قدرته1. هذا ما حفظته المراجع من تلك المناظرات مع الملاحدة. وليست المشكلة مع هؤلاء إنكارهم للرب فقط بل إنَّم لو اعترفوا بوجوده؛ فإن ذلك لا يكفي لدخولهم الإسلام، بل يصبح حالهم كحال المشركين الذين حاربهم الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن إيمانَّم بوجود الله لا ينفعهم حتى يوحدوا الله بالعبادة والطاعة. 2- نقده لطريقة المتكلمين في تقرير الربوبية سلك المعتزلة ومن جاء بعدهم من متكلمي الأشاعرة 2 والماتريدية __________ 1 انظر شرح الفقه الأبسط ص 23، والمطبوع خطأً باسم شرح الفقه اكبر لأبي منصور الماتريدي. والصواب أنه شرح الفقه الأبسط لأبي الليث السمرقندي. انظر تحقيق ذلك في مقدمة الكوثري لكتاب العالم والمتعلم. 2 ينسب المذهبالأشعري الموجود في العالم الإسلامي إلى علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري البصري. قال عنه المقريزي: "أخذ عن الجبائي مذهب الاعتزال ثم بدا له فتركه وسلك = (1/223) في الاستدلال على وجود الله طريق الأعراض والجواهر، واستدلوا بحدوث كل منهما وإمكانه على حدوث العالم. فإذا ثبت أن العالم حادث فالله هو المحدِث. يقول القاضي عبد الجبار 1 المعتزلي في بيانه لهذه الطريقة: "إنه ينبغي لمن أراد الاستدلال على وجود الله عن طريق الأعراض؛ فعليه أن يثبتها، ثم يوضح حدوثها وأنَّا تحتاج إلى محدث وفاعل يغاير الحوادث، وهو الله تعالى" 2. وقال الرازي الأشعري شارحا لهذه الطريقة: "وقد عرفت أن العالم إما جواهر وإما أعراض، وقد يستدل بكل واحد منهما على وجود الصانع، إما بإمكانه أو بحدوثه، فهذه جوه أربعة ... " 3. __________ = طريقة عبد الله بن كلاب ونسج على قوانينه في الصفات والقدر فمال إليه جما عة وعونلوا على رأيه وجادلوا فيه. وانتشر مذهب أبي الحسن الأشعري في العراق ثم انتقل إلى الشام فلما ملك بنوا أيوب
عدد الصفحات ١٦١عقدوا الخناصر وشدوا البنان على مذهب الأشعري وحملوا الناس على التزامه فانتشر في أمصار الإسلام ... مات الأشعري سنة 324هـ ومن أهم آراء الأشاعرة نفي الصفات إلا سبعا يثبتونَّا بالعقل والقول بأن أفعال العباد مخلوقة لله وهي كسب لهم وأشهر علماء الأشاعرة الباقلاني والجويني والأيجي والرازي. انظر خطط المقريزي 2/358-359؛ وشذرات الذهب2/303. 1 هو عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار أبو الحسن الهمذاني، قال عنه الذهبي: "العلامة المتكلم ... صاحب التصانيف من كبار فقهاء الشافعية ... ولي قضاء القضاة بالري وتصانيفه كثيرة، تخرج به خلق في الرأي الممقوت، مات سنة 415هـ. سير أعلام النبلاء17/144؛ وانظر ترجمته في لسان الميزان 3/386؛ وشذرات الذهب3/202. 2 شرح الأصول الخمسة ص 92. 3 محصل أفكار المتقدمين ص106. (1/224) وأشار عضد الدين الأيجي الأشعري1 إلى هذه الطريقة فقال: "وقد علمت أن العالم إما جواهر وإما أعراض، وقد استدل على إثبات الصانع بكل واحد وبإمكانه أو بحدوثه فهذه وجوه أربعة ... " 2. وقال التفتازاني شارح العقيدة النسفية ا اتريدية شارحا هذه الطريقة: "فإذا تقرر أن العالم أعيان وأعراض، والأعيان أجسام وجواهر؛ فنقول: إن الكل حادث. أما الأعراض؛ فبعضها بالمشاهدة كالحركة بعد الس كون والضوء بعد الظلمة والسواد بعد البياض ... وبعضها بالدليل، وهو سريَن العدم ... وأما الأعيان فلأنَّا لا تخلو من الحوادث، وكل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث ... فنتج من كل هذا أن العالم كله حادث، ولما ثبت أن الع الم محداث، ومعلوم أن المحدث لا بد له من محدِث لضرورة امتناع ترجيح أحد طرفي الممكن من غير مرجح؛ ثبت أنه له محدث، والمحدث للعالم هو الله تعالى" 3. هذه هي طرقة المعتزلة ومن تبعهم من الأشاعرة والماتردية في إثبات الصانع وحدوث العالم. فما موقف الإمام أبي حنيفة ر حمه الله تعالى من هذه الطريقة؟ للإجابة عن هذا السؤال أودُّ أن أشير إلى أن منهج الإمام أبي حنيفة __________
عدد الصفحات ١٦٢1 هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار الأيجي. قال عنه ابن حجر: "كان إماما في المعقول قائما بالأصول والمعاني والعربية مشاركا في الفنون ... وكان كثير ا لمال جدا كريم النفس يكثر الإنعام على الطلبة .. . مات سنة 756هـ الدرر الكامنة 2/322،323. 2 المواقف ص266. 3 العقائد النسفية ص28-31. (1/225) في تقرير الربوبية مغاير لهذه الطريقة، فمسلك الإمام هو مسلك السلف الصالح المستنبط من الكتاب والسنة، فبالتالي كل ط ريقة ليس مصدرها الكتاب والسنة فهي طريقة مبتدعة في نظر الإمام، لذلك شننع على عمرو بن عبيد من المعتزلة لأنه فتح الكلام في هذا حيث قال: "لعن الله عمرو بن عبيد فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا يعنيهم" 1. وكان ينصح من سأله بعدم سلوك هذه الطريقة؛ لأنَّا نظره مقالات الفلاسفة، ويوصي بلزوم طريقة السلف المأخوذة من الكتاب والسنة والأثر. فقد سئل الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: "ما تقول فيما أحدثه الناس في الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: مقالات الفلاسفة. عليك بالأثر وطريقة السلف، وإيَك وكل محدثة؛ فإنه بدعة " 2. وهذا هو ما كان عليه السلف، فإنَّم أنكروا الكلام في الجوهر والأعراض، وفي ذلك يقول التيمي 3 : "أنكر السلف الكلام في الجوهر والأعراض وقالوا: لم يكن على عهد الصحابة والتابعين، رضي الله عن الصحابة ورحم التابعين، ولا يخلو أن يكونوا سكتوا عنه وهم غير عالمين به ، فيسعنا ألا نعلم ما يعلموه. والحديث الذي ذكرناه 4 يقتضي أن ما تكلنم فيه الآخرون من ذلك ولم يتكلم فيه الأولون يكون مردودا ... " 5. __________ 1 ذم الكلامللهروي "ق196/ب 2 ذم الكلام للهروي "ق194/ب 3 تقدمت ترجمته ص203. 4 يشير إلى حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث
عدد الصفحات ١٦٣في أمرنا ما ليس منه فهو رد". أخرجه البخاري ومسلم 5 الحجة في بيان المحجة ص17-18. (1/226) وقال ابن عقيل: "أنا أقطع أن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض؛ فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت" 1. __________ 1 تلبيس إبليس ص85، ط دار الكتب العلمية (1/227) المبحث الثالث: منهجالإمام أبي حنيفة في تقرير الربوبية منهج الإمام أبي حنيفة في تقرير الربوبية هو منهج السلف الصالح رضي الله عنه، فإنَّم أعرضوا عن مبحث الوجود والاستدلال عليه لأنه أمر مسلنم به مركوز في فطر البشر، لا يكاد أحد ينازع فيه إلا شرذمة قليلة من البشر، كالدهرية في القد يم، والشيوعية ومن سايرها من ملاحدة العصر. قال الملا علي القاري في بيانه لمنهج الإمام في تقرير الربوبية: "أعرض الإمام عن بحث الوجود اكتفاء بما هو ظاهر في مقام الشهود. ففي التنزيل أافيِ اللََِّّ شاكٌّ فااطِرِ السَّمااوااتِ واالأْارْضِ ورة إبراهيم: الآية10." {يـُؤْفاكُونا87." {30." فوجودبت في فطر الخلق، كما يشير إليه قوله سبحانه (1/228)
عدد الصفحات ١٦٤وتعالى، ويومئ إليه حديث: " كل مولود يولد على الفطرة 1، على فطرة الإسلام. وإنما جاء الأنبياء عليهم السلام لبيان التوحيد وتبيان التفريد. ولذا أطبقت كلمتهم، وأجمعت حجتهم على كلمة لا إله إلا الله، ولم يأم روا أهل ملتهم بأن يقولوا: الله موجود، بل قصدوا إظهار أن غيره ليس بمعبود؛ ردا لما توهموا وتخيلوا حيث قالوا عِنْدا اللََِّّلاَّ لِيـُقارنِبُوناا إِلىا اللََِّّ زُلْفاى إِنَّ اللََّّا يحاْكُمُ بـايـْنـاهُمْ فيِ ماا هُمْ فِيهِ يخاْتالِفُونا إِنَّ اللََّّا لا يـاهْدِي مانْ هُوا كااذِبٌ كافَّارٌ يفيد الوجود مع مزيد التأييد، ثم العقائد يجب أن تؤخذ من الشرع الذي هو الأصل . .. " 2. ولكن لما وجد في عصر الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى من انتكست فطرته، وعميت بصيرته فشك في وجود الرب الخالق سبحانه وتعالى؛ ناقشهم الإمام واستدل على وجوده تعالى: بدلالة الفطر ة: وهذه في مقدمة الدلالات على أن الله فطر الخلق على الإقرار به وبوحدانيته؛ فما من مولود إلا يولد على هذه الفطرة كما قال تعاطْراتا اللََِّّ الَّتيِ فاطارا النَّاسا عالايـْهاا لا تـابْدِيلا لخِالْقِ اللََِّّ ذالِكا الدنِ ينُ الْقاينِمُ والاكِنَّ أاكْثـارا النَّاسِ لا يـاعْلامُونا ية30." __________ 1 أخرجه البخاري: كتاب الجنائز باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلنى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام؟ 3/219 ح1359. ومسلم: كتاب القدر باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين 4/2047 ح2658، كلاهما من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة بلفظ: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة ... ". 2 شرح الفقه الأك بر للقاري ص17. (1/229) {10." فالفطرة السليمة مجبولة على الإقرار بوجود الرب الخالق، والإيمان به تعالى مغروزٌ في طبيعة البشر وفي شعور كل عاقل وضميره، وذلك لما وقر في نفوسهم من عجز المخلوقين عن الخلق والرزق والتدبير والملك. "فدلالة الفطرة على وجود الخالق مركوزة في كل نفس مؤمنة أو كا فرة، والنفوس بطبعها
عدد الصفحات ١٦٥تحسها وتشعر بها وإن غابت عنها في بعض الأحيان لسبب طارئ، فسرعان ما تجد نفسها مضطرة إ اللجوء إليه عند الشدائد. ولو لم تكن النفوس مفطورة على هذه المعرفة لما تطلعت إليها بل لم تكن مطلوبة لها وصدق هذا ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" 1، ولم يقل يسلمانه لأن الإسلام موافق للفطرة2. هذا وقد رجح كثير من السلف أن معرفة الله تعالى ممكنة بالفطرة من غير دليل، بمعنى أنه لو ولد إنسان بعيدا عن الناس، ولم تفسد فطرته بتعليم أبويه أو البيئة التي يعيش فيها؛ لأمكن أن يعرف الله بفطرته الصافية وبمساعدة عقله وتفكيره فيما خلق الله 3. __________ 1 أخرجه البخاري: ك تاب الجنائز باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلنى عليه؟ 3/219 ح1359 . ومسلم: كتاب القدر باب معنى كل مولود يولد على الفطرة 4/2047 ح2658، كلاهما من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة. 2 انظر بحث دليل الفطرة في درء التعارض8/354،368؛ وكتاب ابن تيمية وموقفه م ن التأويل ص330. 3 انظر كتاب العقائد السلفية شرح الدرر السنية ص 53 بتصرف (1/230) وهذا هو ما عليه الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، فإنه يرى أن لا عذر لأحد بالجهل بوجود الرب الخالق؛ وذلك لما جبلت عليه فطرته من وجوده تعالى، ويساعد تلك الفطرة العقل والتفكير فيما خلق الله تعالى من مخلوقات عظيمة مبثوثة في الكون، كلها تدل على وجود الرب الخالق، فقد قيل عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال: "لا عذر لأحد بالجهل بخالقه لما يرى من خلق السموات والأرض وخلق نفسه وسائر خلق ربه" 1. فالظاهر من كلام الإمام أبي حنيفة أنه قد اشتمل على الآتي: "أ" أن معرفة الله فطرية، وأن وحدانية الله وربوبيته تدركان بالعقل فهذا حق لا شك فيه. "ب" أن العقل موجب لمعرفة الله سبحانه وتعالى، وأن العبد مكلف بمجرد عقله بمعرفة الله سبحانه وتعالى ولو لم تبلغه الدعوة، وأن العبد إذا لم يوحد الله سبحانه وتعالى فهو غير معذور. فهذا الأمر على خلاف مذهب جمهور أهل السنة والجماعة من السلف الصالح. فالمتقرر من مذهبهم
عدد الصفحات ١٦٦أن العقل وإن كان مدركا لمعرفة الله، ولكنه غير موجب، فلا تتم الحجة على العبد بمجرد عقله ما لم تبلغه دعوة الرسل. دل على ذلك قوله تعاا مُعاذنِبِينا حاتىَّ نـابـْعاثا راسُولاً الآية15." فهذه الآية صريحة في عدم تعذيب من لم تبلغه دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام. وهذه هي عقيدة السلف فقد بونُنُاب الإمام __________ 1 درء تعارض العقل والنقل9/62؛ والمسامرة مع شرحه المسايرة ص 18/2؛ تحقيق محمد محيي الدين. (1/231) اللالكائي1 رحمه الله في كتاب "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" "سياق ما يدل من كتاب الله عزَّ وجلَّ وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن وجوب معرفة الله تعالى وصفاته بالسمع لا بالعقل" ثم قال: "وهذا مذهب أهل السنة والجماعة" 2. فالذي في شاهق الجبال ولم تبلغه الدعوة ولم يوحد الله فهو معذور وليس بمكلف؛ لأن التكليف لا يكو ن إلا بالشرع ولا تتم حجة الله على عباده إلا به. "ج" استنبط بعض الكتاب المعاصرين 3 من كلام أبي حنيفة هذا أن أول واجب هو النظر والاستدلال المؤدي إلى معرفة الله. وهذا الاستنباط غير صحيح لأن أبا حنيفة لم يقل لا عذر لمن لم ينظر بل قال: "لا عذر لأحد بالجهل بخالقه". وهذا غاية ما يدل عليه أن أول واجب بالعقل معرفة الله وتقدم أن لا واجب إلا ما وجب بالشرع. فالمطلوب معرفة أول واجب بالشرع. وقد قام الدليل الشرعي على أن أول واجب هو شهادة أن لا إله إلا الله كما سيأتي بيانه في موضعه 4. وكذا استعمل الإمام أبو حنيفة رحمه تعالى دلالة الفطرة في إثبات __________ 1 هو هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي الشافعي اللالكائي. قال عنه الذهبي: "الإمام الحافظ المفتي". و قال عنه الخطيب: كان يفهم ويحفظ صننف كتابا في السنن وكتابا في شرح السنة إلى الدينور فأدركه الأجل بها في شهر رمض ان سنة "410" تاريخ بغداد14/70؛ وس أعلام النبلاء
عدد الصفحات ١٦٧17/419. 2 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 2/193-196. 3 انظر كتاب الفرق الكلامية الإسلامية مد خل ودراسة ص355، تأليف الدكتور علي عبد الفتاح المغربي. 4 انظر ص248 من هذه الرسالة. وانظر ص207،210. (1/232) صفة من صفات الله تعالى ألا وهي صفة العلو؛ حيث قال: "والله تعالى يُدعى من أعلى لا من أسفل لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء ... " 1. فالنفوس فطرت على أن الله تعالى في العلو لا في السُّفل. واستدل الإمام على ذلك بحديث الجارية التي أجابت النبي صلى الله عليه وسلم حينما سألها "أين الله؟ قالت في المساء" 2. فأجابت بما وقر في فطرتها وجبلت عليه من أن الله في العلو؛ فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بإعتاقها، ووصفها بأنَّا مؤمنة. هذه دلالة الفطرة على وجود الخالق ومعرفته، ويلاحظ أن هذه الدلالة ترتكز على نوعي الآيَت في الأنفس الآفاق. ولقد لفت القرآن أنظار العباد إلى ذلك في مواضع __________ 1 الفقه الأبسط ص51. 2 أخرجه بنحو هذا اللفظ أحمد 5/448؛ ومسلم: في كتاب المساجد ومواضع الصلاة با ب تحريم الكلام في الصلاة 1/381 ح537، وأبو داود: كتاب الإيمان والنذور باب في الرقبة المؤمنة 3/587 ح3282، والنسائي: كتاب الصلاة باب الكلام في الصلاة 3/185، وابن أبي شيبة كتاب الإيمان ص27، وابن خزيمة في التوحيد ص21، جميعهم من طريق عطاء بن يسار عن معاوية بن حكم السلمي ومالك في الموطأ باب ما يجوز العتق في الرقاب الواجبة 2/776 ح8 من طريق عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم بدل معاوية بن الحكم، وقد عده العلماء وهما من الإمام مالك لأنه خالف جميع رواته كما أنه ليس في الصحابة أحدا بهذا الاسم. انظر شرح الزرقاني على موطأ مالك 4/84، وأخرجه أحمد 2/291، وأبو داود: كتاب الإيمان والنذور باب في الرقبة المؤمنة 3/588 ح3284، وابن خزيمة في التوحيد ص123، جميعهم من طريق عبيد الله بن عبد الله بن
عدد الصفحات ١٦٨عتبة عن أبي هريرة، وأورده الذهبي في العلو ص16 وقال: "هذا حديث صحيح متواتر رواه جماعة من الثقات عن معاوية السلمي". (1/233) كثيرة؛ فيحسن تفصيل القول في دلالة هذه الآيَت 1- أما دلالة الأنفس فمثالها قوله تعاساانا مِنْ سُلالاةٍ مِنْ طِينٍ ثمَُّ جاعالْنااهُ نُطْفاةً فيِ قـاراارٍ ماكِينٍ ثمَُّ خالاقْناا النُّطْفاةا عالاقاةً فاخالاقْناا الْعالاقاةا مُضْغاةً فاخا لاقْناا الْمُضْغاةا عِظااماً فاكاساوْناا الْعِظااما لحاْماً ثمَُّ أانْشاأْنااهُ خالْقاً آخارا فـاتـاباارا كا اللََُّّ أاحْسانُ الخْاالِقِينا ثمَُّ إِنَّكُمْ بـاعْدا ذالِكا لاماينِتُونا }12-15." فهذه الآيَت تلفت نظر الإنسان إلى أنه كان نطفة في الرحم فصارت النطفة علقة ثم مضغة ثم لحما وعصبا وعظاما وأعضاء وحواس. ثم يخرج بعد تلك الأطوار بشرا سويَ صونِر على أحسن صورة وخلق على أحسن خلقة، ثم تتعاقب عليه الأحوال من كبر وصغر، وضعف وقوة، وجهل وعلم، ومرض وصحة، ثم الموت والفناء لكل حي فلا بد لهذه التغيرات من مغير عالم قادر حكيم. وفي هذا المعنى يروي عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه سئل: ما الدليل على الصانع؟ فأجاب: أعجب دليل النطفة التي في الرحم والجنين في البطن، يخلقه الله في ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة ... فلما رأينا امرأة تلد مرة ذ كرا ومرة أنثى ومرة توأمين وطورا ثلاثة. وتريد أن تلد فلا تلد، وتريد ألا تلد فتلد، وتريد الذكر فيكون الأنث ى، وتريد الأنثى فيكون الذكر، على خلاف اختيار الأبوين؛ فعرفنا قطعا قدرة قادر عالم حكيم" 1. __________ 1 قلائد عقود العقيان في مناقب أبي حنيفة النعمان ""ق-77-ب (1/234) 2- وأما دلالة الآفاق فمثالها قوله تعاكايْفا رُفِعاتْ واإِلىا الجِْباالِ كايْفا
عدد الصفحات ١٦٩نُصِباتْ واإِلىا الأْارْضِ كايْفا سُطِحاتْ الآيَت من 17-20." فهذه الآيَت تحث الإنسان على التأمل والتفكر في المخلوقات العظيمة التي نراه ونشاهدها في عالمنا هذا من سماء مرفوعة وأرض مبسوطة وجبال منصوبة وغيرها مما خلق الله. قال تعاالسَّمااوااتِ واالأارْضِ وااخْتِلافِ اللَّيْلِ واا لنـَّهاارِ واالْفُلْكِ الَّتيِ تجاْرِي فيِ الْباحْرِ بمِاا يـانـْفاعُ النَّاسا واماا أانـْزالا اللََُّّ مِنا السَّمااءِ مِنْ مااءٍ فاأاحْياا بِهِ الأارْضا بـاعْدا ماوْتهِاا واباثَّ فِيهاا مِنْ كُلنِ داابَّةٍ واتا صْرِيفِ الرنِيَاحِ واالسَّحاابِ الْمُساخَّرِ باينْا السَّمااءِ واالأْارْضِ لآيَتٍ لِقاوْمٍ يـاعْقِلُونا 164." وقال تعا واالنـَّهاارِ لآيَتٍ لأُوليِ الأالْباابِ الَّذِينا ياذْكُرُونا اللََّّا قِيااماً واقـُعُوداً واعالاى جُ نُوبهِِمْ وايـاتـافاكَّرُونا فيِ خالْقِ السَّمااوااتِ واالأارْضِ رابـَّناا ماا خالاقْتا هاذاا بااطِلاً سُبْحااناكا فاقِناا عاذاابا النَّارِ لآيتان 190-191." فلو تأمل الإنسان هذه المخلوقات، وتأمل صنعهما وإتقانَّما، لدلنته وأرشدته إلى أن هناك خالقا لهذه المخلوقات مدبرا لهذه الأكوان، وأنه حكيم عليم. وهذه الدلالة استدل بها الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى حينما أراد قوم من الملاحدة البحث معه في تقر ير الربوبية؛ فقال لهم: ""أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلئ من الطعام والمتاع وغيره في نفسها، وتعود بنفسها وترجع، كل ذلك من غير أن يدبرها أحد؟ فقالوا: هذا محال لا يمكن أبدا، فقال لهم: إذا كان هذا (1/235) محالا في سفينة، فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله؟ 1. وقد تقدم قول الإمام أبي حنيفة وفيه: " ... لما يرى من خلق السموات والأرض وخلق نفسه وسائر خلق ربه". فجمع الإمام أبو حنيفة في كلامه هذا بين دلالتي الأنفس والآفاق. وهذا المسلك الذي سلكه الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى في الاستدلال على الله تعالى بمخلوقاته وآثاره فطري لا يحتاج إلى تعليم واكتساب، يعرفه الحضري في حاضرته، والبدوي في باديته، لا يختلف فيه اثنان، بل قد استدل به الأعرابي حينما سئل عن الله فقال: "البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، ليل داج، ونَّار ساج، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الصانع الخبير" 2. وهو كذلك مسلك شرعي دعا إليه القرآن كما في قول ه تعا
عدد الصفحات ١٧٠أانـْفُسِكُمْ أافالا تـُبْصِرُونا 20-21." فالأرض وما فيها من جبال وأنَّار وأشجار ونبات تدل المتفكر فيها المتأمل لمعانيها على عظمة خالقها و سعة سلطانه وكذلك في نفس العبد من العبر والح كمة ما يدل على أن له خالقا حكيما. فالبشر على كثرتهم، خلقهم الله من نفس واحدة هي نفس آدم، قال تعا وااحِداةٍ ثمَُّ جاعالا مِنـْهاا زاوْجاهاا واأانـْزالا لاكُمْ مِنا الأانـْعاامِ ثمااانِياةا أا زْوااجٍ يخاْلُقُكُمْ فيِ بُطُونِ أُمَّهاا تِكُمْ خالْقاً مِنْ بـاعْدِ خالْقٍ فيِ ظُلُمااتٍ ثالاثٍ ذالِكُمُ اللََُّّ رابُّكُمْ لاهُ الْمُلْكُ لا إِلاها إِلا هُوا فاأانىَّ تُصْرافُونا الزمر: الآية6." __________ 1 شرح العقيدة الطحاوية ص 25،26؛ وشرح الفقه الأكبر للقاري ص14. 2 البيان والتبي1/163. (1/236) أما كيفية خلقهم فهو طور بعد طور، نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما، خلقهم في مكان ضيق، بطون أمهاتهم، في ظلمات ثلاث. فإذا تقرر أن الله واحد في خلقه وملكه لا شريك له؛ فهو واحد في ألوهيته لا شريك له. هذا و قد ذكر الله تعالى دلالتي الأنفس والآفاق في آية واحدة كما قال تعاا فيِ الآفااقِ وافيِ أانـْفُسِهِمْ حاتىَّ يـاتـاباينَّا لهاُمْ أانَّهُ الحْاقُّ أا والماْ ياكْفِ بِرابنِكا أانَّهُ عالاى كُلنِ شايْءٍ شاهِيدٌ فصلت: الآية53." يقول مؤلف كتاب إيثار الحق على الخلق شارحا الآية وما تدل عليه من معان: "وقد جمع الله تعالى دلالتي النفوس والآفاق في ـ هذه الآيةبالضرورة وجودنا أحياء قادرين ناطقين سامعين مبصرين مدركين بعد أن لم نكن شيئا، وأن أول وجود نا كان نطفة قذرة مستوية الأجزاء والطبيعة غاية الاستواء بحيث يمتنع في عقل كل عاقل أن يكون منها خلق بغير صانع حكيم" إلى أن قال: "وبيانه أنه خلق من نطفة قذرة مستوية الطبيعة فكيف يكون منها ما يبصر، ومنها ما يسمع، ومنها ما يطعم، ومنها ما يشم، ومنها الصلب ومنها الرخو، ومنهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع، كما نبنه الله عليه في كتابه الكريم. ونعلم أنَّا قد تغيرت بنا الأحوال وتنقلت بنا الأطوار تنقنلا عجيبا، فكنا نطفة ثم علقة ثم مضغا ودما ثم عظاما
عدد الصفحات ١٧١صلبة متفرقة في ذلك اللحم والدم وتقويهما وعصبا رابطة بين تلك العظام صالحة لذلك الربط لما فيها من القوة والمتانة، ثم تركب من ذ لك آلات وحواس حية موافقة للمصالح..ثم انظر إلى موضع العينين ما أشبهها بهما بعيدا مما يؤذيها مرتفعا للتمكن من إدراك المبصرات في الوجه الذي لا يحتاج إلى تغطية باللباس من الجمال البديع فيهما، ولو (1/237) كان في الرأس أو في الظهر أو في البطن أو غير ذلك ما تَت الحكمة ولا النعمة بهما, وكذلك كل عضو في مكانه ... وأما دلالة الآفاق فما يحدث ويتجدد في العالم من طلوع القمرين والكواكب وغروبها عند دوران الأفلاك الدائرات والسفن الجار يَت والريَح الذاريَت ... وكذلك تغير أحوال الهواء بالغيوم والصواعق والبروق العجيبة المتتابعة المختلطة بالغيوم الثقال، الحاملة للماء الكثير المطفئ بطبعه للنار المضادة له، وما في الجمع بينهما وإنشائها وإنزال الأمطار منها بالحكمة البالغة ... ثم ما في اختلاف الليل والنهار والفصول والأحوال ... " 1. فالمقصود أن الدلالات الدالة على تفرد الله بالربوبية والخلق والتدبير كث ة، وبالجملة هذا النوع من التوحيد لا ينكره أحد إلا مكابر معاند، ومن المعلوم أن من اعترف بوجود الله من غير إفراد له بالعبادة فإن إيمانه هذا لا ينفعه، بل لا بد مع هذا الإقرار أن يجرد التوحيد لله وحده. وسيأتي بيان ذلك في الفصل الآتي. __________ 1 إيثار الحق على الخلق ص44،45،46،49،50 بتصرف (1/238) الفصل الثاني: توحيد الألوهية وفيه مبحثان: المبحث الأول: تقرير توحيد الألوهية عند السلف. المبحث الثاني: عقيدة الإمام أبي حنيفة في التوسل إلى الله.
عدد الصفحات ١٧٢(1/239) المبحث الأول: تقرير توحيد الألوهية عند السلف ويشتمل على المطالب التالية: المطلب الأول: معنى توحيد الألوهية وخصائصه 1- توحيد الألوهية لغة توحيد الألوهية مركب من كلمتين: التوحيد وقد تقدم، أما الألوهية فه ي لفظ منسوب إلى الإله، والإله كفعال، بمعنى مألوه، وكل ما اتخذ معبودا إله عند متخذه، وإل ه جعلوه اسما لكل معبود له..وأالِه فلان يأله عاباد، وقيل تأله فالإله على هذا هو المعبود 1. أالِه بالفتح إلهة أي عبد عبادة ... إله على فِعال بمعنى مفعول لأنه مألوه أي معبود كقولنا إمام فعال بمعنى مفعول لأنه مؤتم به 2 ومنه قرأ ابن عباس رضي الله عنهماكا واآلهِاتاكا الآية127." __________ 1القاموس المحيط1/173، والمفردات للراغب ص21. 2 الصحاح6/2223. (1/241) بكسر الهمزة قال وعبادتك1. والتأله التنسكوالتعبد قال رؤبة 2: لله در الغانيات المده سبنحن واسترجعن من تألهني 3 وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والإله المألوه الذي تألهه القلوب، وكونه يستحق الألوهية مستلزم لصفات الكمال، فلا يستحق أن يكون معبودا محبوبا لذاته إلا هو، وكل عمل لا يراد به وج هه فهو باطل، وعبادة غيره وحب غيره يوجب الفساد كما قال تعا فاسُبْحاانا اللََِّّ رابنِ الْعارْشِ عامَّا ياصِفُوناُْ 22 "4.
عدد الصفحات ١٧٣هذا هو معنى الإله لغة وشرعا أما عند أهل الكلام فالإله هو القادر على الاختراع والإيجاد، فيكو ن معنى لا إله إلا الله عندهم لا قادر على الاختراع إلا الله. وفي ذلك يقول أحمد بن موسى الخيالي 5 في شرح كلام __________ 1 الصحاح6/2223. 2 هو رؤبة بن العجاج التميمي البصري بضم أوله وسكون الواو بعدها موحدة قال عنه ابن حجر "الراجز المشهور التميمي ثم السعدي لين الحديث فصيح مات بالبادية سنة 145هـ تقريب التهذيب 1/253؛ وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب3/290؛ وطبقات الشعراء لابن قتيبة 2/594؛ وطبقات الشعراء للجمحي2/761. 3 ديوان رؤبة ص165 ط/ دار الآفاق الجديدة، وانظر الصحاح6/2224. 4 اقتضاء الصراط المستقيم 2/846. 5 هو أحمد بن موسى الخيالي الرومي قال عنه الشوكاني: "برع في العلوم العقلية وفاق أقرانه ودرس بمدارس الروم وكان دقيق الذهن باهر الذكاء أفحم أكابر علماء عصره بدقائق العلوم ... وله مصنفات منها حواشي شرح العقائد" مات بعد سنة 860هـ. البدر الطالع؛ وانظر ترجمته في الفو ائد البهية ص43. (1/242) التفتازا1: "قوله لو أمكن إلهان أي صانعان قادران على الكمال بالفعل أو بالقوة" 2. قلت: هذا تفسر لصفة الألوهية بصفة الربوبية، وهذا خطأ ظاهر فلم يأت الإله بمعنى المخترع كتاب الله ولا في لسان العرب، ولم يقله أحد من أئمة اللغة المعروفين المعتبرين. وإنما أتى الإله في القرآن بمعنى المعبود، ومن ذلك قوله تعا إِلهااً وااحِداً إِنَّ هاذاا لاشايْءٌ عُجاابٌ5." وقوله تعاعِزناً كالاَّ ساياكْفُرُونا بِعِبااداتهِِمْ واياكُونُونا عالايْهِمْ ضِدناً81-82." وقوله تعا{عاً
عدد الصفحات ١٧٤والا يماْلِكُونا ماوْتاً والا حايااةً والا نُشُوراً3." وقوله تعا لا يماْلِكُ لهاُمْ رِزْقاً مِنا السَّمااوااتِ واالأْارْضِ شايْئاً والا ياسْتاطِيعُونا "سورة النحل: الآية73." وقوله تعااهُمْ والاكِنْ ظالامُوا أانـْفُساهُمْ فاماا أاغْناتْ عانـْهُمْ آلهِاتـُهُمُ الَّتيِ يادْعُونا مِنْ دُونِ اللََِّّ مِنْ شا يْءٍ لامَّا جااءا أامْرُ رابنِكا واماا زاادُوهُمْ غايرْا تـاتْبِيبٍ 101." __________ 1 هو مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني نسبةً إلى تفتازان بلدة بخراسان قال عنه ابن حجر: "العلامة الكبير صاحب شرحي التلخيص وشرح العقائد في أصول الدين وشرح الشمسية في المنطق ... انتهت إليه معرفة علوم البلاغة والمعقول بالمشرق بل سائر الأمصار لم يكن له نظير في معرفة هذه العلوم مات في صفر سنة 792هـ، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 4/350. وانظر ترجمته في البدر الطالع2/303؛ والفوائد البهية ص134. 2 حاشية ايالي على شرح العقائد ص 51. (1/243) وقوله تعايـاقُولُنَّ اللََُّّ قُلْ أافـا راأايـْتُمْ ماا تادْعُونا مِ نْ دُونِ اللََِّّ إِنْ أاراادانيِا اللََُّّ بِضُرنٍ هالْ هُنَّ كااشِفااتُ ضُرنِهِ أاوْ أاراادانيِ بِراحمْاةٍ هالْ هُنَّ ممُْسِكااتُ راحمْا تِهِ قُلْ حاسْبيِا اللََُّّ عالايْهِ يـاتـاواكَّلُ الْمُتـاواكنِلُونا }38." فالمشركون مقرنون بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض، وأنه لا يقدر على الخلق والرزق والإحياء والإماتة إلا الله ومع ذلك لم يصيروا به مسلمين موحدين بل كانوا مع هذا الإقرار مشركين. وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن أهل الكلام: "يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع، ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء حتى إنَّم كانوا مقرين بالقدر وهم مع هذا مشركون" 1. ويقول كذلك: "وليس المراد بالإله هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين؛ حيث ظن أن الألوهية هي القدرة على الاختراع، وأن من أقر بأن الإله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أن لا إله إلا الله، فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون كما تقدم بيانه. بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبد، فهو إله بمعنى مألوه لا إله بمعنى آله، والتوحيد أن يعبد الله
عدد الصفحات ١٧٥وحده لا شريك له، والإشراك أن يجعل مع الله إلها آخر2. __________ 1 التدمرية ص180؛ ومجموع الفتاوى 3/98؛ وانظر أيضا بيان تلبيس الجهمية1/478-479؛ واقتضاء الصراط المستقيم 2/845،846. 2 التدمرية185-186؛ وضمنموع الفتاوى 3/101. (1/244) وكذا في لغة عرب الجاهلية لم يأت الإله عندهم إلا بمعنى المعبود، وهو شامل للإل ه الحق وهو الله، والآلهة الباطلة التي يعبدونَّا من دون الله. وفي ذلك يقول الزمخشري: "والإله من أسماء الأجناس ـ كالرجل والفرس ـ اسمٌ لما يقع على كل معبو د بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بحق" 1. وقد تقدم قول الفيروزآبادي2: "إله كفِعال بمعنى مألوه وكل ما اتخذمعبودا إله عند متخذه" 3. نعم الإله الحق لا بدن أن يكون خالقا قادرا على الاختراع، ومن لم يكن كذلك فليس بإله حقا وإن سمنِي إلها. إذن فمعنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله، وليس معناها لا خالق ولا صانع إلا الله، لكنها تتضمن هذا المعنى. وكذلك ليس معناها لا معبود موجود إلا الله؛ لأن هذا يكذبه الواقع وهو وجود معبودات كثيرة بالباطل. 2- توحيد الألوهية اصطلاحا توحيد الألوهية هو العلم والاعتراف بأن الله ذو الألوهية على خلقه أجمعين، وإفراده وحده بالعبادة كلها وإخلاص الدين لله وحده. __________ 1 انظر الكشاف1/36، ط/دار المعرفة. 2 هو محمد بن يعقوب الفيروزآبادي الشيرازي اللغوي الشافعي صاحب كتاب بصائر ذوي التمييز وغير ذلك من المصنفات مات سنة 817هـ؛ الضوء اللامع10/79. 3 القاموس المحيط1/173. (1/245)
عدد الصفحات ١٧٦