المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التفسير البلاغي لسورتي الإخلاص والمعوذتين

عبد العزيز بن صالح العمار

صفحة ٢ من ٥

مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -329- وثمة غرض آخر لهذا الضمير في ىذا السياؽ، وىو أظهر من الغرض السابق وأولى، وىو أف الغرض من الضمير: التفخيم والتعظيم، كما أف فيو إجمالاً بعد تفصيل، وبياناً بعد إبهاـ، وبياف ذلك: أف مجيء الضمير مبهماً دوف عائد متقدـ يعود إليو من شأف ذلك أف يجعل المخاطب متلهفاً متشوقاً مترقباً إلى مجيء ما يفسر ذلك المبهم ويوضحو، وعندما يأتيو بياف ذلك فيستقر في نفسو، ويمكن في وجدانو أفضل تَمكُّن وأحسنو، وسيقع في نفسو موقعاً حميداً، ولا يخفى أف في إدراؾ الأمر بعد ترقب وانتظار، وتشوؽ وتلهف مزيداً من الإدراؾ لو، والحرص عليو. (1) وتتجلى أسرار ىذا الضمير وتتضح لو خلب النظم القرآني من ىذا الأسلوب وقيل (الله أحد)، فسنجد أف « الفخامة قد ولت، والروعة قد زالت؛ لأنو لم يتقدـ عندئد ما ينبو، ويثير النفس إلى التفتيش والتنقيب عن مفسر لما أُبهم، ولذا نجد ضمير الشأف أو القصة لا يستعمل إلا في الأمور المهمة، والأخبار ذات الباؿ، والمعاني الجليلة»(2)، كما ىو الشأف في ىذه الآية . ثم ذكر - سبحانو - تفسير ىذا الضمير وبيانو، فأخبر أنو (الله الأحد)، فهو «الأحد المنفرد بالكماؿ الذي لو الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا، والأفعاؿ المقدسة، الذي لا نظير لا ولا مثيل»(3) إذف فقد تضمن ىذا الضمير وما تلبه أمراً عظيماً يتعلق بحقيقة ىذا الرب- سبحانو وتعالى- وىي حقيقة قمن أف تهيأ لها النفوس، وأف تُحفز لها العقوؿ؛ لتظل مترقبة متلهفة متشوقة لمعرفة ىذا الحقائق واستيعابها، والوقوؼ عليها، ومن ثَمَّ الإقباؿ عليها، (1 )انظر: إرشاد العقل السليم : 9/212، و: فتح القدير: 5/515. (2 )علم الدعاني دراسة بلاغية ونقدية لدسائل علم الدعا : 224، د. بسيوني عبد الفتاح فيود. (3 )تيسنً الكريم الرحمن في تفسنً الكلام الدنان : 5 /473، للشيخ عبد الرحمن السعدي .

عدد الصفحات ١٧

التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 330- والإيماف بها، وتصديقها. وقد أخبر - سبحانو - عن نفسو في ىذه الآية أنو (أحد)، أي المنفرد بالألوىية والربوبية، الفرد الصمد الذي لا شبيو لو ولا نظير، المنزَّه عن الند والشريك، ولذا « فلب يطلق ىذا اللفظ على أحد في الإثبات إلاَّ على الله؛ لأنو الكامل في جميع صفاتو وأفعالو»(1) ورد وصف"الأحد" في الآية دوف "الواحد"، ومن المفسرين من يرى ألا فرؽ بين "الواحد" و"الأحد"، فالواحد ىو الأحد، والأحد ىو الواحد(2)، إلا أف إيثار وصف "الأحد" دوف الوصف الآخر "الواحد" دلالة على أف وصف "أحد" ىو المراد في ىذا السياؽ، وأف فيو من الدلالات والإيحاء ما ليس في الوصف الآخر، وذلك أف من بلبغة القرآف الكريم أنها تتجلى في اختياره للؤلفاظ التي تؤدي المعنى المراد وتحققو دوف غيرىا، فكتاب الله «لو نُزعت منو لفظة ثم أدير لساف العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد، ونحن تتبين لنا البلبغة في أكثره، ويخفى علينا وجهها في مواضع؛ لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلبمة الذوؽ، وجودة القريحة» .(3) ولذا طفق العلماء يُبيِّنوف الفروؽ بين ىاتين اللفظتين، بعد أف أنعموا النظر في دلالة كل لفظة، وغاصوا في معناىا، وقد ذكروا كثيراً من الفروؽ بينهما، في بياف ما اختصت بو كل واحدة عن الأخرى، ومن الفروؽ بينهما : 1 -أف لفظة"أحد" لا يُبنى عليو العدد ابتداء، فلب يقاؿ في العدد: أحد، اثناف، بخلبؼ الواحد، إذ تبدأ منها الأعداد، فيقاؿ: واحد، اثناف، ثلبثة، (1 )تفسنً القرآن العظيم : 4/607. (2 )انظر: معالم التنْزيل: 4/544. (3 )المحرر الوجيز في تفسنً الكتاب العزيز : 1/52، لأبي لزمد عبد الحق بن عطية الأندلسي.

عدد الصفحات ١٨

مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -331- كذلك لا يكوف لفظ"أحد" وصفاً للئنساف، فلب يقاؿ: رجل أحد، كما يقاؿ رجل واحد، ولذلك اختص ىذا الوصف بو سبحانو (1) . 2 -أف ىذا الوصف مختص بو- سبحانو- فقد أوثر التعبير بو في ىذه السورة المتضمنة ما اختص بو- سبحانو- من الأسماء والصفات، ومن ىنا يتضح سرُّ التعبير بهذا الوصف في ىذا المقاـ، ومفارقتو كذلك للفظة "واحد". ولا يناقض ىذا القوؿ استخداـ لفظة "واحد" لله- عز وجل- في موضع آخر، وذلك في قولو -تعالى - (لقد كفر الذين قالوا إف الله ثالث ثلبثة ومامن إلو إلا إلو واحد)(2)؛ وذلك أف لفظة"واحد" في ىذه الآية جاءت مقابلة للبثنين والثلبثة، فقد استدعى المقاـ ىذه اللفظة دوف غيرىا؛ لأنها وحدىا التي تدؿ على المراد، وتؤدي الغرض، ومن ىنا فقد استعمل القرآف كل لفظة في مكانها اللبئق بها، والمناسب لها، وذلك مكمن بلبغة القرآف في توخيو الألفاظ في الدلالة على معانيو ومقاصده. (3) 3 -أف"الأحد" أكمل وأعم من "الواحد"، وبياف ذلك: أننا إذا قلنا فلبف لا يقوـ لو واحد، فإف ذلك لا ينفي أف يقوـ لو اثناف أو ثلبثة فما فوقهما، بخلبؼ قولنا: فلبف لا يقوـ لو أحد، فقد نفينا من خلبؿ ىذه الصفة وجزمنا الجزـ القاطع أنو لا يقوـ لو أحد(4)، ومن ىنا كاف ىذا الوصف أبلغ وأكمل في الدلالة على النفي، ولذا جاء إيثاره في ىذا السياؽ. 4 -ثمة فرؽ لطيف بين ىذين الوصفين، وىو أف وصف"واحد" يُذكر (1 )انظر: البحر المحيط:8/529، لأبي حيان الأندلسي، و: إرشاد العقل السليم : 9/212. (2 )الدائدة: 73 . (3 )انظر: على طريق التفسنً البياني: 1/61، د. فاضل السمرائي . (4 )انظر: نظم الدرر في تناسب الآي والسور: 22/362، للبقاعي.

عدد الصفحات ١٩

التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 332- ويؤنث، فيقاؿ: واحد، واحدة، كما أنو يجمع كذلك، فيقاؿ فيو : وُحْداف، بخلبؼ لفظة "أحد" فإف ىذا الوصف لا يُؤنث ولا يجمع(1)، وفي ىذا الفرؽ دلالة مهمة، وإشارة بالغة في معرض الحديث عن ذكر أوصافو - سبحانو وتعالى - فهو فرد صمد، تفرد بالألوىية والوحدانية، وقد تنزه عن الولد والوالد والصاحبة، ومن ىنا جاء وصف "أحد" في ىذا السياؽ للدلالة على ىذه المعاني، والإشارة إليها. ﴿ ﴾ جاءت ىذه الجملة مفصولة عن الجملة التي قبلها؛ وذلك أف بين الجملتين كماؿ الاتصاؿ، وبياف ذلك أف ىذه الجملة (  ) كالنتيجة للجملة الأولى، والدليل عليها؛ وذلك أف من كاف فرداً أحداً كاف مستغنياً عن كل شيء، وكاف كل شيء محتاجاً إليو ومفتقراً، فلب غرو بعد ذلك ألا « يُصمد في الحوائح إلا إليو، فظهر بو أف كونو - تعالى - صمداً نتيجة متفرعة على أحديتو، ووجو كونها كالدليل على الأولى أف من كاف صمداً وملجأ لأرباب الحاجات لابد أف يكوف في أعلى درجات الكماؿ، مُنزَّىاً عن جميع وجوه النقصاف، قادراً على جميع الممكنات، عالماً بجميع المعلومات، وذلك يستلزـ الأحدية»(2)، ومن ىنا جاء الفصل بين ىاتين الجملتين مشيراً إلى ىذا المعنى، ودالاً عليو. يؤيد ىذه المعاني كلها ويؤكدىا الإظهار الذي تمَّ في ىذه الآية وكاف حقو الإضمار، فقد جاء الإظهار فيها على خلبؼ مقتضى الظاىر، ولو أتى الكلبـ على مقتضى الظاىر لجاء بالضمير (ىو)؛ لتقدـ مرجعو، بدلاً من الاسم الظاىر، وىو لفظ الجلبلة، ولكن جاء الإظهار في ىذا المقاـ لأسرار بلبغية (1 )انظر: ملاك التأويل:2/960، لأبي جعفر أحمد ابن الزب . (2 )حاشية زادة على تفسنً البيضاوي : 4/712، لمحي الدين شيخ زادة .

عدد الصفحات ٢٠

مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -333- يُراد تحقيقها في ىذا السياؽ، تتجلى ىذه الأسرار من خلبؿ الاسم المظهر، وىو لفظ الجلبلة، إذ يراد من ذلك تربية النفوس على مهابة ىذا الاسم، وتوقيره في النفوس وتعظيمو، يؤكد ىذا الأمر كذلك أَفْ ذُكر مع ىذا الاسم صفات عظمة لهذا الإلو من شأنها أف تزرع في القلوب المهابة لو، وتعظيمو، والوجل منو، والصمود إليو، وذلك آكد في إبراز ىذه المعاني وتقريرىا، من أجل استقرارىا في النفوس، وتمكنها فيها أشد تمكن وأفضلو. وقد تعددت أقواؿ المفسرين وتنوعت في بياف المراد بالصمد، ولكنها على تعددىا وتنوعها فإنها تدور في فلك واحد، وتؤوؿ إلى شيء واحد لا تحيد عنو، ولا تختلف عليو؛ يحسن قبل ذكر تلك الأقواؿ وبيانها الإشارة إلى معناىا ودلالاتها في اللغة العربية، ققد ذكر ابن فارس أف لفظة "الصمد" أصل في الدلالة على القصد، يُقاؿ: صمدتو صمداً، ويَصْمِده، وصمد إليو، كلها بمعنى القصد، ولذا فإنها تطلق على السيد المطاع؛ لأنو يُقصد في الأمور، كما أف الأمور لا تُقضى دونو، بل عن طريقو وإليو.(1) والصمد من صفات ا- عز وجل - كما أخبر عن نفسو في ىذه الآية ( ) وقد جاء معنى ىذا الوصف متوافقاً مع دلالتو في اللغة، كما جاء كذلك مقررا لما ىو معلوـ في أذىاف العرب، ومعروؼ لديهم، ولذا فينبغي أف تكوف ىذه المعاني اللغوية تحت نظرنا ونحن ننظر في معنى ىذه اللفظة ونبين تفسيرىا، فذلك ىو الأولى،والأقرب للصواب في بياف معناىا، وفي ذلك يقوؿ الإماـ الطبري - بعد أف ذكر معانيها اللغوية-: « فإذا كاف كذلك فالذي (1 )انظر: مادة: قصد: معجم مقاييس اللغة لابن فارس، و:القاموس المحيط للفنًوز أبادي، و:لسان العرب لابن منطور .

عدد الصفحات ٢١

التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 334- ىو الأولى بتأويل الكلمة المعنى المعروؼ من كلبـ من نزؿ القرآف بلسانو ».(1) وفي وزف ىذه اللفظة دلالة على معناىا؛ وذلك أنها فػَعَل بمعنى مفعوؿ، من صُمد إليو إذا قصده، والمعنى: أنها بمعنى السيد المصمود إليو، المقصود في دفع الحوائج، ورفع الكرب والنوائب(2)، فهو سبحانو الذي يصمد إليو كل مخلوؽ، إذ ىم لا يستغنوف عنو طرفة عين ولا أقل من ذلك، فهو الغني عنهم بذاتو، وىم الفقراء المحتاجوف إليو، يسألونو حوائجهم، ويفزعوف إليو في المدلهمات، ويطلبوف قضاء الحاجات، ويتضرعوف إليو في تحقيق مصالحهم، وجلب منافعهم. ففي ىذه اللفظة الدلالة على أنو - سبحانو - المقصود في كل شيء، الذي بلغ الكماؿ والسؤدد في كل شيء يدؿ على ذلك قوؿ ابن عباس  «الصمد: السيد الذي قد كمُل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفو، والعظيم الذي قد عظُم في عظمتو، والحليم الذي قد كمل في حلمو، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروتو، والعالِم الذي قد كمل في علمو، والحكيم الذي قد كمل في حكمتو، وىو الذي قد كمل في أنواع الشرؼ والسؤود، وىو الله سبحانو، ىذه صفتو لا تنبغي إلاَّ لو» .(3) وفي تعريف لفظة"الصمد" إشارة إلى أف ىذه المعاني التي احتوتها ودلت عليها أنها معافٍ معلومة لدى من خُوطب بها من المشركين، فهي معلومة لديهم ومشهورة، يقروف بها ويعترفوف، ويؤمنوف بها في قرارة نفوسهم، وىذا بخلبؼ تنكير لفظة "أحد" فهم لم يقروا بذلك ويؤمنوا بو، بل أنكروا ذلك، (1) جامع البيان عن تأويل آي القرآن : 12/744، لابن جرير الطبري . (2 )انظر: الكشاف: 4/298 . (3 )جامع البيان عن تأويل آي القرآن : 12/744.

عدد الصفحات ٢٢

مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -335- وكفروا بو، وتعجبوا منو أشد العجب، كما بيّن ذلك تعالى عنهم في قولو          (1) وما العجب إلا أف تتعدد الآلهة، ولكنو الكفر والعناد الذي يجعل الحق باطلبً، والباطل حقاً، والمألوؼ عجباً، والعجب مألوفاً؛ كما تضمن تعريف لفظة "الصمد" الإشارة إلى أنها «كلمة جامعة لجميع صفات الكماؿ لله، وجامعة لجميع صفات النقص في المخلوقات، وأنها محتاجة إلى الله عز وجل».(2) وقد زاد ىذا المعنى وضوحاً وتأكيداً تعريف الطرفين في قولو ﴿ ﴾ فقد أفاد ذلك القصر، فليس للئنساف ملجأ ولا ملبذ غير ا- سبحانو وتعالى، فحين تلم بالإنساف الملمات،وتحيط بو النكبات فلن يجد سوى ىذا الرب الكريم العظيم يعتصم بو، ويلوذ بحماه. وقد جاء القصر في ىذا المقاـ ليدؿ على ىذه المعاني ويقررىا، بل إف بلبغة القصر في ىذا السياؽ لا تقف عند ىذه الغاية، وبياف ذلك: أف في ىذا القصر إيجازاً وتوكيداً، ومكمن الإيجاز: أف الجملة التي تُؤدى بطريق القصر تقوـ مقاـ جملتين؛ لاشتمالها على النفي والإثبات، فهي تفيد أنو وحده الذي تصمد إليو الخلبئق كلها في حاجاتها، وفي الوقت نفسو تنفي ذلك عن كل ما عداه أياً كاف، كما أنو مع إيجازه يفيد المبالغة والتأكيد في إثبات ىذا المعنى وتقريره.(3) ومن ىنا كانت ىذه الآية ﴿  ﴾ من الكلمات الجامعة التي (1 )سورة :ص: 5 . (2 )شرح العقيدة الواسطية : 1/143 :لمحمد بن صالح بن العثيم. (3 )انظر: من بلاغة النظم القرآني : 2/9، د.عبد العزيز عرفة، و : البلاغة الاصطلاحية: 250، د. عبده عبد العزيز قلقيلة.

عدد الصفحات ٢٣

التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 336- تملؤ النفس، و ستظل تفيض بالأسرار، والمعاني التي لا حدَّ لها ولا حصر، التي يُراد بيانها وتقريرىا في ىذا السياؽ.(1) ﴿   ﴾ وبعد أف ذكر- سبحانو - تفرده بالصمدية، وصمود الخلق إليو، وحاجتهم لو، بيّن بعد ذلك مباينتو الكاملة لهم في قولو ﴿   ﴾ جاءت ىذه الجملة مفصولة عن الجملة التي قبلها؛ وذلك أف بين الجملتين كماؿ الاتصاؿ، فقد جاءت امتداداً للآية التي قبلها، وتأكيداً لها؛ وبياف ذلك أف كوف الله - عز وجل - لا يلد ولم يولد في ذلك تأكيد وتحقيق لمعنى الصمدية؛ لأف في ىذا إشارة إلى غنائو التاـ عن كل شيء، حتى إلى أقرب قريب للئنساف، وىم الولد والوالد، ففي الوقت الذي يظهر فيو افتقار الإنساف إلى الولد والوالد، وحاجتو إليو، يذكر - سبحانو - انفراده التاـ في ذلك، وغناه الكامل عن كل شيء، ومن ىنا يتبين دلالات الفصل بين ىاتين الآيتين، ففي ذلك تحقيق لهذه المعاني، وتأكيد لها. وفي ذكر ىذه الصفة       في ىذا السياؽ في معرض الإجابة على طلب المشركين حين قالوا : (انسب لنا ربك)، في ذلك إشارة إلى أنو - عز وجل «ليس بفافٍ؛ لأنو لا شيء يلد إلا وىو فافٍ بائد»(2)،كما أف في قولو (لم يولد) إشارة كذلك أنو «ليس بمحدث لم يكن فكاف؛ لأف كل مولود فإنما وُجد بعد أف لم يكن، وحدث بعد أف كاف غير موجود، ولكنو - تعالى - قديم لم يزؿ دائم لم يبد، ولا يزوؿ ولا يفنى» .(3) وقد ورد تقديم نفي كونو والداً في قولو(لم يلد) على كونو مولوداً في (1 )انظر: تفسنً القرآن العظيم : جزء عم : 267، لمحمد لزيي الدين عبد الحميد. (2 )جامع البيان: 12/144 . (3 )الدصدر السابق: 12/144.

عدد الصفحات ٢٤

مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -337- قولو(ولم يولد) مع أف الواقع يخالف ذلك من حيث إف المرء يكوف مولوداً أولاً ثم يكوف والداً بعد ذلك، وقد ذكر العلماء أسرار ىذا التقديم ودلالاتو، فبينوا أف ىذا من باب تقديم الأىم على المهم، وبياف ذلك: أف في قولو (لم يلد) رداً على النصارى الذين يقولوف: إف عيسى ابن الله، كما تضمن كذلك رداً على اليهود القائلين: عزيز ابن الله، كما أنو ردٌّ على مشركي العرب القائلين: الملبئكة بنات الله، فمن أجل رد ىذا القوؿ ودحضو جاء تقديم نفي الولد عنو - سبحانو - بخلبؼ قولو (ولم يولد) إذ لم يدع أحد أنو - سبحانو - مولود لأحد، وفي ىذا إشارة إلى أف دعواىم الولد لله - عز وجل - فرية عظمى، وكذبة كبرى، كما بيّن- سبحانو- ذلك في موضع آخر في قولو ﴿                           (1)﴾ فلشناعة ىذه الفرية، وعظيم جرمها بدأ - سبحانو - بنفيها، والرد عليها، وبياف بطلبنها، وشدة تهافتها.(2) وقد أورد الإماـ الشنقيطي سؤالاً في معرض حديثو عن ىذه الآية، يقوؿ: «إذا كاف ادعاء الولد قد وقع، وجاء الرد عليو، فإف ادعاء الولادة لم يقع فلماذا ذُكر نفيو مع عدـ ادعائو؟ والجواب - والله أعلم-: أف من جوّز الولادة لو، وأف يكوف لو ولد، فقد يجّوز الولادة عليو، وأف يكوف مولوداً فجاء نفيها تتمة للنفي والتنْزيو»(3)، فكأف في ىذا النفي(ولم يولد) تعليلبً للنفي السابق، وتأكيداً لو، (1 )مر: 88 -92 . (2 )انظر: التفسنً الكبنً: 32/183، للفخر الرازي، 2، انظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن :9 /621، للشنقيطي. (3 )انظر: أضواء البيان: 9/621 .

عدد الصفحات ٢٥

التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 338- فإذا ثبت أنو لم يكن ولداً لغيره، ثبت أيضاً وتبين أنو لم يلد غيره. ولا يخفى- كذلك - أف إنكار أف لو ولد أبلغ في الدلالة على وحدانيتو وتفرده من إنكار أنو والد، ولهذا لم يدَّعِ أحد من الخلق بأف لله والداً بخلبؼ أف يكوف لو ولد، فقد ادعى المفتروف ذلك، تعالى الله عما يقولوف علواً كبيراً (1) ﴿    ﴾ وبعد أف نفى- سبحانو - عن نفسو الولد والوالد أتبع ذلك بنفي المثيل لو والنظير في قولو      ، وقد جاء نظم ىذه الآية كلها في إبراز ىذه الحقيقة وبيانها، يتجلى ذلك فيما يلي: أولاً : وصلها بالآية التي قبلها، فقد اتفقت ىاتاف الجملتاف في الخبرية، كما أف بينهما مناسبة في المعنى، فقد سيقت ىاتاف الآيتاف في معرض الحديث عن أوصافو سبحانو وما انفرد بو، وفارؽ بو سواه، من نفي الولد والوالػد، ونفي - كذلك - الصاحب لو، ومن ىنا جاء الوصل بين ىاتين الجملتين إشارة إلى ىذا المعنى، ودالاً عليو. ثانياً : من خلبؿ أسلوب التقديم والتأخير فقد تقدـ (لو) على متعلقو (كفؤاً ) وفي ىذا التقديم أسرار بلبغية، ونكت بيانية تم تحقيقها من خلبلو، وقد كشف الزمخشري عن ىذه الأسرار وأبانها، يقوؿ: «ىذا الكلبـ إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري سبحانو وتعالى وىذا المعنى مصبو ومركزه ىو ىذا الظرؼ، فكاف لذلك أىم شيء، وأغناه وأحقو بالتقدـ وأحراه»(2)، ومن ىنا جاء تقديم الجار والمجرور (لو) إشارة إلى أىميتو، وشديد الاعتناء بو، إذ ىو المدار الذي دارت عليو السورة كلها، ونزلت من أجلو، فهو من تقديم الأىم . (1 )انظر: شرح العقيدة الواسطية : 1/144. (2 )الكشاف: 4/229 .

عدد الصفحات ٢٦

مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -339- وثمة تقديم آخر في ىذه الآية، وىو تقديم خبر كاف (كفؤاً ) على اسمها (أحد)، وليس الغرض من ىذا التقديم أمراً لفظياً، وىو مراعاة الفواصل، كما يذكر ذلك بعض المفسرين (1)، وذلك أف التقديم والتأخير في النظم القرآني أجلُّ وأسمى من أف يقدـ أو يؤخر لغرض لفظي، فالتقديم في القرآف لا يكوف إلا لغرض معنوي اقتضاه المقاـ، وتطلبو السياؽ، فيتم التقديم في القرآف تحقيقاً للغرض، ووفاء بالمعنى. ولعل سرَّ ىذا التقديم وسببو يتعلق باللفظة المقدَّمة في ىذا السياؽ، وىي كلمة (كفؤاً )؛ إذ يراد في ىذا المقاـ إبرازىا وتقديمها على ما سواىا، لأف فيها دلالة على نفي الكفء عنو - سبحانو - أياً كاف ذلك الأمر المنفي عنو، كما أف في ذلك تعريضاً بالمشركين الذين جعلوا لله نداً ومثيلبً من أصنامهم وأوثانهم. كما أف تأخير لفظة (أحد) وختم السورة بها تأكيد لهذه القضية المهمة، وتذكير بها، فقد بُدئت السورة ببياف أنو - سبحانو - (أحد) ثم خُتمت كذلك بنفي أف يكوف لو كفؤاًََ أحد، ولذا ستظل ىذه الكلمة عالقة في أذىانهم، حاضرة في قلوبهم، علَّ ذلك أف يكوف لهم زاجراً ورادعاً . ولذا فإف من يتأمل ىذه السورة، وينعم النظر فيها يجد أنها كلها مبنية على ىذه الآية     ، ومتفرعة عنها، بل تكاد تكوف تفسيراً لها وإيضاحاً، وبياف ذلك: أف الأحدية ىي تفرده - سبحانو - بصفات الكماؿ والجلبؿ دوف سواه، ومن أحديتو ألا يكوف لو ولد ولا والد؛ لأف المولود جزء من والده، كما أف جزءاً من الوالد فيما ولد، كما أف وجود الكفء يعارض الأحد، فليس أحداً من كاف لو كفء، ومن ىنا يتبين أف نفي ىذه الأمور كلها (1 )انظر: إرشاد العقل السليم : 9/213، و: التحرير والتنوير: 30/620 .

عدد الصفحات ٢٧

التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 340- تقرير لصفة الأحدية، وتأكيد لها، وىكذا تكوف السورة كلها تقريراً لقولو     ، ومن ىنا صُدرت السورة بهذه الآية، وبدئت بها. (1) وقد ذكر الإماـ الرازي كلبماً نفيساً في بياف موقع ىذه السورة ومقاصدىا، يقوؿ: «إف ىذه السورة في حق الله مثل سورة الكوثر في حق الرسوؿ، لكن الطعن في حق الرسوؿ كاف بسبب أنهم قالوا : إنو أبتر، لا ولد لو، والطعن ىنا بسبب أنهم أثبتوا لله ولداً، وذلك أف عدـ الولد في حق الإنساف عيب، ووجود الولد عيب في حق الله، فلهذا السبب قاؿ ىنا (قل) حتى تكوف ذاباً عني، وفي سورة الكوثر أنا أقوؿ ذلك عنك الكلبـ حتى أكوف أنا ذاباً عنك، والله سبحانو وتعالى أعلم » .(2) وفي كلبمو ىذا كثير من الإشارات والدلالات المهمة في المقارنة بين ىاتين السورتين، ولكني سأترؾ ذلك؛ خشية الإطالة، ولعل ىاتين السورتين تُفرداف بالدراسة؛ للوقوؼ عند وجوه الاتفاؽ بينهما، والوقوؼ- كذلك - عند ما انفردت بو كل سورة عن الأخرى في خصائصها الموضوعية والأسلوبية. وبعد ىذا التطواؼ المبارؾ في أرجاء ىذه السورة وأفيائها، والاسترواح بظلها تتبين لنا منْزلتها وفضلها من خلبؿ الوقوؼ مع معانيها، والنظر في خصائصها الموضوعية والأسلوبية، وإذا تبين ذلك فلب غرو أف تكوف ىذه السورة تعدؿ ثلث القرآف؛ لشرؼ مضمونها؛ وذلك أنها إخبار عن الله - عز وجل-، ولا يخفى شرؼ ىذا الأمر ورفعتو، فذلك أجل العلوـ، وأولاىا بالطلب والتحفظ، وقد أشار إلى ىذا المعنى، وأكد عليو شارح العقيدة الطحاوية، يقوؿ في مقدمة الكتاب: « فإنو لما كاف علم أصوؿ الدين أشرؼ العلوـ؛ إذ شرؼ (1 )انظر: أضواء البيان: 9/616 . (2 )التفسنً الكب: 32 /185 .

عدد الصفحات ٢٨

مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -341- العلم بشرؼ المعلوـ، وىو الفقو الأكبر بالنسبة إلى فقو الفروع، ولهذا سمَّى أبو حنيفة - رحمو الله - ما قالو وجمعو في أوراؽ من أصوؿ الدين (الفقو الأكبر)، وحاجة العباد إليو فوؽ كل حاجة، وضرورتهم إليو فوؽ كل ضرورة؛ لأنو حياة للقلوب، ولا نعيم ولا طمأنينة إلا بأف تعرؼ ربها ومعبودىا وفاطرىا بأسمائو وصفاتو وأفعالو، ويكوف مع ذلك أحب إليو مما سواه، ويكوف سعيها إليو فيما يقربها إليو دوف غيره من سائر خلقو ».(1) (1 )شرح العقيدة الطحاوية : 1 /6، وقد أشار إلى مثل ىذا الدعنى الزلسشري في خاتمة تفسنًه لسورة الإخلاص، انظر : 4/229.

عدد الصفحات ٢٩

التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 342- المبحث الثاني: التفسير البلبغي لسورة الفلق سورة الفلق:                               بعد أف ذكر سبحانو أمر الإلهية في سورة الإخلبص، وما تفرع عنو من تعداد أوصافو، وما تفرد بو شرع بعد ذلك في بياف ما يُستعاذ بالله منو من أنواع الشرور كلها، ظاىرىا وباطنها، جليلها وخفيها، وذلك ما تضمنو المعوذتاف : سورة الفلق، وسورة الناس، وسأرجئ الحديث عن حكمة الترتيب بين السور الثلبث إلى آخر الدراسة بعد الانتهاء من الحديث عن بلبغة ىذه السور على حدة، وقد ذكر سيد قطب في مفتتح حديثو عن ىذه السورة والتي بعدىا مضموف ىاتين السورتين، مبيناً فضل الله سبحانو وتعالى على ىذه الأمة بهاتين السورتين، وما أكثر فضائلو سبحانو على الناس أجمعين، يقوؿ: «ىذه السورة والتي بعدىا توجيو من الله سبحانو وتعالى لنبيو ابتداء وللمؤمنين من بعده جميعاً للعياذ بكنفو، واللياذ بحماه من كل مخوؼ خاؼٍ وظاىر، مجهوؿ ومعلوـ، على وجو الإجماؿ، وعلى وجو التفصيل، وكأنما يفتح الله - سبحانو - لهم حماه، ويبسط لهم كنفو، ويقوؿ لهم في مودة وعطف : تعالوا إلى ىنا، تعالوا إلى الحمى، تعالوا إلى مأمنكم الذي تطمئنوف فيو، تعالوا فأنا أعلم أنكم ضعاؼ، وأف لكم أعداء، وأف حولكم مخاوؼ، وىنا ىنا الأمن والطمأنينة والسلبـ» .(1) ﴿    ﴾ يأمر- سبحانو - نبيو محمداً  في مفتتح السورة بالاستعاذة بو في قولو:      ، وفي تصدير الآية (1 )في ظلال القرآن : 5/4006 .

عدد الصفحات ٣٠

مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -343- بفعل الأمر(قل) إشارة إلى عِظم ىذا الأمر وأىميتو، وإشارة كذلك إلى عِظم ما سيأتي بعدىا، كما أف في ذلك إشارة إلى «المحافظة على ىذه الألفاظ؛ لأنها ىي التي عينها الله للنبي؛ ليتعوذ بها، فإجابتها موجودة».(1) والأمر فيها للنبي ولأمتو، يدؿ على ذلك أمره أمتو بأف تتعوذ بهذه السورة، مخبراً في الوقت نفسو أنو ما تعوذ المتعوذوف بمثلها، وفي ذلك إشارة ظاىرة إلى حاجة الناس جميعاً إلى الاعتصاـ بو - سبحانو - والالتجاء إليو، ومن ىنا جاء ىذا الفعل (قل) في ىذا السياؽ إشارة إلى ىذا المعنى، ودلالة عليو. ومعنى ىذا الأمر: أي قل يا محمد «لكل من يبلغو القوؿ من جميع الخلبئق تعليماً لهم وأمراً فإنهم كلهم مربوبوف مقهوروف لا نجاة لهم في شيء من الضرر إلا بعصمتو - سبحانو - فعلى كل منهم أف يفزع أوؿ ما تصيبو المصيبة إلى مولاه القادر على كشفها؛ تصحيحاً لتوكلو، فإنو يرتقي بذلك إلى حاؿ الرضا بمرِّ القضاء، ولا يأخذ في الاعتماد على جلبدتو وتدبيره بحولو وقوتو؛ فإنو يشتد أسفو، ولا يرد عنو شيئاً » .(2) كما أف الأمر بالاستعاذة با - عز وجل - إشارة من إلى الحدِّ من كِبر الإنساف، ومن عجبو بنفسو، ومن غروره بذاتو، فقد يحوؿ الكبر والطغياف بعض النفوس دوف طلب الإعانة والنصرة من غيرىم، وإف كانوا في حالة ىم أشد حاجة إليها، فأراد الله - عز وجل - من خلبؿ ىذا الأمر أف يلفت الإنساف إلى ضعفو،وأنو لا يملك لنفسو حولاً ولا قوة، فضلبً أف يملك ذلك للآخرين، ومن (1 )التحرير والتنوير:30/625 . (2 )نظم الدرر: 22 / 407.

عدد الصفحات ٣١

التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 344- ىنا جاء الأمر بالاستعانة بو- عز وجل(1) . ومعنى أعوذ: أي ألتجئ وأعتصم وأتحرز وألوذ(2)، وقد ذكر المفسروف كثيراً من المعاني والدلالات لمعنى الاستعاذة وفوائدىا، وليس ىذا مقاماً لذكرىا، بيد أني أشير ىنا إلى أف ابن القيم ذكر كلبماً نفيساً وطويلبً في معنى الاستعاذة وفوائدىا يحسُن الوقوؼ عند ما ذكر، وإنعاـ النظر فيو تأملبً وتدبراً (3)، وسأذكر بعض كلبمو؛ لنفاستو، ولشدة تعلقو وارتباطو بما نحن فيو، يقوؿ: «اعلم أف لفظة(عاذ) وما تصرؼ منها تدؿ على التحرز والتحصن والنجاة، وحقيقة معناىا: الهروب من شيء تخافو إلى من يعصمك منو، ولهذا يسمى المستعاذ بو: مَعاذاً، كما يسمى ملجأ ووَزَراً، وفي أصلو قولاف: أحدىما: أنو مأخوذ من الستر، والثاني: أنو مأخوذ من لزوـ المجاورة، والقولاف حق، والاستعاذة تنتظمهما معاً، فإف المستعيذ مستتر بمعاذه، مستمسك بو، معتصم بو، قد استمسك قلبو بو ولزمو، كما يلزـ الولد أباه إذا أشهر عليو عدوه سيفاً، وقصده بو، فهرب منو فعرض لو أبوه في طريق ىربو، فإنو يلقي نفسو عليو، ويستمسك بو أعظم استمساؾ، فكذلك العائذ قد ىرب من عدوه الذي يبغي ىلبكو إلى ربو ومالكو وفرَّ إليو، وألقى نفسو بين يديو واعتصم بو، والتجأ إليو، وبعد فمعنى الاستعاذة القائم بقلب المؤمن وراء ىذه العبارات، وإنما ىو تمثيل وإشارة وتفهيم، وإلا فما يقوـ بالقلب حينئذ من الالتجاء والاعتصاـ والانطراح بين يدي الرب، والافتقار إليو، والتذلل بين يديو أمر لا تحيط بو العبارة» .(4) وفي الإشارة إلى الربوبية في ىذا السياؽ في قولو(برب) كثير من الدلالات (1 )انظر: على طريق التفسنً البياني: 1/25 (2 )انظر: التفسنً الكبنً: 32/189، (3 )انظر: التفسنً القيم: 538 . (4 )انظر: الدصدر السابق: 538.

عدد الصفحات ٣٢