4/328 كلاهما من طريقأبي تَيم الجيشاني عن عمر بن الخطاب قال الترمذي على أثره: "هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه" وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وأقره الذهبي في التلخيص. (1/345) قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يدعون له الولد، ثم يعافيهم ويرزقهم" 1. وهذا هو رزق الأبدان ورزق خاص: هو رزق القلوب وتغذيتها بالإيمان والعلم والرزق الحلال الذي يعين على صلاح الدين، وهذا خاص بالمؤمنين على مراتبهم معه بحسب حكمته ورحمته 2. وأثبت الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى الرازق وما يدل عليه، دل على ذلك قوله: "كان الله تعالى خالقا قبل أن يخلق ورازقا قبل أن يرزق" 3. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: "رازق بلا مؤنة" 4. 3- الخلق من صفات الله الفعلية الخلق، والخلق له معنيان: المعنى الأول: التقدير. __________ 1 أخرجه البخاري: كتاب التوحيد باب قول الله تعا 13/360 ح7378 من طرق أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي موسى الأشعري 2 تفسير كلام المنان لابن سعدي 5/626،627 بتصرف، والحق الواضح المبين ص45. 3 الفقه الأكبر ص304. 4 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص20. (1/346)
عدد الصفحات ٢٥٧المعنى الثاني: الإيجاد والإنشاء على غير سبق1. فالخالق والخلاق من أسماء الله تعالى. قال الله تعا24." وقال تعا14." وقوله تعارة يس: الآية81." وقالتعا49." وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لما خلق الله الخلق كتب في كتاب هو عنده فوق العرش أن ر تغلب غضبي" 2. وهذا هو ما يعتقده الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ويؤمنبه. دل على ذلك قوله: "وأما الفعلية فالتخليق والإنشاء والإبداع والصنع" 3. وقال: "كان الله تعالى خالقا قبل أن يخلق4. وقال: "وكان الله تعالى خالقا في الأزل ولم يخلق الخلق 5. وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: "خالق بلا حاجة" 6. __________ 1 انظر كتاب شأن الدعاء ص 49، واشتقاق أسماء الله للزجاجي ص 166-168. 2 تقدم تخريجه ص339. 3 الفقه الأكبر ص301. 4 الفقه الأكبر ص304. 5 الفقه الأكبر ص302. 6 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص20. (1/347) وقال: "كما أنه محيي اوتى بعد ما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك اس تحق اسم الخالق قبل إنشائهم" 1. 4- الإحياء والإماتة
عدد الصفحات ٢٥٨من صفات الله الفعلية الإحياء والإماتة، ومن أسماء الله تعالى المحيي والمميت، فالمحيي يدل على أن هو الذي يحيي النطفة الميتة فيخرج منها نسمة الحياة ويحيي الأجسام البالية بإعادة الأرواح إليها عند البعث، ويحيي القلوب بنور المعرفة، ويحيي الأرض بعد موتها بإنزال الغيث وإنبات الرزق 2. والمميت يدل على أن الله يميت الأحياء ويوهن بالموت قوة الأصحاء الأقويَء قال تعالنِ شايْءٍ قادِيرٌ 9." فتمدنح ذاته سبحانه وتعالى بالإماتة كما تَدنح بالإحياء ليعلم أن مصدر الخير والشر والنفع والضر من قِباله وأنه لا شريك له في الملك، استأثر بالبقاء وكتب على خلقه الفناء 3. قال الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه: "وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا، استحق هذا __________ 1 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص20. 2 كتاب شأن الدعاء ص79، والأسماء والصفات ص95 بتصرف 3 انظر كتاب شأن الدعاء ص 80، وكتاب الأسماء ص 96. (1/348) الاسم قبل إحيائهم1. وقال: "مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة2. فالله هو الذي يحيي الخلق يوم النشور، ويبعث من في القبور، ويحصل ما في الصدور 3. هذا وبعد ذكر هذه الجملة من صفات الله الثبوتية الفعلية منها والذاتية؛ يجد القارئ الكريم أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى قد سار في إثبات الصفات على منهج السلف الصالح، وذلك بإثبات جميع ما أثبت الله لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من صفات الكمال، من غير تكييف ولا تَثيل ولا تحريف ولا تعطيل. __________ 1 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص20. 2 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص20. 3 المقصد الأسنى ص123.
عدد الصفحات ٢٥٩(1/349) الباب الثالث: اعتقاده في الإيمان وفيه خمسة فصول: الفصل الأول: مسمى الإيمان عند أبي حنيفة وهل يدخل فيه العمل؟. الفصل الثاني: زيَدة الإيمان ونقصانه. الفصل الثالث: الاستثناء في الإيمان. الفصل الرابع: علاقة الإسلام بالإيمان. الفصل الخامس: حكم مرتكب الكبير. (1/251) الفصل الأول: مسمى الإيمان عند الإمام أبي حنيفة وهل يدخل فيه العمل؟ الإيمان في اللغة: مادة أامِنا معناها في اللغة وثِق واطمأنَّ، والأمانة الوثوق 1. قال أبو زيد: "ما أمنت أن أجد صاحباه أي ما وثِقْت2. أما معنى اان: فهو التصديق مع الانقياد. وهو تارة يتعدنى بالباء وتارة باللام. فمن الأول يقال: آمن به قوم3 وكذنب به قومٌ، ومنه قوله تعا3." أي يصدقون بأخبار الله عن الجنة والنار4. ومن الثاني قوله تعالى حكاية عن اليهود الآية73." __________ 1 انظر القاموس المحيط1/182؛ والمعجم الوسيط1/28. 2 كتاب الأفعال للمعافر ي1/76؛ واللسان13/21. 3 مفردات القرآن ص25.
عدد الصفحات ٢٦٠4 انظر مادة أمن في الصحاح5/2071؛ ومجمل اللغة 1/102؛ والقاموس المحيط4/197؛ ولسان العرب 13/21؛ وكتاب الأفعال للمعافري 1/75. (1/353) أي لا تقروا ولا تصدقوا1. ومن قوله تعاورة يوسف: الآية17." أي بمصدق لنا2. والفرق بينهما أن المتعدي بالباء هو تصديق المخبر به واعتدي باللام هو تصديق المُخْبرِ 3. قال الحليمي: "فمن الناس من قال: آمنت به وآمنت له لغتان يعبرَّ بهما عن معنى واحد. والصحيح ما خالف هذا وهو قولهم آمنت به: يراد إثباته وتحقيقه والتصديق بكونه ووجوده، وقوله آمنت له: إنما يراد اتباعه وموافقته ... والإيمان له القبول عنه والطاعة له" 4. الإيمان عند أبي حنيفة أما معنى الإيمان عند الإمام أبي حنيفة فهو إقرار باللسان وتصديق بالجانان 5، والأعمال ليست داخلة فيه. قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: "والإيمان هو الإقرار والتصديق" 6. وقال في كتابه الوصية: "الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان، والإقرار وحده لا يكون إيمانا" 7. __________ 1 انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة1/97؛ ومعاني القرآن للفراء1/222. 2 تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص213؛ ومعجم مقاييس اللغة1/125. 3 مجموع الفتاوى 7/298-292. 4 المنهاج في شعب الإيمان1/21. 5 الفصل 2/111؛ التمهيد9/238. 6 الفقه الأكبر ص304. 7 كتاب الوصية مع شرحها ص 2. (1/354)
عدد الصفحات ٢٦١وقرَّر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: "والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجانان" 1. أدلة الإمام أبي حنيفة استدل الإمام أبي حنيفة على مذهبه بما يلي: أولا: أنه في كثير من الأوقات يرتفع العمل عن المؤمن، ولا يجوز أن يقال ارتفع عنه الإيمان 2. ثانيا: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء به من الله تعالى، وكان الداخل في الإ سلام مؤمنا بريئا من الشرك ثم نزلت الفرائض بعد ذلك على أهل التصديق3. ثالثا: أن المضينِع للعمل ليس مضينِعا للتصديق؛ فلو كان المضينِع للعمل مضيعا للتصديق لانتقل من اسم الإيمان بتضييعه للعمل 4. رابعا: أن الهدى في التصديق ليس كالهدى في الأعمال، قال الإمام أبو ح نيفة: "إن الهدى في التصديق بالله ورسوله ليس كالهدى في ما افترض من الأعمال" 5. هذا ما استدل به الإمام أبو حنيفة. أما أصحابه فاستدلوا بما هو آت __________ 1 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص 42. 2 كتاب الوصية مع شرحها ص 6. 3 رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البص35. 4 رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي ص35. 5 رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي ص35. (1/355) أولا: أن الإيمان في اللغة التصديق؛ وعمدتهم في ذلك قول الله تعاتا بمُِؤْمِنٍ لاناا يوسف: الآية17." قال النسفي: "الإيمان معروف أنه عند أهل اللسان التصديق لا غير" 1. وحكى الباقلاني الإجماع عليه فقال: "فإن قال وما الدليل على ما قلتم؟ قيل: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان في اللغة قبل نزول القرآن وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم هو التصديق" 2.
عدد الصفحات ٢٦٢ثانيا: أن الله فرق بين الإيمان والعمل في غير موضع من ك تابه قال تعا الصَّالحِااتِ3." والعطف يقتضي المغايرة قال النسفي: "يدل عليه أن الله تعالى فرَّق بين الإيمان وبين كل عبادة بالاسم المعطوف عليه ما فرَّق بين العبادات بالأسماء المعطوفة المفعولة لها، على ما قال الله تعا باِللََِّّ واالْيـاوْمِ الآْخِرِ واأاقااما الصَّلاةا واآتاى الزَّكااةا 18." فقد عطف إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على الإيمان، ولا شك في ثبوت المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه"3. __________ 1 تبصرة الأدلة "ق-346/أ"، وانظر التمهيد ص99،100، وانظر كتاب التوحيد للماتريدي ص373-377؛ والعمدة لحافظ الدين النسفي17/أ؛ والبداية للصابوني ص152؛ وشرح العقا ئد النسفية ص119-123؛ وشرح المقاصد 5/2176 كلاهما للتفتازاني، وانظر الطوائع ص373، 374. 2 التمهيد للباقلاني ص346،347.. 3 التمهيد للنسفي ص99-100؛ وتبصرة الأدلة "ص336/أ-ب"؛ وشرح العقائد النسفية ص123-124. (1/356) ثالثا: قول النسفي: "ويدل عليه لو أن رجلا آمن بالله ورسوله ضحوة ومات قبل الزو ال يكون من أهل الجنة، ولو كان العمل من الإيمان لا يكون من أهل الجنة؛ لأنه لم يوجد منه ذلك" 1. رابعا: أن الله تعالى خاطب المؤمنين باسم الإيمان، ثم أوجب الأعمال على ما قال آمانُوا كُتِبا عالايْكُمُ الصنِياامُ كاماا كُتِبا عالاى الَّذِ ينا مِنْ قـابْلِكُمْ183"2. خامسا: أن الله تعالى قال في الكفرة38." والانتهاء عن الكفر يكون بالإيمان، ولو كانت الأعمال كلها إيمانا، لم يكن المنتهي عن الكفر منتهيا عنه ما لم يأت بجميع الطاعات، وإذا ثبت الانتهاء بالتصديق وحصلت له المغفرة عما سلف دل أنه هو الإيمان" 3.
عدد الصفحات ٢٦٣سادسا: أن الله تعالى قالينا "سورة آل عمران: الآية100". "ثبت أن الإيمان هو الذي به ترك الكفر، والكفر هو الذي به ترك الإيمان" 4. سابعا: لو قلنا: إن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان؛ لزم أن يزول الإيمان بزوال بعض الأعمال ولزم تكفير مرتكب الكبيرة 5. __________ 1 بحر الكلام ص39. 2 تبصرة الأدلة "ق-375/أ 3 تبصرة ادلة "ق-375/أ 4 تبصرة الأدلة "ق-375/أ 5 تبصرة الأدلة"ق-375/أ" بتصرف (1/357) ثامنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل صلوات الله عليه عن الإيمان، ما أجاب عنه إلا بالتصديق حيث قال: " أن تؤمن بالله وملائكته ... ولم يذكر فيه إلا ... التصديق ثم قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم " 1. ولو كان ا ان اسما لما وراء التصديق، لكان أتى ليلبس عليهم أمر دينهم، لا ليعلنِمهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قصَّ ر في الجواب 2. تاسعا: إن ضد الإيمان هو الكفر، والكفر هو التكذيب والجحود يصدنِقه أن الله تعالى قابل الكفر بالإيمان فقالوايـُؤْمِنْ باِللََِّّ256." ثم المراد منها التكذيب والتصديق فدلن أن الإيمان ذلك 3 يعني: أن الإيمان هو التصديق. الجواب عن أدلة أبي حنيفة وأصحابه "أ" الجواب عن أدلة أبي حنيفة: أولا: قول أبي حنيفة: أنه في كثير من الأوقات يرتفع العمل عن المؤ من ولا يجوز أن يقال ارتفع عنه الإيمان. هذا القول فيه نظر، إذ العمل لا يرتفع عن المؤمن كلينةً، بل قد يرتفع
عدد الصفحات ٢٦٤__________ 1 أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب سؤال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان 1/114 ح50 من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة 2 تبصرة الأدلة ق336،337. 3 تبصرة الأدلة ق-366/أ (1/358) عمل دون عمل، وكون الحائض يرتفع عنها عمل الصلاة والصوم، ليس معناه أن جميع ا عمال التي قد كلفت بها قد ارتفعت، ثم يقول القائل: إن إيمانَّا قد ارتفع. كلا فإن الحائض لم تترك الصلاة ولم تترك العمل إلا استجابة لأمر الله، وهذا في حد ذاته عمل منها؛ لأن الأعمال تنقسم إلى قسمين: عملٌ تركي، وعمل مأتيٌّ. فكون الحائض قد تركت الصلاة استجابة لأمر الله فالعمل ما زال قائما في حقها، ثم إن المرأة إذا حاضت لا يرتفع عنها جميع الأعمال التي كلفت بها، بل جميع الأعمال التكليفية تؤديها كما كانت تؤديها إباَّن طهرها، إذاً العمل في حقها ما فتِئ مستمرنا لم يرتفع بحيضها ولا بطهرها. وأيضا يقال: إن الصلاة سماها الله إيمانا في قوله تعا الآية143." وهي من أعظم شعب الإيمان، والإيمان شعب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان" 1. إذاً فقد رُفع عن الحائض بعض شعب اان بحكم الشرع، ومع ذلك فهو نقص في دينها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لبنٍ منكن" قالت: يَ رسول الله وما نقصان العقل والدين؟ قال: "أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل وتَكث الليالي ما تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين" 2. __________ 1 أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب أمور الإيمان 1/51 ح9 من طريق أبي صالح عن أبي هريرة 2 أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب نقصان الإيمان بنقص الطاعات 1/86-810 ج132 من طريق عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر.
عدد الصفحات ٢٦٥(1/359) ثانيا: قول أبي حنيفة: "إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء به من الله تعالى، وكان الداخل في الإسلام مؤمنا بريئا من الشرك ثم نزلت الفرائض بعد ذلك على أهل التصديق" 1. جوابه من ثلاثة أوجهٍ 1- أنه فرضت قبل فرض الصلاة والزكاة والصوم أعمال شرعية غير الشهادتين؛ كالصدق وإيفاء الوعد وتجنُّ ب الحرام كارتكاب الزنى وأكل مال اليتيم وغير ذلك. 2- إنالشهادتين مقتضاهما العمل، والعمل هو ترك عبادة ما سوى الله وإفراده وحده بالعبادة لأنه الإله الحق المحبوب المطاع الذي يستحق أن يعبد وحده فلا يعصى، ويخصن بنهاية الحب والخضوع والذل، وأما ما عداه مما عبده الناس فآلهة زائفة باطلة صنعتها الجهالة والأوهام فيجب البر اءة منها، وممن عبدها من دون الله تعالى. قال تعا مِنْكُمْ واممَِّا تـاعْبُدُونا مِ نْ دُونِ اللََِّّ كافارْناا بِكُمْ واباداا بـايـْنـاناا وابـا يـْناكُمُ الْعادااواةُ واالْبـاغْضااءُ أاباداً حاتىَّ تـُؤْمِنُوا باِللََِّّ الممتحنة: الآية4." وقال تعا الَّذِي فاطارانيِ فاإِنَّهُ سايـاهْدِينِ "سورة الزخرف: الآيتان 26-27." فإخلاص العبادة لله تعالى والكفر بالطواغيت والبراءة منها وممن عبدها من أعظم الأعمال، بل هذا أعظم من الفرائض العملية الظاهرة، بل التصديق بدون هذا غير معتدنٍ به. __________ 1 رسالة أحنيفة إلى عثمان البتي ص35. (1/360) 3- إن رسول الله صلىالله عليه وسلم كما دعا إلى الإقرار به وبما جاء به، دعا إ لى اتباعه، والتزام طاعته؛ لأن الإقرار وحده بدون التزام متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته لا يحصل به
عدد الصفحات ٢٦٦الدخول في الإسلام ولا ينجو به من العذاب، فصحن أن العمل من مقونِمات الإيمان وأنه لا إيمان بدون جنس العمل. ثالثا ـ قول الإمام أبي حنيفة: "فلم يكن المضيع للعمل مضيعا للتصديق، وقد أصاب التصديق بغير عمل، ولو كان المضينِع للعمل مضيعا للتصديق لانتقل من اسم الإيمان وحرمته لتضييعه العمل"1. جوابه من وجه 1- أن يقال: إن أراد تضييع العمل مطلقا فقد تقدنم أن التصديق المجرَّد لا يحصل به الإيمان فلا ينفع التصديق إذاً مع تضييع العمل مطلقا، فإن من الأعمال ما يزول الإيمان بزواله مثل محبة الله ورسوله وبغض الشرك وأهله والبراءة منه وكذلك الصلاة يزول الإيمان بتركها عند كثير من المحققين من أهل العلم" 2. وإن أراد عملا دون عمل؛ فمعلوم أنه لا يرتفع عنه أصل الإيمان بتضييع أي عمل وليس من شرط وجود الإيمان ألا يرتكب معصية. 2- أن المسلم لا يتصونر منه أن يترك العمل مطلقا بل لا بد أن يعمل شيئا من الأعمال الظاهرة كالإحسان والصدق والبر وصلة الأرحام، فإذا فُرض أن شخصا لا يعمل مطلقا أي عمل كان فهذا ليس بمصدنِقٍ __________ 1 رسالة أبي حنيفةإلى عثمان البتي ص35. 2 كأحمد بن حنبل والأوزاعي وسفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وغيرهم، انظر اعتقاد السلف أصحاب الحديث ص76؛ وكتاب الصلاة لابن القيم ص 16-20. (1/361) تصديقا يدخله في عداد اؤمنين، بل يكون في الحقيقة من المكذبين كما قال تعالى: { لاياحْزُنُكا الَّذِي يـاقُولُونا فاإِنََُّّمْ لا يُكاذنِبُوناكا والاكِنَّ الظَّالِمِينا بآِيَاتِ اللََِّّ يجاْحادُونا عمران: الآية33." رابعا: قول أبي حنيفة: قال الإمام أبوحنيفة: "إن الهدى في التصديق بالله وبرسوله ليس كالهدى في ما افترض من الأعمال" 1. جوابه: أن التصديق له أثر والأعمال لها أثر؛ فالتصديق والأعمال جزءان من الإيمان المركب منهما
عدد الصفحات ٢٦٧والإقرار والهدى الناتج من التصديق المجرند ليس كالهدى الناتج من التصديق والإقرار والأعمال، فإن الهدى الأول ضعيف والثاني أقوى منه. ويقال أيضا: إن التصديق المجرد عن عمل القلب ليس فيه هدى بدليل أنه حاصل من بعض الكفار، كما قال تعا عمران: الآية33." وإنما الهدى في التصديق المقرون بعمل القلب، من حب الله ورسوله وحب ما جاء به من الدين والانقياد لذلك وبـُغْض الدين الذي يخالفه. ولا ريب أن الهدى في اعتقاد القلب وعمله أعظم من الهدى في عمل الجوارح بل هو أصله إذ لا يلزم من الاشتراك في التسمية في الاسم اتحنِاد المرتبة، وهذا لا ينفي أن يكون كلٌّ منهما عن اعتقاد القلب وعمله مع عمل الجوارح من الإيمان. __________ 1 رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي ص35. (1/362) "ب " الجواب عن أدلة أصحاب الإمام أبي حنيفة الدليل الأول: قولهم: إن الإيمان في اللغة التصديق، ثم حكوا الإجماع عليه فالجواب عليه من وجوه: 1- دعوى أن الإيمان مرادف للتصديق ممنوع لما "أ" أنه يقال للمخبر إذا صدق: صدقت ولا يقال آمنت 1. "ب" أن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال: كذبت، فمن قال السماء فوقنا قيل له: صدق كما يقال: ك ذب، وأما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر الغائب2. "ج" أن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق، فإنه من المعلوم في اللغة أن كل يقال له: صدقت أو كذبت، ويقال: صدقناه أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه 3. "د" وأما استدلالهم بقوله تعا17." فليس في الآية ما يدل على أن المصدق مرادف للمؤمن، فإن صحة هذا المعنى بأحد اللفظين لا يدل على أنه مرادف للآخر 4. 2- لو سلمنا جدلا أن الإيمان في اللغة هو التصديق، فالألفاظ
عدد الصفحات ٢٦٨__________ 1 مجموع الفتاوى 7/290 بتصرف 2 مجموع الفتاوى 7/291. 3 مجموع الفتاوى 7/292 بتصرف 4 مجموع الفتاوى 7/126 بتصرف (1/363) الشرعية الواردة في الكتاب والسنة كالإيمان والإسلام والصلاة والزكاة والحج وغ ها ليست على معانيها اللغوية المطلقة، بل زاد فيها الشرع قيودا لا تخر ج بها هذه الأسماء عن معناها في اللغة، فمثلا الصلاة في اللغة الدعاء لكن في الشرع عبارة عن الأفعال والأقوال المخصوصة في أوقات مخصوصة بشروط مخصوصة؛ وإن كانت مشتملة على الدعاء. فهكذا الإيمان ا لشرعي مشتمل على التصديق بالجنان والعمل بالأركان والإقرار باللسان. ولا شك أن بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي مناسبة بالعموم والخصوص، لأن المعنى الشرعي أخص من المعنى اللغوي، ومعلوم أن الإيمان ليس هو التصديق بكل شيء بل بشيء مخصوص وهو ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، وحينئذ فيكون الإيمان في كلام الشارع أخص من الإيمان في اللغة 1. 3- أن دعوى الإجماع على كون الإيمان في اللغة التصديق ممنوعة وذلك لما "أ" نعم نقل الإجماع الباقلاني في كتابه التمهيد ص 100، لكن من سلفه في هذا؟ وكيف يعلم هذا الإجماع 2؟ "ب" إن كان يعني بالإجماع إجماع أهل اللغة فهل مراده نقلتها كأبي عمرو والأصمع ي والخليل ونحوهم أو مراده المتكلمون بهذا اللفظ؟. فإن عنى الأول فهؤلاء لا ينقلون كل ما كان قبل الإسلام، وإنما ينقلون ما سمعوه من العرب في زمانَّم وما سمعوه في دواوين الشعر وكلام __________ 1 مجموع الفتاوى 7/127 بتصرف 2 مجموع الفتاوى 7/123 بتصرف (1/364)
عدد الصفحات ٢٦٩العرب، ولا نعلم فيما نقلوه لفظ الإيمان فضلا عن أن يكونوا أجمعوا عليه. وإن عنى المتكلمين بهذا اللفظ قبل الإسلام؛ فهؤلاء لم نشهدهم ولا نقل لنا أحد عنهم ذلك 1. "ج" أنه لا يعرف عن هؤلاء جميعهم أنَّم قالوا: الإيمان في اللغة هو التصديق، بل ولا عن بعضهم وإن قدنِر أنه قاله واحد أو اثنان فليس هذا إجماعا 2. "د" أن يقال: هؤلاء لا ينقلون عن العرب أنَّم قالوا: معنى هذا اللفظ كذا وكذا، وإنما ينقلون الكلام المسموع من العرب، وأنه يفهم منه كذا وكذا، وحينئذ، فلو قدنِر أنَّم نقلوا كلاما عن العرب يفهم أن الإيمان هو التصديق، لم يكن ذلك أبلغ من نقل المسلمين كافة للقرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا كان مع ذلك قد يظن بعضهم أنه أريد به معنى ولم يرده؛ فظن هؤلاء ذلك فيما نقلوه عن العرب أولى 3. "هـ" أنه لو قدنِر أنَّم قالوا هذا؛ فهم آحاد لا يثبت بنقلهم التواتر، والتواتر من شرطه استواءالطرفين والواسطة، وأين التواتر الموجود عن العرب قاطبة قبل نزول القرآن في أنَّم كانوا لا يعرفون للإيمان معنى غير التصديق4. "و" أنه لم يذكر شاهدا من كلام العرب على ما ادعاه عليهم 5. __________ 1 مجموع الفتاوى 7/123 بتصرف 2 مجموع الفتاوى 7/123. 3 مجموع الفتاو ى 7/123،124. 4 مجموع الفتاوى 7/124. 5 مجموع الفتاوى 7/125. (1/365) الدليل الثا قولهم: "إن الله فرق بين الإيمان والعمل في غير موضع من القرآن الكريم ... ". الجواب عليه: التشبث بالمغايرة في جعل الإيمان تصديقا وجعل الأعمال خارجة عنه باطل، لأن العطف يقتضي
عدد الصفحات ٢٧٠مغايرة ما، لا كلَّ المغايرة، فيكفي في العطف بين شيئين نوع من المغايرة، كالمغايرة بين الكل والجزء، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، فيجوز عطف الأعمال على الإيمان، لأن الإيمان كلٌّ والأعمال جزء منه فتتحقق المغايرة، فكيف يستدلون بالعطف على إخراج الأعمال من الإيمان، والعطف لا يقتضي ذلك فيكون تشبثهم بالعطف في غير محله ولا يتم لهم المقصود، وبمثل ما ذكرت أجاب أئمة السنة أمثال أبي يعلى وشيخ الإسلام وغيرهما وحاصل ما قالوه: أن الله عطف الأعمال الصالحة والعطف يقتضي المغايرة، فيقال لهم هذا غير صحيح فإن الله عطفها على الإيمان من باب عطف الخاص على العام كقوله تبارك وتعا238." ومن المعلوم قطعا أن جبريل وميكال من جنس الملائكة، ولو كان العطف يقتضي المغايرة كما قالوا لكان جبريل وميكال من جنس آخر، وهذا لم يقل به أحد من السلف، إلى غير ذلك من الأمثلة التي تناقض ذلك فمن ذلك قوله تعاقرة: الآية238." ومن المعلوم أن الصلاة الوسطى من جنس باقي الصلوات، فلو كان العطف يقتضي المغايرة ب المعطوف والمعطوف عليه لكانت الصلاة (1/366) الوسطى غير باقي الصلوات، وهذا خلاف المعروف والمعلوم1. وقال ابن أبي العز انفي: "والمغايرة على مراتب: أعلاها أن يكونا متباينين ليس أحدهما هو الآخر ولا جزءه ولا بينهما تلازم كقوله تعالسَّمااوااتِ واالأارْضا واجاعالا الظُّلُمااتِ واالنُّورا1." {لأِنجِْيلا3." هذا هو الغالب ويليه: أن يكون بينهما تلازم كقوله تعالحْاقَّ واأانـْتُمْ تـاعْلامُونا "سورة البقرة: الآية42." {ائدة: الآية92." الثالث: عطف بعض الشيء عليه كقوله تعا البقرة: الآية238."
عدد الصفحات ٢٧١{ عادُوناً للََِِّّ وامالائِكاتِهِ وارُسُلِهِ واجِبرِْيلا وامِيكاالا 98." {مِنا النَّبِينِينا مِيثااقـاهُمْ وامِنْكا7." وفي مثل هذا وجهان أحدهما: أن يكون داخلا في الأول فيكون مذكورا مرتين. والثاني: أن عطفه يقتضي أنه ليس داخلا فيه هنا، وإن كان داخلا فيه __________ 1 راجع مسائل الإيمان لأبي يعلى ص241،242؛ وموع الفتاوى 7/179-178؛ وشرح العقيدة الطحاوية ص378-380 (1/367) منفردا كما قيل مثل ذلك في لفظ الفقراء والمساكين ونحوه مما تتنوع بالإفراد وا قتران. الرابع: عطف الشيء على الشيء لاختلاف الصفتين كقوله تعا "سورة غافر: الآية3." وقد جاء في الشعر العطف لاختلاف اللفظ فقط كقوله فألفى قولها كذبا ومينا 1"2. فأنت ترى أن الكذب والماينْا شيء واحد. ولكن جاز العطفجل الاختلاف في اللفظ. والحاصل أن عطف الأعمال على الإيمان في بعض النصوص لا يدل على خروج الأعمال عن حقيقة الإيمان ومسماه، فتشبث هؤلاء بشبهة العطف لا يفيدهم إخراج الأعمال عن مسمى الإيمان وحقيقته. الدليل الثالث: قول النسفي: "لو أن رجلا آمن بالله ورسوله ضحوة وم ات قبل الزوال يكون من أهل الجنة، ولو كان العمل من الإيمان لا يكون من أهل الجنة؛ لأنه لم يوجد منه ذلك". قلت: هذا لا يدل على كون الإيمان هو التصديق فقط لأن الله لا يكلف نفس إلا وسعها فمن صدق بالقلب ولم يجد فرصة للإقرار بأن كان أبكم مثلا فهو مؤمن، وكذا لو صدق وأقر ومات على الفور فهو مؤمن __________
عدد الصفحات ٢٧٢