مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -313- المقدمة الحمد الله رب العالمين، حمداً يليق بجلبلو، ويكافئ نعمو، حمداً لو على نعمائو وآلائو التي لا تعد ولا تحصى، حمداً لو على الإيماف والقرآف، والصلبة والسلبـ على خير من صلى وصاـ، وخير من قرأ القرآف وعظَّمو، ومن سار على نهجو، واقتفى أثره إلى يوـ الدين، أما بعد: فسيظل كتاب الله نبعاً فياضاً، ومورداً عذباً نميرا يتوافر عليو الدارسوف والباحثوف؛ للنظر في بلبغتو، والوقوؼ عند دُرَر بيانو، وبدائع فرائده، وليس لهذه الدرر، وتلك البدائع غاية تنتهي إليها، ولا حدٌّ تقف عنده، ولكنها درر مستقرة في أعماقو، وفرائد لا تظهر إلا لمن غاص في أعماقو، ولمن سعى ونقَّب، وبحث ونظر، وأمعن ودقَّق، ولمن أخلص النية، ونقى السريرة، ثم ىوػ بعد ذلك وقبلو - توفيقو - سبحانو - وتسديده، ولا بد من السعي والكد خلف ىذه الدرر لاستخراجها، والوقوؼ عند دقائقها وأسرارىا. وكاف لزاماً من أجل تحقيق ىذه الغاية، والظفر بها من معاودة النظر، وإنعاـ التدبر، وإطالة البحث والمراجعة لكتاب الله، ولكلبـ أىل العلم المحققين، ومن ىنا جاءت الرغبة في الكتابة في ىذا الموضوع؛ للوقوؼ عند أسرارىا البلبغية، ونكتها البيانية. وقد قصرت الدراسة على سورة الإخلبص والمعوِّذتين، فسأسعى - إف شاء الله - خلبؿ ىذه الدراسة لإظهار الأسرار البلبغية الكامنة في طيات ىذه السور، المستقرة في أعماقها؛ من أجل بيانها وتأملها. وثمة أسباب دعتني لاختيار ىذه السور، والكتابة فيها، ولعل من أىم ىذه الأسباب ما يأتي: 1 -فضل ىذه السور، فقد ورد كثير من الأحاديث الصحاح التي تبين
عدد الصفحات ١التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 314- فضل ىذه السور، وعظيم منْزلتها، وعلو قدرىا، وسأذكر ىذه الأحاديث في صدر ىذه الدراسة؛ لنكوف على بينة منها وبياف. 2 -ما ورد في الصحاح من الأمر بقراءتها في كل يوـ وليلة، صباحاً ومساء، فهذه السور من ورد المسلم وذكره يتحصن بها من شياطين الإنس والجن، ومن شر كل ذي شر، ومن شر كل حاسد وساحر . ولا يخفى أف الأمر بقراءتها والمواظبة عليها دلالة على أمر كامن فيها، وسأسعى في ىذه الدراسة لكشف شيء من ىذه الأسرار، وإظهار تلك الدلالات. 3 -ختم القرآف الكريم بهذه السور، ولختم القرآف بهن دلالة يحسُن الوقوؼ عندىا، والإشارة إليها؛ وذلك أف الخاتمة من المواضع التي يتأنق بها المرء، ويجهد نفسو في تحبيرىا، فإذا كاف ذلك في كلبـ البشر وبيانهم فما الظن في كتاب الله الذي بلغ الغاية في الإعجاز؟ وسأتطرؽ إلى ىذا الأمر وبيانو في ىذه الدراسة إف شاء الله تعالى. ومن ىذه الأسباب مجتمعة تبزر أىمية ىذا الموضوع، فحسب ىذا الموضوع أنو وقفة مع سور من كتاب الله تعالى؛ للنظر في أسرارىا البلبغية، ونكتها البيانية، ويزيد ىذا الأمر أىمية وشأناً أنها دراسة لسور كاملة، فَسَتَسْلمُ ىذه السور في ىذه الدراسة من الاقتطاع والتجزئة، وىو أمر بالغ الأىمية في الدراسات البلبغية؛ وذلك أف اقتطاع الشاىد من سياقو يفقده كثيراً من دلالاتو وأسراره. وما يجدر الإشارة إليو في ىذا المقاـ أف ىذه الدراسة تتجو إلى بياف الأسرار البلبغية، والنكت البيانية التي تضمنتها ىذه السور، وىو أمر من الأىمية بمكاف، وذلك أنو يظهر تميز ىذه الدراسة وتفردىا، واستقلبلها بهذا
عدد الصفحات ٢مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -315- الأمر؛ وذلك أف كثيراً من الدراسات لهذه السور كانت تتجو إلى كشف معانيها، وبياف فضلها، وذكر ما ورد في السنن والصحاح من فضلها، ومن تلك المؤلفات على سبيل المثاؿ لا الحصر: كتاب "فضائل القرآف" لابن كثير، وكتاب "فضائل القرآف ومعالمو وآدابو" لأبي عبيد القاسم بن سلبـ، وكتاب "فضل سورة الإخلبص وما لقارئها" للحافظ المحدث أبي محمد الحسن الخلبؿ. بل إف ىناؾ دراسات بيانية لهذه السور، إلا أنها جاءت ضمن دراسة لمجموعة من السور القرآنية، ومن ذلك: كتاب "على طريق التفسير البياني" للدكتور فاضل السمرائي، وكتاب : "التفسير البياني" للدكتور عائشة بنت الشاطئ، وغيرىا من الكتب، وما يميز ىذه الدراسة أنها انفردت بالدراسة البيانية لهذه السور دوف غيرىا، وذلكم ىو الجديد في ىذه الدراسة، واللبنة المضافة إلى الدراسات في البلبغية القرآنية. وقد اقتضتْ طبيعة ىذه الدراسة تقسيمها إلى أربعة مباحث : المبحث الأوؿ: التفسير البلبغي لسورة الإخلبص. المبحث الثاني: التفسير البلبغي لسورة الفلق. المبحث الثالث: التفسير البلبغي لسورة الناس. المبحث الرابع: الحكم والأسرار في ختم القرآف الكريم بسورة الإخلبص والمعوذتين. وقد صُدِّرتْ الدارسة بمقدمة وتمهيد، ذكرتُ في المقدمة أىمية الموضوع، وأسباب اختياره، والدراسات السابقة عليو، وخطة البحث ومنهجو، وتضمن التمهيد حديثاً عن فضائل السور الثلبث، وأسباب نزولها. وأما المنهج الذي سرتُ عليو فهو دراسة السورة كاملة على نهج
عدد الصفحات ٣التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 316- المفسرين في تناولهم لهذه السور، بيد أني أعنى بالجانب البلبغي، ومن ىنا جاءت تسمية ىذه الدراسة بػ(التفسير البلبغي لسورة الإخلبص والمعوذتين)، ولذا فسأقف مع كل آية من آيات السور الثلبث، وسيكوف تناولي لها في سياقها الذي وردتْ فيو، دوف بترىا من سياقها الذي جاءت فيو . كما أني لن أفصل بين الأساليب البلبغية في ىذه الدراسة وبين معنى كل آية؛ وذلك أف ىذه الأساليب جزء رئيس من المعنى، لا يظهر المعنى إلا بها، ولا يتم إلا من خلبلها، ولذا ينبغي أف تتجو عناية المفسرين والمتخصصين إلى بياف ىذه الأسرار البلبغية وإظهارىا، وأف تأخذ حقها كاملبً غير منقوص في الدراسات القرآنية، ولا يصح أف تُذكر على عجل، أو بعد الانتهاء من بياف المعنى، وكأنها شيء ثانوي في المعنى، تأتي بعد اكتماؿ المعنى وظهوره، فضلبً عن الطريقة التي يتم من خلبلها تناوؿ ىذه الأساليب البلبغية، واقتطاعها من السياؽ الذي جاءت فيو، والاكتفاء بالقوؿ أف في ىذه الكلمة تشبيها أو استعارة أو غير ذلك، دوف الإشارة إلى أثر ىذه الأساليب في بناء المعنى وظهوره، ولذا سأتجو في ىذه الدراسة إلى ىذه الأساليب البلبغية، وسأقصر جهدي واىتمامي في إبرازىا، والإشارة إلى أثرىا البالغ في بناء المعنى وظهوره، من خلبؿ السياؽ الذي جاءت فيو، ومع ذلك فلن أتطرؽ كثيراً إلى معنى السورة، وبياف مفرداتها إلا بالقدر الذي تتطلبو ىذه الدراسة؛ من أجل إظهار الأسرار البلبغية، ولذا فلن أذكر في ىذه الدراسة إلا ما يمت للبلبغة بسبب. وأحب أف أبين في ىذا المقاـ مرادي بالتفسير البلبغي في ىذه الدراسة، فأنا أقصد من ذلك أف ىذه الدراسة ستتجو إلى بياف أسرار التراكيب في ىذه السور، وإظهار خصائصها التعبيرية بذكر ما تضمنو النظم القرآني من أساليب بلبغية، لا حصر لها من تقديم وتأخير، ومن حذؼ وذكر، ومن تعريف وتنكير،
عدد الصفحات ٤مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -317- ومن اختيار للؤلفاظ ذات الإيحاء والظلبؿ، وغير ذلك مما يتميز بو نظم القرآف الكريم. وىذا الأمر من الأىمية بمكاف، بل إف ذلك ىو سرُّ إعجاز القرآف الكريم، وىو سبب عجز المشركين أف يأتوا بمثلو ولو كاف بعضهم لبعض ظهيرا، ولذا فقد طفق العلماء يشيروف إلى بلبغة القرآف وإعجازه، والإشادة بو، بل الأمر بدراسة ىذه البلبغة، والوقوؼ عندىا، وسأكتفي بالاستدلاؿ على ذلك بقوؿ أبي ىلبؿ العسكري، يقوؿ: «اعلم- علمك الله الخير، ودلَّك عليو، وقيضو لك، وجعلك من أىلو - أف أحق العلوـ بالتعلم، وأولاىا بالتحفظ- بعد المعرفة بالله جل ثناؤه - علم البلبغة، ومعرفة الفصاحة، الذي بو يُعرؼ إعجاز كتاب الله تعالى.. وقد علمنا أف الإنساف إذا أغفل علم البلبغة، وأخل بمعرفة الفصاحة لم يقع علمو بإعجاز القرآف من جهة ما خصَّو الله بو من حسن التأليف، وبراعة التراكيب، وما شحنو بو من الإيجاز البديع، والاختصار اللطيف، وضمّنو من الحلبوة، وجلَّلو من رونق الطلبوة، مع سهولة كلمو وجزالتها، وعذوبتها وسلبستها، إلى غير ذلك من محاسنو التي عجز الخلق عنها، وتحيرت عقولهم فيو.. وقبيح لعمري بالفقيو المؤتم بو، والقارئ المتهدَى بهديو.. وبالعربي الصليب، والقرشي الصريح ألا يعرؼ إعجاز كتاب الله تعالى إلا من الجهة التي يعرفو منها الزنجي والنبطي، أو أف يستدؿ عليو بما استدؿ بو الجاىل الغبي، فينبغي من ىذه الجهة أف يقدـ اقتباس ىذا العلم على سائر العلوـ بعد توحيد الله... » (1) وبعد: فهذا ما سأسعى إليو في ىذه الدراسة - إف شاء الله تعالى -، وسأحرص على تحقيقو والوصوؿ إليو، فإف تم ذلك على الوجو الذي أريد، فقد (1 )كتاب الصناعت: الكتابة والشعر: 7، لأبي ىلال العسكري .
عدد الصفحات ٥التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 318- حققت مرادي، وأصبت مبتغاي، وإف كانت الأخرى فحسبي بذلي واجتهادي، والله - سبحانو - ىو الذي يتولانا بأمره، ويوفقنا إلى السداد والصواب.
عدد الصفحات ٦مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -319- التمهيد أولاً - فضائل ىذه السور: مما يحسُن بيانو في ىذه الدراسة ذكر شيء من فضائل ىذه السور، وبياف مناسبة نزولها؛ ليكوف ذلك تمهيداً لهذه الدراسة وتوطئة لها، ومدخلبً إلى بياف أسرار ىذه السور البلبغية، ونكتها البيانية. أما ما يتعلق بفضائل ىذه السور فقد ورد في الصحاح والسنن كثير من الأحاديث الدالة على شرؼ ىذه السور، وعظيم قدرىا ومنزلتها لدى من تكلم بها وأنزلها. أ - فضل سورة الإخلبص أما سورة الإخلبص فإف فضلها كبير، ونفعها عظيم، وقد أُفردت ىذه السورة بالتأليف في فضلها، والإطناب في بياف ما رُوي فيها، ولا غرو في ذلك فقد «صحت أحاديث كثيرة في فضلها، فمن فضائل ىذه السورة : أنها تعدؿ ثلث القرآف، كما أنها عنواف التوحيد، وىي رمز الإخلبص في العبودية، ونفي الشرؾ والتعددية، وفيها اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي بو أجاب، وإذا سُئل بو أعطى، وفيها صفات الربوبية المطلقة التي بها معرفة الله الحقة، فكلما كررىا العبد كرر صفاتو، وأعلن توحيده، وفي ذلك إرغاـ للشيطاف، وتخزية لو ».(1) يدؿ على ىذا الفضل، وتلك المنْزلة حديث عائشة- رضي الله عنها - أف النبي بعث رجلبً على سَرِيَة، وكاف يقرأ لأصحابو في صلبتهم، فيختم بػ﴿ ﴾، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ، فقاؿ: سلوه لأي شيء يصنع ذلك، فسألوه، فقاؿ: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أف أقرأ بها، فقاؿ (1 )فضائل سورة الإخلاص و مالقارئها : 41، لأبي لزمد الحسن الخلال.
عدد الصفحات ٧التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 320- النبي :خبروه أف الله يحبو).(1) ومن ذلك- أيضاً ػ: حديث أنس قاؿ: (كاف رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكاف كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلبة مما يقرأ بو افتتح بػ﴿ ﴾، حتى يفرغ منها، ثم كاف يقرأ سورة أخرى معها، وكاف يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمو أصحابو، فقالوا : إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فإما أف تقرأ بها، وإما أف تدعها وتقرأ بأخرى، فقاؿ: ما أنا بتاركها، وإف أحببتم أف أؤمكم بذلك فعلت، وإف كرىتم تركتكم، وكانوا يروف أنو من أفضلهم، وكرىوا أف يؤمهم غيره، فلما أتاىم النبي أخبروه الخبر، فقاؿ: يا فلبف ما يمنعك أف تفعل ما يأمرؾ بو أصحابك؟ وما يَحملك على لزوـ ىذه السورة في كل ركعة؟ فقاؿ: إني أحبها، قاؿ: حُبك إياىا أدخلك الجنة). (2) ومما ورد في فضلها- أيضاً ػ: حديث أبي سعيد الخدري قاؿ: قاؿ النبي لأصحابو: (أيعجز أحدكم أف يقرأ ثلث القرآف في ليلة؟ فشق ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يارسوؿ الله؟ فقاؿ: الله الواحد الصمد، ثلث القرآف). (3) وغير ذلك مما ورد في فضلها، وفي ما تقدـ دلالة بينة على فضل سورة (1) صحيح البخاري : كتاب التوحيد، باب : ما جاء في دعاء النبي أمتو إلى توحيد الله تبارك وتعالى، رقم الحديث : 7375 (2 )صحيح البخاري : كتاب الأذان، باب: الجمع بن السورتنٌ في الركعة والقراءة بالخواتيم، وبسورة قبل سورة، وبأول سورة، رقم الحديث : 774 . (3 )صحيح البخاري : كتاب: فضائل القرآن، باب : فضل قل ىو الله أحد، رقم الحديث:5015.
عدد الصفحات ٨مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -321- الإخلبص، وإشارة واضحة إلى جليل قدرىا، فحسبها شرفاً ومنزلة أف كانت سبباً لدخوؿ ذلك الرجل الجنة، وسبباً لحب الله لو، وإنو لخير عظيم أف يُوفق المؤمن إلى حب الله ومرضاتو، ويُبشر بدخوؿ الجنة، وقد ناؿ ذلك الصحابي ىذا الأجر بحبو لهذه السورة، ولزوـ قراءتها، والمواظبة عليها، فناؿ بذلك أجراً عظيماً، وذلك فضل الله يؤتيو من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وأما حديث أبي سعيد، ففيو الدلالة الواضحة على فضل سورة الإخلبص، وعظيم قدرىا، وعلو منْزلتها، فحسبها شرفاً وقدراً أنها تعدؿ ثلث القرآف الكريم، فهي وإف قلت آياتها، وحُصرت كلماتها إلا أنها تعدؿ ثلث القرآف في المثوبة والأجر، وبذلك نطق الصادؽ المصدوؽ، الذي لا ينطق عن الهوى إف ىو إلا وحي يوحى، ولا يعني كونها تعدؿ ثلث القرآف أنها « تقوـ مقاـ ثلث القرآف بدليل أف الإنساف لو كررىا في صلبة الفريضة ثلبث مراث لم تكفو عن الفاتحة، مع أنو إذا قرأىا ثلبث مراث فكأنما قرأف القرآف كلو، لكنها لا تجزئ عنو، ولا تستغرب أف يكوف الشيء معادلاً للشيء ولا يجزئ عنو ».(1) ومما يدؿ على فضلها: مواظبة رسوؿ الله على قراءتها، فقد كاف يقرأ بها في سنة الفجر، وفي سنة المغرب، وفي ركعتي الطواؼ، كما كاف يقرأ بها في الوتر، ولا غرو في ذلك؛ فهي مبنية على الإخلبص لله - عز وجل - ومن ىنا سُميت بسورة الإخلبص. (2) ب- فضل سورة المعوذتين ورد في فضل ىاتين السورتين أحاديث عن رسوؿ الله تبين فضلهما، وشرؼ قدرىما، ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحو عن عقبة بن عامر قاؿ: (1 )تفسنً جزء عم : 351، لمحمد بن صالح العثيم. (2 )انظر: الدصدر السابق: 351.
عدد الصفحات ٩التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 322- قاؿ رسوؿ ا :(ألم تر آيات أُنزلت ىذه الليلة لم يُر مثلهن قط ﴿ ﴾، و﴿ ﴾. (1) ومن فضائل ىاتين السورتين حديث عقبة بن عامر قاؿ: (بينا أنا أقود برسوؿ الله في نقب من تلك النقاب، إذ قاؿ لي: يا عقبة ألا تركب، قاؿ : فأجللتُ رسوؿ الله أف أركب مركبو، ثم قاؿ : ياعُقيب ألا تركب؟ فأشفقت أف تكوف معصية، قاؿ: فنزؿ رسوؿ الله، وركبت ىُنػَيَّة، ثم ركب، ثم قاؿ: يا عقيب: ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بها الناس؟ قاؿ: قلت: بلى يا رسوؿ الله، قاؿ: فأقرأني ﴿ ﴾، و﴿ ﴾، ثم أُقيمت الصلبة، فتقدـ رسوؿ الله، فقرأ بهما، ثم مرَّ بي، قاؿ: كيف رأيت يا عقيب، اقرأ بهما كلما نمت، وكلما قمت ). (2) وفضل ىاتين السورتين من خلبؿ ىذه الأحاديث ظاىر جلي، فهاتاف السورتاف - كما ذكر رسوؿ الله خير سورتين قرأ بها الناس، ولك أف تطلق عناف فكرؾ، وأف تنعم النظر في دلالات ىذه الألفاظ، فستجد أنها تدؿ على الخير الكثير، وقد حازتا فضل السبق فكانتا بذلك خير سورتين قرأ ىما الناس. يدؿ على ىذا الفضل ويؤكده الحديث المتقدـ، وىو قولو (ألم تر آيات أُنزلت ىذه الليلة لم يُر مثلهن قط﴿ ﴾، و﴿ ﴾. وثمة أحاديث أخرى جاء فيها ذكر فضائل ىذه السور الثلبث مجتمعة بخلبؼ الأحاديث السابقة التي انفردت سورة الإخلبص فيها عن المعوذتين، (1 )صحيح مسلم، كتاب : صلاة الدسافرين وقصرىا، باب : فضل قراءة الدعوذتنٌ، رقم الحديث : 818. (2 )مسند الإمام أحمد بن حنبل، رقم الحديث : 17429.
عدد الصفحات ١٠مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -323- ومنها: حديث: عقبة بن عامر قاؿ: (بينا أنا برسوؿ الله راحلتو في غزوة إذ قاؿ: ياعقبة قل، فاستمعتُ، ثم قاؿ: ياعقبة، فاستمعتُ، فقالها الثالثة، فقلت: ما أقوؿ؟ فقاؿ: (قل ىو الله أحد)، فقرأ السورة، حتى ختمها، ثم قرأ (قل أعوذ برب الفلق)، وقرأتُ معو، حتى ختمها، ثم قرأ (قل أعوذ برب الناس) فقرأتُ معو حتى ختمها، ثم قاؿ: ما تعوَّذ بمثلهن أحد). (1) كما يدؿ على فضل ىذه السور الثلبث مواظبة رسوؿ ا على قراءتهن جميعاً في كثير من الحالات، فكاف إذا أوى إلى فراشو قرأ ىذه السور ونفث في كفو، ثم مسح بذلك وجهو، وما استطاع من بدنو،كما كاف يقرأ بهذه السور بعد كل صلبة (2)، وفي ذلك الدلالة الواضحة على فضل ىذه السور، وعظيم قدرىا، وشديد نفعها. ومن أجل ىذا الفضل، وتلك المنْزلة لهذه السور الثلبث كلها جاءت ىذه الدراسة، فثمة أمور كثيرة اشتركت فيها ىذه السور، وليس ذلك مقصوراً على الفضل والمنْزلة، بل تجاوز ذلك حتى في بناء ىذه السور في مفرداتها وتراكيبها، وىذا لا ينافي أبداً أف ىناؾ كثيراً من الخصائص الموضوعية والأسلوبية انفردت بها كل سورة عن الأخرى، وسأبين ىذا كلو في ىذه الدراسة . ثانياً - سبب نزوؿ ىذه السور أما ما يتعلق بسبب نزوؿ ىذه السور، فلم تنزؿ ىذه السور الثلبث جملة واحدة، فقد نزلت سورة الإخلبص أولاً، وبعد ذلك بمراحل نزلت المعوذتاف معاً، يدؿ على ذلك ما ورد في أسباب نزوؿ ىذه السور، وبياف ذلك: أف سبب نزوؿ سورة الإخلبص أف المشركين قالوا لرسوؿ الله :انسب لنا ربك، فأنزؿ (1 )سنن التسائي، كتاب : الاستعاذة، رقم الحديث : 5431. (2 )انظر: تفسنً جزء عم : 356، لمحمد بن صالح العثيم.
عدد الصفحات ١١التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 324- ا- تعالى - ىذه السورة؛ بياناً لما طلبوا، وسألوا عنو. (1) وثمة قوؿ آخر في سبب نزوؿ ىذه السورة، وىو(أف ناساً من أحبار اليهود جاؤوا إلى النبي، فقالوا: صف لنا ربك يا محمد؛ لعلنا نؤمن بك، فإف الله أنزؿ نعتو في التوراة، فأخبرنا من أي شيء ىو؟ وىل يأكل ويشرب؟ ومن يرث السماء؟ ومن يرث الأرض؟ فأنزؿ الله ىذه السورة)(2)، رداً على سؤالهم، وإجابة لما طلبوا بيانو، ذاكراً لهم أنو - سبحانو - الواحد الأحد الذي لا نظير لو ولا وزير، كما أنو - سبحانو - ترفع وتنزه عن الشبيو والعديل. (3) وأما المعوذتاف فقد أنزلهما ا- سبحانو وتعالى - شفاء ورقية لرسوؿ الله من سحر لبيد بن الأعصم اليهودي لو، فهي لو ولأمتو إلى يوـ القيامة، يدؿ على ذلك قوؿ عائشة - رضي الله عنها - (سَحَرَ رسوؿَ الله رجلٌّ من بني زُرَيق يقاؿ لو: لَبيد بن الأعصم، حتى كاف رسوؿ الله يُخيَّل إليو أنو كاف يفعل الشيء وما فعلو، حتى إذا كاف ذات يوـ، أو ذات ليلة وىو عندي، لكنو دعا ودعا، ثم قاؿ: يا عائشة، أَشعَرْتِ أف الله أفتاني فيما استفتيتُو فيو؟ أتاني رجلبف، فػَقَعدَ أحدىما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقاؿ أحدىما لصاحبو: ما وَجَعُ الرجل؟ فقاؿ : مَطبوب، قاؿ: من طبَّو؟ قاؿ: لبيد بن الأعصم، قاؿ: في أي شيء؟ قاؿ: في مُشطٍ ومُشاطة، وجُفِّ طَلْع نخلة ذكر، قاؿ : وأين ىو؟ قاؿ: في بئر ذَرْوَاف، فأتاىا رسوؿ الله في ناس من أصحابو، فجاء فقاؿ يا عائشة، كأف ماءىا نُقاعة الحناء، وكأف رؤوس نخلها رؤوس الشياطين، قلت: يارسوؿ الله أفلب استخرجتَو؟ قاؿ: قد عافاني الله فكرىتُ أف أُثير على الناس فيو شراً، فأَمر بها (1)انظر: لباب النقول في أسباب النزول: 673، للسيوطي. (2 )معالم التنزيل: 4/455، لأبي لزمد البغوي. (3 )انظر: تفسنً القرآن الكريم : 4/607، لأبي الفداء ابن كث .
عدد الصفحات ١٢مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -325- فُدفنت). (1) وذكر أف ىذا السحر كاف في وتر عُقد عليو إحدى عشرة عقدة، فأنزؿ الله ىاتين السورتين، وىي إحدى عشرة آية، سورة الفلق خمس آيات، وسورة الناس ست آيات، كلما قرأ آية انحلت عقدة، حتى انحلت العقد كلها، فقاـ كأنما أُنشط من عقاؿ. (2) وبعد فهذا شيء من فضائل ىذه السور الثلبث، وبياف لسبب نزولها، آثرتُ ذكرىا في المقدمة؛ لتكوف توطئة وبياناً في ىذه الدراسة؛ لتضيء لنا جوانبها، ولتكشف شيئاً من الدلالات المهمة، والأسرار البلبغية لهذه السور. (1 )صحيح البخاري، كتاب : الطب، باب: السحر وقول الله تعالى (ولكن الشياطنٌ كفروا يعلمون الناس السحر...)، رقم الحديث :5763 (2) انظر: معالم التنزيل: 4/546.
عدد الصفحات ١٣التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 326- المبحث الأوؿ: التفسير البلبغي لسورة الإخلبص سورة الإخلبص: ىي سورة مكية، يدؿ على ذلك سبب نزولها، وقد تقدـ، كما يدؿ على ذلك - أيضاً - موضوع ىذه السورة، ومضمونها، فضلبً عن مفرداتها وتراكيبها، وقوة ألفاظها، وشدة جرسها، وقوة وقعها، وتلك إشارة مهمة دالة على مكية ىذه السورة، كما ىو مقرر ومبين في علوـ القرآف في الاستداؿ على مكية السورة أو مدنيتها. (1) ﴿ ﴾ افتُتحتْ السورة بفعل الأمر "قل"، وفي استفتاح السورة بهذا الفعل، والبدء بو كثير من الدلالات المهمة، والإشارات البالغة المراد تحقيقها وتقريرىا في ىذه السورة، ومن ذلك أف الاستفتاح بهذا الفعل توافق مع سبب نزوؿ ىذه السورة، فقد جاء ذلك إجابة لطلب المشركين، حين قالوا لرسوؿ الله :انسب لنا ربك، فيقوؿ الله لرسولو محمد إجابة لهذا الطلب، قل يا محمد لكفار قريش إف ربي ىو الله الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن لو كفوا أحد ).(2) كما أف في ىذا الأمر دلالة على الجزـ والحزـ، فكأنو يقوؿ لو : قل ذلك يامحمد على وجو العزـ والاعتقاد، وعلى وجو القوة والاستعلبء، وذلك أف (1 )انظر: مباحث في علوم القرآن : 52، د. مناع القطان، وعلوم القرآن الكريم : 61، د. عبدالدنعم نمر، وغنًهما. (2 )انظر: تفسنً التحرير والتنوير: 30/612، للطاىر بن عاشور.
عدد الصفحات ١٤مجلّة الجامعة الإسلبميّة- العدد 144 -327- ربك ىو المعبود الحق، فهو الأحد، الذي لا نظير لو ولا مثيل، المنفرد بالصمدية الذي لم يلد ولم يولد. وفي ىذا دلالة على قربو- سبحانو - من رسولو، وأنو يتعهده بالحفظ والرعاية، ويلحظو بالاىتماـ والعناية، وأنو يذود عنو ويحفظو ويحميو، بل يتولى الرد عنو ويرشده، ويأخذ بيده في المدلهمات، ويدفع عنو الملمات. ومن الدلالات كذلك : الحفاوة التامة، والعناية البالغة بما سيأتي بعد فعل القوؿ، فلعظم ىذا القوؿ، ولجليل خطره، وعظيم شأنو يُؤمر أمراً خاصاً بقولو وإبلبغو، مع أنو مأمور منو أف يبلغ القرآف كلو .(1) ومع ذلك فإفراد ىذه السورة بأمر خاص بها دلالة على عظم الأمر المأمور بو، يدؿ على ذلك موضوع ىذه السورة ومضمونها، فقد ذُكر فيها أوصافو - سبحانو - وبيانو، وما انفرد بو من الأحديو والصمدية، وما تنزه عنو من الولد والوالد والصاحبة، فلب غرو - والحالة ىذه - أف يُؤمر أمراً خاصاً ببياف ىذه الأمور، وقولها، وإبلبغها للناس. وحين نتتبع فعل الأمر "قل" في القرآف الكريم حين يكوف المأمور بو رسوؿ الله نجده في غاية الأىمية، فلعظيم أمره، وجليل قدره أُفرد بأمر خاص بو بقولو وإبلبغو، ومن ذلك قولو تعالى ﴿ * ﴾ (2) وقولو ﴿ ﴾ (3)، وقولو (1 )انظر: الدصدر السابق: 30/580 . (2 )يونس: 57 - 58 . (3 )الإسراء : 85 .
عدد الصفحات ١٥التػَّفْسِيرُ الْبَلبَغِيُّ لِسُورَةِ الإِخْلبَصِ وَالْمُعَوِّذَتػَيْنِ – د.عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صَالِحٍ الْعَمَّار - 328- ﴿ ﴾(1)، وغيرىا من الآيات. وأما الضمير "ىو" فيجوز أف يكوف عائداً إلى الله - سبحانو وتعالى - بدلالة السياؽ عليو، ويدؿ عليو- أيضاً - سبب نزوؿ السورة، حين قاؿ المشركوف : انسب لنا ربك، فيكوف ىذا الضمير على ىذا المعنى مبتدأ، ولفظ الجلبلة مبتدأ ثاف، وتكوف لفظة "أحد" خبراً للمبتدأ الثاني، والجملة كلها خبر المبتدأ الأوؿ، وقد ذىب إلى ىذا القوؿ جمع من العلماء، ورجحوه على غيره.(2) وثمة قوؿ آخر في ىذا الضمير، وىو أنو ضمير الشأف، أو القصة، ومن ذلك قولهم: ىو زيد منطلق، أي الشأف كذلك (3)، ولا يُسبق ىذا الضمير بمتقدـ يعود إليو، وإنما يُفسر بما يأتي بعده، لذا فهو من مواضع الإضمار في مقاـ الإظهار. وقد تضمن الأسلوب كثيراً من الأسرار البلبغية، والنكت البيانية، وقد أشار جمع من المفسرين والبلبغيين إلى دلالات ىذا الأسلوب وبلبغتو، وبياف ذلك: أف وَضْعَ المضمر ىنا موضع المظهر من غير ذكر متقدـ لو، يعود إليو فيو دلالة على أف ىذا الضمير «من الشهرة والنباىة بحيث يستحضره كل واحد، وإليو يشير كل مشير، وإليو يعود كل ضمير »(4)، فكأف صاحب ىذا الضمير- وىو الله عز وجل - حاضر في النفس، قائم في القلب، فلب يخطر في الباؿ سواه، ولا ينصرؼ الذىن إلاَّ إليو، ومن ىنا جاء الإضمار في ىذا السياؽ من غير متقدـ لو يعود عليو. (1) سورة ص: 67 . (2 )ومن ىؤلاء العلماء: الزجاج، انظر : معاني القرآن : 5/337، والعكبري، انظر: التبيان في إعراب القرآن : 2/309، والشوكاني، انظر : فتح القدير: 5/515، وغنًىم. (3 )انظر: الكشاف: 4/298، للزلسشري . (4 )إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكر : 9/212، لأبي السعود لزمد العمادي.
عدد الصفحات ١٦