بالتكذيب، وصار باطلا زائلا __________ 1 انظر شرح الفقه الأكبر لأبي ا نتهى المغنيساوي ص33؛ وشرح الفقه الأكبر للقاري ص 126، 127. 2 انظر كتاب التعريفات ص 259؛ والمفردات ص552؛ والمعجم الفلسفي ص216؛ والمعجم الوسيط ص1066. 3 تبصرة الأدلة ق-399/أ (1/391) بالكلية، ولم يبق منه شيء أصلا، ولو لم يختلَّ بقي كاملا، فالقول بزيَدته ونقصانه باطل" 1. ثالثا: أنه يلزم من القول بزيَدة الإيمان ونقصانه بسبب زيَدة الأعمال ونقصانَّا ألا يوجد أحد استكمل الإيمان حتى الأنبياء والمرسلون لأنه لا حدَّ للأعمال الصالحة، فكل من يزداد من الحسنات إلى ما لا نَّاية يزداد إيمانه إلى ما لا نَّاية فمن كانت طاعته أكبر يكون إيمانه أكبر، ومع ذلك لم يستكمل الإيمان لأنه لو زاد طاعة أخرى زاد إيمانه أيضا" 2. رابعا: أن الزيَدة لا تتصور إلا على شيء كامل وشيء له نَّاية، أم ا الإيمان فهو لم يزل غير كامل لأنه في صدد الزيَدة، والزيَدة على ما هو لم يكمل بعد ـ وهو في حد النقصان ـ محال كما أن الزيَدة على ما لا نَّاية له محال أيضا 3. خامسا: "إن زيَدة التصديق ونقصانه يجعلانه في مرتبة الشك والظن؛ وهذا غير مفيد في مقام الاعتقاد" 4. سادسا: "استدل أبو الليث 5 السمرقندي بحديث أبي هريرة6 __________ 1 تبصرة الأدلة ق-399/أ، وشرح العقائد النسفية ص124.

عدد الصفحات ٢٩١

2 تبصرة الأدلة ق-399/أ 3 تبصرة الأدلة ق-399/أ 4 روح المعا 9/165. 5 هو نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي الحنفي قال عنه الذهبي: "الإمام الفقيه المحدث الزاهد ... صاحب كتاب تنبيه الغافلين وله كتاب الفتاوى يروي عن محمد بن الفضل البخاري وجماعة وتروج عل يه الأحاديث الموضوعة" مات سنة خمسين وسبعين وثلاثمائة. سير أعلام النبلاء 13/322؛ والفوائد البهية 221. 6 بحر العلوم ق-99/أ (1/392) رضي الله عنه مرفوعا ولفظه: "جاء وفد ثقيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يَ رسول الله الإيمان يزيد وينقص؟ فقال: لا. الإيمان كمل في القلب زيَدته ونقصانه كفر" قلت وفي معنى هذا الحديث تروى أحاديث أخرى كحديث ابن عباس وابن عمر مرفوعا: "الإيمان لا يزيد ولا ينقص". وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: " من زعم أن الإيمان يزيد وينقص فزيَدته نفاق، ونقصانه كفر، فإن تابوا وإلا فاضربوا أعناقهم بالسيف، أولئك أعداء الرحمن". الجواب عن أدلة أبي حنيفة أصحابه: "أ" الجواب عن أدلة أبي حنيفة: أولا: قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى: " الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لأنه لا يتصور نقصانه إلا بزيَدة الكفر ... ". الجواب عنه: أن العقل يتصور اجتماع الإيمان وشعبة من شعب الكفر، كما قال تعا واهُمْ مُشْرِكُونا106." قال حذيفة بن اليمان رضي عنه: "القلوب أربعة: قلب أجرد كأنما فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن، وقلب أغلف، فذلك قلب الكافر، وقلب مصفَّح، فذلك قلب المنافق، وقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل شجرة يسقيها ماء طيب، ومثل النفاق فيه كمثل قرحة يمدها قيح ودم فأيما غلب عليه غلبه" 1.

عدد الصفحات ٢٩٢

__________ 1 السنة لعبد الله بن أحمد ص102. (1/393) ويدل على قول حذيفة رضي الله عنه قول الله تعا آل عمران: الآية167." فقد كان فيهم نفاق مغلوب؛ فلما كان يوم أحد غلب نفاقهم فصاروا إلى ال كفر أقرب1. وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " وتَام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان وشعبة من شعب النفاق وقد يكون مسلما وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية كما قال الصحابة ابن عباس وغيره كفر دون كفر وهذا قول عامة السلف وهو الذي نص عليه أحمد وغيره" 2. ويقال أيضا: زيَدة الإيمان ونقصانه قد تكون في صفة الإيمان كتفاوت التصديق قوة وضعفا وقد يكونان في الأعمال المستحبة فلا يلزم إذن من زيَدة الإيمان ونقصانه وجود كفر ولا عدمه، فالتفاضل في اليقين وفي الأعمال المستحبة لا يوجب وجود كفر عند ا لمفضول، وهذا ظاهر، نعم الإيمان والكفر الناقل عن الملة لا يجتمعان. ثانيا: قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى: "إن الناس لا يختلفون في التصديق ولا يتفاضلون فيه، وقد يتفاضلون في العمل وتختلف فرائضهم ... ". الجواب عنه: لا نسلم أن الناس لا يختلفون في التصديق ولا يتفاضلون فيه، إذ إنَّم كما يتفاوتون في الأعمال كذلك يتفاوتون في التصديق ضعفا وقوة. __________ 1 انظر كتاب الإيمان لابن تيمية ص 298. 2 كتاب الإيمان ص300. (1/394)

عدد الصفحات ٢٩٣

فلا يشك عاقل أن تصديق الأنبياء والملائكة أقوى من تصديق عامة البشر كما صرح بذ لك بعض الحنيفة 1. وأما قوله: "ودين أهل السماء ودين الرسل واحد فالجواب عنه: أن مسائل الدين التفصيلية والأحكام التكليفية ليست كلها مشتركة بيننا وبين الملائكة بل ليست مشتركة بين أتباع سائر الأنبياء، بل ولا بين أتباع الرسول الواحد. وأما قوله تعاكُمْ مِنا الدنِ ينِ ماا واصَّى بِهِ نُوحاً واالَّذِي أاوْحايـْناا إِلايْكا فالمراد منها أن حقيقة دين الرسل واحدة وأصله واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له وطاعته في أمره ونَّيه، وأما تفاصيل الشرائع فمعلوم أنَّا مختلفة كما قال تعا مِنْكُمْ شِرْعا ةً وامِنـْهااجاً2 " سورة المائدة: الآية48." "ب" الجواب عن أجوبة أصحاب أبي حنيفة الدليل الأول: "إن الأعمال تشارك الإيمان في اسم الطاعة والعبادة دون اسم الإيمان ... ". الجواب عنه: يقال: هذا مبني على أن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان __________ 1 كالألوسي في روح المعاني 9/167؛ والقاري في شرح الفقه الأكبر ص 127. 2 تفسير القرآن العظيم6/192. (1/395) شرعا. وقد سبق القول فيه وذكر الأدلة على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان؛ فإذا بطل هذا الأصل بطلت هذه الدعوى المبنية عليه والله أعلم. الدليل الثاني: "إن التصديق شيء بسيط لا يتجزأ ولا ينقسم فلا يحتمل الزيَدة والنقصان ... ". الجواب عنه: أن يقال هذه الشبهة مركبة من مقدمتين: الأولى: أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط.

عدد الصفحات ٢٩٤

الثانية: أن التصديق بسيط غير مركب لا ينقسم. أما المقدمة الأولى: فقد ظهر بطلانَّا مما تقدم ذكره من أدلة الكتاب والسنة الصحيحة، واتفاق سلف الأمة وأئمة السنة على أن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان ومسماه. وأما المقدمة الثانية: فباطلة لأنَّا مخالفة لدلالة الكتاب والسنة والآثار السلفية والمعقول الصريح. فأما الكتاب فقد قال تعاحْزاابا قاالُوا هاذاا ماا واعاداناا اللََُّّ واراسُولُهُ واصاداقا اللََُّّ واراسُولُهُ واماا زااداهُمْ إِلاَّ إِيمااناً واتاسْلِيماً 22." ولا شك أن المراد من الإيمان في هذه الآية إنما هو التصديق واليقين بتحقيق وعد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من تحقيق النصر للمؤمنين. وهكذا قول الله تعا النَّاسا قادْ جمااعُوا لاكُمْ فااخْشاوْهُمْ فـازااداهُمْ إِيمااناً واقاالُ وا حاسْبـُناا اللََُّّ وانِعْما الْواكِيلُ الآية173." (1/396) فأنت ترى أن المراد من الإيمان في هذه الآية ليس إلا تصديق القلب وإيقانه وإذعانه، فهاتان الآيتان تدلان على زيَدة التصديق نفسه، إذ ليس هنا قطعا زيَدة الأعمال. وأما من السنة فمنها ما رواه أحمد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس الخبر كالمعاينة إن الله أخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت" 1. وحديث الشفاعة الكبرى المتواتر وفيه2: فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان ... فيقول: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان" 3. ولا شك أن المراد من الإيمان في هذا الحديث في القلب، لأن ما في القلب ليس إلا التصديق لا غير. فهذا الحديث صريح في أن التصديق القلبي قد ينقص إلى حد يصل إلى مثقال ذرة أو خردلة، وقد يصل إلى حد يكون أدنى من مثقال حبة خردل، فدل على أن التصديق نفسه يتفاوت يزيد وينقص. وأما لآثار عن سلف هذه الأمة فمنها قول __________ 1 أخرج الإمام أحمد في المسند 1/271؛ والحاكم في المستدرك2/321، كلاهما من طريق سعيد بن

عدد الصفحات ٢٩٥

جبير عن ابن عباس. قال الحاكم على أثره: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص والألباني في مشكاة المصابيح 3/1599. 2 انظر قطف الأزهار اتناثرة للسيوطي ص303؛ ولقط اللآلئ المتناثرة للزبيدي ص75-78؛ ونظم المتناثر للكتاني ص233. 3 أخرجه البخاري كتاب التوحيد باب كلام الرب عزَّ وجل13/473 ح7510"، ومسلم كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها 1/182،183 ح326" كلاهما من طريق معبد بن هلال عن أنس بن مالك. (1/397) عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها1. فهذا اثر صريح في المقصود بل قال الحافظ ابن حجر:"وهذا الأثر أصرح في المقصود" 2. لأن اليق والفقه لا يتعلقان إلا بالقلب لأنَّما من أنواع العلم، بل اليقين هو التصديق الجازم 3 وهو على ثلاث مراتب: 1- علم اليق 2- وعين اليق 3- وحق اليق فقد دل على أن التصديق يتفاوت، هذا وقد قال أئمة السنة كسعيد بن جبير وسعيد والضحاك وقتادة رحمهم الله تعالى في قوله تعالى عن إبراهيم خليل الرحمن عليه وعلى نبيا الصلاة والسلام: {260." قالوا: "ليزداد إيماني ويقي4. ولا ريب أن المراد هنا إيمان القلب، وهو التصديق مع الانقياد لأنه بمشاهدة كيفية إحياء الطيور مع يقينه السابق ازداد إيمانه ويقينه حتى وصل إلى عين اليقين بل حق اليقين. __________ 1 الأثر رواه أحمد في الإيمان كما قال الحافظ في الفتح 1/48 وعبد الله بن أحمد في السنة1/368، 369،والآجري في الشريعة ص112، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد 3/942، وقال الحافظ في الفتح 1/48، "إسناده صحيح

عدد الصفحات ٢٩٦

2 فتح الباري1/48. 3 انظر المفردات ص552؛ والتعريفات ص259؛ والمعجم الوسيط ص1066؛ والمعجم الفلسفي ص216. 4 انظر جامع البيان8/50،51، والسنة لعبد الله بن أحمد ص369. (1/398) وأما المعقول الصريح فلا يشك عاقل في أن إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم، فلا تعتريهم الشبهة ولا يتزلزل إيمانَّم بعارض، وأما غيرهم من المؤلفة قلوبهم فليسوا كذلك 1، ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى إنه يكون في بعض الأحيان أعظم يقينا وإخلاصا وتوكنلا منه في بعضها 2. وبهذا سلم بعض المنصفين من الأشاعرة وااتريدية، كابن ا للبان 3 والرازي والبغدادي والإيجي والجرجاني 4 والباق قال الإيجي: "والحق أن التصديق يقبل الزيَدة والنقصان من وجهين: الأول: القوة والضعف ... الثاني: التصديق التفصيلي في أفراد ما علم مجيئه به جزء من الإيمان، يثاب عليه ثوابه على تصديقه بالإجمال، والنصوص الدالة على قبوله لهما" 5. __________ 1 انظر المنهاج شرح صحيح مسلم 1/148،1498، وفتاوى الإمام النووي المسماة بالمسائل المنثورة ص304. 2 فتح الباري1/46،47. 3 هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أحمد الأصبهاني. قال عنه الخطيب: "المعروف بابن اللبان أحد أوعية العلم ومن أهل الدين والفضل ... سمعنا منه وله كتب كثيرة مصنفة وكان من أحسن الناس تلاوة للقرآن ومن أوجز الناس عبارة في المناظرة مع تدين جميل وعبادة كثيرة وورع بينن" مات سنة "446هـ. تاريخ بغداد10/144. وانظر ترجمته في المنتظم1628"، وسير أعلام النبلاء 17/653. 4 انظر أصول الدين للبغدادي ص252؛ والمواقف ص338؛ وشرح المواقف 8/331؛ وتحفة المريد

عدد الصفحات ٢٩٧

ص51؛ والإيمان للقاضي أبي يعلى ص339؛ والإنصاف ص58؛ والمحصل للرازي ص239. 5 المواقف ص388. (1/399) وقال الجرجاني: "فإن التصديق من الكيفيات النفسانية المتفاوتة ق وة وضعفا" 1. الدليل الثالث: "أنه يلزم من القول بزيَدة الإيمان ونقصانه ألا يوجد أحد استكمل الإيمان حتى الأنبياء والمرسلون ... ". الجواب عنه من وجوه: 1- يقال:"إنه إذا جاز عندك في النوافل أن تصفها أنَّا طاعة وعبادة ولا آخر لها، فما يمنع أن تصف الإيمان بذلك وإن لم يكن له آخر، وعلى أن لها آخرا في الوصف، وإن لم يكن لها آخرا في الفعل، كما أن للفرائض آخرا في الوصف دون الفعل، لأنه لو قيل بينوا في الفرائض حدا لا زيَدة معه؛ لم يمكن لأنه لا يعلم منتهى أجله فيعلم قدر ما يلزمه من الفرائض" 2. 2- أن الإيمان من الكليات3 اشككة تتفاوت أفر ادها، كما أن العلم من الكليات المشككة، وهكذا من يوصف بالإيمان والعلم، فالمؤمن والعالم أيضا من الكليات المشككة، قال الله تعالى: {76." فإذا كان الأمر كذلك فالأنبياء والمرسلون بعد استكمال إيما نَّم بأداء الواجبات واجتناب النواهي يتفاوتون في الدرجات بسبب النوافل وهذا __________ 1 شرح المواقف 8/331. 2 مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص250. 3 الكلي: هو المنسوب إلى الكل، تقول: العلم الكلي: أي العلم الشامل لكل شيء. والكلي عند المنطقيين: هو الشامل بجميع الأفراد الداخلين في صنف معين أو هو المفهوم الذي لا يمنع تصوره من أن يشترك فيه. انظر التعريفات ص186، والمعجم الفلسفي لجميل صليبا2/238. (1/400)

عدد الصفحات ٢٩٨

لا شك فيه، ولا عيب في ذلك عليهم، ولا يؤثر على مراتهبم بعد أن استكملوا الإيمان بأداء الواجبات واجتناب المنهيات، ك يف لا وهم أكمل الناس إيمانا وعلما وبعضهم فُضنِل على بعض. 3- يقال: إن الأنبياء قد استكملوا الإيمان، وإن كان أذنب بعضهم فقد غفر الله لهم ذلك، أما من عداهم فليس مثلهم في هذا، فالطاعات لا حد لها من ناحية فعل العبد، بل العبد على الدوام في السعي إلى إكمال إيمانه حتى يدركه الموت وهو على هذا 1. وقد ورد عن السلف نحو هذا من ذلك ما رواه الخلال عن إسحاق بن منصور قال: "قلت: لإسحاق: هل للإيمان منتهى حتى نستطيع أن نقول: المرء مستكمل الإيمان؟ قال: لا لأن جميع الطاعة من الإيمان فلا يمكن أن نشهد باستكمال الإيمان لأحد إلا للأنبياء أو من شهد له بالجنة، لأن الأنبياء وإن كانوا قد أذنبوا فقد غير لهم ذلك الذنب قبل أن يخلقوا" 2. وروى عبد الله بن أحمد في السنة بسنده عن الوليد بن مسلم قال: "سمعت أبا عمرو ـ يعني الأوزاعي ـ ومالكا وسعيد بن عبد العزيز يقولون: ليس للإيمان منتهى، هو في زيَدة أبدا. وينكرون على من يقول: إنه مستكمل الإيمان وأن إيمانه كإيمان جبريل وميكال" 3. الدليل الرابع "إن الزيَدة لا تتصور إلا على شيء كامل وشيء له نَّاية، وأما __________ 1 مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص251، بتصرف 2 كتاب السنة للخلال ص569. 3 السنة لعبد بن أحمد ص82. (1/401) الإيمان فهو لم يزل غير كامل لأنه في صدد الزيَدة الجواب عنه: يقال لا شك أن الزيَدة على الشيء إنما تكون بعد كماله، ولكن ما قلنا: إنه يزاد شيء على الإيمان بل قلنا: إن الإيمان نفسه يزيد وينقص، ولم نقل: إن شيئا آخر يزاد على الإيمان، فلا ترد هذه الشبهة إطلاقا". الدليل الخامس:

عدد الصفحات ٢٩٩

"إن زيَدة التصديق ونقصانه تجعلانه في مرتبة الشك والظن... ". الجواب عنه: إن التصديق له مراتب تتفاوت قوة وضعفا وكلها فوق الظن والشك، فالشك إذن ضد التصديق لا جزء منه، فإذا صار التصديق ضعيفا فلا يقال: إن صاحبه وقع في الشك والظن، ولا يقال للشاك: مصدنِق، فالشك والتصديق لا يجتمعان. قال الألوسي الحنفي: "مراتب اليقين متفاوتة: إلى علم اليقين وحق اليقين وعين اليقين مع أنه لا شك معها" 1. الدليل السادس "استدل أبو الليث السمرقندي بحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا ... قلت وفي معنى هذا الحديث تُروى 2 أحاديث أخرى كحديث ابن عباس الجواب عنه: حديث أبي هريرة أخرجه أبو ا لليث السمرقندي في تفسير بحر __________ 1 روح المعا 9/165. 2 انظر السواد الأعظم ص34، والنبراس ص402. (1/402) العلوم1 والجوزقاني في الأباطيل والمناك1/22-23، وقال: "هذا حديث لا يرجع م نه إلى الصحة، وليس لهذا الحديث أصل من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم" 2. وقال ابن كثير: "إن الإسناد من أبي الليث السمرقندي إلى أبي مطيع مجهولون، لا يعرفون في شيء من كتب التاريخ المشهورة. وأما أبو مطيع فهو الحكم بن عبد الله بن مسلمة البلخي ضعفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وعمرو بن علي الفلاس، والبخاري، وأبو داود والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وأبو حاتم محمد بن حبان البستي والعقيلي، وابن عدي، والدارقطني، وغيرهم". وأما أبو المهزوم الراوي عن أبي هريرة وقد تصحف على الكاتب، واسمه يزيد بن سفيان، فقد ضعفه أيضا غير واحد وتركه شعبة بن الحجاج، وقال النسائي: متروك وقد اتهمه شعبة بالوضع، حيث قال: "لو أعطوه فلسين لحدثهم بسبعين حديثا" 3.

عدد الصفحات ٣٠٠

وبهذا يتبين أن ما استدل به السمرقندي لا تقوم به الحجة؛ إذ هو موضوع وأما حديث ابن عباس فقد أخرجه الجوزقاني في الأباطيل والمناكير 4، وابنالجوزي في الموضوعات5 وقال: "هذا حديث __________ 1 تفسير بحر العلوم له نسخة خطية بمكتبة أوغلي باشا في إستانبول بتركيا ولها نسخة مصورة المكتبة المركزية بالجامعة الإسلامية تحت رقم 107. 2 الأباطيل والمناك1/23. 3 شرح العقيد ة الطحاوية 2/480. وفي طبعة دار البيان ص276. 4 1/16-17. 5 1/132. (1/403) موضوع من موضوعات الجويباري 1. وهو أحمد بن عبد الله الهروي ويقال الجوباري، وجوبار من أعمال هراة 2 قال عنه ابن عدي: "كان يضع الحديث لابن كرنام على ما يريده، وكان ابن كرام يضعها في كتبه، ويسميه أحمد بن عبد الله الشيباني" 3. وقال عنه ابن حبان: "دجال من الدجاجلة كذاب، يروي عن ابن عيينة ووكيع وأبي ضمرة وغيرهم من ثقات أصحاب الحديث، ويضع علهم ما لم يحدثوا، وقد روى عن هؤلاء الأئمة ألوف الأحاديث ما حدثوا بشيء منها، كان يضعها عليهم لا يحل ذكره في الكتب أصلا إلا على سبيل الجرح فيه" 4. واما حديث عبد الله بن عمر فقد أخرجه الجوزقاني في الأباطيل والمناك 5، وابن الجوزي الموضوعات 6. وقال الجوزقاني: "هذا حديث موضوع باطل وليس له أصل" 7. __________ 1 1/132. 2 هراة: بالفتح مدينة مشهورة من أمهات مدن خراسان قال عنها يَقوت: "لم أر بخراسان عند كوني بها في سنة 607 مدينة أجل ولا أعظم ولا أفخم ولا أحسن ولا أكثر أهلا منها

عدد الصفحات ٣٠١

انظر معجم البلدان5/396. 3 الكاملفي ضعفاء الرجال 1/181. 4 المجروح1/142. 5 1/18. 6 1/131،132. 7 الأباطيل والمناك1/18. (1/404) وقالابن الجوزي: "هذا حديث موضوع من موضوعات أحمد بن عبد الله الجويباري" 1. وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه ابن حبان في المجروحين 2. وابن الجوزي في الموضوعات3 وقال: "هذا حديث موضوع وهو من موضوعات محمد بن القاسم الطالكا ويقال: الطايكاني 4 بفتح الطاء وبالياء المثناة التحتية الساكنة وفتح الكاف نسبة إلى طايكان 5؛ قرية من قرى بلخ. قال عنه ابن حبان: "من أهل بلخ يروي عن العراقيين وأهل بلده، روى عنه أهل خراسان أشياء لا يحل ذكرها في الكتب فكيف الاشتغال بروايتها" 6. وبهذا يتبين لنا أن الأحاديث في عدم زيَدة الإيمان ونقصانه لم يصح منها شيء، وما استدل به أبو الليث السمرقندي لا تقوم به حجة إذ هو موضوع. أما موقفهم من النصوص الدالة على زيَدة الإيمان ونقصانه فتأولها بما لا يتفق مع ظاهرها وإليك نماذج من ذلك: "أ" أن المراد من الزيَدة والنقصان في الإيمان الواردين في نصوص الكتاب والسنة أنَّم آمنوا في الجملة ثم يأتي فرض بعد فرض فيؤمنون بعد __________ 1 الموضوعات1/132. 2 2/311. 3 1/133. 4 هكذا في المجروحين لابن حبان2/311.

عدد الصفحات ٣٠٢

5 أوردها يَقوت الحموي في معجمه4/12، سماها طيقان وقال عنها: قرية من قرى بلخ بخراسان 6 المجروح2/311. (1/405) كل فرض جاء جديدا فيزداد إيمانَّم بالتفصيل مع إيمانَّم السابق في الجملة1، وقالوا في قول الله تعا31." بأن هذا في حق الصحابة رضي الله عنهم فالقرآن كان ينزل في كل وقت فيؤمنون به ويكون تصديقهم الثاني زيَدة على الأول وأما في حقنا فلا؛ لأنه انقطع الوحي" 2. "ب" أن المراد من الزيَدة الثبات على الإيمان والدوام عليه زيَدة عليه في كل ساعة إذ يوجد في كل ساعة مثلما انعدم في الأولى 3. "ج" أن المراد من نصوص الزيَدة والنقصان في الإيمان ازديَد نوره وضيائه القلوب بالأعمال الصالحة ونقص ذلك النور بالمعاصي 4. الجواب عن تلك التأويلات أولا: قولهم: "إن المراد من الزيَدة والنقصان في الإيمان أنَّم آمنوا في الجملة ثم يأتي فرض بعد فرض…". الجواب عنه: من وجهين: "أ" أن يقال: إنكم إذا سلمتم أن المؤمن أولا يؤمن إيمانا إجماليا ثم __________ 1 تبصرة الأدلة ق-ب، ق-339/أ، وانظر النور اللامع ق-104/أ؛ والكفاية ص155؛ وشرح العقائد النسفية ص125؛ وشرح العقيدة الطحاوية للميداني ص 102؛ وإتحاف السادة المتق 2/261. 2 بحر الكلام ص42. 3 تبصرة الأدلة ق-339/أ؛ وشرح العقائد النسفية ص 125. 4 تبصرة الأدلة ق-339/أ؛ وانظر شرح العقائد النسفية ص 125؛ وإتحاف السادة المتق 2/260؛ والنبراس ص404؛ والسواد الأعظم ص38؛ والبداية ص155. (1/406)

عدد الصفحات ٣٠٣

إذا جاء فرض جديد فيؤمنون به فيزداد إيمانه بالتفصيل، فقد اعترفتم بزيَدة اان ونقصانه وهذا هو المطلوب. "ب" أنه قد ورد النص الشرعي بزيَدة الإيمان بدون إتيان شرع جديد كما في قوله تعا قادْ جمااعُوا لاكُمْ فااخْشاوْهُمْ فـازااداهُمْ إِيمااناً173." قال ابن أبي العز الحنفي: "وكيف يقال في هذه ا ية والتي قبلها أن الزيَدة باعتبارها زيَدة المؤمن به؟ فهل في قول الناس المؤمنين زيَدة مشروع؟ وإنما أنزل الله السكينة في قلوب المؤمنين مرجعهم من الحديبية ليزدادوا طمأنينة ويقينا ويؤيد ذلك قوله تعا يـاوْمائِذٍ أاقـْرابُ مِنـْهُمْ لِلإِيماانِ 167 " 1. ثم إن المسلمين من غير الصحابة لا يعرفون أحكام الإسلام دفعة واحدة بل يعرفونَّا تدريجيا شيئا فشيئا، فيلزم من قولكم هذا أن إيمانَّم أيضا يزيد وينقص فلا وجه للتخصيص بالصحابة. ثانيا: قولهم: "إن المراد بالزيَدة والنقصان الثبات على الإيمان والدوام عليه ... ". الجواب عنه: 1- أن يقال: إن الدوام والثبات على الإيمان ليسا من باب الزيَدة في الإيمان في شيء، وذلك لأن الرجل إذا لم يداوم ويثبت على الإيمان فهو مرتد وال عياذ بالله تعالى، فتأويل نصوص الزيَدة في الإيمان بالدوام والثبات باطل بل هو تحريف محض، وحقيقة هذا التأويل تفسير زيَدة الإيمان بزيَدة __________ 1 شرح العقيدة الطحاوية 2/479. (1/407) زمنه بسبب الثبات والاستمرار عليه، ومعلوم أن ما ثبت على حاله إذا طالت مدته يقال له قد زاد، لأنه حقيقة ثابتة لم تحصل بها زيَدة. نعم لا شك أن من داوم وثبت على الإيمان يكثنر طاعاته وعباداته لله تعالى فمن هذه الناحية يزيد إيمانه. 2- لو سلم قولكم لزم منه ألا يفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أدنى أفراد أمته إ باستمرار الإيمان لا بزيَدة اليقين والأعمال. وبطلانه لا يخفى على الحمقى فضلا عن العقلاء.

عدد الصفحات ٣٠٤