المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

ب أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة بـ الشاملة ب

غير معروف

صفحة ١٨ من ٣٢

1 هذا البيت لعدي بن زيد العُبادي، انظر الصحاح6/2210، وصدره: فقدنمت الأديم لراهشيه، انظر طبقات فحول الشعراء لابن سلام ص140. 2 شرح العقيدة الطحاوية 2/484،485. وانظر مجموع الفتاوى 7/172-178. (1/368) لأنه التزم شرائع اان وعزم على العمل بالأركان فهذا العزم يعتبر في حقه كأنه عمل بالأركان، غير أنه لم يجد فرصة. فمثل هذا كيف يكون حجة بأن الإيمان هو التصديق فقط وهذا ظاهر لمن وفقه الله للهداية. الدليل الرابع: قول بعضهم: "إن الله خاطب المؤمنين باسم الإيمان، ثم أوجب عليهم الأعمال". أجاب عن هذا الإشكال شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "وبهذا يظهر الجواب عن قولهم: "خوطبوا بالإيمان قبل الأعمال". فنقول: إن قلتم: إنَّم خوطبوا قبل أن تجب تلك الأعمال فقبل وجوبها لم تكن من الإيمان، وكانوا مؤمنين الإيمان الواجب عليهم قب ل أن يفرض عليهم ما خو طبوا بفرضه، فلما نزل إن لم يقروا بوجوبه لم يكونوا مؤمنين ولهذا قال تعا "سورة آل عمران: الآية97." ولهذا لم يجئ ذكر الحج في أكثر الأحاديث التي فيها ذكر الإسم والإيمان ... وذلك لأن الحج آخر ما فرض من الخمس، فكان قبل فرضه لا يدخل في الإيمان والإسلام، فلما فرض أدخله النبي صلى الله عليه وسلم في الإيمان إذا أفرد، وأدخله في الإسلام إذا قرن بالإيمان وإذا أفرد ... "1. الدليل الخامس قولهم: إن الله تعالى قال في الكفر ةغْفارْ لهاُمْ ماا قادْ سالافا 38." والانتهاء عن الكفر يكون بالإيمان ولو كانت الأعمال كلها إيما __________ 1 كتاب الإيمان ط المكتب الإسلامي ص185-186 ط/ الثالثة وضمن مجموع الفتاوى 7/196- 197. (1/369)

عدد الصفحات ٢٧٣

لم يكن المنتهي عن الكفر منتهيا عنه ما لم يأت بجميع الطاعات ... فالجواب عنه: إن معنى قول الله تعا1 أن هؤلاء المشركين والكفرة إن تابوا إلى الله عن شركهم وكفرهم وقتال المؤمنين وعداوتهم ودخلوا في الإسلام والتزموا الطاعة وانقادوا لأوامر الله؛ يغفر لهم ما قد سلف من الكفر والشرك. وليس معنى الآية: أن الله تعالى لا يغفر لهم إلا أن يأتوا بجميع الطاعات دفعة واحدة في آن واحد، لأن هذا ليس في طاقة البشر، فلا يستطيع أحد أن يأتي بطاعات جميع العمر دفعة واحدة، وإنما عليهم أن يلتزموا الطاعة وينقادوا ويتعهدوا الإتيان بالأوامر واجتناب النواهي، وهذه التوبة وهذا الالتزام هما من الأعمال وهما شرط في مغفرة ما قد سلف منهم ولا مخرج لهم من الكفر إلا بذلك، فليزم أن تكون هذه الأعمال من الإيمان وعلى هذا فالآية حجة عليهم لا لهم وهي كذلك لا تنفي تسمية سائر الأعمال إيمانا. فالحاصل أن هذه الآية لا تدل على خروج الأع مال عن الإيمان كما أنَّا لا تدل على الإتيان المأمورات دفعة واحدة، وإنما فيها بيان لشرط العفو عنهم والمغفرة لهم، وهو أن يتوبوا من الشرك والكفر ويدخلوا في الإسلام ويخضعوا لأوامر الله تعالى وينقادوا لحكمه. __________ 1 انظر تفسير هذه الآية في جامع البيان للطي 9/247؛ ومعالم التنزيل2/248؛ وتفسير القرآن العظيم لابن كثير 2/309؛ وتيسير الكريم المنان3/167، وتفسير القاسمي محاسن التأويل8/55. (1/370) الدليل السادس قولهم: "إن الله تعالى قال الَّ ذِينا أُوتُوا الْكِتاابا يـارُدُّوكُمْ بـاعْدا إِيماانِكُمْ كاافِرِينا "سورة آل عمران: الآية100." ثبت أن الإيمان هو الذي به ترك الكفر فالجواب عنه: أن الله تعالى نَّى المؤمنين عن طاعة الكفار، وحذرهم من موالاتهم وحبهم، لأن هذا سبيل لارتدادهم

عدد الصفحات ٢٧٤

عن الإسلام 1. ولا شك أن الإيمان هو الذي به ترك الكفر، وأن الكفر هو الذي به ترك الإيمان وكلاهما لا يجتمعان ولكن أين في هذه الآية الكريمة ما يدل على أن الإيمان تصديق بالقلب فقط، وأن الأعمال ليست من حقيقة الإيمان، وأنَّا خارجة عن مسماه؟ بل الآية تدل على خلاف ما زعمو ه، لأن طاعة أهل الكتاب من اليهود والنصارى وطاعة غيرهم من الكفرة قد تتحقق في الأعمال فيكون بذلك مرتدا عن دين الإسلام، وإن كان يعتقد أن دين الإسلام حق كما وقع من أمثال أبي طالب وهرقل وغيرهما فهؤلاء قد أطاعوا الكفار، وصاروا بذلك كافرين مع بقاء تصديقهم بقلوبهم بل وبألسنتهم، فكان كفرهم بالأعمال فكيف يقال: إن الإيمان هو التصديق وأن الأعمال ليست من مسماه. الدليل السابع: قولهم: " إذا قلنا: إن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان؛ لزم أن يزول __________ 1 انظر تفسير هذه الآية في جامع البيان ص24،25؛ وتفسير القرآن العظيم2/81؛وزاد المسير 1/430؛ وتيسير الكلام المنان1/404؛ والمنار4/17. (1/371) الإيمان بزوال بعض الأعمال ولزم تكفير مرتكب الكبيرة فالجواب عنه: من وجهين: 1- أن الأعمال جزء من حقيقة الإيمان، والإيمان كل له أجزاء ثلاثة فهو مركب منها الأول: التصديق بالجنان. الثاني: الإقرار باللسان. الثالثة: والعمل بالأركان. ولا شك أن العمل يتفاوت ويتجزأ، ويزيد وينقص، وبحسب الأعمال يتفاوت التصديق ويتجزأ، ويزيد وينقص. قال ابن أبي العز: "الإيمان أصل له شعب متعددة، وكل شعبة منها تسمى إيمانا. فالصلاة من الإيمان، وكذلك الزكاة وال صوم والحج والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والخشية من الله والإنابة إليه حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق، فإنَّا من شعب الإيمان. وهذه الشعب منها ما يزول

عدد الصفحات ٢٧٥

الإيمان بزوالها كشعبة الشهادتين ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينه ما شعب متفاوتة تفاوتا عظيما" 1. وإذا كان الأمر كذلك فمن المعلوم أن الكل المركب من أجزاء تتفاوت وتتجزأ وتزيد وتنقص، ف يزول بزوال بعض أجزاء أجزائه. فالذي ارتكب معصية فقد نقص من عمله جزء وبذلك قد نقص من إيمانه شيء مع بقاء شيء منه، حيث نقص إيمانه بنقص بعض عمله، وبذلك قد زال جزء من إيمانه ولم يزل كل إيمانه. __________ 1 شرح العقيدة الطحاوية 2/476. (1/372) مثال ذلك أن الشجرة كل مركبة من أغصان ومع ذلك لا تزول الشجرة بزوال بعض أغصا ا، وكذا الإنسان كل مركب من أجزاء لكن لا يزول الإنسان بزوال بعض أجزائه 1. وهكذا باب الإيمان فهو لا يزول بالكلية بزوال بعض الأعمال، وإذا تحقق هذا ثبت أنه لا يلزم تكفير مرتكب الكبيرة، كما لا يلزم مخالفة الإجماع، وظهر بطلان القول بعدم دخول الأعمال في مسمى الإيمان. 2- أن لفظ الإيمان ذكر في نصوص الكتاب والسنة على نوعين: مقيد ومطلق فإذا ورد مطلقا دخل في مفهومه الأعمال كما تدخل الأعمال، في مفهوم البر والتقوى والدين إذا وردت هذه الكلمات مطلقة. وإذا ورد مقيدا فيغاير الأعمال وعلى هذا يقال: "إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا". فالإيمان له مرتبتان: مرتبة الشيء المطلق، وهي مرتبة الإيمان المطلق أي الكامل، ومرتبة مطلق الشيء، وهي مرتبة مطلق الإيمان أي ما يصدق عليه الإيمان في الجملة سواء كان كاملا أو ناقصا، فمن وفنقه الله تعالى للعمل وقوي تصديقه بالقلب وعمل ما يقتضيه إقراره باللسان فإيمانه كامل في مرتبة الشيء المطلق، أي الإيمان المطلق أي الكامل، و أما من أخل بالعمل فقد نقص إيمانه وضعف تصديقه بقلبه بقدر ما أخل به من العمل؛ ولم يستوف ما يقتضي إقراره بلسانه، فإيمانه ناقص في مرتبة "مطلق الشيء"، أي "مطلق

عدد الصفحات ٢٧٦

__________ 1 مجموع الف تاوى 7/403-405 بتصرف. وانظر فتح الملهم بشرح صحيح مسلم 1/157، والسنة لعبد الله بن أحمد ص76؛ وجامع العلوم والحكم ص43؛ والإيمان لأبي يعلى ص264. (1/373) الإيمان"، أي الإيمان الناقص، فتارك العمل، ومرتكب الكبيرة لا يستحق اسم "اان المطلق" الكامل لإخلاله بالعمل وضعف تصديقه ونقص إيمانه؛ ولنعم ما قال شيخ الإسلام في رده على هؤلاء بعدما حكى شبهتهم هذه حيث قال: "وجواب هذا أن يقال: الذين قالوا من السلف إنَّم خرجوا من الإيمان إلى الإسلام لم يقولوا: إنه لم يبق معهم من الإيمان شيء، بل هذا قول الخوارج والمعتزلة وأهل السنة الذين قالوا هذا، يقولون: الفساق يخرجون من النار بالشفاعة، وإن معهم إيمان يخر جون به من النار، لكن لا يطلق عليهم اسم الإيمان 1 لأن الإيمان المطلق هو الذي يستحق صاحبه الثواب ودخول الجنة، وهؤلاء ليسوا من أهله وهم يدخلون في الخطاب بالإيمان ... " ثم قال شيخ الإسلام: " والتحقيق أن يقال: أنه مؤمن ناقص الإيمان مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، و لا يعطى اسم الإيمان المطلق، فإن الكتاب والسنة نفيا عنه الاسم المطلق واسم الإيمان2 يتناوله3. الدليل الثامن قولهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل صلوات الله عليه عن الإيمان، ما أجاب عنه إلا بالتصديق...." فالجواب عنه: أن يقال: إن النصوص التي ذكر فيها لفظ الإيمان والإسلام على ثلاثة أنواع: __________ 1 يعني اسم "الإيمان الكامل" وهو الإيمان المطلق 2 يعني مطلق الإيمان وهو الإيمان الناقص 3 مجموع الفتاوى 7/240-241. (1/374)

عدد الصفحات ٢٧٧

النوع الأول: نصوص فيها ذكر الإيمان وحده كقوله تعامِنُونا الَّذِينا إِذاا ذُكِرا اللََُّّ واجِلاتْ قـُلُوبهُُمْ واإِذاا تُلِياتْ عالايْهِمْ آيَاتُهُ زااداتهُْمْ إِيمااناً واعالاى رابهنِِمْ يـاتـاواكَّلُونا 2." النوع الثاني: نصوص فيها ذكر الإسلام وحده كقوله تعالأِسْلامِ دِيناً فـالانْ يـُقْبالا مِنْهُ واهُوا فيِ الآخِراةِ 85." النوع الثالث: نصوص فيها ذكر الإيمان والإسلام كقوله تعا والاكِنْ قُولُوا أاسْلامْناا والامَّا يادْخُلِ الأِيماانُ فيِ قـُلُ وبِكُمْ واإِنْ تُطِيعُوا اللََّّا واراسُولاهُ لا يالِتْكُمْ مِنْ أاعْماالِكُمْ شايْئاً إِنَّ اللََّّا غافُورٌ راحِيمٌ 14." فإذا عرف هذا عرف أيضا أنه إذا ذكر الإيمان وحده فهو يشمل الإسلام وكذا إذا ذكر الإسلام وحده فإنه يشمل الإيمان، وإذا ذكر الإيمان والإسلام معا فهما يتغايران ويختلفان، فيراد بالإيمان غير ما يراد بالإسلام، فيختص الأول يما يتعلق بالقلوب، ويختص الثاني بما يتعلق بالجوارح مع ملازمة كل منهما الآخر بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر وإن كانا يتفاوتان مفهوما ومصداقا، وهذا كما يقال : "إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا" أي إذا ذكر أحدهما فقط يراد به الآخر أيضا، وإذا ذكرا معا يراد من أحدهما غير ما يراد من الآخر مثل البر والتقوى والمسكين والفقير" 1. فالبر إن ذكر وحده دخل فيه التقوى، وهكذا التقوى يدخل فيه البر ولكن إذا اجتمعا يراد بالبر فعل الخير ويراد بالتقوى تجنب الشر 2. __________ 1 انظر مجموع الفتاوى 10/275. 2 انظر كتاب الإيمان ص 156،157، ط المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة1408هـ (1/375) وهكذا الحال في المسكين والفقير إذا اجتمعا أو افترقا1. ومن هنا يتبين لنا خطأ من قال: إن الإيمان غير الإسلام مطلقا وكذا خطأ من قال مطلقا: إن الإيمان هو الإسلام والصحيح: أن الإيمان إذا ذكر وحده يشمل الإسلام وكذا الإسلام إذا ذكر وحده يشمل الإيمان، وإذا ذكرا معا يراد من الإيمان العقائد، ويراد من الإسلام الأعمال كما في حديث جبريل 2. وإذا عرف هذا تبين لك بطلان كلامهم هذا 3.

عدد الصفحات ٢٧٨

أما إلزامهم أن الأعمال لو كانت من الإيمان، لكان جبريل أتى لتلبيس الدين وكان النبي صلى عليه وسلم قاصرا في الجواب. فنقول: إن جبريل عليه السلام لم يأت لتلبيس الدين، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قاصرا في الجواب، بل كان جبريل أتى لتعليم الدين وكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم في غاية الصواب والله المستعان. الدليل التاسع: قولهم: "إن ضد الإيمان هو الكفر، والكفر هو التكذيب والجحود ... ". __________ 1 الفقير والمسكين إذا افترقا فهما بمعنى واحد وهو المحتاج، وأما إذا اجتمعا فالفقير هو الذي له ما يأكله وله بعض ما يقيمه، وأما المسكين فهو الذي لا شيء له فهو أسوأ حالا من الفقير وقيل العكس. انظر تهذيب اللغة 9/113،114؛ والمصباح المنير ص108. 2 أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإس م والإحسان 1/114 ح37 من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة 3 انظر تفصيل هذا في كتاب الإيمان ضمن مجموع الفتاوى 7/154-186، وشرح العقيدة الطحاوية ص387-395. (1/376) فالجواب عنه قوله: "الكفر هو التكذيب والجحود" فيه نظر: لأنه لا شك أن التكذيب والجحود نوعان من الكفر، لكنهما ليسا جميع الكفر، والكفر أعم من التكذيب والجحود فلا يتحقق الكفر في صورة التكذيب والجحود فقط، بل الإعراض والمخالفة والمعاداة بلا تكذيب وجحود، مثل كفر أبي طالب فإنه لم يكذب ولم يجحد، ومع ذلك فهو كافر حيث أعرض عن الاعتراف بالحق، ولم يظهره. وأما قوله: "إن التكذيب والجحود يكونان بالقلب فكذا ما يضادهما وهو الإيمان يكون بالقلب". فأول من عرف عنه هذا القول هو الجهم بن صفوان فقد قال: "إن الإيمان والكفر لا يكونان إلا بالقلب دون غيره من الجوارح" 1. وهذا قول فاسد، والحق أن الكفر كما يكون لقلب، كذلك يكون باللسان والجوارح، لأن ك ثيرا من صناديد الكفار من مشركي قريش كانوا يكفرون ويكذبون

عدد الصفحات ٢٧٩

باللسان فقط مع تصديقهم للرسول صلى الله عليه وسلم بقلوبهم، عنادا منهم وجحودا واستكبارا بل لو قيل: إن الجحود لا يكون بالقلب فقط بل وباللسان لكان هو الصواب؛ فإن فرعون وأمثاله كانوا مستيقنين في أنفسهم وإن جحدوا بألسنتهم، كما قال تعا واعُلُوناً فاانْظُرْ كايْفا كاانا عااقِباةُ الْمُفْسِدِينا 14." وقال تعانُكا الَّذِي يـاقُولُونا فاإِنََُّّمْ لا يُكاذنِبُوناكا والاكِنَّ الظَّالِمِينا بآِيَاتِ اللََِّّ يجاْحادُونا33." فالمؤمنون يصدقون بالقلوب واللسان وبالجوارح، والكفار يكذبون __________ 1 مقالات الإسلاميين ص132. (1/377) باللسان، والمنافقون يصدقون بالألسنة ويكذبون بالقلوب ثم إن لفظ الإيمان لا يقابل التكذيب فقط، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق، فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت أو كذبت ويقال: صدقناه أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه، ولا يقا ل: أنت مؤمن له أو مكذب له، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر يقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق، لكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك لكان كفره أعظم، فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فق ط علم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط بل إذا كان الكفر يكون تكذيبا ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعا بلا تكذيب فلا بد أن يكون الإيمان تصديقا مع موافقة وموالاة وانقياد، لا يكفى مجرد التصديق فيكون الإسلام جزء مسمى الإيمان كما كان الامتناع من الانقياد مع التصديق جز ء مسمى الكفر فيجب أن يكون كل مؤمن مسلما منقادا للأمر وهذا هو العمل" 1. أما موقفهم من النصوص الدالة على أن العمل من مسمى الإيمان، فموقف القدح والتأويل كقوله تعا143." فحملوها على المجاز2، ومثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وستون شعبة". __________

عدد الصفحات ٢٨٠

1 مجموع الفتاوى 7/292، وانظر شرح العقيدة الطحاوية ص 380. 2 انظر تبصرة الأدلة337/ب (1/378) وفي رواية: " بضع وسبعون " فقد قدحوا فيه بأنه مخالف للكتاب وبغفلة الراوي حيثتردد بين الستين والسبعين فشهد بغفلة نفسه" 1. الجواب عن تلك التأويلات أولا: حملهم قوله تعا 1- الأصل في كتاب الله تعالى الحقيقة، والمجاز يحتاج إلى دليل 2. 2- أن الحقيقة عند القائلين بالمجاز هي اللفظ الذي يدل بإطلاقه بلا قرينة، والمجاز إنما يدل بقرينة. وقد تبين أن لفظ الإيمان حيث أطلق في الكتاب والسنة دخلت فيه الأعمال، وإنما يدَّعى خروجها منه عند التقييد وهذا يدل على أن الحقيقة قوله: "الإيمان بضع وسبعون شعبة" 3. 3- أن المجاز ثبت أنه اصطلاح حادث فلم يتكلم به العرب ولا الصحابة ولا الأئمة؛ فهو شبيه بمصطلحات النحو، ولكن النحو جاء اصطلاحا مستقيما وليس فيه مفسدة، أما المجاز فهو اصطلاح غير مستقيم، وفيه مفاسد عقلية وشرعية ولغوية. أما المفسدة العقلية فهي عدم تَييزه تَييزا ظاهرا صحيحا، أما الشرعية ففيها مفاسد يوجب الشرع إزالتها ألا وهي تحريف كلام الله عزَّ وجلَّ وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم عن حقيقته وحمل الألفاظ على معان ورد النهي عن حملها عليها وأنَّا يصح نفيها وكلام الله __________ 1 انظر تبصرة الأدلة337/ب 2 مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص164. 3 مجموع الفتاوى 7/116. (1/379)

عدد الصفحات ٢٨١

عزَّ وجلَّ وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم أرفع شأنا من ذلك، وأنه كلام غير حقيقي والله عزَّ وجلَّ كلامه حق وعدل وصدق. أما اللغوية فهي تغيير للأوضاع اللغوية لغير مصلحة راجحة، بل لمفسدة 1. ثانيا: أما قدحهم في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وستون "، وفي رواية: " بضع وسبعون ". بمخالفته للكتاب وبغفلة الراوي، فالجواب عليه من وجوه: الأول: أن ما يدل عليه هذا الحديث من تسمية الأعمال إيمانا فأين في القرآن نفي اسم الإيمان عن شرائع الإسلام الواردة فيه، بل القرآن سمى بعض الأعمال إيمانا كما في قوله تعا لِيُضِيعا إِيمااناكُمْ فالحديث موافق للقرآن لا مخالف، ولا تأتي السنة بما يخالف القرآن البتة، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون موافقة له من كل وجه فيكون ت وارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها. ثانيها: أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيرا له. ثالثها: أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو محرمة لما سكت عن تحريمه ولا تخرج عن هذه الأقسام فلا تعارض القرآن بوجه ما" 2. __________ 1 مجموع الفتاوى 20/451-458 بتصرف 2 أعلام الموقع2/307-309 (1/380) الثاني: أن هذا الحديث متفق عليه مخرج في الصحيحين، والأحاديث التي في الصحيح قطعية الثبوت، تفيد العلم القطعي باتفاق أئمة الإسلام واعتراف بعض الحنيفة 1. فمن استجرأ الطعن حديث هو في الصحيحين فهو لا يؤذي إلا نفسه، فلا ينبغي لمسلم أن يطعن في الثقات أو يسيء الظن بهم. قال الشاه ولي الله الدهلوي إمام الحنفية في عصره: "أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع فإنَّما متواتران إلى مصنفيهما وأن كل من يهون ن أمرهما مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين، فإن الشيخين لا يذكران إلا حديثا قد تناظرا فيه

عدد الصفحات ٢٨٢

مشايخهما وأجمعوا على القول به والتصحيح له2. ثم إننا لا نسلمأن هذا الاختلاف في العدد يوجب الاضطراب في الحديث؛ لأن العدد الأقل لا يعارض العدد الأكثر، ولأن العدد الأقل داخل في العدد الأكثر. فرواية صحيح مسلم لا تعارض رواية صحيح البخاري، لأن رواية مسلم مشتملة على ما في رواية البخاري وزيَدة، وهذه الزيَدة من ثقة، وزيَدة الثقة مقبولة، هذا ما اختاره بعض العلماء فأخذوا لفظ: "بضع وسبعون" كالحليمي 3 والقاضي عياض4 والألبا5، وأخذبعض المحدثين بلفظ "بضع وستون" كابن الصلاح 6 والبيهقي 7 وابن حجر8 __________ 1 انظر فيض الباري1/45. 2 حجة الله البالغة1/49. 3 فتح الباري1/51. 4 فتح الباري 51. 5 سلسلة الأحاديث الصحيحة4/396-371. 6 فتح الباري1/51. 7 فتح الباري1/51. 8 فتح الباري1/51. (1/381) وبهذا يتبين لنا ضعف اتسدلالاتهم وتهافتها، والقول الحق في هذه المسألة هو ما دل عليه الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة من أن الإيمان: تصديق بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان. قال تعاتْ قـُلُوبهُُمْ واإِذاا تُلِياتْ عالايْهِمْ آيَاتُهُ زااداتهُْمْ إِيمااناً واعالاى را بهنِِمْ يـاتـاواكَّلُونا الَّذِينا يُقِيمُونا الصَّلاةا واممَِّا رازاقـْنااهُمْ يـُنْفِقُونا أُولائِكا هُمُ الْمُؤْمِنُونا حاقناً لهاُمْ داراجااتٌ عِنْدا رابهنِِمْ واماغْفِراةٌ وارِزْقٌ كارِيمٌ2-4." وقال تعايْطاانُ يخُاونِفُ أاوْلِيااءاهُ فالا تخااافُوهُمْ واخاافُونِ إِنْ كُنـْتُمْ مُؤْمِنِينا عمران: الآية175." وقال تعانـْعاما اللََُّّ عالايهِماا ادْخُلُوا عالايْهِمُ الْباابا فاإِذاا داخالْتُمُوهُ

عدد الصفحات ٢٨٣

فاإِنكُمْ غاالِبُونا واعالاى اللََِّّ فـاتـاواكَّلُوا إِنْ كُنـْتُمْ مُؤْمِنِينا23." وقال تعاسُولِ فااتـَّقُوا اللََّّا واأاصْلِحُوا ذااتا بـايْنِكُمْ واأاطِيعُوا اللََّّا واراسُو لاهُ إِنْ كُنـْتُمْ مُؤْمِنِينا1." وقال تعاوَّلا مارَّةٍ أاتخاْشاوْنَّاُمْ فااللََُّّ أاحاقُّ أانْ تخاْشاوْهُ إِنْ كُنـْتُمْ مُؤْ مِنِينا13." وقال تعاة البقرة: الآية278." وقال تعارحيم 143." (1/382) "فمعنى قوله الرواية من أنه الصلاة وما كان الله ليضيع تصديق رسوله عليه الصلاة والسلام بصلاتكم التي صليتموها نحو بيت المقدس عن أمره، لأن ذلك كان منكم تصديقا لرسوله" 1. وقال الحليمي: "أجمع المفسرون على أنه أراد صلاتكم إلى بيت المقدس، فثبت أن الصلاة إيمان. وإذا ثبت ذلك فكل طاعة إيمان إذ لم أعلم فارقا فرنق في هذه التسمية بين الصلاة وسائر الطاعات" 2. وقد أورد أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه "الإيمان" قوله تعا يـاقُولُوا آمانَّا واهُمْ لا يـُفْتـانُونا والاقادْ فـاتـانَّا الَّذِينا مِنْ قـابْلِهِمْ فـالايـاعْلامانَّ اللََُّّ الَّذِينا صاداقُ وا والايـاعْلامانَّ الْكااذِبِينا1-3." وقوله تعا} َّللَّورة العنكبوت: الآية10." أوردها مستدلا بها على أن العملمن الإيمان ثم قال: "أفلست تراه تبارك وتعالى قد امتحن صدق القول بالفعل، ولم يكتف منهم بالإقرار دون العمل، حتى جعل أحدهم من الآخر؟ فأي شيء يـُتَّبع بعد كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهاج ا لسلف بعده هم موضوع القدوة والإمامة"3. وأما الأدلة من السنة فكثيرة جدا: من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس: "أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا:

عدد الصفحات ٢٨٤

__________ 1 جامع البيان2/18. 2 كتاب المنهاج في شعب الإيمان3791." 3 كتاب الإيمان ومعالمه وسننه للقاسمبن سلام ص66. (1/383) الله ورسوله أعلم قال: شهادة أن إله الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمس ما غنمتم" 1. قال ابن أبي العز بعد سوقه لهذا الحديث: " ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانا بالله بدون إيمان القلب لما قد أخبر في مواضع أنه لا بد من إيمان القلب فعلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان وأي دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان فوق هذا الدليل؟ فإنه فسر الإيمان بالأعمال ولم يذكر التصديق للعلم بأن هذه الأعمال لا تفيد مع الجحود" 2. وقوله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان3، زاد مسلم رواية: "فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " 4. قال ابن مندة: "فجعل الإيمان شُعابا بعضها باللسان بالشفتين، وبعضها بالقلب وبعضها بسائر الجوارح" 5. وقوله صلى الله عليه وسلم: حين سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان __________ 1 أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب أداء الخمس من الإيمان 1/129 ح35"، ومسلم كتاب الإيمان باب الأمر بالإيمان بالله تعالى 1/47 ح24" كلاهما من طريق أبي جمرة عن ابن عباس 2 شرح العقيدة الطحاوية ص 381. 3 تقدم تخريجه ص424. 4 أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب بيان عدد شعب الإيمان 1/63 ح58" من طريق أبي صا عن أبي هريرة. 5 الإيمان1/332. (1/384)

عدد الصفحات ٢٨٥

ورسوله1 فأطلق العمل على الإيمان كما أطلق الإيمان على العمل وحكى اتفاق السلف على أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، غيرُ واحد من أهل العلم كالشافعي 2 وأحمد3 والبخاري4 وابن عبد البر 5 والبغوي6. قال عبد الرزاق الصنعاني: "سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحابنا ـ ثم سردهم ـ يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" 7. وقال الوليد بن مسلم: "سمعت اوزاعي، ومالك بن أنس، وسعيد بن عبد العزيز 8 ينكرون قول من يقول إن الإيمان إقرار بلا عمل، ويقولون: لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان" 9. وقال الإمام أحمد: "أجمع سبعون رجلا من التابعين وأئمة المسلم __________ 1 أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب من قال إن ا لإيمان هو العمل 1/77 ح26". ومسلم كتاب الإيمان باب: بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال "1/88-ف135." كلاهما من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة 2 انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 3/886،887. 3 مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص228. 4 فتح الباري1/47. 5 كتاب التمهيد9238. 6 شرح السنة 1/38،39. 7 شرح صحيح مسلم 1/146. 8 هو سعيد بن عبد العزيز التنوخي بفتح التاء وضم النون الدمشقي قال عنه الحافظ ابن حجر: "ثقة، إمام، ساواه أحمد بالأوزاعي، وقدمه أبو مسهر ولكنه اختلط في آخر عمره، من السابعة مات سنة سبع وستين ومائة وقيل بعدها" تقريب التهذيب 1/301؛ وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب 4/69. 9 عقيدة ابن جرير 10 ضمن المجموعة العلمية (1/385)

عدد الصفحات ٢٨٦

وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفي عليها الله صلى الله عليه وسلم فذكر منه ا: والإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية" 1. وقال البخاري: "لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص" 2. وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة، وما أدركا عليه العلماء جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك، فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا ومصرا وشاما ويمنا؛ فكان من مذهبهم أن الإيمان قول وعمل، يز يد وينقص" 3. وقال البغوي: "اتفقت الصحابة والتابعون، ومن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان" 4. وقال الآجري: "باب القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمنا إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث: ثم قال: اعلموا ـ رحمنا الله تعالى وإيَكم ـ أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح. ثم اعلموا: أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق، إلا أن يكون معهما الإيمان باللسان نطقا، ولا تجزئ معرفة __________ 1 مناقب امام أحمد ص228. 2 شرح أصول الاعتقاد للالكائي 1/173،174. 3 أصل السنة لابن أبي حاتم ص225-226، طبع ضمن كتاب "أبو زر عة الرازي وجهوده في السنة" لسعدي الهاشمي ط/ الجامعة الإسلامية. 4 شرح السنة 1/38،39. (1/386) بالقلب ونطق باللسان حتى يكون عمل بالجوارح فإذا ك ملت فيه هذه الخصال الثلاث كا ن مؤمنا دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين ... " 1. والأدلة من الكتاب والسنة والآثار الواردة عن سلف هذه الأمة في أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل

عدد الصفحات ٢٨٧

كثيرة جدا. وأحب أن أختم هذا الفصل برد سفيان بن عيينة على من يقول الإيمان قولبلا عمل، فقد سأله رجل فقال: "كيف نصنع بقوم عندنا يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل؟ فقال سفيان: كان القول قولهم قبل أن تنزل أحكام الإيمان وحدوده، إن الله عزَّ وجلَّ بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة على أن يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ف إذا قالوها حقنوا دماءهم وأمو الهم إلا بحقها وحسابهم على الله، فلما علم صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالصلاة فأمرهم ففعلوا، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالرجوع إلى مكة فيقاتلوا آباءهم وأبناءهم حتى يقولوا كقولهم ويصلوا بص لاتهم ويهاجروا هجرتهم، فأمرهم ففعلوا حتى أتى أحدهم برأس أبيه فقال: يَ رسول الله هذه رأس الشيخ الكافر، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا مهاجرهم، فلما علم الله تعالى صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالهجرة إلى المدينة فأمرهم ففعلوا، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالطواف بالبيت تعبدا وأن يحلقوا رؤوسهم تذللا ففعلوا، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا مهاجرهم ولا قتل آبائهم، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأخذ من أموالهم صدقة تطرهم فأمرهم ففعلوا حتى __________ 1 كتاب الشريعة ص119. (1/387) أتوا قليلها وكثيرها، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم و مهاجرهم ولا قتل آبائهم ولا طوافهم، فلما علم الله تعالى الصدق من قلوبهم فيما تتابع عليهم من شرائع الإيمان وحدوده. قال الله تعاة المائدة: الآية3." فمن ترك خلة من خلال الإيمان جحودا بهاكان عندنا كافرا ومن تركها كسلا ومجونا أدبناه وكان ناقصا، هكذا السنة أبلِغها عني من سألك من الناس" 1. رزقنا الله الصدق في القول والإخلاص في العمل والله أعلم

عدد الصفحات ٢٨٨