127 أضف إلى هذا ما يرد من تشتُّت يزيد المعرفة الإيجابية تمييعاً، حين يُبسط في تحليل العبارة الواحدة ما يحتمله كل عنصر منها على أنه وظيفة إعرابية أو صرفية أو دلالية. وبهذا يكون أمام الدارس الغِرّ وجوه متعدّدة متفرّقة، لا يستطيع ربط كل منها بقرينه المناسب له، من محتمَلات العناصر الأُخرى، وتصبح لديه العلاقات النحوية والوظائف والمفاهيم اعتباطية سائبة رجراجة، تصلح للتوظيف في أيِّ توجيه كان. إذاً فلا حاجة ولا دافع إلى التدقيق والتعيين والرباط المنطقي في الفهم والأداء. ثم قد تقف أنت فيما بين يديك من كتب النحو والأعاريب والتفسير على أساليب ومصطلحات نحوية أنكرها لك بعض الدارسين والمدرِّسين. فلا تمتعض وتتعجّل بالإعراض عنها قبل معرفة حقيقة الأمر فيها. ومن ذلك مثلاً أن يكون التعليق للجار والمجرور معاً، أو لأحدهما وحده. وإنما جاز هذا الخلاف، لأن الأول مبنيّ على أن التعلّق المعنوي بالعامل هو لهما معاً، والتالي مبنيّ على أن التعلّق للجار أو للمجرور مفرداً. ولكلٍّ وِجهة هو مُوَلِّيها. وقد رافق هذه المسيرة في الحقل القرآني إجراءات تحليلية لنصوص التعبير الفني من مقولات العرب. كان أقدم ذلك ما رأينا نماذجه في بعض أشعار القدماء، إذ تعرّض النحاة إلى شيء منها ببيان شذرات من وظائف المفردات والتراكيب، واختلفوا في التوجيهات، ثم انتقل هذا وذاك ليشمل شواهد لكتب نحوية مشهورة ولنصوص نبوية شريفة، لا مجال للوقوف عندها الآن. النهج العملي للإعراب: ما ذكرناه حتى الآن من أوضاع الإعراب للنصوص القرآنية يقدّم صوراً كثيرة من الأساليب والتعابير والمصطلحات والمفاهيم، دون أن تتبيَّن أنت فيها نهجاً واضحاً يسير فيه التحليل والتعبير. فهي جهود منثورة تمثّل الاختيار لِما هو ظاهر الأهمّية
عدد الصفحات ٣٣128 أو مُشكِل البيان، يعرض له المفسّر أو النحوي لتحديد وَجهه في الإعراب أو الصرف أو معنى الأداة ووظيفتها في التركيب، مع التعرّض لكثير من الخلاف والآراء. وإذا رصدتَ أنت الخطوط التي تُوجِّه تلك العمليات الإجرائية أمكنك أن تلحظ روابط تشدّ عناصر التفكير والتعبير، وتساعد على استخلاص هياكل عامّة تتحرّك ضمنها عبارات العلماء، في خطوط متوازية أو متقاطعة أو متداخلة، فتمثّل حركات ناشطة ومخلصة لتقديم المعارف، دون أن يكون لها صوًى توحّد السبيل وترسم النهج العِلمي القويم. واعتماداً على ضوء تلك الخطوط العملية الظاهرة، وعلى جهود أسلافنا ومعاصرينا من النحاة الأكارم الذين شقّوا السبيل، وعبّدوها، وعمروها بالنتاج الطيّب، وعلى الخِبرات المكتسبة في تلقّي الإجراءات الإعرابية أيّام الدراسة، وممارستها في التدريس والبحث والتأليف والتوجيه وتحقيق « في أُمّهات المصادر، استطعتُ أن أرسم صورة عملية ميسّرة واضحة للإعراب، وألتزم بعضَ حدودها فيما ذكرتُ من مصنّفاتي، ثم كلَّ الحدود أحياناً. والأساس الأوّل أن يكون العمل في ميدان الآيات الكريمة باختيار قراءة واحدة معيّنة؛ كي يجري التطبيق النحوي على ما هو محدَّد بوجه دقيق من الألفاظ والتراكيب. وعلى هذا يبدأ الانطلاق بسورة القرآني في مفرداته وتراكيبه بالتسلسل التوقيفي المعهود، وفي نهاية كل آية رقمها المحدَّد كما جاء في المصاحف المنشورة ، خلافاً لما وقع فيه المُعرِبون والمفسِّرون المعاصرون والناشرون لكتب التفسير بإثبات الأرقام قبل الآيات.
عدد الصفحات ٣٤129 . فالمفردة إذا كانت من الأدوات( ((ثم يتوالى التطبيق النحوي بدءاً بالإعراب التي لا إعراب لها يُذكر معناها النحوي ببيان وظيفتها في التركيب، وإلاّ جاء ذكر معناها غالباً بعد إعرابها وبينهما فاصلة للتفريق. وغيرُ ذلك من المفردات يُذكر إعرابه ثم ما لَه من تحليل صرفي بعد نقطة أو فاصلة أيضاً، حتى يتم ما للجملة من مفردات، ثم يكون بيان محل الجملة من الإعراب. وغالباً ما يُغفَل الحكم على الجمل التي لا محل لها، إذا كانت ابتدائية أو استئنافية أو اعتراضية أو صلة للموصول. والإعراب في المفردات لا يجوز فيه ذكر لفظ لأن الأداة عامّة تشمل الحرف والاسم والفعل، فلا بد من التخصيص. ويحسن في إعراب المفردات أن يُغفل النص على ما ليس له محل من الإعراب، إذا كان حرفاً أو فعلاً مبنيّاً، لأنَّ ذِكْرَ ذلك فيه هو من نافل القول. وما دون تلك المفرداتِ فغالباً ما يُعيّن وجهه، وقد يُحدّد بلفظه أو بعلامته، كالقول عن المبتدأ مثلاً: وعلامة رفعه الضمة، أو مرفوع بالضمة. وكلا القولين صواب، لأن الأول مرجعه إلى أن الإعراب معنوي تَرِد الحركات وتوابعها علامات عليه، والثاني مردّه إلى أن الإعراب لفظي هو الحركات نفسها. وغالباً ما يُغفل بيانُ علامة الإعراب، وذكرُ الجمع السالم مذكّراً أو مؤنّثاً لوضوح شأنه، وذكرُ هو عليه اللفظ، مع بيان المحل الإعرابي لما له محل من ذلك. وفي كلتا الحالين يكون تحديد ما بعُد، من صاحب للخبر والصفة والحال والمستثنى منه والمعطوف عليه والمبدل منه والمؤكَّد... لتتضح العلاقات الإعرابية والوظائف النحوية بين المفردات كلٍّ منها على حِدة، وبين الجمل كذلك، وبين ).06 – (63 التحليل النحوي (ص (((
عدد الصفحات ٣٥130 عناصر الفئتين أيضاً. أمّا أشباه الجمل فتُعرب مفرداتها مع بيان وظائفها، ثم يُعيّن متعلَّقها الذي تتصل به وتُقيِّد معناه النحوي، من فعل أو مصدر أو مشتق أو جامد مؤوّل بالمشتق، حاضر في التركيب أو مقدَّر. والتحليل الصرفي يكون بتعيين وزن الكلمة وحدها أو مع ما يتصل بها . فالاسم يبيَّن جنسه من الجمود أو الاشتقاق ونوعه في ذلك مع (((في الصيغة تعيين مصدر الفعل المشتق منه، وما أصاب الكلمة من تصرّف صوتي بإبدال أو إعلال أو إدغام أو حذف أو تسكين أو قلب مكاني، ومن تطوّر دلالي وتنقُّل بين الصيغ الصرفية، والفعلُ يذكر ما في المزيد منه من معاني الزيادة، وما أصابه من تصرّف صوتي أيضاً. وقد ظهر من خلال هذا التطور الدلالي أنه غالباً ما يكون بالانتقال من المعاني إلى الذوات، كما ذكرنا قبل، بعكس ما زعمه المستشرقون والمستغربون من صحراوية التفكير العربي بالانتقال من المادّة إلى المعنى. ولعلك تستشكل ورود التحليل الصرفي بين جنَبات الإعراب، إذ المشهور عند جمهور المعاصرين أنهما حقلان متمايزان، ولكنك إذا استحضرت ما مضى من علاقات صميمية بينهما في التحليل، وما يكون من تبادل التأثّر والتأثير بينهما أيضاً، تبدّى لك وجه الصواب في ذلك. ولهذا كان بعض القدماء يعبّرون عن الظواهر الصرفية بالإعراب، كما عرفتَ من قبل، وكما تبدّى لدى . بل إن زميلاً لنا كان يسمِّي هذا التحليل للمفردات (((الفارسي وابن جنِّي مثلاً بالإعراب الصرفي. )، 69 – (55)، والاقتصاد اللغوي في صياغة المفرد (ص(( – 0 المورد النحوي الكبير (ص ((( ).6( – ((0والتحليل النحوي (ص ).5( – (50 ينظر كتابنا: وظيفة المصدر في الاشتقاق والإعراب (ص (((
عدد الصفحات ٣٦131 ثم لا بد أن يُلتزَم في جميع ما مضى استعمال المصطلحات النحوية، كلٍّ في ميدانه الخاص به من الإعراب أو الصرف أو معاني الأدوات، ويُختارَ من الوجوه في مسيرة التحليل ما هو أيسر وأوفق لأصول العلوم المذكورة، على أن يكون انسجام بين المقاصد المعنوية للعبارة والأحكام النحوية ما أمكن. وهو الأمر الذي قد يقتضي تَجَنُّبَ بعض التوجيهات لإفسادها المعنى المرادَ أو تعقيد ما هو بسيط ميسّر. ومثل هذا ينسحب على التوفيق بين القراءة المختارة وأسباب النزول والأحكام الشرعية والدلالة اللغوية والصِّيغ الصرفية والوظيفة والعلاقة والعمل الإعرابي ومعاني الأدوات والعبارات بشكل عامّ. وهذا يعني اختيارَ وجه واحد منسجم العناصر من وجوه تلك الميادين المتعدِّدة، والسيرَ معه في جميع المراحل، دون تطلّع إلى الاحتمالات الأُخرى، ليكون العمل في مسار منتظم قويم الخطوات مترابط بعضُه ببعض، وموجِّه له في تبادل التفاعل بالتأثّر والتأثير ضمن سياق التعبير، ممّا يحقّق إظهار المعاني والعلاقات والوظائف لعناصر التركيب، من خلال عبارات مقنَّنة محدَّدة تتكرّر في مواقعها اللازمة. وبذلك يترسّخ في ذهن الدارس ولسانه وقلمه قنواتٌ مرسومة متمايزة ومَهارةٌ مِطواع مُواتية يستعين بها في العبور والأداء وقت التفكير والتعبير. وليس في هذا الالتزام ما ينفي تعدُّد الوجوه في التحليل النحوي والاصطلاح والتعبير عامّة. إذ لكلٍّ وِجْهَةٌ هو موَلّيها، ضمن الخطوط المحدّدة لإطارها العامّ، دون التداخل أو الاشتباك أو المماسّة للوِجهات المغايرة. وخلال الإجراءات لعمليات الإعراب والصرف والأدوات، يُكتفَى بما هو حاضر في اللفظ أو التقدير الصناعي المُلزِم، ولا يجوز إقحام مقدَّرات لفظية لترميم توجيهات مصطنعة بعيدة عن مؤدَّى عناصر التركيب في التعبير، كما رأينا في مسائل
عدد الصفحات ٣٧132 التمرين، لا يجوز ذلك الإقحام ما دام المعنى ومقتضَى التحليل مكتفيَين بالدلالة والصياغة والتفاعل واستيعاب حاجات المَقام والمَقال. مثال ذلك ما تجده فيما تُسنَد وهي بالموصولية أولى. وإلاّ فإن كل تقحّم (((إليه أفعال المدح والذمّ، وخاصّة بافتراض تقديرات لألفاظ محذوفة أشبه بنوع من الربا المرفوض أصلاً وتفريعاً. ذلك لأن العبارةَ تُقَدِّم لك ذاتها بما تحمله من المقتضَيات الأساسية المُلزمة، وتقحُّمَك فيها بزيادات مزاجية هو إعادة للعبارة محمَّلة بالتحكّمات شِبه الرِّبوية القسرية المنكرة. ولا يمنع هذا الوجوبُ المنهجي أن تورَد بعض الظواهر الإملائية اللازمة لبيان الصيغة، وأن يُلقى نُثار من المعاني البيانية الطفيفة لتوضيح الجانب الإعرابي. ثم لمَّا كان المذهب البصري في الإعراب والصرف أقرب إلى الدقّة والبيان، وهو الجاري على الألسن والأقلام والأفهام في كثير من تاريخ النحو حتى الآن ، فقد وجب التزام حدوده في الإجراءات ما أمكن، ومتابعة توجّهاته فيما عرضنا، ليكون العمل قريباً من ميادين المعارف والأساليب المستخدمة بين الناس. وقد يُخرج عليه أحياناً، كما في موضوع إلى منطق العربية. أما معاني الأدوات فقد حَجَّر البصريون منها واسعاً، وضيّقوا مجال الأصول الدلالية لكل منها، بلزوم الوضع اللغوي النحوي الأوّل، ثم كان للكوفيين اجتهادات واقعية وقيِّمة مفيدة، ولّدت ما يستوعب الحاجات المستجدّة في تحليل النصوص القرآنية وغيرها. ولذا كان عليك مجاراة هؤلاء في كثير من تلك المجالات، مع تَجَنُّب الخلافات الاصطلاحية والمذهبية والقبلية على كل حال. ).339 – 337 الجنى الداني للمرادي (ص (((
عدد الصفحات ٣٨133 ولمّا كان لبعض الأدوات عدّة معان وظيفية وجب أن توزَّع هذه المعاني فيذكرَ منها في الإعراب ما هو ألصق به، ويتركَ الباقي ليكون له الحضور في حقل المعاني النحوية البيانية. هذا، وقد أضاف المفسّرون والنحاة والمعربون واللغويون وعلماء البيان إلى مقولات أصحاب المذهبين في تلك الدلالات تفريعات وتفصيلات من المعاني النحوية البلاغية، جمعنا نحن ما انتثر منها في المصنّفات المختلفة مضيفين إليه شذرات متمّمة، وألَّفنا بين ذلك في عبارات واضحة ليكون فيما نقوله استيعاب وافٍ بعون الله، جل وعلا. وخلال هذا كله، فإنّ مذهبنا أن الأداة النحوية لها دلالة معنوية خاصّة بها متميّزة، خلافاً لما عليه جمهور النحاة، من قولهم عن حروف المعاني الاسم والفعل والجملة يُقرن بالاسم أو الفعل أو الجملة يضاف إليه المعنى النحوي المعروف، متحصّلاً بما اقترن به لا منه وحده. والحقُّ أن الحرف النحوي ذو دلالة معنوية مستقلّة ظاهرة فيه، تتجسّد في الذهن مع ذكره، وقد تكون وحيدة أو ذات عدّة توجهات محتملة، فإذا انتظم في عبارة تجرّد لمقصَد معيَّن وزالت عنه سائر الاحتمالات. وهذا ما عبّر عنه الإمام عليّ رضي الله عنه منذ ألف وأربعمِائَةِ سنة حين عرّف الحرف بأنه ذو معنًى، ثم فسّره بقوله ، ثم اضطربت مذاهب النحويين في توضيح المفهوم، (((العلماء كسيبويه وخلف الأحمر ساد منها بينهم أن الحرف . على أننا نجد في القرن السابع ابن النحاس محمّد بن إبراهيم الحلبي (((مشتّتة متضاربة .(3(يعيد إلى المسألة وجهها الأصيل بقوله: إن الحرف معناه في نفسه ).(() وكتابنا: نصوص نحوية (ص359/( الكتاب ((( ).3 – (0 انظر: الجنى الداني (ص ((( ).45 – (44 العقود العلوية على شرح الأزهرية لعلي بن إبراهيم الحلبي (ص (3(
عدد الصفحات ٣٩134 ثم إن حروف المعاني هذه لكل منها معنى خاصّ أو عدّة معان، كما ذكرنا منذ قليل، وقد يشارك غيرَه في بعض ذلك أصلاً، وقد يتقارض وإيّاه معنًى أو أكثر. ولكن هذا مشروط بما سُمع عن العرب وصحَّ حلوله محلّه في المعنى. وعلى هذا، فلسوف تصادفك في أعمالنا شذرات اجتهادية قد نخالف بها ما ألِفه النحاة والمعربون ، كالذي تراه في . وكذلك ما (((« تراه في الضمير المتصل للغائب، فهو منتهٍ بواو أو ياء، لا تُرسم في الاصطلاح ويشار إليها برمز دقيق في المصاحف الشريفة، فهو مبنيٌّ أصلاً على السكون لا على الضمّ أو الكسر كما يذكر المُعرِبون، وإذا التقى بساكن قبله أو بعده كان ذلك البناء على الواو أو الياء المحذوفة لفظاً. ولكننا مع هذا نلتزم ما ألِفه المُعرِبون، وإن كنّا قد نشير إلى الصواب في مكانه المناسب. وإذا كان للمبتدأ أكثر من خبر، ثم دخل عليه فعل ناسخ يقتضي مفعولين، فإنه يصير المبتدأ مفعولاً به أولاً، والخبرَ مفعولاً به ثانياً، وبقية الأخبار المتعدّدة يكون كل منها مفعولاً به ثانياً مكرَّراً، مهما كان عددها. وحين تخرج شِبه الجملة عن وظيفتها الأصلية في تقييد الحدث تصير في محلّ رفع نائبَ فاعل، أو تابعةً لما قبلها في موقعه الإعرابي، أي: في محلّ نصب بالعطف أو البدلية، ولا تحتاج إلى تعليق. ويحسن منك إغفال عطف البيان ما أمكن والاستعاضة منه بالبدل، لأن ما يَرِدُ منه في الكلام غالباً ما يصحّ فيه البدل. وينسحب هذا على ما يلي اسم الإشارة للبيان ويكون محلًّى بـ والكمال أو للتعظيم فالاسم المذكور هو في الغالب خبر. ).345/( انظر: الكتاب (((
عدد الصفحات ٤٠135 ثم إن لام له لفظ حقيقي، إذ جمهور مواقع وجد ذلك تعيّنت الجوابية. وربما حسُن أن تقدِّر القسَم المحذوف من كلام الله تعالى - في غير ذلك بالقول – .(((حديث قدسي مشهور والجملة الشرطية هي في الحقيقة قد ترد قيداً في العبارة، فتكون صفة لما تقيّده أو في محل نصب حالاً مقارنة أو ماضية أو مقدَّرة، خلافاً لما أنكره الجمهور . إنهم (((واستشكلوه باعتمادهم على أن الشرط يخالف الحالية لأنه استقبالي واهمون في ذلك، لأنها قد تكون للماضي أو للحاضر أيضاً، فإذ وافقت في الزمن ما تقيّده فالحالية مقارنة، وإلاّ فهي حكاية للحال الماضية أو حالية مقدَّرة. وبهذا يكون قد طاح الإشكال. وهنا تَعرض لنا اللام الموطّئة للقسَم، إذ تكون في أذهان المعربين لام جواب، أو حرف اعتراض والجملة الشرطية مع جوابها المحذوف اعتراضية بين القسَم وجوابه. وبناء على ما قدّمنا في موضوع الشرط، فإن الجملة الشرطية هنا هي قيد لعنصر من جواب القسَم وفي محلّ نصبٍ حالٌ مقدَّمة، وهي بذلك تمثّل صورة من الاحتباك، وتفيد العامل فيها ضرباً من التوكيد المعنوي، إضافة إلى ما يفيده تكرار اللفظ أيضاً. والنهي في مفهوم النحاة هو طلب تركِ الفعل أو الكفِّ عنه، ولكنك سترى كثيراً من صِيَغه في الآيات الكريمة مراداً به تجنّب الفعل أو عدم القيام به، وربّما )، وجمع الجوامع تحت الرقمين 688/3)، وكنز العمال 85/9) و 7(/7 جامع الحديث ((( ).7535) و6(43( .)75 – 73 إعراب الجمل وأشباه الجمل (ص (((
عدد الصفحات ٤١136 اجتمع فيه المعنيان إذا كان الخطاب لأكثر من واحد. ثم إن النفي غالباً ما يتضمّن من باب مفهوم المخالفة حصولَ عكس المنفيّ مؤكَّداً، وإذا كان منصبّاً على صيغةِ مبالغة مثل أصل الحدث غيرَ مبالَغ فيه. والرأي أن تعالَج القضية بالحفاظ على الدلالات الحقيقية للصيغ، ليكون نفي المبالغة مبالغةً فيه أصلاً وفرعاً، فلا يحصلَ منه شيء إطلاقاً، وكذلك حال النهي المنصبّ على المعاني المبالَغ فيها أيضاً ليصير المقصود به مبالغةً في النهي. والتنازع بين العوامل حصَره جمهور النحاة في الأحداث النصّية: الأفعال وأسمائها والمصادر والمشتقّات العاملة. ولمّا كان العمل الحقيقي هو في الأصل (((للحدَث عامّة، كما عرضنا في كتابنا فقد وجب أن يشارك في التنازع كلُّ لفظ يتضمّن معنى الحدَث، كالأدوات العاملة من حروف وأسماء. وعلى هذا يكون لعوامل الجزم حضور ومساهمة في الحقل المذكور، وتدخلُ أشباه الجمل أيضاً في المتنازَع عليه، ليصير لكل منها أكثر من عامل نحوي في الظاهر أو التقدير. وإذا كان في العبارة عطف على الحال، أو المفعول المطلق أو المفعول لأجله، فلا بد من النص أن الثواني منصوبة بالعطف، خلافاً لما جرى في أعمال المعربين، من القول: حالان ومفعولان مطلقان ومفعولان له. ذلك لأن لكل عنصر وظيفته الإعرابية، وفرق منهجي واضح بين ما جرى عليه المعربون بالتسمّح في ذكر الإعراب الحُكمي، وما يجب من البيان بالإعراب الحقيقي، وإلاّ اختلط الحابل بالنابل. ).9( – (90 في (ص (((
عدد الصفحات ٤٢137 ثم إن الجمل الإنشائية قد يكون لها موقع الخبر أو الصفة أو الحال، فتسدّ مسدّه وتقوم مَقامه في الإعراب، مع أن أكثر النحاة ينكر عليها ذلك. وهي في شُغلها وظيفتَها هذه تضيف إلى المعنى العامّ للعبارة مبالغة وتوكيداً، جرياً على ما عُرف في أوساط البيانيين، من أن ما يُنقل من وظيفته المخصَّصة إلى وظيفةِ غيره بالقياس الصحيح يكون له توجيهات مؤكِّدة للمبالغة في المعنى المقصود. وكذلك ما يكون في صيغة المفرد أو الجملة من قلب مكاني أو نقل إلى غير وظيفتها الأصلية. وحين يجتمع قسم وشرط فالجواب يكون للأوّل في الغالب، ويُحذف جواب الثاني لدلالة جواب الأول عليه. هذا إذا كان الشرط غير امتناعي، وإذا كان امتناعيّاً فالجواب له على كل حال. وعندما ترد المصطلحات الإجرائية: كنّا قد ذكرنا من قبلُ ما يجب من تحديد الاصطلاح المستعمل خلال ميادين التحليل، ونضيف الآن أنه يجب التزام المفردات والأساليب التي اشتَهرت عن البصريين بالتغليب، لأنها الأشيع والأكثر استخداماً في المصادر التراثية والإجراءات العملية حتى عصرنا هذا، والأقرب إلى الدقّة والبيان مما سواها. ثم يضاف إليها ما يسّره الله من عناصر ألقاها المفسّرون واللغويون والمُعرِبون والبلاغيون والاجتهاد الشخصي، فتكون زاداً وافراً يستوعب حاجات العمل المنهجي بدقّة واستقصاء، ثم ينتثر فيها ما هو بعيد عن قاموس المعاصرين لنا وقد يُفهم على غير مقاصده، فيقتضي ذلك أن نقف مليّاً لتفسير مفاهيمه بشيء من البيان: فالاحتباك: أن يتداخل تركيبان حُذف من أوّلهما ما ثبَت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما ثبَت دليله في الأوّل. و «
عدد الصفحات ٤٣138 فهذه الجملة معطوفة على التي قبلها بالحرف المذكور لأنه حرف عطف، خلافاً لما عليه جمهور المعربين من الاضطراب في ذلك. أمّا ومبالغة المعنى للجملة التي هي فيها، ولا يحتاج ذلك إلى تقدير شرط وما أشبهه في الإعراب. والاسم المُغرِق في التنكير: يلازم معنى التنكير وغالباً ما لا يستفيد تعريفاً من أساليب التعريف. ومن ذلك كلمات: غير ومثل ونظير ونحو. وأفعال الاستعارة: كل فعل مبنيّ للمعلوم لا يصح أن يقوم به فاعله، فيكون إسناده إليه مجازيّاً. و المعاصرين للمذكور معها، وللمبالغة والكمال إذا دخلت على ما يستغرق خصائص الأفراد ويوجَّه إلى مصدر الصفة المتضمَّنة فيه، وحرفية موصولة للعاقل أو لغير العاقل إذا دخلت على مشتق مسند إلى بعض من يَعقل أو ما لا يَعقل وهي حرف لا محل له من الإعراب، وزائدة لازمة للتزيين اللفظي إذا لزمت ما تدخل عليه ولم تُضِف إليه معنًى نحويّاً جديداً، وزائدة للمح الأصل إذا دخلت على اسمٍ علم منقول عن مصدر أو مشتق، وعهدية حضورية إذا دخلت على ما هو حاضر وقت التكلم، وعهدية ذكرية إذا حلّت مع ما دخلت عليه محلَّ ضمير يعود على اسم متقدم لفظاً أو تقديراً، وعهدية ذهنية إذا دخلت على معهود لدى المخاطَب أو على منعوت بصفةٍ مَعرفة لئلاَّ يكون دونها في التعريف كما قرّر المحقّقون، ونائبة عن الضمير إذا أمكن حذفها ووصل الاسم الداخلة عليه بضمير للمتكلم أو المخاطب أو الغائب. والألف التي هي حرف زائد في الرسم للتفريق تَرِدُ بعد واو الجماعة، إذا لم يكن بعده ضمير متصل، للفرق بين واو الجماعة والواو الأصلية في الفعل. وكثيراً ما يرد في الرسم العثماني خلاف ذلك تبعاً للأصول الإملائية في صدر الإسلام. و التي بمعنى
عدد الصفحات ٤٤139 أفلا. وهذه من نادر التركيب. وإذا وُجِّهت هي وأمثالها إلى الله سبحانه كانت للتمنّي والدعاء، ولم تجُز لمعانيها المعهودة. و بين البدل والمبدل منه وهي مهملة لا عمل لها. وجعلها للحصر وهَم ظاهر. وأو: تكون عاطفة لأحد الشيئين ومنع الخلوّ، إذا أمكن أن يُجمع بين ما قبلها وما بعدها وأن يقع أحدهما وحده أيضاً. وقد تكون الواو لمثل هذا. وهو من نادر البيان وأبلغه. وقد تعطف كل منهما شيئين على نظيريهما أو تعطف أكثر أيضاً. والباء: حرف جر للإلصاق المعنوي، إذا تعلقت بما هو معنويّ غير ماديّ، وللاستعانة إذا دخلت على آلة الفعل. وبدل التفصيل هو: البدل من مُجمل بالمفصَّل. وبل ولكنْ: تعطف كل منهما المفردات كما تعطف الجمل، خلافاً لمن منع بعض ذلك. و كان ما بعدها يفيد ارتفاعاً معنويّاً عما قبلها ولم تُفِد هي مُهلة زمنية بينهما، وقد يجتمع الأمران معاً. وتاء التأنيث كثيراً ما تفقد معناها اللغوي، وذلك حين تتصل باسم الفاعل أو اسم المفعول للدلالة على المبالغة في ثبوت الوصف، فيصير كل منهما صفة غالبة نحو: راوية وعلاّمة ونوّاحة ومصدوقة. وهذه المفردات قد تُطلق على مذكر أو مؤنث. ثم قد تكون التاء مع المشتق المذكور للنقل إلى الاسمية الخالصة، إذ يصبح اسم ذات أو اسم معنى لا يجوز إجراؤه على موصوف، نحو: الفاتحة من السُّوَر، والخائنة بمعنى: الخيانة، والعافية والعاقبة، وغائبة أي: ما يغيب ويخفى مع ثبوت .(((الخفاء، وهديّة ومَطيّة وذبيحة ورَمِيّة )، وروح المعاني 640/8)، والدر المصون للسمين الحلبي 383/3 الكشاف للزمخشري ((( ).7/(0للآلوسي
عدد الصفحات ٤٥140 والتابع في الإعراب لغيره، بالعطف أو البدلية في المفردات والجمل وأشباهها، لا بد في التعبير عن وظيفته النحوية من النص على ذلك بأن تقول البدلية المصطلح الدقيق بالإعراب الحقيقي. والتنصيص: مبالغة في البيان والإحاطة، ويكون بـ قبل النكرة لاستقصاء عموم النفي، وقبل وبـ المشبَّهة بالفعل الناقص فهي لنفي وجود الجنس أو العدد. والتوكيد اللفظي لا محل له من الإعراب كالحرف الزائد، أكان بالمفرد أو الجملة أو العبارة. هي الواقعة بعد أداة شرط ليس فيها معنى الظرف، (((وجملة الشرط غير الظرفي والجملة الشرطية هي: مجموع أداة الشرط وجملتيه معاً، والجملة الصغرى تكون جزءاً يتمّم جملة أكبر منها، أي: مبتدأ لخبر أو خبراً لمبتدأٍ أو ناسخٍ أو فاعلاً لفعل أو مفعولاً ثانياً لفعل ناسخ، والجملة الكبرى هي: المكوَّنة من مجموع الصغرى وما تتمّمه. وعلى هذا فقد تكون الجملة كبرى وصغرى في آن واحد. والحال في معاني الأدوات يراد بها الدلالة المعنوية، أي: الزمن الحاضر أو الوصف اللازم، لا الحال الإعرابية. والحال المقدّرة هي: التي يُتوقّع حصولها في المستقبل بالنسبة إلى ما هي قيد له، والحال الماضية هي: التي حصلت قبل ما تقيّده، فتكون لاستحضارها مع وروده كأنها تحصل مع التكلّم. وحتَّى: تكون حرف استئناف لا حرف ابتداء قبل الجملتين الشرطية والاسمية، وكلٌّ من هاتين الجملتين: استئنافية. هذا لِما هو في نهاية العبارة. أمّا إذا كان بين ).60 – 44 إعراب الجمل (ص (((
عدد الصفحات ٤٦141 تركيبين من العبارة فحتَّى: حرف اعتراض، وكلٌّ من الجملتين: اعتراضية. وقد تكون حرفاً زائداً للتوكيد. فإذا كانت الجملة بعد جر أيضاً مع تقدير قبل المضارع حرف جر إذا كان للمستقبل بالنسبة إلى زمن التكلّم، وإلاّ فالحكم كما في الاسمية والشرطية. وهي قبل الأسماء حرف جر، وقد تكون كذلك قبل: إذا. وحرف الجر الزائدُ للتقوية والتوكيد هو: الباء أو اللام، ترد مع الفعل أو المصدر أو المشتق لتقويته على العمل وتوكيد المعنى كأنه ذُكر مرتين. وحرف الجر للإضافة هو: الداخل على لفظ الجلالة أو أحد أسمائه الحُسنى أو إحدى صفاته العُظمى، تعبيراً عن الاستعلاء أو الظرفية أو ابتداء الغاية أو انتهائها، يُجعل للإضافة؛ تأدُّباً مع المولى تعالى، إذ لا يجوز ذكر تلك المعاني له. ويكون حرف الجر للغاية المكانية المعنوية إذا وقع في مثل ذلك السياق أيضاً، دفعاً لتوهّم التحيُّز المكاني. ومن هذا القبيل للتأدّب ألاّ نذكر لفظ أو اسم الجلالة في الإعراب بما يكون من الرفع والنصب والجرّ، ونستعيض من ذلك بـ المذكور قبل. والحرف الزائد في الصرف للإغناء عن المجرد هو: المزيد في صيغة الفعل ومصدره ومشتقاته، إذا لم يكن الفعل المزيد مشاركاً لمجرّده في معناه الأصلي. وقد تكون هذه الزيادة حرفين أو ثلاثة. والزائد في الإعراب يكون لمعانٍ مختلفة، وإطلاق مصطلح .(((والزائدَ بعيد عن ذلك، إذ يكون للتوكيد وغيره من المعاني الخاصّة ) من كتابنا: إشكاليات في البحث والنقد النحويَّين. 0( – 54 ينظر (ص (((
عدد الصفحات ٤٧142 والحمل على التصغير في الصرف يكون بقلب الألف واواً في جمع التكسير كما تُقلب في تصغير الاسم نفسه. والحكاية في الإعراب تعني إيراد الجملة أو العبارة أو الكلمة بعد القول وما يقوم مَقامه وقبلَها مفرد محذوف كالمضاف، مقصوداً لفظها لا معناها، فيكون لها محله الإعرابي دون أن تؤوّل بمفرد، لأن حذف المضاف قد يجيز للمضاف إليه أن يحلَّ محله من الإعراب. ولهذا قد نضعها بين علامتَي تنصيص. ورفع السببيّ يتحصّل باسم الفاعل أو اسم المفعول ليصير صفة مشبّهة به ويفيد الثبوت والمبالغة في المعنى. والفاء الرابطة لجواب الشرط إذا لم تُفِد ترتُّب الجواب على الشرط دلت على أن الجواب الحقيقي محذوف، وهو علّة باعثة للجواب المذكور، ويقال لها للتعليل الزائدة: قد تكون لتوكيد تعليق شِبه الجملة بالفعل تشبيهاً لها بالشرط في الترتُّب، أو لتوكيد تعليق الخبر بالمبتدأ اسماً موصولاً أو ما يشبهه، ولتحقيق السببية بينهما لِما في الاسم الموصول من شَبه بمعنى الشرط في العموم والترتُّب أيضاً، أو لربط الخبر بالمبتدأ، أو للنداء بجوابه، أو لِما بعدها بما قبل قولٍ، مع الدلالة على السببية بينهما وأن ما بعدها مترتب على كلام متقدّم وليس ابتداء. والعاطفة للترتيب الذكري: تَرِدُ بين جملتين مترادفتين أو مشتركتين في المعنى ولا بد من تقدم العامّة على الخاصّةِ أو البيانيةِ للتفصيل منهما. والفصيحة هي: فاء النتيجة تدل على ترتيب وتعقيب وسببية بين ما بعدها وما قبلها، فتكون للعطف أو الاعتراض أو زائدة، وقد تدل في المعنى على جملة محذوفة أو أكثر قبلها. والفعل المفعول بنفسه، ومع الهمز الزائدة يتعدى بنفسه إلى مفعولين، كما ذكر الفراء والأخفش والجرمي. وهذا خلاف لِمِا زعمه سيبويه وآخرون في النصب، من أنه
عدد الصفحات ٤٨