95 فصَّل البحث في المفاهيم الاصطلاحية للإعراب، ثم في معالم المسيرة التاريخية لعمليات التحليل بثرائها وسعة أفقها، وقد تأكد لنا أنه لا بد من منهج علمي نعتمده في التحليل الإعرابي للمفردات، والجمل، وأشباه الجمل، وتحليل معاني الأدوات، والتحليل الصرفي. ثم فصَّل البحث في أساليب التحليل ومعادلاته، وتحدث عن تاريخ الإعراب التحليلي ومصنفات الإعراب ومناهجها، كما تحدث عن المصطلحات الإجرائية، وأسباب التزام المفردات والأساليب التي اشتهرت عن البصريين؛ لأنها الأشيع والأكثر استخداماً في المصادر التراثية. والبحث رسم توضيحي مكثف لما يحسن تناوله والمسير معه في التحليل النحوي للنص القرآني الكريم لإدراك توارد العلاقات، والوظائف، والمعاني (((النحوية، وما يتولد عن ذلك من تأثر وتأثير بين عناصر التركيب. (*) أستاذ علوم العربية بجامعة حلب، سوريا.
عدد الصفحات ١96 تمهيد يَشغل إعراب القرآن الكريم أحيازاً واسعة المدى من مصنَّفات التفسير والنحو واللغة والبيان، وتتعدد أنماطه وتوجُّهاته تبعاً لموضوع الكتاب الذي تَرِدُ فيه، وقد كثر تشعُّب هذا الميدان في تاريخ العربية، وتباينت نماذجه وأساليب التعبير عنها، حتى اضطربت في أذهان الدارسين معالمها، وتعذّر عليهم استيعاب ما يُوَحِّد بينها، وصار جائزاً لديهم التحدّث عن ذلك بما يتيسّر من الكلام، بدون نهج أو أصول أو حدود. ولذلك وجب علينا أن نتابع هذا الموضوع بعناية، لبيان ما يستحقه من التفصيل، وتأصيل نهج قويم في الإجراءات الإعرابية، للنصّ القرآني العظيم. المفاهيم الاصطلاحية للإعراب: . غير أن اختلافهم هذا لا يُقَدِّم (((للنحاة في حقيقة الإعراب مذاهب متعدّدة بوضوح ما تضمّنته المصادر التراثية، من دلالات على مفهوم الإعراب. فالدارس يجد نفسه إزاء دلالات تتوزَّع على ما يلي: والمراد به أن الإعراب هو صفة ذاتية، تلابس أولاً: الاستعداد الإعرابي: . فالأسماء عامّةً (((المفردات قبل التركيب، لتغيُّر آخرها باختلاف العوامل عليها وبعض الأفعال خاصّة تحمل في بنيتها اللغوية استعداداً بالقوّة، للتأثُّر بما يصاحبها من عوامل تركيبية، دلالة على الوظائف والعلاقات المختلفة في التعبير، ثم يكون في التعبير نشاط وتفاعل، يُوَلِّدان في الأداء بالفعل ما كان كامناً. وعلى هذا، فقد انشطرَتِ المفردات شطرين: أحدهما مُعْرَب يتلوّن آخره في التركيب، والآخر مبني يلازم لفظَه الأصليَّ. ).68 – 39 ينظر كتابي: مشكلة العامل النحوي ونظرية الاقتضاء (ص ((( ). ونسب هذا الرأي إلى الزمخشري 04 الملخص في ضبط قواعد العربية لابن أبي الربيع (ص ((( وعبد القاهر الجرجاني.
عدد الصفحات ٢97 وهو التعبير عن الوظائف التركيبية والمعاني النحوية ثانياً: إعراب التعبير: والعلاقات والدلالات لعناصر الكلام، بالنَّسَق والنمط والصوت صياغةً وأداءً، أو بالصوت وحده قراءةً. وهو معنًى قديم للإعراب في تاريخ الاصطلاح، فلقد نُسِبَ :(((إلى يعربَ بنِ قحطانَ - وهو من قدماء العرب - أنه قال ولَفْظَفإنَّكَ مَ وأوضح من هذا، في الدلالة على ما زعمنا، أن السيّدة عائشة قالت رسولُ الله ﷺ بيت شعر قطّ، إلاّ بيتاً واحداً: تفَيُق . فالمراد إذاً بالإعراب هنا هو (((ولم يقل الأداء الدقيق الوافي، كما تقتضي لغة العرب الفُصحاء، إذ هو في الأصل اللغوي يعني الإيضاح والبيان. وهو عِلم الإعراب، أي ثالثاً: الإعراب التركيبي: أحوال تركيب كلام العرب كان بعض المتأخّرين والمعاصرين يجعل الصرف قسيماً للنحو، جرياً مع المعنى المجازي. وعلم الإعراب هذا قد ضمَّ في طيّاته جميع مفردات اللغة، ولم يخصَّ المعرَبات فحسب، رغم أن ظاهره الاهتمام بالإعراب. وأقدم ما عُرف من هذا العلم، خلافاً لما يردّده المستشرقون وبعض الدارسين « :(3(العرب، هو قول الإمام عليّ رضي الله عنه )، 77/8 وينسب إلى قحطان. الإكليل في أنساب حِميَر وملوكها للحسن بن أحمد الهمذاني ((( ).(/(ووصايا الملوك ( ).535/4)، وفتح القدير للشوكاني556/3 تفسير القرآن العظيم لابن كثير ((( ).6 – 4)، ونزهة الألباء (ص39 – (38 أمالي الزجاجي (ص (3(
عدد الصفحات ٣98 والاسم: ما أنبأ عن المُسمَّى، والفعل: ما أنبأ عن حركة المُسمَّى، والحرف: ما أنبأ عن معنًى ليس باسم ولا فعل. والفاعل مرفوع وما سواه مُلحَق به، والمفعول منصوب وما سواه مُلحَق به، والمضاف إليه مجرور وما سواه مُلحَق به وقد دُوّن هذا قديماً في )، في كتابههـ 69تلته جهود أبي الأسود الدؤلي (ت ، في الآثار الباقية حتى العصر الحاضر. ومع توسُّع البحث بين (((ومَن خلَفَهم العلماء، واستفاضة الأحكام والضوابط والتفريعات والمذاهب في التوجيه والتعليل واكتشاف غرائب الفروع والمسائل، فقد بقي الاعتقاد السائد عند العلماء هو ما جاء ) يقول هـ879في النحو ثلاث قواعد، والباقي من القواعد والاصطلاحات زيادة عليها. وقد تقرّر أن .(((علل النحو اعتبارات بعد الوقوع لا موجبات أعني التعبير عن الوظائف التركيبية للمفردات بأصوات رابعاً: الإعراب اللفظي: أو أحرف، تَلحق أواخرَها أو تُحذف منها. وعلى هذا فالإعراب: أثر ظاهر أو مقدَّر يجلبه العامل؛ ولذا يقال .(3(عما به الاختلافُ، أي: الحركات والأحرف والحذوف المُبيِّنة لمعاني اللغة وقد كانت القبائل العربية، على الرغم من الخلافات اللهجية المعروفة بينها، تتقيّد بهذا الإعراب اللفظي في كلامها، ولا سيّما إذا كان المقال شعراً أو خطابة أو كَهانة، أو مناظرات ومفاخرات في المجالس العامّة. فالكلام بين الأفراد والجماعات رهين بعروبة البيان والإعراب، صياغة وتركيباً ولفظاً، مع فصاحة في الأداء والتعبير. ) من كتابي: ابن عصفور والتصريف.4( – 40 ينظر (ص ((( ).7/(6 مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا علي القاري ((( ).9( الإيضاح في علل النحو للزجاجي (ص (3(
عدد الصفحات ٤99 والمراد به أن ظواهر التغيُّر في أواخر الكلمات خامساً: الإعراب المعنوي: المعربة هي معانٍ وظيفية، يتلقّاها السامع والقارئ للكلام، وتكون الحركات والسكَنات والحروف والحذوف المستخدمة في ذلك دلائل على تلك المعاني. وعندي أنّ الإعراب، بخلاف ما توزّع فيه النحاة، ليس لفظيّاً صِرفاً ولا معنويّاً خالصاً، لأنه في الواقع اللغوي التعبيري محصّلةٌ لمجموع المفهومَين المذكورَين. فهو صور صوتية معيّنة، لمعان سياقية ومواقع تركيبية مخصوصة، تتحقّق في الأداء الكلامي أو الكتابي أو الذهني. وقد كان لها في بنية المفردات قُدرات كامنة بالقوّة أطلقها التعبير الناجز بالفعل. : يكون لفظيّاً (((ثم إن هذا المفهوم من الإعراب له صور مختلفة في التركيب تظهر علاماته في أواخر المفردات الصحيحةِ الآخِر والشبيهةِ بصحيحته، ومَحلّيّاً اعتباريّاً في الجمل، وفي المفردات المبنيّة الآخِر التي حقّها أو موقعها موقع إعراب. أعني دلالة الصيغة في بُنية المفردات، بما تحمله من نمط سادساً: إعراب الصيغة: وحركات وسكون، على المعاني الصرفية التي تتضمّنها. فقد ذهب بعض المتقدّمين من النحاة إلى أن هذه الظواهر، مع ما يشبهها من ضوابط، هي إعراب أيضاً. فقولك أو بفتح الهاء مع فتح الميم أو سكونها أيضاً. وفي الأفعال يبدو هذا الاختلاف الدلالي أيضاً. فنحو قولنا صيغِ المعلوم والمجهول والتعجّب، وكونِ العِلم للغريزة والسجيّة. وقد قام أبو الأسود الدؤلي بتحقيق هذا في إعراب القرآن الكريم حين نَقْط المصاحف الشريفة، فضبط بذلك حركات أواخر المفردات وما أشكل من حركات ).944 كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي (ص (((
عدد الصفحات ٥100 . وقلَّ من تنبّه لهذا من الزملاء الأكارم، إذ توهّم جمهور الباحثين (((بُنيتها أيضاً المعاصرين لنا أن ذلك الإعراب خاصّ بأواخر الكلمات، مع أن دلالته واضحة في أذهان القدماء وألسنتهم وأقلامهم. وهذا الضرب من الإعراب يتناول عناصر التركيب سابعاً: الإعراب التحليلي: بالتحليل، فيبيّن وظائفها فيما حولها من الكلام، ومعانيها النحوية السياقية، وعلاقات بعضها ببعض من تأثُّر وتأثير، ويتابع ما فيها من إعراب ظاهري أو محلّي أو مقدَّر أو محكيّ، مع دراسة تحليلية للصِّيَغ الظاهرة والمقدَّرة وما جرى فيها من التصرّف، وما تحتمله ضمن التعبير، وللدلالات الصرفية، ولمعاني الأدوات وعملها في العناصر اللفظية مفردات وجملاً وأشباه جمل. وهو لا يقتصر أيضاً على مُعْرَب الكلمات كما ذكرنا، بل يضم المَبنيّات منها، ويتناول أشباه الجمل، والمصادر المؤوَّلة، ثم يشمل الجمل التي لها محل، أو ليس لها محل من الإعراب. وهي مركَّبات تعبيرية ولا تحمل شيئاً من رموز الإعراب المعروفة. ونعني به ثامناً: الإعراب الصوتي: . فهو إذاً: تلوينُ أواخر الكلمات المُعْرَبة بما يناسب التركيب، من رفع (((ابن جنّي ونصب وجر وجزم، أو تغييرُ هذه الأواخر للدلالة على الوظائف التركيبية لها، تبعاً لمتطلّبات التعبير. وقد اختلف النحويون، في هذا اللون الإعرابي: ألفظيٌّ هو أم معنويٌّ؟ وعندي أنه يضم الجانبين، كما ذكرت من قبل، لأنه لفظ مخصوص يدل على وظيفة تركيبية وموقع نحوي. ).7( و67 و65 انظر دراسات في تاريخ الخط العربي لصلاح الدين المنجد (ص ((( ).35/( الخصائص (((
عدد الصفحات ٦101 ولا شك أنّ العرب كانوا يُجْرونه في كلامهم شعراً ونثراً، وفي كتاباتهم قبل الإسلام، ثم نزل القرآن الكريم فزاده وضوحاً وتحقيقاً واستعمالاً. حتى إنه قد روي ، ثم تتبّعَ أبو الأسود الدؤلي (((عن النبي ﷺ أنه قال مظاهرَ هذا الإعراب، في ممارساته التدريسية والتعليمية خلال عشرات السنوات، ورَصَدَ صورَها وأشكالها المختلفة فيما جاء منها عن بعض الكَتَبة، وشرعَ يثبتها في ).53 - 45المُصحف الشريف، بمدينة البصرة على عهد واليها زياد بن أبيه « :(((قال يثق به مِن بني عبد القيس، وأمره بقوله فإذا فتحتُ شفتَيَّ فانقط واحدة فوق الحرف، وإذا ضممتُهما فاجعل النقطة إلى جانب الحرف، وإذا كسرتُهما فاجعل النقطة في أسفله، فإن أتبعتُ شيئاً من هذه الحركات غُنّةً فانقط نقطتَين بذلك، ثم صنّف كتابه الذي سُمّي تبدّت له من تنفيذ ذلك العمل الكريم. والحقُّ أن هذا الإعراب الذي عمَّمه أبو الأسود لم يكن مقصوراً على أواخر ، وإنما شمل جمهور الحروف (3(الكلمات المُعرَبة، كما زعم بعض المعاصرين المكوِّنة للكلمات، من دون تمييز بين معرَب ومبنيّ، وكان فيه أيضاً تحقيق لِما ذكرنا في إعراب الصيغة قبل. ثم جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي، فهذَّب أسلوب الدؤلي في الضبط، بوَضْعِ الحركات المتعارفة الآن، مع زيادة صور للسكون والهمز والتضعيف ( 3/()، والإتقان في علوم القرآن للسيوطي75 /( مختصر شرح الجامع الصغير للمناوي ((( ).75/(و ).7)، والمحكم في نقط المصاحف للداني (ص4(/( إيضاح الوقف والابتداء لابن الأنباري ((( ).(( ينظر: إحياء النحو لإبراهيم مصطفى (ص (3(
عدد الصفحات ٧102 . وقد بالغ في الدقّة والبيان، حين جعل كل (((والتخفيف والمد والروم والإشمام حركة جزءاً صغيراً جدّاً أو صورة مصغّرة، مما يناسبها في الأحرف والكلمات. تلك هي مفاهيم مصطلح الإعراب، عرفها القدماء والمتأخّرون، وتداولوها في المجالس والكتب والرسائل، يعبّرون بها في يسر ودقّة وأمانة، ثم غابت تلك المعالم لدى بعض المعاصرين لنا، فكان اختلاط في الفهم والتعبير والتوظيف والنقد والتوجيه. ولهذا ترى أن الزملاء الكرام اختلطت لديهم صور تلك الدلالات المختلفة، واجتمعت عندهم في ميادين أضيق من ذلك وأقل، وصارت تَرِد ألفاظ عباراتهم أحياناً، وكأنها ذات معنى اصطلاحي واحد، فأصبح من الضروري تحديد أبعاد المقاصد العلمية لهذا المصطلح العلمي، في السياقات المتمايزة. التحليل النحوي: من خلال ممارستنا لميادين عروبة اللسان قراءة وتعلّماً وبحثاً وتحقيقاً وتدريساً وتطبيقاً، تبدّت لنا معالم المسيرة التاريخية لعمليات التحليل بثرائها، وسعة أفقها، وبُعْدِ أعماقها، وتوزُّع عناصرها، في الحقل التطبيقي بين ثنايا الموضوعات الجانبية، وما يكون عن ذلك من ضياع عند بعض الدارسين للمفهوم بين أمواج الحقول المتعددة الآفاق والمتداخلة الجوانب، فكان علينا أن نستلّ عنصر التطبيق من أقرانه، لنجعله نُصب الأعين بوضوح وتميّز وتحديد للأبعاد والجزئيات المكوِّنة. وإنما يتحصّل ذلك باتخاذ سبيل منهجية واضحة المعالم، تساعد المؤلّف والقارئ والدارس على السير بخطوات منتظمة متسلسلة متعاونة في استيعاب جميع عناصر الإعراب، وتأدية التعبير عن ذلك بالوفاء والتمام. وهذا يقتضي بيانَ المراد بالتحليل النحوي، والمنهج العملي لتنفيذ ذلك. ).6 المحكم (ص (((
عدد الصفحات ٨103 فمفهوم التحليل غائم جدّاً في أذهان الدارسين والمدرِّسين والمؤلِّفين اليوم، يتناول كلٌّ منهم جانباً أو عنصراً أو مجموعة من الجوانب والعناصر، بمزاجيّته الخاصّة، وعباراته الملتوية المتعدّدة الأنماط على غير هدى ولا بصيرة، وهو يحسب أنه قد أحسن صنعاً. ولهذا ترى لديه أشتاتاً من المقولات والعمليات لا وحدة بينها في الفهم والتوجّه والإنجاز، حملتْني على الشروع في تحديد الميدان وتوضيح « (((المعالم ضمن كتابي الإعراب والأدوات والصرف من خلال نصوص أدبية مختارة. ثم جاء كتابي وافٍ للمقاصد والأساليب والبيان، فأصبح للموضوع نطاقه المحدود ومفاهيمه الواضحة وعناصره المكوّنة وأساليبه ومصطلحاته المتداولة، إذ يسّر الله - سبحانه وتعالى - لي بعد ممارستي لهذا الفن أن أجعل منه عِلماً، وأضع له تعريفاً يعيِّن المفهوم والعمل فيه. فقد تبدّى لي، كما ذكرتُ من قبل، أن التحليل النحوي « : (((هو والعلاقات التركيبية بينها، بدلالة المَقام والمَقال نوجزها فيما يلي: أن تفرِّق العناصرَ اللفظية والدلالية والتشكيلية المكوّنة للتركيب، أُولاها: بعضها عن بعض، اعتماداً على أدلّة المَقام والمَقال وظواهر الصوت والصورة والتكوين. ).9 – 8 (ص ((( ).4 ينظر كتابي: التحليل النحوي أصوله وأدلته (ص (((
عدد الصفحات ٩104 تعيين أنماط تلك العناصر وأنساقها وخصائصها ووظائفها، وما بينهاوالثانية: من تلاحم وعلاقات، وتبادل للمعاني الإعرابية والصرفية، وما لها من حضور أو غياب، وتَبدُّل في اللفظ والصيغة والدلالة اللفظية والرُّتبة. اكتشاف صورة النظم الذي يسود كلاًّ منها، والوظائف التي تقوم بها، والثالثة: والدلالات النحوية التي تؤدّيها متعاونة، في حيِّز التركيبَين الصرفي والإعرابي، وفي حضور الأدوات والسياق العامّ للتعبير. وهذا يعني أنه لا بد من منهج علمي تعتمده أنت معي في التحليل الإعرابي للمفردات والجمل وأشباهها، وتحليل معاني الأدوات، والتحليل الصرفي، بمصطلحات وأساليب محفوظة متقنة مقنّنة. وبذلك نؤدّي معاً عمليات متعاونة ومتكاتفة، للوصول إلى إنجاز ما يقتضيه الإجراء التطبيقي المقصود. وقد قمتُ بشيء من ذلك في بعض كتبي القديمة، ثم توجّهتُ إلى استيعاب جميع العناصر في المصنّفات المنهجية، بعد تواردها في الكريم للخطيب التبريزي، ورياض الصالحين للإمام النووي بالدقّة والتسلسل والتفصيل، والاعتماد في كثير منها على شِبه نُثار من نهج واضح القسَمات لمضمون التعريف المذكور. أساليب التحليل ومعادلاته: الأصل العملي الواجب في الإجراءات التحليلية هو أن يكون سياق التعبير منطلقاً من الأعمّ إلى العامّ فالخاصّ فالأخصّ، مع توحيد للمصطلح في كل حقل من حقول الإجراءات، ولأساليب التعبير وسَوق العبارات فيها. وإلاّ فمما يزيد الأمر تعقيداً وتضليلاً في نفوس الدارسين والقرّاء أن تختلف - خلال العمليات
عدد الصفحات ١٠105 التحليلية - أساليب التعبير عن العنصر الواحد في موقع معيّن ووظيفة محدّدة، فترى كل مدرّس أو مؤلّف أو موجّه يتخذ لنفسه أسلوباً خاصّاً أو أساليب متعدّدة لا ضابط لها، ولا حدود. وبذلك يتلقّى الطالب المتخصّص في هذا العلم صوراً متباينة من الأساليب والتراكيب، يتعذّر عليه الجمع بينها، ليتّخذ منها فهماً دقيقاً وأسلوباً معيّناً، فإذا هو شبيه بما عرفتُه بين الطلاّب الصينيِّين منذ ثلاثين سنة، فقد سمعتهم يعبّرون عن ذلك بما تسعفهم به الذاكرة والخبرة، من ترجمات للمصطلحات والمفاهيم والأحكام والتعابير، فلا تجد فيما بينها ضرباً من التشابه أو اللقاء، ولا في أداء الفرد منهم شيئاً من الوحدة والانتظام، مع أنهم جميعاً يؤدُّون معلومات في ذلك شِبه موحَّدة. وكذلك ما تصادفه بين العاملين من العرب في هذا الحقل. فكل يصوغ العبارات التحليلية بما يعنُّ له، لتكون قاصرة مقتضبة برموز واختصار، أو فضفاضة بعيدة عن الدقّة والاستيفاء والإفادة للمخاطَب، فيعجزَ أن يكوّن المَهارة الكافية لفهم الأصول النظرية وربطها بالإجراءات التطبيقية. ولا شك أن توحيد التعبير والاصطلاح أو شِبهَه يقيم علاقات منطقية بين النظر والتحليل، ويغرس في الذهن واللسان واليد مَهارات منظّمة جاهزة للعمل الإيجابي المستمرّ الناجح. يضاف إلى هذا التوحيد أن يُلغى، في إجراءات التحليل، استعراضُ المعارف الخاصّة ببسطِ الوجوه المختلفة لِما يجوز وما يُحتمل، وعرضُ اللغات واللهجات القبلية المتعدّدة والمذاهب الجماعية والفردية للنحاة، ثم ما يجوز لي ولك أن نتقحّم فيه أيضاً. فمثل هذه الاستعراضات والعروض في غير المستويات التخصّصية العُليا يشتّت الدارس، ويوزّع لديه قنوات التفكير والتقدير والتعبير، ويرسّخ عنده أن عوالم النحو واسعة لا حدود لها ولا سواحل، مطلقة رجراجة هلامية يجوز فيها كل شيء، والإحاطة بها مُحالة، فلا حاجة إذاً إلى تكوين معارف محدّدة، وحَسْبُ المرء مَهارةٌ
عدد الصفحات ١١106 في تشقيق الكلام، واستعراض ما يعنّ بتلفيق بين المذاهب والوجوه واللهجات والاجتهادات الخاصة. فقد روي أن الحسن بن قَحطَبة جمع بين الكسائي والأصمعي وعيسى بن « :(((عُمر، في بغداد، فطلب عيسى بن عمر من الكسائي تحليلاً لهذه العبارة أهَمّكَ إنما أريد كلام العرب، وليس هذا الذي تأتي به كلام العرب « أراد عيسى من الكسائي أن يأتيه باللفظة التي وقعتْ إليه المتصوّرة للمعاني المتعدّدة والوجوه المفترَضة. فمثل هذا الأمر من التشتيت يزيد المَهارات الإيجابية تمييعاً، حين يُبسط في تحليل العبارة الواحدة ما يحتمله كل عنصر منها على أنه وظيفة إعرابية أو صرفية. وبذلك يكون أمام الدارس وجوه متعدّدة متفرّقة، لا يستطيع ربط كل منها بلِفقه وقرينه من محتمَلات العناصر الأُخرى، وتصبح لديه العلاقات النحوية والوظائف والمفاهيم اعتباطية سائبة، تصلح للتوظيف في أيِّ توجيه كان. إذاً فلا حاجة لنا جميعاً إلى التدقيق والتعيين والرباط المنهجي في الفهم والأداء. )، وإرشاد 48)، ومجالس العلماء للزجاجي (ص 37 طبقات النحويين واللغويين للزبيدي (ص ((( )، 377 - 376/()، وإنباه الرواة للقفطي03 - (0(/6الأريب إلى معرفة الأديب للحموي واللسان والتاج (همم). وفي الروايات أيضاً أن الكسائي هو السائل لعيسى بن عمر، وفي التركيب احتمالات كثيرة للإعراب، منها أن: هم: مبتدأ خبره بنزع الخافض أو فعل ماض، أو مجرور بحرف اللام أو: في. والكاف: تتبع ذلك. وما: اسم استفهام مبتدأ، أو نكرة تامة مبتدأ، أو موصول خبر لما قبله أو بدل مما قبله أو مبتدأ مؤخر، أو مفعول مطلق لما قبله، أو فاعل، أو اسم شرط جازم والجواب دل عليه ما قبله، أو حرف نفي، أو حرف زائد. وأهم: فعل ماض، أو اسم تفضيل خبر لـ
عدد الصفحات ١٢107 وهذا كله وارد ومنتشر بين صفوف المدرِّسين والموجِّهين والمؤلِّفين والباحثين والدارسين وأهاليهم، بالإضافة إلى ما يتحصَّل من غموض وتوزُّع في الفهم المعنوي للعبارة المحلَّلة، إذ غاب عن الميدان ارتباط كل وجه بمعنى يخصّه، وتَفَلَّتت من الأيدي صِلات ما بين الأصول النحوية والإجراءات التحليلية والمعاني المؤدّاة في الخطاب. وقد تَبَدَّتْ هذه الأحوال - كما ذكرتُ قبلُ - مجتمعة في كتب التفسير وأعاريب القرآن الكريم أو نصوص الشعر والشواهد، مضافاً إليها في الموضوعات القرآنية ما يؤثِّر في التوجيه النحوي من تعداد لأسباب النزول والأحكام الشرعية، ولأنماط من قراءات اللفظ الواحد، وأشكال من المعاني الدلالية له. وعلى هذا فقد صارت القضية، في الظاهر، معضلة من المتاهات المتشابكة، إذ أصبح أمام القارئ مجموعات أنفاق وخطوط متداخلة كما ذكرنا قبلُ يتعذّر عليه تفكيك التداخل والتشابك فيما بينها، ليصل كلَّ وجه بما يناسبه من الوجوه. ثم تأثر ذلك وجرى عليه من يُعربون النصوص القرآنية والنبوية والشعرية في صفوف المتأخّرين والمحدَثين والمعاصرين، فجعلوا الطلاّب في تيه على مفترق طرق، بل في متاهات على مفارق للطرقات، بلا دليل أو صوًى أو معالم تهدي في الشعاب، وتُوَجِّه إلى الصواب، وهم يظنون أنهم يقدّمون عملاً كريماً. وغالباً ما يكون أحد هؤلاء المعربين عاجزاً عن التحريرِ للمسائل المطروحة والتنسيقِ للقنوات المبثوثة المتشابكة، فيكون تعكير الماء إذ ذاك أفسح للصيدِ الطائش، والتجوالِ في المعمَّيات والألغاز. لقد نسي هؤلاء المعاصرون لنا أن المصنَّفات التراثية التي كانت قبلهم وحصل فيها ذلك التشتّت، قد ألّفها علماء كبار، وهي موضوعة أيضاً لنظائرهم من الذين يمتلكون المهاراتِ الكاشفةَ للسبل، والقدراتِ الجاهزةَ لإقامة القنوات والعلاقات
عدد الصفحات ١٣108 المتواصلة، وتعبيد السبل المتمايزة، واعتمادَ المقاييس والوسائل المعَدّة لتقويم الاختيار، وتعيين الأوصال المتواشجة، والمعاييرَ المنطقية الدقيقة لتلمّس الصحة والاستقامة في التوجّه والاحتكام. فأولئك العلماء وهؤلاء يسلكون في القديم مسارات السبل المتقاطعة والمعالم المتداخلة بوعي وتفهّم، ويُلقون أو يتلقَّون تيه المقولات بأضواء كاشفة وتَبَصُّر واقتدار، ثم يقرأ عليهم الطلاَّب ما ذكرنا من المصنَّفات، فيمسكون بأيديهم في تلك المسالك ويُوَجِّهونهم إلى فك الارتباطات، ويُمَلِّكونهم مَهارات التفهّم والوعي والإدراك. وهذه المَلَكات والمَهارات ليس منها شيء بين أيدي كثير من زملائنا الكرام وطلاَّبنا المنكوبين، الذين تضعهم المقولات والمصنَّفات والأمالي في مسارب الظن والتخمين، لإقامة علاقات وهمية مختلّة بين تضاعيف الخطاب. فاستبعادُ هذه الخلافات وتلك المصنّفات في التدريس والتوجيه لغير المختصّين، وتجنّبُ تقليدها في التعليم والتصنيف، واختيارُ أبسط الأساليب التعبيرية، والتزامُ الصور المعيّنة المحدّدة في التحليل، أمور تيسِّر السبيل المنطقي لفهم الصِّلات النحوية، وتكوِّن في الدارس مَلَكات المَهارة الجاهزة للممارسة والاستعمال. نعم إنما يحسن أو يجب حضور بعض هاتيك الخلافات في السنوات الجامعية للمتخصِّصين في اللغة أو الأدب أو العلوم الشرعية، مع توضيحِ العلاقات بين وجوه الاختلاف والمعاني المقصودة في العبارة، وتحديد الخطوط الواصلة بين كل وجه محتمَل للعنصر الواحد ولِفاقه وأقرانه في العناصر المكوِّنة للخطاب، واختيارِ ما هو أقرب إلى الصواب بعيداً عن التقحّم بالتقديرات المصطنعة والتمحّل والاعتساف. وبهذا يكون للتبسط والاستعراض تأصيل منطقي بين المحتمَلات ووظائفها في المقاصد والربط والتوجيه، وتحرير للمسائل المتعاظلة وتدريب على التفهم والاختيار.
عدد الصفحات ١٤109 ومثل ذلك هو ضرب من في الميادين النحوية والشرعية، وهم يتقنون أصولها وتفرّعاتها والمذاهب المختلفة لعلمائها واللهجات المتعدّدة للقبائل، ويُحْسنون الاستفادة من ذلك لحل المشكلات والتوسُّع في تحكيم المعلومات في الظواهر المتداخلة والمتشعّبة، فيتدرّبون على المَهارة في استخدام الذخيرة المعرفية لممارسة تخصُّصاتهم في ميادين العمل. ولقد اتسع هذا الأفق بين كبار النحاة والمُعربين منذ القرن الثاني، ولا سيّما رجال المذاهب المختلفة من بصرية وكوفية وبغدادية، فكان في مجالسهم وفي اجتماع بعضهم في المساجد وعند الأمراء والخلفاء، تسابُقٌ في تشقيق الوجوه للمسألة الواحدة، واختبار بعضهم بعضاً في ذلك، كالذي رأيناه من قبلُ بين عيسى بن عمر والكسائي. وحسبك أن تتصفّح كتاب .(((نماذج كثيرة من هذه الميادين بين قدماء النحاة ثم يواجهك ابن هشام الأنصاري، في الجهة الخامسة من الباب الخامس لكتابه ، فيبدي ما أغفله بعض النحاة، ويستدرك ما (((ما يحتمله اللفظ من الأوجه الظاهرة يُحتمل وما لا يُحتمل بافتراضات وتقديرات بعيدة جدّاً عما يخطر في ذهن المتكلّم أو السامع أو الباحث أو الدارس. ) وجهاً، وأن 50بل لقد ذكر النحاة أن في إعراب ) وجهاً للإعراب، وروى السيوطي عن شيخه40البيت العاشر من الألفية يحتمل ( 84 – 8() و6( – 56) و53 – 50) و43 – 4() و4 – ( انظر منه على سبيل المثال (ص ((( – 300) و93 – (88) و7 – ((8) و47 – (43) و8 – ((7) و06 – (04و ). 3(( - 3(8) و30( .)630 - 6(4 مغني اللبيب (ص (((
عدد الصفحات ١٥110 ) بحثاً، وكان قد صنع ابن العريف الأندلسي3الكافيَجي أن في توجيه .(((عبارة تحتمل بضعة وعشرين مليوناً من وجوه الإعراب وأنت معي في وجوب حظرِ التبسّط في تلك الأمور بين الدارسين عامّة، وحَصْرِه في النحو العِلمي، أو ما يُعرف بتاريخ النحو، ليَركن إليه مَنْ ذكرنا من المتخصّصين. فهؤلاء عُرضة لمصادفة نماذجه فيما سيمارسونه من مطالعة للمصادر التراثية وبعض أعمالهم في البحث والتدريس؛ بغية تقليب الوجوه والتدقيق في التحليل والفهم والتوظيف لمعارف علوم العربية. أضف إلى ما مضى بيانُه وجوبَ تمييز مصطلحات العلوم المتعاونة في التحليل، لئلاَّ يقعَ اختلاط في استخدامها ودلالاتها عند التدريس والتطبيق، ولا يكونَ التداخل والتقحّم، مما يُفقد التعبيرَ بها قيمته وبيانه ووظائف العنصر في الإعراب وغيره. وليس غريباً أنك كنت وما زلت تسمع أو تقرأ ما يلي: لم: حرف نفي وجزم وقلب. ولمّا: نافية جازمة. والفاء: حرف دال على التعليل. ولا: ناهية جازمة. ورُبّ: حرف جر للتكثير. وإنّ: حرف توكيد ونصب. وكأنّ: حرف تشبيه ونصب. ولن: حرف نفي للمستقبل ونصب. وكي: حرف تعليل ونصب. وأن: حرف مصدري ناصب. ولا: حرف دعاء. وألا: أداة استفتاح وتنبيه. وأو: أداة بمعنى: إلاّ. ولا: أداة نافية للجنس. واللام: أداة تعليل. وليت: أداة تمنٍّ ونصب. والفاء: فاء الفصيحة. ولو: حرف امتناع لامتناع. ولولا: حرف امتناع لوجود. وهل: حرف استفهام بمعنى النفي. وقد: حرف تحقيق يقرّب الماضي إلى الحاضر. )، 6) من مقدمة المحقق، وأقسام الأخبار له (ص6 التعليقة على كتاب سيبويه للفارسي (ص ((( )، 8/()، وحاشية الخضري 39/()، وحاشية الصبان 3(( و8-((7/(وبغية الوعاة – 96/3)، والأشباه والنظائر للسيوطي78/(وإتحاف ذوي الاستحقاق لابن غازي المكناسي ).06 – (0()، وكتابي: التحليل النحوي (ص97
عدد الصفحات ١٦