المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مجلة البحوث والدراسات القرآنية إصدار خاص 008

ملتقى مجمع الملك فهد

صفحة ٢ من ٤

111 والكاف: ضمير المخاطب مضاف إليه. وقدٍ: اسم بمعنى: كافٍ. ولدى ظرف بمعنى: عند. وإذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه. والعالَمِينَ: خفض بالإضافة، وعلامة خفضه الياء لجريانه مجرى جمع المذكر السالم. والرحمن الرحيم: صفتان مشتقتان من الرحمة، والرحمن: من أبنية المبالغة، وفي الرحيم مبالغة أيضاً، إلاّ أن فَعْلان أبلغ من فَعِيل. والمستقيم: صفة للصراط، وهو معتل وعينُ الفعل واو، والأصل الواو فنقلت إلى القاف، فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. وسُجّداً: حال، وهو جمع ساجد. وأعوذ: فعل مضارع، وأصله نقلوا حركة الواو؛ لأنّ الضمة ثقيلة عليها، إلى الساكن قبلها. ونستعين: فعل مضارع مرفوع، وهو معتلّ أجوف، والأصل فيه فنُقلت إلى العين، فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، فصار: نستعِين. وأحْرِ: فعل تعجّب على وزن: أفْعِلْ، فاعله المصدر المؤول من: أن أتحوّل. وساء: فعل ماض جُمِّدَ للذم، على وزن: فَعُلَ. ومن هذه النماذج، وأمثالُها غفيرة جدّاً، تلاحظ تداخل أساليب التعبير عن الدلالة المعجمية والإعراب والصرف ومعاني ووظائف الأدوات، بحيث تغيب شخصية كل منها ضمن التمازج والاختلاط، وتضيع لدى المدرِّس والطالب معالم التميُّز بينها، فلا يستطيعان رَدَّ كلِّ عنصر تعبيري إلى حقله الخاص به، أو فهمَ دلالته ووظيفته في إجراء القواعد النظرية المقرّرة. وعندما يراد من أحدهما في التحليل النحوي استخدام الدقّة، لتوضيح الوظائف والمقاصد والعلاقات، يتعذّر عليه استحضار المَهارة المطلوبة، وتتعثّر خطواته في التفكير والاختيار والتعبير والأداء.

عدد الصفحات ١٧

112 ثم لو أنك تذكرت ما أُلقِي عليك من التحليل النحوي، في عهد الطلب المدرسي أو الجامعي، لَرَجَعَتْ إليك أصداء متردّدة من التعبير العامّي المُهلهَل المصبوغ . ولا شك أنك تعجب الآن: كيف مضت تلك السنوات العِجاف بك (((بالعُجمة وبغيرك، تسمعان هذه التُّرّهات والأباطيل دون استغراب أو إنكار؟ العجيب حقّاً أنه ما كان يخطر ببالك وجوب الفصاحة في التعبير، مع أن الموضوع إعراب للنصوص العربية في بلاد العرب، ولطلاب من أبناء العروبة. هذا هو الأسلوب الشائع بلهَجات محلية في جمهور التعليم لدينا، منذ عشرات السنوات، تحت مِظلة بركات الاستعمار المنصرم، والعولمة المتأخرة، وما تحرّك في ضمير واحد من الأساتذة الكرام تنبّه أو تنبيه أو توجيه أو تعديل. فحقك هنا أن تقول بإنكار وتوبيخ وعجب عُجاب: أأعجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ؟ نعم لَحقٌّ أنه أعجمي وعربي ما نتلقاه من أفواه المعلمين والمدرسين والأساتذة الكبار، في كل مكان وفي بيوت الله والبِيَع المعمورة للعلم والعرفان. بل هم يقرّرون علينا أيضاً جميع العلوم ومنها تفسير القرآن الكريم وتعليم التجويد، بالعامّية المُغرقة في المحلّية: سوريّةً أو لبنانية أو أردنية أو عراقية أو مصرية أو سودانية أو مغربية أو سعودية أو إماراتية... بل دمشقيةً وحلبية وقاهرية وإسكندرية وفاسية وطنجية وصنعاوية... غير عابئين باحترام الذات والوطن والأُمّة والقِيَم الكريمة. وإذا نبّهتَهم لشيء من ذلك واجهوك بالسخرية والتهكم. أعني نحو: فِعِلْ ماضْ مبنيْ على الفتحْ إلزّاهرْ، فِعِلْ أمرْ مبنيْ على حزفْ حرفْ إلعلِّهْ، ((( فاعلْ مرفوعْ وعلامِةْ رفعُهْ إضّمِهْ إلزّاهْرهْ، مفعُولْ بُهْ مَنسوب، إِسِمْ موصولْ مبنيْ على السكونْ في محلْ رفعْ خبرْ، إسِمْ إستفهامْ مبنيْ على الفتحْ في محلْ نسبْ حالْ، حرفْ جرْ زائدْ، إِسِمْ فِعِلْ أمرْ، الجّارْ والمجرورْ متْعلْقانْ بالخبرْ إلمحزوفْ، جملِه فعليِّه في محلْ جرْ مضافْ إلِيه...

عدد الصفحات ١٨

113 التفاعل الصميمي بين عناصر التحليل على أنَّ ما ذكرناه من وجوب التمييز بين تلك الحقول النحوية والدقّة في استعمال المصطلحات الخاصّة لا يعني الفصل الحادّ خلال التدريس والعمل، بل لابد من مراعاة العلاقة الحميمة بين علوم النحو والتنصيص عليها وتوضيحها بالتعبير القاصد في كل مناسبة إجرائية، من إعراب وصرف ومعاني أدوات. ذلك لأنه يتحَصَّل، من تدريس هذه الحقول متمايزةً في الحياة التعليمية المديدة والقراءات المختلفة المتباعدة، أن تصبح تلك العلاقات غير واضحة الدلالة في نفوس المدرِّسين والطلاّب، وفيها اختلاط ظاهر أيضاً يُضيع تميُّز بعضها من بعض. وهذا وذاك شائعان في الكتب النحوية، وفي أساليب التعليم والتطبيق. إذ كثيراً ما يقال: إن الصرفَ موضوعه المفردات، والإعرابَ موضوعه التركيب، والأدواتِ موضوعها العمل والمعنى. وبهذا يكون فَهْمُ كلِّ قَسِيم منها على حِدة، دون توضيح لِصلته بقَسيمَيه، ولِتبادل التأثير في النصوص المختلفة بين كل من تعيين الصِّيَغ والوظائف والمعاني النحوية وإقامة العلاقات السياقية. والحقُّ أن التفاعلَ بين تلك العناصر كلها والدلالاتِ ، تتمايز فيها العبارات تبعاً (((المعنويةَ المذكورة للمفردات هي أمواج كهرباوية حيّة لمقتضيات الحال في المَقام والمَقال، وتتقمّص العناصرُ فيها شخصيّات متجدّدة فاعلة ومنفعلة، بما حولها من شقائق ونسب وصهر. فالتركيب النحوي تتساوق فيه العناصر متعاونة، ليأخذ مراميه الكاملة الدقيقة، ويصبح عبارةً ذات شخصية متميّزة ودلالة محدّدة الفائدة. وهذا يعني أن تعيين معنى الأداة وعملِها مثلاً يتحكّم في تحديد كثير من الوظائف والعلاقات ).55 – (54 ينظر كتابي: النهج الإسلامي للتعليم العالي (ص (((

عدد الصفحات ١٩

114 والعلامات الإعرابية، للأفعال والأسماء والجمل والتراكيب، ويفرض ألواناً خاصّة على صِيغ بعض المفردات ومعانيها ووظائفها. ثم إن الصيغة والدلالة والوظيفة للفعل أو الاسم أو الأداة لها الأثر البالغ في توجُّه ما حولها من عناصر السياق، وكذلك يكون لتعيين إعراب المفردات والجمل حضور فعّال في تخصيص معاني الأدوات وأعمالها، وفي توجيه صِيغ المفردات ودلالاتها النحوية وتحديد وظائفها الصرفية والإعرابية. إنها أمواج كهرباوية كما قلنا تتردّد متعاونة بين حنايا التعبير وتتوارد عليه من الزوايا المختلفة، لتصبغ عناصره بطوابع خاصّة للمَقام والمَقال، وتقيم العلاقات والتفاعلات الموحِّدة لمقاصد الخطاب. وتعليمُ النحو، وهو قائم على تمايز قسائمه الثلاثة لتيسير الإلقاء والتلقي، في حاجة ماسّة إلى توضيح هذه الجوانب الحيوية المتماوجة المتفاعلة، خلال التدريس أو التأليف نظراً وتطبيقاً، لئلاّ تتكوّن حجرات ثلاث مستقلّة، ومنفصل كل منها انفصالاً تامّاً عن قَسِيمَيه وظيفة ومعنى وعلاقة وتأثُّراً وتأثيراً. فاهتمام الدرس النحوي بهذه العلاقات الحميمة بين علومه المختلفة كفيل بترسيخ الفهم المنطقي لتلك الموضوعات، والسير في جنَباتها بوعي وقدرة واطمئنان. وإنك لترى في إجراء التحليل أن هذه العمليات المنهجية تتعاون فيما بينها، ويؤثّر بعضها في تعيين بعض، وتوضيح وظيفته ومعناه وعلاقته، وترى أيضاً أن القيام بشيء من ذلك في إعراب الآيات الكريمة، على الدقّة والوفاء والصواب، يتطلّب منك معرفة التفصيلات في كثير من علوم القرآن والعربية والبيان. فأنت مضطرّ قبل التقحُّم في هذا الميدان الخطير، من إعراب النظم العظيم، أن تتعرّف سببَ نزول كل من الآيات ومعانيَ المفردات في السياق والتركيب،

عدد الصفحات ٢٠

115 والمعنى العامَّ لكل عبارة على حِدة ولمجموع النص أيضاً، ولمقولات النحاة في إعرابه وتوجُّهات الخلاف بينهم، كي تستخلص ما هو الصواب أو أقرب إليه، في خدمة الفهم والتوظيف للنصّ الكريم. ولكنه قد يخونك الحظ فيما تقرأ، بكثرة الآراء ومسارب النزاع والاحتجاج والاستدلال، وتوزُّع الوجوه في خطوط متباينة متضاربة، فلا تعود بنتيجة مطمْئنة، وتَضْطَرُّ أن تبحث عن مخرج من تلك المتاهات، بوجه جديد يقرب من الحقيقة الصائبة. وعلى هذا فأنت مطالب طِلاب إلزام أن تتقن علوم اللغة وأساليب القراءة والضبط والكتابة والفهم والوعي والتدبّر والتذوّق، لتتبصّر في أبعاد النص، وتَخلُص منه بقول محمود في ميادين البحث والاستقصاء. ثم ليس لك أن تتنطّع لإعراب مفردة أو جملة مقتطعة سائبة لا يضمّها نص كامل - إذ متعذِّرٌ استخلاص الحقيقة منها قبل عودتها إلى السياق، لتتبدَّى وظيفتها - وليس لك قبل تلك العودة أن تتفيهق (((فيه وعلاقاتها به ومعناها التركيبي المعهود في تشقيق الوجوه المحتمَلة فيما يُطرح عليك، لأنك مطالَب بتعيين المرمى المأمول، قريبَ المنال، وصحيح الدلالة بالوضوح والبيان. وإلاّ كنت كمن يضرب أخماساً لأسداس، ويشتّت شمل التفكير والتدبّر، ويستعرض ما هبّ ودبّ. فقد ألِف المدرِّسون والمصنِّفون أن يتابعوا إيراد التطبيقات النحوية كما ذكرنا سابقاً، على غير هدى بتخطيط وتنفيذ واضحين، فترى التوجُّهات المتفاوتة بين أعمالهم مجموعة، كما هي متباينة في أعمال الفرد منهم، وكأن الإجراءات أنفاس ذاتية مِزاجية آنية، تتوضّع خِداجاً لتأدية مضمونٍ متعدّد الجَبَهات، بما يواتي من المعطَيات والمكتَسبات. ) من كتابي: فتاوى في علوم العربية. 37،36،35 – 33) و(( ينظر (ص (((

عدد الصفحات ٢١

116 المعادلات الإعرابية لقد زرع ذلك التشتُّتُ في أذهان الدارسين والمتعلِّمين أن يصوغوا المقولات التحليلية، من دون محاكمة أو تقدير واعتبار. فالعنصر اللغوي بين أيديهم مبتدأ أو فاعل أو حال، قبل أن يفكروا في وظيفته وموقعه وعلاقاته وظواهر التأثّر والتأثير، وفي المعنى العام للنص والمعاني الموقعية لمفرداته، وما يترتب على ذلك من حاجاتِ خبرٍ أو فعل أو صاحب حال. وإنك لتفاجأ بكثير من عباراتهم تُلْقَى على غير تدبُّر واستيعاب لمعطَيات النص والتعبير. وعندي أن الإجراءات التطبيقية لقواعد النحو، بعد مرورها بمرحلة الدراسة الابتدائية سريعةً بسيطة موجزة، تستطيع أن تأخذ شكل المعادلات الرياضية المنطقية في ساحات الدرس، وأذهان الطلاب. أعني أن مُعْطَياتِ النص من دلالات للعنصر التعبيري في معناه وصيغته وموقعه ووظيفته، مع حضور مقتضَيات المَقام للنص، تكوّن مجموعة مقولات، ينتج عنها بالفعل تعبير المحلِّل في مجموعةٍ مقابِلة، فتتوضّع الأولى في جناح أيمن، والتالية في أيسر، وبينهما رمز المساواة ليحقق أن ما على طرفيه متقابلان ومتعادلان، بدقة وحسّاسية متناهيتين. فإذا تغيّر جزء من تلك المقولات الحاضرة في الطرف الأيمن قابله تغيير موازٍ، وموافِقٍ له في الأيسر، كي تبقى المساواة بين الجناحين قائمة بالقسط. وتحقيقاً للمقال بالمثال، نذكر بعض النماذج من الإعراب ثم معاني الأدوات، لتكون بياناً وتفصيلاً وقدوة للعاملين، فيما يلي: كلمة تدل على ذات + مرفوعة + مُخبَر عنها = مبتدأ + مرفوع + علامة رفعه الضمة الظاهرة. كلمة تدل على حدث + مسندة إلى فاعل + مفتوحة الآخر = فعل ماض + مبني على الفتح الظاهر.

عدد الصفحات ٢٢

117 كلمة تدل على ذات + مرفوعة + أُسند إليها فعل تام = فاعل مرفوع + علامة رفعه الضمة الظاهرة. كلمة تدل على جنس + منصوبة + وقع عليها الفعل = مفعول به منصوب + علامة نصبه الفتحة الظاهرة. حرف يفيد الطلب قبل فعل مضارع مجزوم = حرف جازم. فعل بعد ذلك الحرف = فعل مضارع مجزوم. اسم منصوب نكرة يبين هيئة معرفة = حال من تلك المعرفة منصوبة. حرف لفظه اسم يصف ما قبله ومطابق له = صفة لذلك الاسم تابع له في الإعراب. جار ومجرور بعد بالخبر المحذوف. فعل وفاعل في أول كلام = جملة فعلية ابتدائية لا محل لها من الإعراب. فعل وفاعل بعد ظرف مضاف = جملة فعلية في محل جرٍّ مضافٌ إليه. « حال من المعرفة « « « »لا« «

عدد الصفحات ٢٣

118 ومثل هذه المعادلات يقدم لنا أجنحتَها اليُمنى سياقُ المفردات، وأجنحتَها اليُسرى ما أتقنّاه من أصول وقواعد نحوية، ويكون التعبير عن ذلك كله بدائيّاً بسيطاً في المدارس الثانوية، للتقريب والتوضيح، ثم يصبح دقيقاً وافياً في المراحل الجامعية للتخصص في اللغة أو الأدب أو العلوم الشرعية، بمنهج معتمَد يناسب مستوى المخاطَبين والهدف الموجَّهين إليه. تاريخ الإعراب التحليلي: من خلال هذا العرض المفصّل للمصطلحات والأساليب والتفاعل وتصوُّر المعادلات، يظن القارئ أن ما عُرض عليه من البوادر هو ثمرة بيئة علمية ناضجة التفكير والتقدير والتصوير للعمليات الميدانية، ولا بد أن يكون قد ظهرت نَبَتاته في العصر العباسي، لِما عُرف به من التوسّع الثقافي وتألق المعارف والعلوم. ولكنه حين يتصفح كتب التفسير تستوقفه عبارات كثيرة، يرى فيها مقولات نحوية مختلفة الدلالات والمستويات، فتشعره أن البحث النحوي قد كان قبل ذلك العصر بعشرات السنوات. نعم هذا ما يفاجأ به القارئ لتلك الكتب الكريمة، إذ يتضح لديه أن البحث النحوي قد نشأ في حَرَم المدرسة القرآنية الأُولى ، نشأ واضح القَسَمات في أذهان عشرات من قدماء المفسّرين، ثم ترعرع وشبّ عُوده، واستوى شَطْؤه، وأنتج ثماراً يانعة بالتطبيقات التحليلية. وهذا القِدَم التاريخي يمثل الجهود الأبكار من المعالَجة، وتنمية التطوّرات التي رافقتها مع الأيّام خلال القرن الأول من الهجرة، حيث اتضحت أبعاد العِلم بأصوله وفروعه، وصدرت عنها الإجراءات التطبيقية .(((المتكاثرة، في المراحل القُدمَى من تاريخ النحو .) 0 – 4( ينظر كتابي: جذور التحليل النحوي في المدرسة القرآنية القدمى (ص (((

عدد الصفحات ٢٤

119 إن دوران تلك المقولات في ميدان التحليل بشكل خاص يثير قضيّة تاريخية جديدة موجِّهة مصحِّحة ومنبِّهة، إذ لا بد أن يكون قبل التطبيق العملي في كل عِلم تنظير وتأصيل وتفريع وتفسير واستدلال لا بعدَه، مع فهم وخبرة ومَهارة، ليتسنَّى للعالِم الخبير إجراءات التحليل بوعي ونجاح، وإلاّ كانت العربة أمام الحِصان في تخيّلات الصِّبيان. ثم لا شك أن وضوح الرؤية النحوية كان حاضراً في أذهان أولئك القدماء، بعد معاناة ومعالجة وملاحظة، يدركونها سليقة وملَكة أو تفهُّماً ودراية، ليصدر عنهم ما يطابق أصول العلم وفروعه وضوابطه وقوانينه. ولولا ذلك لكانت الأقوال مضطربة متعاندة متهافتة، لا بؤرةَ تجمعها، ولا منطقَ ينتظمها، ولا وجهةَ تُوَحِّدُ المسيرة والدوافع والأهداف. ولا شكّ أيضاً أن الجمهور المخاطَب بتلك الأقوال هو على صلة بموضوعها ومصطلحاته ومفاهيمه وأساليب تناول عناصره ومشكلاته. والظاهرة اللامعة بجلاءٍ في ميداننا هذا اتفاقُ عناصر النهج بين جميع المذكورين، وشِبهُ وحدة في المصطلح وأساليب التعبير والتحليل والاستدلال، مع إيراد لبعض الأصول الضابطة والقواعد العامة والتفسيرات المنهجية الموضّحة. وقد يختلف هؤلاء أحياناً في توجيه القضيّة وتحليلها، أو ترد أقوال متباينة عن الواحد منهم أو الأفراد في المسألة المعيّنة، وتتوزّع الجزئيات في حنايا البحث، ولكن النهج هو النهج والأساليب والمفردات هي هي، من منبع واحد ورؤية واضحة وقصد جليّ للبصر والبصيرة. وإذا كانت تلك المظاهر في بعض الأحيان بغير ما تَواضعنا عليه من الأساليب اليوم فلأنها البذرة والجَذر، تحمل المضمون والطوابع للثمار والأزهار، ولا تكون مثلَها في الشكل الظاهري والإطار التعبيري المؤدَّى.

عدد الصفحات ٢٥

120 ثم إن الكثرة الكاثرة في هذه النصوص تتوزع في أقدم المُدارسات القرآنية، بين روّاد المفسرين من الصحابة والتابعين، وتدور في فلك التطبيق النحوي بفروعه وقنواته، من إعراب للمفردات أو الجمل، وتحليل للصرف ومعاني الأدوات، عباراتٍ واضحة الدلالة أو إشاراتٍ لطيفة أو تفسيراتٍ تتضمّن المقاصد الاصطلاحية. وهذا يعني أنها مما نعالجه نحن اليوم في التطبيق، ونطلق عليه اسم التحليل النحوي، بدأ لديهم لمحات مقتضبة، تُمَثِّل البذور الواعدة في تربة حيوية طيّبة، منحتها القوّةَ والنماء، بما انصبّ عليها من أقوال رَيّا، ودغدغها من نظرات ثاقبة، ولفحها من أنوار لاهبة، فإذا هي جذور متمكّنة راسخة، تفتّق السوق والجذوع بكل قدرة ونماء. وقد انتقلت هذه المقولات إلى المشهورين بعدُ من النحاة، وقَدَّمَتْ لهم زاداً غنيّاً بالعطاء والتدبُّر والإنتاج، فاستفادوا منها في كتب التفسير والأعاريب، ونسبوا بعضها إلى قائليها، ولكنهم لم يُوَظِّفوا شيئاً منها في البحث النحوي مما وصل إلينا، فغابت آثارها مع الزمن. ولو أنهم أوردوها في مطاوي البحث المتداول لوضعوا بين أيدي الدارسين معالم الحقيقة، ترشد إلى الصواب في تاريخ النحو. ومع هذا، فقد تجذّرت في ميادينها التطبيقية، فاشرأبّتْ منها سوق وجذوع، وتفتّقت فيها أغصان وفروع وأوراق وأزهار، ثم ثمار يانعة، تمثّلتها العقود الخيّرة من القرن الثاني في حقل التحليل النحوي. ولهذا جاء كتاب سيبويه وما عاصره ناضجَيِ الجنى، يشيران بحدّة وجلاء إلى ما تقدّمهما ، من بذار وتجذّر وتسوّق وتجذّع وتغصّن وتورّق وازدهار وإثمار. فالمفسّرون القدماء كانوا في هموم لتأسيس بنيان الأُمّة الرائدة للإيمان والصلاح، وفي أغمار من حروب مع المعتدين على جميع الجبهات، وصراع ونزاع بين النفاق والإيمان والسداد، وفتن بين الطامعين والطامحين والمفسدين، وشعارُ أولئك

عدد الصفحات ٢٦

121 المفسّرين هو التميُّز عن سائر الأمم بالتوجُّه الرباني الكريم. ومن ثَمّ لم يكن لهم متنفَّس للإطلال على الثقافات الأجنبية المزعومة، ولا أدوات التفكير فيها أو التلقّي لها بفهم وتأثُّر وتوظيف أو التزام. والذين تحدّثوا عن هذه المسائل التحليلية الحاضرة، وهم عشرات من العلماء كما ذكرنا، كان لهم مقولات كثيرة تُناظرها، بلا شك أو تردُّد، في نفس المسائل أو في سواها. ومن لم يَرِد لهم ذِكْرٌ - وهم يُعَدّون بالعشرات أيضاً - بين أولئك العلماء المذكورين كان لهم مشاركات مماثلة كذلك، في تلك المسائل أو في غيرها، تشمل عناصر التحليل، وتعزّز المسيرة، وتفتّق جوانب البحث المتقن والحكم السديد. بدأت هذه الإجراءات الكثيرة القُدمَى بتوجيه النبيّ ﷺ المسلمين إلى متابعة ذلك، مع إشارات توضّح السبيل العلمي، ثم توالت مقولات الصحابة الكرام - وفيهم الإمام عليّ وابن عباس وابن مسعود - رضي الله عنهم - ثم ظهر أبو الأسود ) فاتّسع المدى بالتطبيقات العملية، فيما يتعلق بالأسماء والأفعال هـ69الدؤلي (ت والنصب والضمائر والحذف والتقدير والزيادة وتحديد عناصر العطف. وقد تابع تلاميذ ابن عباس وأبي الأسود مسيرتهما، في التوسعة والإغناء والتنمية، حتى أدركنا عهد عيسى بن عمر وأبي عمرِو بن العلاء، وكانت حصيلة ذلك تَعْرِضُ لكثير من المواقع الإعرابية، مع المصطلحات المتخصّصة والاستدلال بالنصوص والتعليل للأحكام، والتعميم لبعض الضوابط. وكذلك كان إدراك الأمور الصرفية سليقة، وإجراء مقتضياتها ارتجالاً، ثم جاء أبو الأسود يجدِّد ذلك في بعض القواعد، واستمرّت زيادات التابعين حتى وصلت إلى ما عُرف عن أبي عمرو من الضبط الواسع.

عدد الصفحات ٢٧

122 لكن الجذور الأولى للعمليات التحليلية من ذلك كانت قد ظهرت ناحلة في الجاهلية، فاشتدّت واتضحت في عهد النبوّة، ثم كان لابن عباس ابتكار الوزن الصرفي، ومعالجة للمصدرية والاشتقاق، رسّخها من جاء بعده. وكذلك شأن المشتقات، تعرّض الصحابة والتابعون إلى كثير منها، وإلى ما تَرِدُ هي فيه ضمن أسماء الذوات والمعاني أو الأسماء الأعلام، وإلى صيغ الأفعال والمفرد والمثنى والجمع، والتصريف المشترك. وفي هذا الموضوع الأخير وجدنا التعرض للإبدال والإدغام والإمالة والتفخيم. ومحصّلة ذلك استيعاب كثير من الإجراءات الصرفية، واستعمال المصطلحات وعبارات التحليل والاستدلال والتعميم للأحكام، ثم ما جرى من تنقّل للمصدر بين وظائف المشتقات أو أسماء الذوات. وقد كان هذا التنقل المرصود المتكرر في كثير من المواقع تكذيباً صارخاً لما زعمه المستشرقون وتلاميذهم، من عكسية في حركة التفكير العربي وأبناء العروبة. ولم يَخْلُ الميدان من تحليل نحوي للجُمل والأدوات، حيث انتقل التفكير من ظواهر الإعراب إلى مغيَّباته، وفي هذا المقام تحمل الجُمل المركّبةُ الصمُّ مسؤوليات ثانوية، في تكوينها الذاتي، وتقتضي لإدراك ذلك مراحل كثيفة متطاولة للفهم والتحرير والأداء، وتصوراً ذهنيّاً للعمل النحوي والتأثُّر الإعرابي. ومع ذلك كله، فقد تعرَّض رُوّاد المدرسة القرآنية لهذا الموضوع، بقليل من المس، وضربٍ ظاهر من غضاضة المصطلح والتعبير، فكان لهم عرض للجُمل: التفسيرية، وجواب الشرط الظاهر والمقدر، وجواب القسَم القريب والبعيد، والجملة التابعة بالعطف على مثلها من دون ترتيب وبالوصف للنكرة، والاستئنافية مجرّدة من حرفه وبالفاء و وبين المبتدأ وخبره، والحالية من الاسم الظاهر والمضمر.

عدد الصفحات ٢٨

123 وكذلك الشأن في معاني الأدوات، وهي أكثر تعقيداً وأبعد منالاً من مشكلة الجُمل. ولقد اضطرب المتأخّرون في مفهوم الأداة، وكان للإمام عليّ رضي الله عنه قول فيها هو الفصل - وقد ذكرناه ضمن حديثه عن النحو قبل - غَفَل عنه أو تجاهله المنظّرون والباحثون. وفي تفصيل المقولات هذه، ترى ما يخص الهمزة الاستفهامية بمعانٍ متعدّدة، والاستثناء بـ إلى وأنَّى وأو والباء وبل وعسى وعلى وعن وغير والفاء وفي والكاف وكيف واللام ولا ولات ولعلّ ولمّا ولولا وما ومع ومِن وهل والواو ويا. وقد اتسمت الإجراءات المذكورة بشمولها لعناصر البحث النحوي، مفردات وجملاً وأشباه جمل وإعراباً وصرفاً ومعاني أدوات، ودل ذلك بكل تأكيد أنه مبنيّ على جذورٍ أقدمَ في المدرسة القرآنية، لدرس النحو نظريّاً، إذ لا يكون تحليل قبل تركيبٍ موسّع مبسّط للمسائل النظرية، وتبصُّرٍ بالأصول والفروع وكامل الأحكام. فعلى دعوى المُرْجِفين في تاريخ النحو وشُبهاتهم السلامُ ألف سلام، وعليهم أيضاً أمثال ذلك، بعد هذه الأدلّة والنتائج العلمية القيّمة. ثم لكأنك ترى معي، بعد هذا، أن كل من تَعَرَّض لتفسير الآيات المباركة هو نحوي متقِن، يصدر في مقولاته عن وعي للمسائل والأحكام والضوابط، ويمارس استخدام المصطلحات والأساليب الوظيفية بحِكمة واقتدار. فأوائل المفسّرين هم على استيعاب لذلك العلم، وعلى خبرة ومَهارة بتسخيره لفهم النظم الكريم وتحليل عباراته وتوجيه المقاصد والأبعاد ومآل المراد. فلقد أصبح لهذا الميدان في العصر الإسلامي الأول حضور عملي فائق النظير. وإنك لتقرأ عن أبي الأسود الدؤلي في وسَط القرن الأول أنه يعقد آلاف المجالس

عدد الصفحات ٢٩

124 ، ليُمضي بعضُ أصحابه (((لإعراب القرآن الكريم، كما ذكر السيوطي في معه فيها أربعين سنة متوالية، ومنهم حُرّ بن عبد الرحمن النحوي. ولا شك أنه كانت في تلك المجالس صور غفيرة من البسط لظواهر النحو ومسائله ومعضلاته، وقد فُقدتْ آثارها، فلم يبق منها إلاّ شذرات لا تقدّم نموذجاً مما كان. ومع مرور الزمن، غابت ظلال هذه التقاليد المعرفية بكل أسف، لتظهر منها عبارات منثورة بين نصوص التفسير أو الكتب الخاصة بالإعراب، تتوزعها مناهج مختلفة ومشارب متعدّدة، ولا يمثّل واحد منها كامل أبعاد الإجراءات. غير أنك إذا تقرَّيت تنوع تلك المصنّفات واختلاف مناهجها تبينتْ لك معالم منثورة، وأمكنك أن تجمع منها حصيلة تقرّب إليك مفهوم العمل وأبعاده بين أصحابه من الأعلام. مصنَّفات الإعراب ومناهجها: الحقُّ أنه كان لذلك النتاج الطيّب بذور طفيفة وغرَسات كريمة تأصلت بها جذور راسخة في صدر الإسلام، ثم شبّت واشرأبّت على أيدي أمثال عبد الله بن عباس وأبي الأسود الدؤلي وجُوَيّة بن عائذ النحوي. غير أن ما نُسب إلى الأول في « ثم نشأت مصنّفات إعراب القرآن في منتصف القرن الثاني، إذ نرى منها ما أصدره قُطرب وأبو عُبيدة، ثم أبو حاتم السِّجستاني وعبد الملك بن حَبيب القرطبي وابن قُتَيبة والمبرّد وثعلب، ونِفطويه وأبو جعفر النحاس وابن خالويه. ثم يواجهك أبو بكر بن أشتة الأصفهاني بكتابه القرآن ومعانيه « .)493/( في (((

عدد الصفحات ٣٠

125 وعبد الرحمن بن محمّد بن زنجلة بـ ومكيّ بن أبي طالب بكتبه السبع وعللها وحُججها، والتبصرة فيما اختلف فيه القراء السبعة في القراءات السبع والخطيب التبريزي، وإسماعيل بن محمّد الأصفهاني، وأبو البركات الأنباري، والعُكبَري بـ إعراب القرآن المجيد الفاتحة)، وعبد اللطيف ابن يوسف البغدادي بما ترك من آثار. وتعقيباً على تلك الجهود الكريمة في المصنّفات الخاصة وفي تفاسير القرآن الكريم، يتصدّى ابن هشام الأنصاري لمصنّفاتها بالنقد والتوجيه والتنسيق، تحت عناوين نحوية منهجية، فيطالعنا بسِفره القيّم عن كُتب الأعاريب القرآن المَجيد الكتاب المكنون بالتثليث من القرآن ، ومحمّد صديق خان... وأخيراً ما ترى في (((زاده، ومحمد بن أحمد المرابط الأسواق من مصنّفات في أعاريب القرآن الكريم ، للإخوة المعاصرين لنا في هذه العقود الحاضرة. أضف إلى هذا كله أن كتب النحو كثيراً ما تَعرض لآيات مباركة بالتحليل الإعرابي أو الصرفي، وأن مؤلفات ).3 كشف الظنون (ص (((

عدد الصفحات ٣١

126 نُشر للفرّاء منها عنوانه الحقيقي . وقريب من ذلك ما هو للزجّاج، إذ عنوانه (((النص في مستهلّه وإعرابه بالإعراب، فكانت مصنّفات عرفها التاريخ لأمثال: واصل بن عطاء، وأبان بن تغلب، وخلف الأحمر، ويونس بن حَبيب، وأبي جعفر الرؤاسي، والكسائي، وقُطرب، وأبي عُبيدة، والأخفش الأوسط، ومؤرّج السدوسي، والقاسم بن سلاّم، والمبرّد، وثعلب، وأبي محمّد اليزيدي، والمفضّل ابن سلمة، وابن كَيسان، وابن دُريد، وعبد الله بن محمّد النحوي، وابن الأنباري، والفضل بن خالد النحوي، وعُيينة بن المِنهال، وابن دُرُستُويه، وأبي الحُسين الخزّاز، وعليّ بن عيسى بن الجرّاح... وكذلك غالبية كتب التفسير المعروفة اليوم. وإذا رجعت أنت إلى بعض هذه المصنّفات، تلتمس إعراب القرآن، رأيتها تتناول نُثاراً من المفردات والعبارات بالتحليل، وتهمل كثيراً من الجمل وأشباهها والأدوات والمصادر المؤوَّلة وما بينها من العلاقات، ثم قد تجمع لبعض المفردات أو العبارات بين مختلِفِ المعاني والأعاريب وصورِ الصرف ومعاني الأدوات والقراءات وأسبابِ النزول والأحكام والظواهر البلاغية، كما ذكرنا قبل، وتورد وجوهاً مختلفة وغير منسّقة في كل منها بتعبير موجز واصطلاحات متغايرة أو رموز مقتضبة، فيتعسّر على القارئ غير العالم وصل كل وجه بلِفقه بين الحقول المختلفة، ويقيم بينها علاقات غير صحيحة، ظنّاً منه أن كل شيء جائز، خلافاً لما عليه كبار العلماء الذين يتقنون الاستفادة من ذلك بالاختيار والاقتدار. ).(/( معاني القرآن ( (((

عدد الصفحات ٣٢