المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

ب أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة بـ الشاملة ب

غير معروف

صفحة ١٤ من ٣٢

فهذا هو التشبيه1. وقال ابن تيمية: "من قال: علم كعلمي أو قوة كقوتي أو حب كحبي أو رضاء كرضائي أو يدان كيدين أو استواء كاستوائي كان مشبها مم ثلا لله بالحيوانات" 2. ومن التشبيه التعرض لكيفية صفات الرب وحقيقتها التي لا يعلمها إ3. قال ابن القيم عن إلحاد المشبهة: "فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة، فإن أولئك نفوا صفات كماله وجحدوها وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه فجمعهم إلحاد وتفرقت بهم طرقه" 4. الصنف الثالث ـ المؤمنون الموحدون وهم الذين يصفون الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من صفات الكمال على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته من غير تَثيل ولا تشبيه، ومن غير تحريف ولا تعطيل لشيء من أوصاف الله __________ 1 جامع الترمذي3/50، 51.. 2 مجموع الفتاوى 3/16. 3 عقيدة السلف أصحاب الحديث ص4 بتصرف 4 بدائع الفوائد1/170. (1/286) قال الصابوني: "إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة ... يعرفون ربهم عز وجلَّ بصفاته التي نطق بها وحيُه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله صلى الله عليه وسلم على ما وردت الأخبار الصحاح به ونقلته العدول الثقات عنه، ويثبتون له جلن جلاله منها ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لا يعتقدون فيها تشبيها لصفاته بصفات خلقه..ولا يحرفون كلاما عن مواضعه، وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتكييف والتشبيه، ومنَّ عليهم بالتعريف والتفهم، حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا ا لقول بالتعليل والتشبيه، واتبعوا قول الله تعالى: { الْباصِيرُ11 " ... "1. وبعد هذا العرض لمذاهب الناس في الأسماء والصفات إجمالا، نتناول مذهب السلف في ذلك بشيء من التفصيل.

عدد الصفحات ٢٠٩

رابعا ـ طريقة السلفتوحيد الأسماء والصفات 1- طريقتهم في الإثبات الإثبات عندهم هو إثبات بلا تشبيه وبيان ذلك في الآتي: "أ" الإيمان والتسليم بما ورد من الأسماء والصفات: يجب الإيمان بالأسماء والصفات الثابتة في الكتاب والسنة دون تجاوزها بالنقص أو الزيَدة. قال ابن خزيمة: "إن الأخبار في صفات الله موافقة لكتاب الله تعالى، نقلها الخلف عن السلف قرنا بعد قرن من لدن الصحابة والتابعين إلى __________ 1 اعتقاد السلف أصحاب الحديث ص3،4. (1/287) عصرنا هذا على سبيل الصفات لله تعالى والمعرفة والإيمان به والتسليم لما أخبر الله تعالى في تنزيله ونبيه صلى الله عليه وسلم مع اجتناب التأويل والجحود، وترك التمثيل والتكييف" 1. وقال أبو بكر الإسماعيلي2: "اعلموا رحمني الله وإيَكم أن مذهب أهل الحديث أهل السنة والجماعة الإقرار بالله وكتبه ورسله وقبول ما نطق به كتاب الله وصحت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا معدل عما ورد به، ولا سبيل إلى رده إذ كانوا مأمورين باتباع الكتاب والسنة مضمونا لهم الهدى فيهما مشهودا لهم بأن نبيهم صلى الله عليه وسلم يهدي إلى صراط مستقيم محذرين في مخالفته الفتنة والعذاب الأليم، ويعتقدون أن الله تعالى مدعو بأسمائه الحسنى، موصوف بصفاته التي سمى ووصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم ... " 3. فجميع نصوص الأسماء والصفات يقرونَّا صريحة على ظواهرها كما أتت، ويسلمون لما تقتضيه تلك الصفات من كمالات تليق بالله، من غير تحريف ولا تكييف. فكل ما نص عليه ك تاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب الإيمان به. فمن أنكر أو ألحد فإنه يخشى عليه الكفر بعد ثبوت الحجة عليه كما قال الشافعي: "لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم لا يسع أحدا من خلق الله تعالى قامت عليه الحجة ردها، لأن القرآن نزل بها، __________

عدد الصفحات ٢١٠

1 ذم التأويل لابن قدامة ص140 ضمن مجموعة الرسائل الكمالية 2 هو أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الإسماعيلي الجرجاني أبو بكر. قال عنه الذهبي: "الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام" مات سنة 371هـ تذكرة الحفاظ 3/947. وانظر ترته في طبقات الشافعية 3/7. 3 ذم التأويل لابن قدامة ص139، ضمن مجموعة الرسائل الكمالية (1/288) وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم القول بها، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر بالله تعالى، فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر فمعذور بالجهل" 1. "ب" أن أسماء الله عزَّ وجلَّ وصفاته كلها عندهم توقيفية فلا يطلقون على الله شيئا منها إلا بإذن من الشرع، فما ورد من الشرع وجب إطلاقه، وما لم يرد به فلا يصح إطلاقه، قال عبد الرحمن بن قاسم العُتاقي 2: "لا ينبغي لأحد أن يصف الله إلا بما وصف به نفسه في القرآن" 3. وقال السجزي: "قد اتفقت الأئمة على أن الصفات لا تؤخذ إلا توقيفا، وكذلك شرحها لا يجوز إ بتوقيف ... ولا يجوز أن يوصف الله سبحانه إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم" 4. وذلك لأن الإيمان بصفات الله وأسمائه من الإيمان بالغيب، ولا يمكن معرفة الغيب إلا عن طريق الرسل الذين يبلغون وحي الله. "ج" إثباتهم للصفات إثبات وجود معلوم المعنى مجهول الكيفية: سئل الإمام مالك عن قول الله تعا اسْتـاواىالآية5." __________ 1 ذم التأويل ص143. 2 هو عبد الرحمن بن قاسم بن خالد بن جنادة العتقي بضم المهملة وفتح المثناة أبو عبد البصري. قال عنه ابن حجر: "الفقيه صاحب مالك ثقة من كبار العاشرة". مات سنة إحدى وتسعين ومائة تقريبا. تقريب التهذيب 1/495؛ وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب 6/252.

عدد الصفحات ٢١١

3 أصول السنة لابن أبي زمن1/212. 4 كتاب الحرف والصوت ص139. (1/289) كيف استوى؟ قال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" 1. فبين أن الاستواء معلوم المعنى، مجهول الكيفية. وهكذا بقية الصفات يقال فيها ما قيل في الاستواء. قال أبو سليمان الخطابي: "فإذا كان معلوما أن إثبات الباري سبحان ه وتعالى، هو إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته؛ إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تح ديد وتكييف" 2. وقال الحافظ أبو القاسم التيمي: "وإثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كي فية، فكذلك إثبات الصفات ... وعلى هذا مضى السلف كلهم" 3. وقال السجزي: "إن الله تعا إذا وصف نفسه بصفة هي معقولة عند العرب، والخطاب ورد بها عليهم بما يتعارفون بينهم، ولم يبين سبحانه أنَّا بخلاف ما يعقلونه، ولا فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بتفسير يخالف الظاهر، فهي على ما يعقلونه" 4. وقال السرخسي الحنفي 5: "وأهل السنة والجماعة أثبتوا ما هو الأصل المعلوم بالنص ـ أي بالآيَت القطعية والدلالات اليقينية ـ وتوقفوا __________ 1 تقدمريج هذا الأثر ص25. 2 الأربعين في صفات رب العالمين ص117؛ والعلو ص173، كلاهما للذه . 3 الحجة في بيان المحجة ص34. 4 الحرف والصوت ص183. 5 هو أبو بكر محمد بن أحمد السرخس ي نسبة إلى سرخس بفتح السين والراء بلد بخراسان، قال عنه القرشي: "كان إماما علامة حجة متكلما فقيها أصوليا" مات سنة 490هـ، انظر الجواهر المضية 3/78؛ والفوائد البهية ص158. (1/290)

عدد الصفحات ٢١٢

فيما هو المتشابه وهو الكيفية، ولم يجوزا الاشتغال في طلب ذلك1. وقال البزدوي الحنفي2: "إثبات اليد والوجه حق عندنا معلوم بأصله، متشابه بوصفه، ولا يجوز إبطال الأصل بالعجز عن إدراك الوصف بالكيف، وإنما ضلنت المعتزلة من هذا الوجه فإنَّم ردوا الأصول لجهلهم بالصفات فصاروا معطلة" 3. "د" الإثبات عندهم يكون على وجه التفصيل وهذه هي طريقة القرآن، فالإثبات للصفات في كتاب الله يكون مفصلا، والنفي يكون مجملا. 4 ومن شواهد الإثبات المفصل قوله تعامُ الْ مُؤْمِنُ الْمُهايْمِنُ الْعازِيزُ الجْابَّارُ الْمُتاكابرنُِ سُبْحاانا اللََِّّ عامَّا يُشْرِكُونا هُوا اللََُّّ الخْاالِقُ الْباارِئُ ا لْمُصاونِرُ لاهُ الأاسمْااءُ الحُْسْنىا يُسابنِحُ لاهُ ماا فيِ السَّمااوااتِ واالأْارْضِ واهُوا الْعازِيزُ الحْاكِيمُ }ورة الحشر: الآيتان23-24." والمراد بالتفصيل التعيين والتخصيص، وذلك بذكر الأسماء والصفات معينة منصوصا عليها، لا مجملة في لفظ عام، كقوله تعانا ما ا كاانُوا يـاعْمالُونا180." __________ 1 شرح الفقه الأكبر ص 60. 2 سيأتي التعريف به في ص299. 3 أصول البزدوي مع شرحه كشف الأسرار لعلي الدين البخاري 1/60،61. 4 شرح العقيدة الطحاوية ص 53. (1/291) "هـ" صفات الله كلها كاملة عندهم ما و رد في الكتاب والسنة وصفا لله تعالى إنما هو عندهم من صفات الكمال الواجبة لله تعالى، ولو لم يتصف بها للزم النقص في حقه تعالى وتقدنس. ومما يدل على هذا أن الله تعالى ذكر أن الأصنام لا توصف بالكلام، ولا بالنطق، ولا بالنفع، ولا بالضر، وهذا دليل على عدم إلهيتها. وإذا كان كذلك فهذه الصفات صفات كمال، وا لفاقد لها لا يستحق أن يكون متصفا بالألوهية. قال تعالى عمن عبد العجل من دونه

عدد الصفحات ٢١٣

أالماْ يـاراوْا أانَّهُ لا يُكالنِمُهُمْ والا يـاهْدِيهِمْ سابِيلاً اتخَّاذُوهُ واكاانُوا ظاالِ مِينا148." وقال تعانا أالاَّ يـارْجِعُ إِلايْهِمْ قـاوْلاً والا يماْلِكُ لهاُمْ ضارناً والا نـافْعاً88-89." "و" وأسماء الله كلها حسنى عندهم أسماء الله جميعها حسنى؛ لأنَّا دالة على صفات كمال عظيمة، ولو كانت أعلاما محضة لم تكن حسنى1، لذلك أمر الله عباده أن يدعوه بها لأنَّا وسيلة مقربة إليه يحبها ويحب من يحفظها، ويحب من يبحث عن معانيها ويتعبد له بها 2. قال تعاوا يـاعْمالُونا180." __________ 1 انظر مجموع الفتاوى 3/8. 2 انظر تيسكلام المنان 3/120،121 .5/145. (1/292) فكل اسم من أسماء الله دال على جميع الصفة التي اشتق منها، مستغرق لجميع معناها، ودلالة الأسماء على الذات والصفة تكون بالمطابقة إذا فسرنا الاسم بجميع مدلوله، وبالتضمن إذا فسرناه ببعض مدلوله، وبالالتزام إذا استدللنا به على غيره من الأسماء التي يتوقف عليها هذا الاسم، مثال ذلك الرحمن، دلالته على الرحمة والذات دلالة مطابقة، وعلى أحدهما دلالة تضمن لأنَّا داخلة في الضمن، ودلالة الأسماء التي لا توجد إلا بثبوتها كالحياة والعلم والقدرة ونحوها دلالة التزام 1. فالمقصود أن أسماء أعلام وأوصاف دالة على معانيها، وكلها أوصاف مدح وثناء. 2- طريقتهم في التنزيه التنزيه الذي دل عليه الكتاب والسنة وفهمه سلف هذه الأمة هو تنزيه بلا تعطيل، لما أثبت الله لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم. وليس نفي الصفات الثابتة في الكتاب والسنة من التنزيه في شيء 2 بل هو عين التنقص __________ 1 انظر بدائع الفوائد1/162 بتصرف

عدد الصفحات ٢١٤

2 خالف المتكلمون السلف في مفهوم التنزيه حيث جعلوه معولا لهدم بنيان صفات الله الثابتة في الكتاب والسنة. وأول من أدخل النفي في التنزيه هم الجهمية فقد نقل عنهم الإمام أحمد أن توحيدهم غالبه سلوب وتابعهم بعد ذلك المعتزلة فقد نقل عنهم الأشعري في المقالات أنَّم أجمعوا على: "أن الله واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وليس بجسم ولا شبه ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عرض ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا مجسة ولا بذي حر ارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع ولا افتراق ولا يتحرك ولا يسكن ولا يتبعض وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء وليس بذي جهات ولا == بذي يمين وشمال وأمام وفوق وتحت ولا يحيط به مكان ولا يجري عليه الزمان ولا يجوز عليه الماسة ولا العزلة ولا الحلول في الأماكن ولا يوصف بشيء من صفات الخلق. فهذه جملة قولهم في التوحيد وقد شاركهم هذه الجملة الخوار ج وطوائف من المرجئة وطوائف من الشيعة. قال ابن أبي العزَّ الحنفي في بيان فساد هذه الأمة: " والمعطلة يعرضون عما قاله الشارع من الأسماء والصفات ولا يتدبرون معانيها ويجعلون ما ابتدعوه من المعاني والألفاظ هو المحكم الذي يجب اعتقاده واعتماده ... والمقصود أن غالب عقائدهم السلوب ليس بكذا ليس بكذا وأما الإثبات فهو قليل وهو أنه عالم قادر حي وأكثر النفي المذكور ليس متلقى عن الكتاب والسنة ولا عن الطرق ال عقلية التي سلكها غيرهم من مثبتي الذات فإن الله تعالى قال "سو رة الشورى: الآية11." ففي هذا الإثبات ما يقرر معنى النفي ففهم أن المراد انفراده سبحانه بصفات الكمال فهو سبحانه وتعالى موصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسله ليس كمثله شيء في صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله". انظر كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد ص 105؛ مقات الإسلاميين ص155؛ وشرح العقيدة الطحاوية ص54؛ وراجع أيضا مجموع الفتاوى 11/483،484. (1/293) والنوم والذل والسفه والنسيان والغفلة والحاجةوالتعب واللغوب، أو كان منفصلا؛ كالشريك والظهير والشفيع بدون إذنه والولد والوالد واتخاذ صاحبة والكفؤ والند والولي من الذل. قال ابن القيم:

عدد الصفحات ٢١٥

توحيدهم نوعان قولي وفعلي كلا نوعيه ذو برهان فالأول القولي ذو نوعين أيضا في كتاب الله موجودان إحداهما سلب وذا نوعان أيضا فيه مذكوران سلب النقائص والعيو ب جميعها عنه هما نوعان معقولان سلب لمتصل ومنفصل هما نوعان معروفان أما الثاني سلب الشريك مع الظهير مع الشفيع بدون إذن المالك الديَن وكذاك سلب الزوج والولد الذي نسبوه إليه عابدو الصلبان وكذاك نفي الكفء أيضا والولي ما سوى الرحمن للغفران والأول التنزيه للرحمن عن وصف العيوب وكل ذي نقصان كالموت والإعياء والتعب الذي ينفي اقتدار الخالق المنان والنوم والسنِناة التي هي أصله وعزوب شيء عنه في الأكوان إلى أن قال: وكذاك ظلم عباده وهو الغني فما له والظلم للإنسان وكذاك غفلته تعالى وهو علام الغيوب فظاهر البطلان وكذلك النسيا ن جل إلهنا

عدد الصفحات ٢١٦

لا يعتريه قط من نسيان وكذاك حاجته إلى طعام ورز قٍ وهو رازق بلا حسبان هذا وثاني نوعي السلب الذي هو أول الأنواع في الأوزان تنزيه أوصاف الكمال له عن التشبيه والتمثيل والنكران (1/295) لسنا نشبه وصفه بصفاتنا إن المشبه عابد الأوثان 1 "ب" النفي عندهممجمل: تقدنم أن الإثبات عند السلف يكون إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه التفصيل من غير تكييف ولا تَثيل ولا تعطيل. أما النفي فهو مجمل عندهم كما في القرآن الكريم. قال تعالِهِ شايْءٌ واهُوا السَّمِيعُ الْباصِيرُ ورة الشورى: الآية11." وقال تعا4." والمراد بالإجمال: التعميم والإطلاق، والنفي المجمل: هو الذي لا يتعرض فيه لنفي عيوب ونقائص معينة، فقوله تعاكُنْ لاهُ كُفُواً أاحادٌه نفي للمماثلة في جميع الصفات، فلم يقل ليس كمثله شيء في علمه أو في قدرته أو في سمعه أو في بصر. وما ذكر من الإجمال في النفي والتفصيل في الإثبات إنما هو في الغالب؛ وإلا فإنه قد يأتي النفي مفصلا، كما قد يأتي الإثبات مجملا. فالأول، كقوله تعاسِناةٌ والا نـاوْمٌ 255." وقوله تعا49." والثاني كقوله تعاونا فيِ أاسمْاائِهِ سايُجْزاوْنا ماا كاانُوا يـاعْمالُونا180." وقوله تعا2."

عدد الصفحات ٢١٧

__________ 1 القصيدة النونية المعروفة بالكافية الشافية ص145. (1/296) "ج" لا يصفون الله بالنفي المحض: ومع نفيهم عن الله ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم فهم يثبتون ضد الصفات المنفية، كقوله تعا49." فهم يثبتون كمال عدله وكقوله تعاة سبأ: الآية3." فهم يثبتون كمال علمه وكقوله تعالى: {38." فهم يثبتون كمال قدرته وكقوله تعا255." فهم يثبتون كمال حياته وقينوميته، لأن النفي الصرف عندهممدح فيه ولا كمال لأنه عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء 1. __________ 1 انظر الرسالة التدمرية ص57، وشرح العقيدة الطحاوية ص 52. (1/297) المبحث الأول: تقرير توحيد الأسماء والصفات إجمالا عند الإمام أبي حنيفة "أ" يثبت الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ما أثبت الله لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، يدل على هذا قوله: "لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته ، ورضاه ثوابه. ونصفه كما وصف نفسه أحد صمد لم يل د ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، حي قادر سميع بص ير عالم،

عدد الصفحات ٢١٨

يد الله فوق أيدهم، ليست كأيدي خلقه، ووجه ليس كوجوه خلقه 1. وقوله: "وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن، من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يق ال: إن يده قدرته أونعمته؛ لأن فيه إبطالا الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال ... " 2. __________ 1 الفقه الأبسط ص56. 2 الفقه الأكبر ص302. (1/298) قال البزدوي1: "العلم نوعان علم التوحيد والصفات، وعلم الشرائع والأحكام، واصل في النوع الأول هو التمسُّك بالكتاب والسنة ومجانبة الهوى والبدعة ولزوم طريق السنة والجماعة، وهو الذي عليه أدركنا مشايخنا وكان على ذلك سلفنا أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وعامة أصحابهم. وقد صنف أبو حنيفة رضي الله عنه في ذلك كتاب الفقه الأكبر، وذكر فيه إثبات ا لصفات وإثبات تقدير الخير والشر من الله" 2. "ب" الإمام أبو حنيفة ره الله تعالى لا يعتمد على الرأي والمقايسات العقلية في إثبات الصفات بل يثبت الصفات بالكتاب والسنة، يدل على هذا قوله: "لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء، بل يصفه بما وصف به نفسه، ولا يقو ل فيه برأيه شيئا تبارك الله تعالى رب العالمين" 3. فصفات الله لا تعلم بالعقل فقط بل لا تعلم على التفصيل إلا بالوحي؛ فإنَّا من الغيب، والعقل قاصر وعاجز عن معرفة الغيب على التفصيل، بل العقول عاجزة عن تكييف صفات الرب سبحانه وتعالى؛ لأن الشيء إنما تعرف كيفيته بم شاهدته أو مشاهدة نظيره، والله تعالى لا نظير له. وإذا كانت عاجزة عن تكييف بعض المخلوقات كالروح __________ 1 هو علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم البزدوي نسبة إلى بزدة قلعة حصينة على ستة فراسخ من نسف. قال عنه يَقوت: "الفقيه بما وراء النهر صاحب الطريقة على مذهب أبي حنيفة. روى عنه صاحبه أبو المعلى محمد بن نصر بن منصور المديني الخطيب وابنه القاضي أبو ثابت الحسن بن البزدوي" مات

عدد الصفحات ٢١٩

سنة488هـ، معجم البلدان1/409؛ والجواهر المضية2/594. 2 أصول البزدوي ص3، كشف الأسرار عن أصول البزدوي 1/7،8. 3 شرح العقيدة الطحاوية 2/427 تحقيق د. التركي وجلاء العين ص368. (1/299) والجنة1 وغيرها من المغيبات، فهي عن التكييف لذات الرب وصفاته أعجز. وفي هذا يقول الشافعي: "حرام على العقول أن تَثل الله تعالى وعلى الأوهام أن تحد، وعلى الظنون أن تقطع، وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الضمائر أن تعمَّق، وعلى الخواطر أن تحيط، وعلى العقول أن تعقل إلا ما وصف به نفسه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم" 2. وقال ابن عبد ال"لا خلاف بين فقهاء الأمصار وسائر أهل السنة، وهم أهل الفقه والحديث في نفي القياس في التوحيد، وإثباته في الأحكام" 3. "ج" الصفات عند الإمام أبي حنيفة معلومة المعنى،هولة الكيفية، وليس عنده التفويض المطلق، دلن على ذلك قوله لما سئل عن النزول الإلهي قال: "ينزل بلا كيف" 4. قال الملان علي القاري بعد ذكره قول الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول ... ": "اختاره إمامنا الأعظم وكذا كل ما ورد من الآيَت والأحاديث المتشابها ت من ذكر اليد والعين والوجه ونحوها من الصفات. فمعاني الصفات كلها معلومة وأما كيفيتها فغير مع قولة؛ إذ تعقل الكيف فرع العلم لكيفية الذات وكنهها. فإذا كان ذلك غير معلوم؛ فكيف يعقل لهم __________ 1 الرسالة التدمرية ص46،47،50-57، والحموية ص110،112، ومجموع ال فتاوى 3/28، 30-34،5/115،116. 2 ذم التأويل ص143، ضمن مجموعة الرسائل الكمالية رقم3. 3 جامعبيان العلم وفضله ص74. 4 عقيدة السلف أصحاب الحديث ص42، ط، دار السلفية، والأسماء والصفات للبيهقي ص456، وسكت عليه الكوثري، وشرح الطحاوية ص 245، تخريج الألباني، وشرح الف قه الأكبر للقاري ص60. (1/300)

عدد الصفحات ٢٢٠

كيفية الصفات، والعصمة النافعة من هذا الباب أن يصف الله بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تَثيل، بل يثبت له الأسماء والصفات، وينفي عنه مشابهة المخلوقات، فيكون إثباتك منزها عن التشبيه، ونفيك منزها عن التعطيل. فمن نفى حقيقة الاستواء فهو معطل ومن شبنهه باستواء المخلوقات على المخلوق فهو مشبنه، ومن قال الاستواء ليس كمثله شيء فهو الموحنِد المنزنِه" 1. "د" الإمساك عن التأويل مطلقا طريقة الإمام أبي حنيفة في الصفات، الإمساك عن التأويل مطلقا لأنه يفضي إلى إبطال الصفة وتعطيل معناها اللائق بالله. دل على ذلك قوله: "ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه إبطال صفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال" 2. وقال: "وهو يغضب ويرضى ولا يقال غضبه عقوبته ورضاه ثوباه3. والإمساك عن تأويل النصوص بما يخالف ظاهرها هو طريقة الأئمة، كما هي طريقة الإمام أبي حنيفة. قال الألوسي الحنفي: "أنت تعلم أن طريقة كثير من العلماء الأعلام وأس اطين الإسلام الإمساك عن التأويل مطلقا مع نفي التشبيه والتجسيم 4. منهم الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك، __________ 1 مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 8/251 طبع ملتان 2 الفقه الأكبر ص302.. 3 الفقه الأبسط ص56، وسكت عليه محقق الكتاب الكوثري 4 التجسيم: من الفاظ المجملة المحدثة التي أحدثها أهل الكلام، فلم ترد في الكتاب والسنة ولم تعرف عن أحد من الصحابة والتابعين وأئمة الدين، انظر مجموع الفتاوى 3/306، ومنهاج السنة 2/135. (1/301) والإمام أحمد، والإمام الشافعي، ومحمد بن الحسن، وسعد بن معاذ المروزي، وعبد بن المبارك، وأبو معاذ خالد بن سليمان صاحب سفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسماعيل البخاري، والترمذي، وأبو داود السجستاني ... " 1.

عدد الصفحات ٢٢١

"هـ" نفي التشبيه مطلقا وإثبات الصفات مع نفي التشبيه ليس من التشبيه في شيء عند الإمام أبي حنيفة: نفى الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى مشابهة الله بخلقه مطلقا، فلا يماثله شيء ومع ذلك أثبت الصفات، دل على ذلك قوله: " ولا يشبه شيئا من الأشياء من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه، لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته ... " 2. وقال: "وصفاته بخلاف صفات المخلوقين يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا ك قدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويسمع لا كسمعنا، ويتكلم لا ككلامنا ... " 3. وقال كذلك: "لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوق 4. وقرر الطحاوي هذا في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ولا يشبه الأنام" 5. فهو سبحانه ليس كمثله شيء و تضرب له الأمثال ولا كفء له. __________ 1 روح المعا 6/156. 2 الفقه الأك301. 3 الفقه الأكبر ص302. 4 الفقه الأبسط ص56. 5 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص19. (1/302) قال تعاورى: الآية11." ... " وقال تعا74." وقال تعا ياكُنْ لاهُ كُفُواً أاحادٌ4." فكل ما ثبت لله من صفات الكمال فهي مختصة به وحده، لا يشركه فيها أحد، ومن اعتقد خلاف ذلك فقد كفر. قال نعيم بن حماد: "من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيها" 1.

عدد الصفحات ٢٢٢

وقال إسحاق بن راهويه: "من وصف الله فشبنه صفاته بصفات أحد من خلق فهو كافر بالله العظيم"2. وهذا هو ما يعتقده الإمام أبو حنيفة وصاحباه. دل على ذلك ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: "و من وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر" 3. والمبتدعة تسمي من أثبت لله صفات الكمال التي لا يشك معه فيها أحد مشبها ومجسما، وفي ذلك يقول القونوي الحنفي: "قال كثير من أئمة السلف علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة، فإنه ما من أحد نفى __________ 1 شرح أصو ل اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/532. 2 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/532. 3 العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني 25. (1/303) شيئا من الأسماء والصفات إلا يسمي المثبت لها مشبها، حتى بعض المفسرين كعبد ا بار والزمخشري وغيرهما من المعتزلة والرافضة يسمون كل من أثبت شيئا من الصفات أو قال برؤية الذات مشبها. والمشهور عند الجمهور من أهل السنة والجماعة أنَّم لا يريدون بنفي التشبيه نفي الصفات، بل يريدون أنه سبحانه لا يشبه المخلوق في أسمائه وصفاته وأفعاله كما بيننه الإمام بيانا شافيا" 1. فالمثبت لصفات الكمال اليشترك فيها مع الله أحد ليس مشبها ولا مجسما، بل المشبه من اعتقد أن صفات الله من جنس صفات المخلوقين. قال إسحاق بن راهويه: "إنما يكون تشبيه إذا قال: يدٌ كيد أو مثل يد أو سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه. وأما إذا قال كما قال لله تعالى يد وسمع وبصر ولا يقول كي ف ولا يقول مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيها. وهو كما قال الله تعالى في كتابه الْباصِيرُ11 " ... "2. وقال الترمذي: "قال أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايَت من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا قالوا: قد ثبتت الروايَت في هذا ونؤمن بها ولا نتوهم ولا يقال كيف؟..هكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة. وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايَت

عدد الصفحات ٢٢٣

وقالوا: هذا تشبيه3. __________ 1 شرح الفقه الأكبر للقاري ص 24،25. 2 سنن الترمذي 3/42. 3 سنن الترمذي3/41،42، وانظر5/251. (1/304) فتبين لنا من نصوص الإمام أبي حنيفة المتقدمة أنه يثبت الصفات التي وردت في الكتاب والسنة بدون تكييف ولا تَثيل ولا تعطيل. وإثبات الصفات عنده على هذه الطريقة ليس من التشبيه في شيء. هذا هو ما عليه السلف الصالح، أما ما عدا ذلك فهو من بدع المعطلة والمشبهة. "و" تقسم الصفات: أئمة أهل السنة يرون1 أن صفات الله تنقسم إلى قسمين: أولا ـ صفات ذاتية: وهي الملازمة للذات الإلهية أزلا وأبدا ولا تتعلق بها المشيئة 2، كالحياة والعلم والسمع والبصر ثانيا ـ صفات فعلية: وهي التي تتعلق بقدرته في كل وقت وأن تحدث بمشيئته، كالنزول والاستواء والإحياء والإماتة والرضا والغضب 3. وهذا التقسيم ذهب إليه الإمام أبو حنيفة. دل على هذا قوله: __________ 1 انظر الأسماء والصفات ص110، والاعتقاد ص70-72ن كلاهما للبيهقي، ومجموع الفتاوى 6/99،6/268، واجتماع الجيوش الإسلامية 300، والعلو للذهبي ص174، وممن ذهب إلى هذا التقسيم من المتكلمين أبو الهذيل العلاف من المعتزلة والباقلاني من الأشاعرة. انظر مقالات الإسلاميين 1/1654، والتمهيد للباقلاني ص262، وكذا قسنم بعض أهل السنة الصفات إ قسمين سمعية وعقلية يظهر من كلام الإمام أحمد وابن كلاب وعبد العزيز المكي كما صرح بذلك شيخ الإٌسلام في كتاب التدمرية ص149،150. 2 انظر التمهيد للباقلاني ص262؛ ومجموع الفتاوى 5/99، واجتماع الجيوش الإسلامية ص 300،

عدد الصفحات ٢٢٤