المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

ب أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة بـ الشاملة ب

غير معروف

صفحة ١٣ من ٣٢

2 انظر تبيين الحقائق1/264؛ وروح المعا 15/237؛ والمرقاة شرح المشكاة 2/202، والكوكب الدري 1/316،317. 3 الكوكب الدري 1/317. 4 كره أبو حنيفة استقبال قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقت الدعاء. انظر كتاب التوسل والوسيلة ص 293؛ وروح المعاني 6/125؛ ومجمع الأنَّر في شرح ملقتى الأبحر 1/313. 5 الكوكب الدري 1/316-317. (1/264) دين لم يأذن به الله عزَّ وجلَّ ... ويكفيك في معرفة الحق تتبع ما صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبره عليه الصلاة والسلام، وهو أفضل قبر على وجه الأرض ... والوقوف على أفعالهم في زيَراتهم له، والسلام عليه، عليه الصلاة والسلام. فتتبع ذاك وتأمل وما هنا وما هناك والله سبحانه وتعالى يتولى هداك ... " 1. هذا وقد صح عن النبي صلى عليه وسلم النهي عن هذه الأمور، فقد روى مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يكون بخمس، وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لبي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنَّاكم عن ذلك" 2. وروى عن جابر بن عبد الله قال: "نَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يُقعد عليه، وأن يُبنى عليه" 3. __________ 1 روح المعا 15/239-240. 2 أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة من صحيحه باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد 1/377، 378 ح532. 3 أخرجه مسلم في كتاب الجنائز من صحيحه باب النهي عن تجصيص الق 2/667 ح970. وأبو داود: كتاب الجنائز باب في البناء على الق 3/552 ح3225.

عدد الصفحات ١٩٣

والترمذي: كتاب الجنائز باب ما جاء في كراهية تحصيص القبور والكتابة عليها 3/359 ح1052. وابن ماجه: كتاب الجنائز باب ما جاء في النهي عن البناء على القبور = (1/265) وروي عن أبي الهياج الأسدي1 قال: " قال علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع تَثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سونيته" 2. وروى البخاري ومسلم عن عائشة وابنعباس رضي الله عنهما قالا: لما نُزل برسول الله صلى الله عليه وسلم، طفق 3 يطرح خميصة 4 له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه. فقال ، وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر مثل ما صنعوا 5. __________ = وتجصيصها والكتابة عليها 1/498 ح1562. والنسائي: كتاب الجنائز باب الزيَدة على الق 4/86 ح2027. جميعهم من طرق أبي الزبير عن جابر بن عبد 1 هو حيانبن حصين أبو الهياج الأسدي الكوفي. قال عنه ابن حجر: "ثقة من الثالثة". تقريب التهذيب 1/208؛ وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب3/67. 2 أخرجه مسلم في كتاب الجنائز من صحيحه باب الأمر بتسوية القبر 2/666 ح969. والترمذي: كتاب الجنائز باب ما جاء في تسوية القبور 3/357 ح1049. والنسائي: كتاب الجنائز باب تسوية القبور إذا رفعت 4/88 ح2031. جميعهم من طريق أبي وائل عن أبي الهياج الأسدي 3 طفق: يقال طفقيفعل كذا أبي جعل يفعل. الصحاح 4/1517. 4 خميصة: الخميصة كساء له أعلام، انظر النهاية 2/80-81 وغريب الحديث لابن سلام 1/266،227. 5 أخرجه البخاري في كتاب الصلاة من صحيحه باب 55،1/532 ح436. ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة من صحيحه باب النهي عن بناء المساجد واتخاذ صور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد 1/3787 ح531. كلاهما من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة وابن عباس

عدد الصفحات ١٩٤

(1/266) المبحث الثاني: عقيدة الإمام أبي حنيفة في التوسل إ التوسل إلى الشيء في عرف أهل اللسان: هو التقرب إليه، واستعمال السبب الموصل إليه، وهو الوسيلة. قال الله تعا أايـُّهاا الَّذِينا آمانُوا اتـَّقُوا اللََّّا واابـْتـاغُوا إِلايْهِ الْواسِيلاةا واجااهِدُوا فيِ سابِيلِهِ لاعالَّكُمْ تـُفْلِ حُونا "سورة المائدة: الآية35." قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: "الوسيلة هي الفعيلة من قول القائل: توسلت إلى فلان بكذا بمعنى تقربت إليه ... وقوله: وابتغوا إليه الوسيلة يقول: واطلبوا القرب إليه بالعمل بما يرضيه" 1. وقال الجوهري: "الوسيلة: ما يتقرب به إلى الغير، والجمع الوسيل والوسائل، والتوسيلوالتوسل واحد، يقال وسل فلان إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة أي تقرب إليه بعمل ... "2. __________ 1 انظر جامع البيان6/226، ط الحل 2 الصحاح5/1841. (1/267) أما التوسل في الشرع فهو خاص بالتقرب إلى الله تعا ويقسم العلماء التوسل إلى الله إلى قسمين: أولا ـ توسل مشروع. ثانيا ـ توسل ممنوع. فالتوسل المشروع ما قام عليه دليل من الشرع وهو ثلاثة أنواع: "أ" التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا: وصفته أن يقول المسلم في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم اللطيف الخبير أن تعافيني. أو يقول: أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي. ودليل مشروعية هذا التوسل من الكتاب قوله تعاسْنىا فاادْعُوهُ بهِاا واذارُوا الَّذِينا

عدد الصفحات ١٩٥

يـُلْحِدُونا فيِ أاسمْاائِهِ سايُجْزاوْنا ماا كاانُوا يـاعْمالُونا الآية180." ومن السنة حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وفيه: "أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ورجل يصلي، ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض، يَ ذا الجلال والإكرام، يَ حي يَ قيوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى" 1. __________ 1 أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة باب الدعاء 2/167،168 ح1495. بنحوه والنسائي: كتاب السهو باب الدعاء بعد الذكر 3/52 ح1300. وابن حبان كما في موارد الظمآن ص 592 ح2382، والحاكم في المستدرك 1/503،504، جميعهم من طرق حفص عن أنس وابن ماجه: كتا ب الدعاء باب اسم الله الأعظم 2/1268 ح3858 من طريق أنس بن سيرين عنأنس بن مالك. = (1/268) ويوجد في كلام أبي حنيفة ذكر هذا النوع من التوسل كما في قوله: "ولا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، والدعاء المأذون فيه المأمور به ما استفيد من قوله تعاالأاسمْااءُ الحُْسْنىا فاادْعُوهُ بهِاا واذارُوا الَّذِينا يـُلْحِدُونا فيِ أاسمْاائِهِ سا يُجْزاوْنا ماا كاانُوا يـاعْمالُونا180"1. أما النوعان اخران للتوسل المشروع فلم أقف له على قول فيهما. "ب" التوسل بالعمل الصالح: وصفته كأن يقول الم سلم في دعائه: اللهم بإيماني بك ومحبتي لك واتباعي لرسولك اغفر لي. ودليل مشروعية هذا التوسل من الكتاب قوله تعاتـاغُوا إِلايْهِ الْواسِيلاةا واجااهِدُوا فيِ سابِيلِهِ لاعالَّكُمْ تـُفْلِحُونا ائدة: الآية35." وقوله جلن وع الْواسِيلاةا أايـُّهُمْ أاقـْرابُ وايـارْجُونا راحمْاتاهُ وايخااافُونا عاذااباهُ إِنَّ عاذاابا رابنِكا كاانا محاْذُوراً 57." وقوله جل وعينا يـاقُولُونا رابـَّناا إِنـَّناا آمانَّا فااغْفِرْ لاناا ذُنُوبـاناا واقِناا عاذاابا النَّ ارِ عمران:16." ومن السنة: قصة أصحاب الغار الثابتة في الصحيحين فقد توسلوا بأعمالهم الصالحة فتوسل أحدهم

عدد الصفحات ١٩٦

ببره لوالديه، والآخر __________ = قال الحاكم عن هذا اديث: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" وأقره الذهبي. 1 الدر المختار مع حاشية رد اتار 6/396،397. (1/269) بعفته عن الفاحشة، والثالث بإحسانه إلى أجير كان عنده 1. "ج" التوسل بدعاء الصالحين: ودليل مشروعيته ما ورد في صحيح مسلم عن صفوان بن عبد الله بن صفوان قال: "قدمت الشام فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده، ووجدت أم الدرداء، فقالت: أتريد الحج العام؟ فقلت: نعم، فقالت: فادع الله لنا بخير. فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب، مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأ خيه بخير، قال الملك الموكل به، آمين، ولك بمثل" 2. وقد كان الصحا بة يتوسلون بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ومنه قول الأعرابي حين أصابت ساناة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال يَ رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا، فرف ع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا ... " 3. __________ 1 أخرجه البخاري: كتاب البيوع باب إذا اشترى أشياء لغيره بغير إذنه فرضي 4/408 ح2215. ومسلم كتاب الذكر والدعاء باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأ عمال 4/2099 ح2743. كلاهما من طريق نافع عن ابن عمر وأحمد في المسند 2/116 من طريق سالم بن عبد الله عن ابن عمر 2 أخرجه مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب 4/2094 ح2733. وابن ماجه: كتاب المناسك باب فضل دعاء الحاج 2/967 ح2895 كلاهما من طريق أبي الزبير عن

عدد الصفحات ١٩٧

صفوان بن عبد الله بن صفوان. 3 أخرجه البخاري: كتاب الاستسقاء باب في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة 2/507 ح1014= (1/270) فالصحابة توسلوا بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، ثم بعد وفاته توسلوا بدعاء عمه العباس، فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال فيُسقاون" 1. فالصحابة عدلوا عن التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته إلى التوسل بدعاء العباس، فدل على أن التوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم قد انقطع بموته، فلو كان التوسل بالرسول بعد موته جائزا لما عدل الصحابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى العباس، وهذا من الوضوح بحيث لا يخفى على ذي لب. أما التوسل الممنوع: فهو ما لا دليل عليه من كتاب أو سن ة، وهو ثلاثة أنواع: 1- التوسل إلى الله تعالى بذات وشخص المتوسل به سواء كان النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره. وهو نوعان: "أ" أن يدعو المتوسَّل به: ذلك بأن يدعوه، ويستغيث به، ويطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله ولو يجعله واسطة فيما يطلبه من الله. وهذا النوع م ن التوسل هو من الشرك الأكبر لأنه دعاء لغير الله، والتجاء إليه في المهمات وهو من صرف العبادة __________ = ومسلم: كتاب الاستسقاء باب الدعاء في الاستسقاء 2/612 ح897 كلاهما من طريق شريك عن أنس بن مالك. 1 أخرجه البخاري: كتاب الاستسقاء باب سؤال الناس الإمام الاس تسقاء إذا قحطوا 2/494 ح1010. وابن سعد الطبقات الكبرى 4/28،29. كلاهما من طريق ثمامة بن عبد الله عن أنس بن مالك

عدد الصفحات ١٩٨

(1/271) لغير الله، كما قال تعاانا لاهُ بِهِ فاإِنمَّاا حِساابُهُ عِنْدا رابنِهِ إِنَّهُ لا يـُفْلِحُ الْكا افِرُونا117." وقال تعادْعُو مِنْ دُونِ اللََِّّ مانْ لا ياسْتاجِيبُ لاهُ إِلىا يـاوْمِ الْقِيااماةِ واهُمْ عانْ دُعاائِهِمْ غاافِ لُونا5." وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة في جلب المنافع، ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم يسألونه ذلك ويرجعون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء يجتلبون المنافع ويجتنبون المضار" 1. فلم يأمرنا الله أن نستغيث بالصالحين من عباده أو ندعو أنبياءه حتى تستجاب لنا المسألة، بل قال: {يادْخُلُونا جاهانَّما دااخِرِينا غافر: الآية60." فأمر بدعاء العبادة ودعاء المسألة، ووعدنا بالإجابة، وتوعد من استكبر عنها بالعذاب والإهانة 2. "ب" التوسل بالذات في دعاء هو أن يجعل ذات النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره وسيلة في دعاء الله كأن يقول في دعائه: "اللهم إني أسألك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم". وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "السؤال به فهذا يجوزه طائفة من الناس، ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف، وهو موجود في دعاء __________ 1 مجموع الفتاوى 1/123-124. 2 انظر تفسير كلام المنان 6/540 بتصرف. (1/272)

عدد الصفحات ١٩٩

كثير من الناس. لكن ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ك له ضعيف بل موضوع وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة إلا حديث الأعمى ... وحديث الأعمى لا جحة لهم فيه؛ فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته ... وساغ النزاع في السؤال بالأنبياء والصالحين دون الإقسام بهم، لأن بين السؤال والإقسام فرقا، فإن السائل متضرع يسأل بسبب يناسب الإجابة، والمقسم أعلى من هذا فإنه طالب مؤكد طلبه بالقسم، ... وهذا التوسل بالأنبياء ـ بمعنى السؤال بهم ـ هو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم أنه لا يجوز، وليس في المعروف من مذهب مالك ما يناقض ذلك فضلا عن أن يجعل هذا من مسائل السبب؛ فمن نقل عن مذهب مالك أنه جونز التوسل بمعنى الإقسام به أو السؤال به فليس معه في ذلك نقل عن مالك" 1. وقال: "قد نُقل في منسك المروزي عن أحمد دعاء فيه سؤال بالنبي صلى الله عليه وسلم وهذا قد يخرج على إحدى روايتين في جواز القسم به ومعظم العلماء على النهي في الأمرين.." 2. قلت: اتفق العلماء على أن اليمين بالحلف بمخلوق لا تنعقد إلا في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فإن عند الإمام أحمد رحمة الله تعالى عليه في ذلك روايتين في انعقاد اليمين به 3، والذي عليه الجمهور 4 ـ مالك والشافعي وأبو حنيفة رحمهم تعالى ـ أنه لا تنعقد اليمين به عليه الصلاة والسلام __________ 1 قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص114-117. 2 قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص275. 3 انظر المغ9/513،514؛ والكا4/379؛ والشرح الكب 6/78؛ وفتح الباري11/534؛ وطرح التثريب 7/146. 4 قاعدة جليلة في التو سل والوسيلة ص273. (1/273) كإحدى الروايتين عن أحمد، وهو الصحيح. وفي هذا يقول ابن قدامة1: لأنه حلف بغ الله فلم يوجب كفارة كسائر الأنبياء، ولأنه مخلوق فلم تجب الكفارة بالحلف به كإبراهيم عليه السلام، ولأنه ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصو ص، ولا يصح قياس اسم غير الله على اسمه، لعدم الشبه وانتفاء المماثلة" 2.

عدد الصفحات ٢٠٠

2- التوسل إلى الله تعالى بحق فلان أو جاهه ونحوهذا: منع الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى هذا التوسل، وصفته أن يقول المسلم في دعائه: "اللهم إني أسألك بحق فلان عليك أو بجاهه عندك أن تغفر لي". قال أبو حنيفة 3: "يكره أن يقول الداعي أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام". وقال بشير بن الوليد: حدثنا أبو يوسف قال: قال أبو حنيفة: "لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك 4، __________ 1 هو عبد الله بن أحمد بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي الجمناعيلي الدمشقي الصالحي الحنبلي. قال عنه الذهبي: "الشيخ الإمام القدوة العلامة المجتهد شيخ الإسلام" مات سنة 626هـ سير أعلام النبلاء 22/165-173؛ وانظر ترجمته في شذرات الذهب5/88-92؛ وذيل طبقات الحنابلة 2/133-1498. 2 المغ9/514. 3 العقيدة الطحاوية ص234؛ وإتحاف السادة المتق2/285؛ وشرح الفقه الأك بر للقاري ص198. 4 كره الإمام أبو حنيفة ومحمد بن الحسن أن يقول الرجل في دعائه"اللهم إ (1/274) أو بحق خلقك1. وقال أبو يوسف: "وأكره أن يقول بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك و بحق البيت الحرام والمشعر الحرام"2. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا الذي قاله أبو حنيفة وأصحابه من أن الله لا يسأل بمخلوق له معنيان: أحدهما: هو موافق لسائر الأئمة الذي يمنعون أن يقسم أحد بالمخلوق، فإنه إذا منع أن يقسم على مخلوق بمخلوق فلأن يمنع أن يقسم على الخالق بمخلوق أولى وأحرى ... بخلاف المخلوق فإن إقسامه

عدد الصفحات ٢٠١

__________ = أسألك بمعقد العز من عرشك لعدم وجود النص في الإذن به، وأما أبو يوسف فقد جوز لوقوفه على نص من السنة وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من دعائه: "الل هم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك وباسمك الأعظم وجدنِك الأعلى وكلماتك التامة". وهذا الحديث أخرجه البيهقي في كتاب الدعوات الكبير كما في البناية 9/382، ونصب الراية 4/272،273. وفي إسناده ثلاثة أمور قادحة 1- عدم سماع داود بن أبي عاصم من ابن مسعود. 2- عبد الملك بن جريج مدلس ويرسل. 3- عمر بن هارون متهم بالكذب من أجل هذا قال ابن الجوزي كما في البناية 9/382 "هذا حديث موضوع بلا شك وإسناده محبط كما ترى". انظر تهذيب التهذيب 3/189،6/405،7/501؛ وتقريب التهذيب1/520. 1 التوسل والوسيلة ص82؛ وانظر شرح الفقه الأكبر ص 198. 2 إتحاف السادة المتقين 2/285؛ وشرح العقيدة الطحاوية ص 234. (1/275) بالمخلوقات شرك بخالقها كما في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" 1. وأما الثاني: وهو السؤال المعظَّم كالسؤال بحق الأنبياء، فهذا فيه نزاع وقد تقدم عن أبي حنيفة وأصحابه أنه لا يجوز، ومن الناس من يجونز ذلك" 2. قلت: من هؤء: العز بن عبد السلام حيث قال: "أما مسألة الدعاء فقد جاء في بعض الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم بعض الناس الدعاء فقال في أقواله: "قل: اللهم إني أقسم عليك بمحمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة". وهذا الحديث إن صح فينبغي أن يكون مقصورا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه سيد ولد

عدد الصفحات ٢٠٢

آدم، وألا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والائكة، لأنَّم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خُص به تنبيها على درجته ومرتبته" 3. قلت لفظ الحديث هو: " أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ادع الله أن يعافيني قال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه فين" 4. __________ 1 تقدم تخريجه ص259. 2 التوسل والوسيلة ص83،99. 3 فتاوى العز بن عبد السلام ص126. 4 أخرجه أحمد في ا سند 4/138. والترمذي: كتاب الدعوات باب 119،5/569 ح3578، وابن ماجه كتاب إمامة الصلاة وال سنة فيها، باب ما جاء في صلاة الحاجة 1/441 ح1384 والحاكم في المستدرك1/313. جميعهم من طر يق عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن عثمان بن حنيف. (1/276) وليس فيه "إني أقسم عليك بمحمد"، ولم أقف عليه بهذا اللفظ في دواوين السنة النبوية. وهذا الحديث حكم عليه أئمة هذا الشأن بالصحة كالطبراني 1، والبيهقي2، وشيخ الإسلام 3، والحاكم4، والذه5، والسيوطي6، والمناوي7، والألبا8. وليس في هذا الحديث متمسنك لمن يرى جواز التوسل بذات النبي صلى الله عليه وسلم أو جاهه؛ فإن الحديث صريح في أن الغرض من مجيء هذا الرجل، وهو ضرير البصر إلى النبي صلى الله عليه وسلم طلب الدعاء منه، وليس التوسل بذاته أو جاهه، ولو أراد غير ذلك لجلس في بيته ودعا بجاه النبي صلى الله عليه وسلم يدل على ذلك قوله للنبي صلى الله عليه وسلم: "ادع الله أن يعافيني". ورد الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: " إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك ". فتبين مما سبق أن الحديث ليس فيه ما يستدل به على جواز التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم أو بذاته إذ قوله: "بنبيك" على تقدير المضاف أي بدعاء نبيك أو بشفاعته 9.

عدد الصفحات ٢٠٣

__________ 1 المعجم الصغ1/184. 2 دلائل النبوة6/167؛ وانظر التوسل والوسيلة ص187. 3 التوسل والوسيلة ص187. 4 المستدرك1/313. 5 تلخيص المستدرك1/313. 6 الجامع الصغ1/227.. 7 فيض الباري2/124،125. 8 التوسل أنواعه وأحكامه ص70. 9 التوسل والوسيلة ص259 ط/ السلفية (1/277) 3- الإقسام على الله تعالى بالمتوسَّل به: وهذا التوسلمنعه الإمام أبو حنيفة 1 رحمه الله تعالى، وصفته أن يقول المسلم في دعائه: "اللهم إني أقسم عليك بفلان أن تقضي حاجتي". فالقسم والحلف بالله من تعظيمه، وتعظيمه عبادة، وإنما يكون الحلف بالله من تعظيمه مع الصدق وحفظ الإيمان عما يتضمن الاستهانة بالله. وقد تقدم قول الإمام أبي حنيفة: "لا يحلف إلا بالله متجردا بالتوحيد والإخلاص" 2. ومن صرف هذه العبادة لغير الله فقد أشرك. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من حلف بغير الله فقد أشرك" 3. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله، أو ليصمت" 4. __________ 1 التوسل والوسيلة ص82؛ وانظر روح المعا 6/126. 2 بدائع الصنائع3/8. 3 أخرجه أحمد في المسند 2/69،86، وأبو داود: كتاب الأيمان والنذور باب كراهية الحلف بالآباء 3/570 ح3251.

عدد الصفحات ٢٠٤

والترمذي: كتاب النذور والأيمان باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله 4/110 ح1535. والبيهقي في السنن10/29. والحاكم في المستدرك1/18. جميعهم من طريق سعد بن عبيدة عن ابن عمر ولفظه عند الترمذي والبيهقي: "من حلف بغ فقد كفر أو أشرك". ولفظه عند الحاكم: "من حلف بغير الله فقد كفر". قال الترمذي على إثره: "هذا حديث حسن". وقال الحاكم: "هذا حديث على شرط الشيخين فقد احتجا بمثل هذا الإسناد". وأقره الذهبي في التلخيص. 4 أخرجه البخاري: كتاب الأيمان والنذر باب لا تحلفوا بآبائكم 11/530 ح6646، ومسلم: كتاب الأيمان باب النهي عن الحلف بغير الله 3/1267 ح1246، والترمذي: كتاب ا لنذور والأيمان باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله 4/110 ح1534 جميعهم من طريق نافع عن ابن عمر (1/278) فإذا كان الحلف بمخلوق شركا، فكيف بالحلف بالمخلوق على الخالق؟ فالمقصود أن الد عاء عبادة كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الدعاء هو العبادة ثم قرأ: { لاكُمْ إِنَّ الَّذِينا ياسْتاكْبرُِونا عانْ عِبااداتيِ1. فلا يتوسل إلى الله بشيء إلا ما جعله الله وسيلة فيه كالتوسل بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وسائر أنواع التوسل المشروع؛ فالعبادات مبناها على اتباع هدي النبي صل ى الله عليه وسلم ووفق شرعه والإخلاص بالنية والقصد، لا على الهوى والابتداع. فالواجب على المسلم أن يتثبت في هذا فلا يعبد الله إلا بما شرع وأمر به وأذن فيه. وأن يحرص كل الحرص في أن يميز السنة والبدعة، والتوحيد من الشرك، والحق من الباطل، حتى يخلص وينجو من الوقوع فيما ينقض التوحيد. هذا هو آخر الحديث عن توحيد الألوهية وبه نَّاية الفصل الثاني، ويليه الفصل الثالث وهو في توحيد الأسماء والصفات. __________ 1 أخرجه أحمد في المسند 4/267، والبخاري الأدب المفرد ص249، وأبو داود كتاب الصلاة

عدد الصفحات ٢٠٥

باب الدعاء2/161 ح1479، والترمذي: كتاب الدعاء باب ما جاء في فضل الدعاء 5/456 ح3372، وابن ماجه: كتاب الدعا ء باب فضل الدعاء 2/1258 ح3828، والحاكم في المستدرك 1/940. جميعهم من طريق يسيع الكندي الحضرمي عن النعمان بن بشير، قال الترمذي على أثره: "هذا حديث حسن صحيح"، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". (1/279) الفصل الثالث: توحيد الأسماء والصفات وفيه تَهيد وثلاثة مباحث: تَهيد: طريقة السلف في توحيد الأسماء والصفات. المبحث الأول: تقرير توحيد الأسماء والصفات عند الإمام أبي حنيفة إجمالا. المبحث الثاني: ذكر جملة من الصفات الذاتية وكلا م الإمام أبي حنيفة عنها. المبحث الثالث: ذكر جملة من الصفات الفعلية وكلام الإمام أبي حنيفة عنها. (1/281) تَهيد طريقة السلف في توحيد الأسماء والصفات قبل الحديث عن طريقة السلف في توحيد الأسماء والصفات، يحسن ذكر أمور لا بد في هذا المقام من معرفتها: أولا ـ معنى توحيد الأسماء والصفات هو اعتقاد انفراد الله بالكمال المطلق من جميع الوجوه بنعوت العظمة والجلال والجمال، وذلك بإثبات ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات ومعانيها وأحكامها الواردة في الكتاب والسنة، كالإقرار بأن الله بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، له المشيئة النافذة والحكمة البالغة، وأنه على العرش استوى، وهو مع عباده أينما كانوا، هذا مع اعتقاد أنه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا

عدد الصفحات ٢٠٦

في أفعاله1. وهذا التوحيد أجلُّ المعارف لأنه معرفة بالله بأسمائه وصفاته، وعلى هذه المعرفة تبنى العبادة. فإذا لم يعرف العبد ربه فكيف يعبده؟ كيف يعبد إلها يجهله؟ لذا استفاضت الأدلة بذكره والتنويه به؛ لأنه كلما كان الأمر مهما كثر إيضاحه وبيانه. __________ 1 انظر بتصرف تيسير العزيز الحميد ص34،35؛ والكواشف الجلية ص417،418. (1/283) ثانيا ـ ما يقدح في توحيد الأسماء والصفات يقدح في هذا التوحيد خمسة أمور كلها من ضروب الإلحاد في أسمائه الذي ذمه الله وأهله في قوله تعاونا فيِ أاسمْاائِهِ سايُجْزاوْنا ماا كاانُوا يـاعْمالُونا "سورة الأعراف: الآية180." وهذه القوادح هي التشبيه، والتعطيل وتسميته، ووصفه بما لا يليق به. قال ابن القيم: الإلحاد في أسماء الله تعالى أنواع: أحدها: أن يسمى الأصنام بها كتسميتهم اللات من الآلهة والعز ى من العزيز وتسميتهم الصنم إلها" الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له أبا، وتسمية الفلاسفة له موجبا ب ذاته أو علة فاعلة. وثالثها: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص، كقول أخبث اليهود إنه فقير وقولهم: إنه استراح بعد أن خلق خلقه، وقولهم: يد الله مغلولة وأمثال ذلك. رابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم: إنَّا ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني. خامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى الله عما يقول المشبهون علوا كبيرا 1. __________ 1 بدائع الفوائد1/169،170. (1/284)

عدد الصفحات ٢٠٧

ثالثا ـ مذاهب الناس في الأسماء والصفات الناس في باب الأسماء والصفات على ثلاثة أصناف: الصنف الأول ـ المعطلة: وهم الذين عطلوا الرب عما يجب أن يثبت له من الأسماء والصفات. والتعطيل على ثلاث مراتب، ذكرها شيخ الإسلام في التدمرية وهي: "1- وصف الله بسلب النقيضين وهو مذهب غلاة المعطلة؛ فإنَّم يقولون: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت لأننا لو وصفناه بالإثبات لشبهناه بالمخلوقات، ولو وصفناه بالنفي لشبهناه بالمعدومات. 2- وصف الله بالسلب والإضافة دون صفات الإثبات، وهو مذهب المعطلة من الفلاسفة والجهمية، وهؤلاء كلهم ينفون الأسماء والصفات. 3- إثبات الأسماء دون الصفات، وهو مذهب المعتزلة ومن تعبهم1. والمعطلة قسمان أهل تأويل، وأهل تجهيل. أما أهل التأويل: فهم الذين يصرفون معاني نصوص الكتاب والسنة عن معانيها الظاهرة بغير حجة وهذا هو التحريف بعينه 2. أما أهل التجهيل: فهم الذين ينكرون معاني الأسماء والصفات، ويثبتون ألفاظا لا معاني لها3. __________ 1 مجموع الفتاوى 3/7،8. بتصرف 2 درء تعارض العقل والنقل1/8،9. 3 مختصر الصواعق ص54. (1/285) الصنف الثاني ـ المشبهة وهم الذين يشبهون صفات الله بصفات المخلوقين، كقول بعض هم: لله سمع كسمعي وبصر كبصري. قال إسحاق بن راهويه: "إنما يكون تشبيه إذا قال: يدٌ كيد أو مثل يد أو سمع كسمع أو مثل سمع

عدد الصفحات ٢٠٨