المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دليل مناهج البحث العلمي

غير معروف

صفحة ١٠ من ١١

144 البنيويّة التكوينيّة (غولدمان البنيويّة التكوينيّة (غولدمان) أوّلاً- التعريف والأعلام وأبرز الم تَبلورَ منهج البنيويّة التكوينيّة على يد الناقد الفرنسيّ، الرومانيّ الأصل لوسيان Hegel) بعد أن استأنف جهودَ فلاسفةٍ سابقين كهيغل Lucien Goldmann)غولدمان ... خلاصة ما يجمع بين غولدمان وأساتذته من Lukacs) ولوكاتشMarx)وماركس موؤسّسي المنهج الجدليّ مقولة الأعمال الإبداعيّة الثقافيّة والأدبيّة الكبرى (بحري، أصول هذا المنهج مغمّسة بأتربة الفلسفة الماديّة التاريخيّة، ما يجعله، من الناحية النقديّة، ثورة على الأسس النقديّة الاجتماعيّة التي اجتاحت العالم الأدبيّ والفكريّ آنذاك، نظرًا إلى العمليّة الجدليّة التي تحدّد العلاقة بين النصّ الإبداعيّ، والمسار التاريخيّ الاجتماعيّ الفكريّ الذي إليه وحدَه تُنسب العمليّة الأدبيّة، انطلاقًا من شعار الماركسيّة: الفكر يحدّده الوجود، وليس العكس، وهذا انقلاب واضح على المثاليّة الهيغيليّة. انسجامًا مع ذلك، تُشكّل البنيويّة التكوينيّة، نقديًّا، المرحلة الرابعة من مراحل النقد الاجتماعيّ الماركسيّ، بعد مرحلة الانعكاس، ومرحلة الدراسة الأيديولوجيّة والصراع الطبقيّ، ومرحلة الر قامت البنيويّة التكوينيّة على المرحلة الثالثة التي وسمها الفيلسوف المجريّ جورج لوكاتش. يشدّد أصحاب هذا المنهج على ألاّ وجود لأعمال أدبيّة كبرى

عدد الصفحات ١٤٦

145 البنيويّة التكوينيّة (غولدمان ما لم يكن لها ر أفكار الكاتب الواعية والمباشرة، إذ لا يرجع إلى إمكانات ذلك الفرد المبدع، وقدرته العقليّة والفنيّة فحسب، بل يرتبط بشكل حاسم بما يطلق المجموع الاجتماعيّ من مقولات فكريّة وقدرات جماعيّة واعية، في شكل بنية شاملة أو ضامّة، اتُّفق على تسميتها بالر العالم أو الر تصدر عنهم ر أي إلى ما يرجع إلى المحيطَين الاقتصاديّ والاجتماعيّ اللذَين يُسهمان في خلق حركات معيّنة، ومن هذه الحركات تولد أفكار الجماعة التي يعود إليها الكاتب أو المبدع الذي يُعَدّ جزءًا من مجموعة اجتماعيّة، الأدبيّ أو الفكريّ، إلاّ عبر فهم سلوك مجموعة اجتماعيّة ما (قد لا ينتسب الكاتب إليها)، وبخاصّةٍ سلوك طبقة اجتماعيّة محدّدة حين يتعلّق الأمر بأعمال .Goldmann, 1959, p. 16-17)مهمّة لا تعوّل البنيويّة التكوينيّة على فرديّة الكاتب والجماعة المباشرة التي ينتمي إليها، ولا ترى أنّ دراسة النصّ الأدبيّ يقتصر على كشف العلاقة بين مضمونه ومضمون الحياة الاجتماعيّة، لأنّ ذلك يردّنا إلى مرحلة الانعكاس التي كانت ترى ضرورة ترائي الحياة الاجتماعيّة في مرآة النصّ الذي يعكسها؛ بل تسعى البنيويّة التكوينيّة إلى رصد العلاقة بين البِنيات، وعلى رأس هذه البِنيات، بِنية النصّ الدالّة، والبنية الذهنيّة التي تعود إليها أيّ عمليّة إبداعيّة وفكريّة، نظرًا إلى الجانب الجدليّ الذي يربط بينهما. وهذا الأمر يعود إلى لوكاتش، صاحب مقولة الر وتقوم نظريّة لوكاتش على التطوّر الأدبيّ بالتطوّر الاجتماعيّ، والبنية الأدبيّة بلحظة جدل تاريخيّة، ويتراءى له أنّ ثمّة شكلاً أدبيًّا يوافق كلّ مرحلة من مراحل التاريخ الاجتماعيّ. وهو يرفض ربط مضمون الأثر الفنيّ بمصالح الطبقات الاجتماعيّة، ويبحث في جدليّة العلاقة بين البنية الشكليّة والبنية الاجتماعيّة يمكننا القول: إنّ والفكريّ في خصوصيّته بدون أن تفصله عن علائقه بالمجتمع والتاريخ، وعن جدليّة التفاعل الكامنة وراء استمرار الحياة وتجدّدها

عدد الصفحات ١٤٧

146 البنيويّة التكوينيّة (غولدمان (التاريخ العَلَمان الأكثر حضورًا في ساحة هذا المنهج هما: جورج لوكاتش والوعي الطبقيّ، دراسات في الواقعيّة الأوروبيّة، الرواية التاريخيّة، نظريّة (مقدّمات في سوسيولوجيّة الرواية، العلوم الإنسانيّة ، ولوسيان غولدمان الرواية...) .والفلسفة، الإله الخفيّ...) ثانيًا- مصطلحات : هي تحقُّق الاكتمال الشموليّ في تفسير أيّ ظاهرة باعتبارها La totalité) الكلّيّة نسقًا متكامل العناصر، أخذًا بعين الاعتبار كلّ الأنظمة، الموؤثرّة والمتأثّرة بها ٩-(بحري، ص : هي موضوع دراسة الباحث، ذات La structure significative) البنية الدلاليّة امتداد في كامل النصّ باعتبارها ر بالتحليل والتفكيك والبناء، تمنح الباحث بطابعها الشموليّ فهمًا أعمق لخلفيّة المجتمع الأيديولوجيّة والفكريّة (ص٧ : هي الكيفيّة التي يُحَسّ ويُنظَر فيها إلى واقع La vision du monde) ر معيّن، أو هي النسق الفكريّ الذي يسبق عمليّة تحقّق النتاج، ناتجة عن ضغط البنية التحتيّة بالمفهوم الماركسيّ، وتاليًا فإنّ ر تنتمي إلى مجموعة أو طبقة، وليست واقعة فرديّة (غولدمان وآخرون، ص : هو دراسة العلاقات المكوّنة للبنية الدالّة، والتقيّد La compréhension) الفهم الكامل بالنصّ من دون الخروج عليه أو تجاوزه. ومن مقتضياته أن يركّز التحليل على بِنى النصّ الداخليّة، فالفهم إذًا مرحلة سابقة على التفسير الذي يتوجّه إلى 6-خارج النصّ (صدّار، ٩٠٠٢، ص : ينهض على إدخال بنية دلاليّة في بنية أوسع تكون فيها L’explication) التفسير الأولى جزءًا من مقوّماتها، ويقتضي إنارة النصّ بعناصرَ خارجيّة بغية الوصول إلى إدراك مقوّماته. من هنا اتّصف التفسير بالشموليّة والكلّيّة، ما يجعله يمتّ إلى بنية « : هو الواقع الفعليّ المحسوس لدى الجماعة، La conscience réelle) الوعي القائم نخبةً وعامّة، وهو أقرب إلى المتوارث من الماضي الممتدّ إلى الحاضر عبر

عدد الصفحات ١٤٨

147 البنيويّة التكوينيّة (غولدمان التنميط والقوالب الجاهزة، ويشكّل النصّ إحدى أبرز وسائل الثورة عليه والعمل على تغييره، عبر تصويره والتأليب عليه بما ترسمه ر للخلاص يُعرف بالوعي الممكن. : هو الوعي الخاصّ بالنخبة من مفكّرين La conscience possible) الوعي الممكن وأدباء ومثقّفين... إذ يشكّل انقلابًا على الوعي القائم الفعليّ، وهو الأكثر ارتباطًا بالر كان سببًا في تبلوره، فهو السبيل لفهم الوعي الواقع، فالإبداع الأدبيّ وعي وتطلّع إلى مستقبل : هو ما يميّز البنيويّة التكوينيّة عن المنهج الاجتماعيّ، فيحلّ Homologie) التماثل محلّ الانعكاس الآليّ. إنّ الصلة بين الإبداع الأدبيّ والواقع الاجتماعيّ والتاريخيّ قائمة على أساس جدليّ ينهض عليه المنهج التكوينيّ (ص٧ ثالثًا- إجراءات يعتمد هذا المنهج مجموعة من الإجراءات تربط النصّ كبنية دالّة ببنيات أوسع وأكثر شموليّة. وأوّل ما يدعو إليه، وعبر مصطلح مرحلة الفهم، هو التركيز على النصّ شكلاً وأنساقًا لكشف جماليّة النص وفنيّته، لكنّ إجراء هذا التحليل الشكليّ لم يكن واضحًا لدى أصحاب المنهج أنفسهم، ما يجعلنا نرى التحليل البنيويّ الشكليّ هو أساس المرحلة الأولى، انطلاقًا من الجزء الأوّل من اسم المنهج. وهذا يقتضي دراسة النصّ من حيث البنى الشكليّة التي يتألّف منها، ورصد العلاقات بين عناصر النصّ وأنساقه؛ فالسرد، مثلاً، يجعلنا ملزمين بدراسة العناصر السرديّة التي شيّد بها الكاتبُ عالمه القصصيّ، حيث علاقة الراوي بالشخصيّات، ثمّ العلاقة بين الزمن والمكان، ثمّ الحوار بأنواعه، كبنى مستقلّة ومترابطة في آن معًا. وكذلك النصّ الشعريّ حيث رصْد البنى اللغويّة، وعناصر اللغة الشعريّة وما يجعل من النصّ كتلة بنائيّة قائمة بذاتها من حيث الشكل. وكذلك بالنسبة إلى فنون الأدب الأخرى كالمسرح والمقالة والخطبة والرسالة، كلّ نوع وما تفرضه البنية التي يقوم عليها. أمّا المرحلة الثانية الرئيسة في إجراء تطبيق المنهج، فهي ما يتعلّق بمرحلة التفسير الموؤدّية إلى الر

عدد الصفحات ١٤٩

148 البنيويّة التكوينيّة (غولدمان وهنا يقتضي المنهج أن نُخرج النصّ من عزلته الشكليّة وما تتوصّل إليه الدراسة في المرحلة الأولى، وربطه بما هو خارج النصّ، حيث العلاقة الجدليّة التي تحتّم على الباحث الكشف عن العلاقة التي تربط داخل النصّ، كبنية دالّة، بالبنية الذهنيّة التي كانت السبب في ولادة الأفكار الجمعيّة، ليصبح النصّ الأدبيّ أبرز نتاجاتها والوعاء الرئيس الذي يحوي تجلّياتها. لا يُعير هذا المنهج حياة الكاتب ووعيه المباشر أهميّة كبيرة، ولا ينفي دوره كمترجم للوعي الجمعيّ. كما لا يدعو إلى الاهتمام بشكل النصّ على حساب المضمون، والعكس صحيح. كما أنّ الربط بما هو خارج النصّ، لا يعني الربط بين مضمون النصّ ومضمون الحياة كيلا ندخل في تعسّفيّة الانعكاس الآليّ، لأنّ المقصود بالدراسة هو الر وكيفيّة تحوّله إلى موقف داخل نصّ أدبيّ. يصعب تطبيق هذا المنهج على نصّ واحد أو جزء من نصّ، بل يُفضَّل تناول أعمال الكاتب الكاملة، أو عمل واحد متكامل على الأقلّ، كرواية أو ديوان مثلاً، والأفضل تناول عملَين أو أكثر لغير كاتب. رابعًا- ميادين جميع أنواع الفنون الأدبيّة مجالٌ للدراسة بنيويًّا تكوينيًّا، وأكثر ما تجلّى ذلك في الرواية التي شغلت حيّزًا واسعًا من دراسات لوكاتش وغولدمان، بالإضافة إلى دراسة هذا الأخير مسرحيّات راسين وخواطر باسكال، مستخرجًا منها الر العائدة إلى الحركة الدينيّة المعروفة بالجانسينيّة المتمرّدة. أمّا الشعر، فكان أقلّ حضورًا في الدراسات التي اعتمدت منهج البنيويّة التكوينيّة مقارنةً بفنّ الرواية، ولكنّ هذا لا يعني انعدام ذلك، بل هناك نماذج كثيرة نعرض بعضها ضمن تطبيقيّة خامسًا- مصادر ومراجع (طالطرائق إلى نصّ القار أيّوب، نبيل (٧٩٩ المكتبة الأهليّة.

عدد الصفحات ١٥٠

149 البنيويّة التكوينيّة (غولدمان البنيويّة التكوينيّة من الأصول الفلسفيّة إلى بحري، محمّد الأمين (طالفصول المنهجيّة (طنظريّة الرواية والرواية العربيّة درّاج، فيصل (٩٩٩ الثقافيّ العربيّ. في البنيويّة التكوينيّة: دراسة في منهج لوسيان غولدمان شحيّد، جمال، (٢ (ط (ط٢)، تر. البنيويّة التكوينيّة والنقد الأدبيّ غولدمان، لوسيان وآخرون محمّد سبيلا. بيروت: موؤسّسة الأبحاث العربيّة. (طالماديّة الديالكتيكيّة وتاريخ الأدب والفلسفة 81( ______ ذكرى. بيروت: دار الحداثة ، (ط مقدّمات في سوسيولوجية الرواية 3(______ عرودكي. اللاذقيّة: دار الحوار للنشر والتوزيع صدّار، نور الدين (يوليو ٩٠٠٢ ٢- (العددعالم الفكرالعربيّة المعاصرة الفكر النقديّ الأدبيّ المعاصر: مناهج ونظريّات لَحمِداني، حميد (طومواقف (ط٢)، تر. حنّا الشاعر. بيروت: التاريخ والوعي الطبقيّ لوكاتش، جورج (٢ دار الأندلس. (ط٢)، تر. صالح جواد الكاظم. بغداد: دار الرواية التاريخيّة86( ______ الشوؤون الثقافيّة العامّة (طبلزاك والواقعية الفرنسيّة 85( ______ صفاقس: الموؤسّسة العربيّة للناشرين المتّحدين Goldmann, Lucien (1959). Le dieu caché : étude sur la vision tragique dans les Pensées de Pascal et dans le théâtre de Racine . Paris: Gallimard. - Lukács, Georg (1989). La Théorie du roman , trad. de l’allemand par Jean Clairevoye. Paris: Gallimard.

عدد الصفحات ١٥١

150 البنيويّة التكوينيّة (غولدمان سادسًا- قراءات تطبيقيّة (طالر أبو جهجه، خليل منشورات اتّحاد الكتّاب اللبنانيّين. ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب: مقاربة بنيويّة تكوينيّة بنيس، محمّد (ط٢). بيروت والدار البيضاء: دار التنوير والمركز الثقافيّ العربيّ. سوسيولوجيا الغزل العربيّ: الشعر العذريّ نموذجًا لبيب، الطاهر (٩٠٠٢). (ط (طفي معرفة النصّ العيد، يمنى الر نسر، علي (٩ (طوحيدر حيدر علي نسرإعداد: د.

عدد الصفحات ١٥٢

الخطاب الروائيّ الاجتماعيّ (باختين 151 الخطاب الروائيّ الاجتماعيّ (باختين) أوّلاً- تعريفات وم 5- لغويّ ومفكّر ومنظّر أدبيّ روسيّ Bakhtine)ميخائيل باختين أعمال فرانسوا رابليه والثقافة (٩٢٩مشكلات شعريّة دوستويفسكيمن موؤلّفاته: جماليّة الرواية ونظريّتها 65( الشعبيّة في العصر الوسيط وإبّان عصر النهضة 8( باختين هو أوّل من أطلق نظريّة الخطاب بوجوهه المختلفة؛ والخطاب، في مفهومه، ظاهرة اجتماعيّة يتّحد فيه الشكل والمضمون ضمن سياق تاريخيّ. والرواية، في مفهومه، ذات طابع جدليّ مفتوح يفرّقها عن سائر الأجناس التعبيريّة الأدبيّة (باختين، ٧ والاجتماعيّة واللغويّة والصوتيّة، ويدخل التعدّد اللسانيّ والتعدّد الصوتيّ في بنيتها، وينتظمان فيها ضمن نسق أدبيّ منسجم، وهنا يكمن تفرّد الرواية جنسًا أدبيًّا. أمّا الروائيّ فيشكّل لغة روايته من الوسط الاجتماعيّ، بكلّ تناقضاته واختلافاته، ويوظّف هذا التنوّع في عمله، مستخدمًا خطاباتٍ مأهولة بنوايا الآخرين، ويرغمها على خدمة نواياه (ص نواياه وأحكامه القيميّة (ص٢ ويشير باختين إلى أنّ المتكلّم في الرواية وكلامه يشكّلان الموضوع الرئيس الذي يخصّص جنس الرواية ويخلق أصالته الأسلوبيّة؛ وتاليًا، يشكّلان موضوع

عدد الصفحات ١٥٣

152 الخطاب الروائيّ الاجتماعيّ (باختين تشخيص لفظيّ وأدبيّ؛ فالمتكلّم هو أساسًا فرد اجتماعيّ، ويشكّل خطابه لغة اجتماعيّة، وهو بدرجات مختلفة مُنتَج إيديولوجيا وكلماته عيّنة إيديولوجيّة . واللغة الخاصّة برواية ما، تقدّم دائمًا وجهة نظر خاصّة عن العالم، Idéologème) تنزع إلى دلالة اجتماعيّة (ص٢٠ وليس بالضرورة أن يكون المتكلّم في الرواية شخصيّة، بل يمكن أن يكون مجسّدًا بأسلوب كلاميّ، أو محاكاة ساخرة أو مظهرًا من مظاهر الأجناس التعبيريّة المتخلّلة، وكلّها تكون مجسّدة على الصعيدَين الاجتماعيّ والتاريخيّ (ص ويَعُدّ باختين الشخصيّة صوتًا، ولكلّ صوت وجهة نظر يعبّر عنها، وهو يمثّل ذلك التقاطع بين الاستعمال الفرديّ للكلمات واستعمالاتها السابقة التاريخيّة؛ فالكلمات، في رأيه، مسكونة بأصوات الغير، ومحمّلة بأثر السياقات السابقة. من هنا، يعطي الاختلاف أهميّة فائقة، ويرى أنّ في الروايات إستراتيجيّات تواصُل خاصّة، تأذن أحيانًا بهدم القيم وإشاعة الاختلاف، وأحيانًا أخرى تسعى إلى البناء 5-وتتقيّد بالإلزامات (أيّوب، ويرى باختين أنّ إحدى التيمات الأكثر انتشارًا التي يوحي بها الكلام البشريّ هي نقل كلام الآخر ومناقشته، ففي جميع مجالات الحياة والإبداع الإيديولوجيّ يشتمل كلامنا بوفرة على كلمات الآخرين منقولة بدرجة من الدقّة والتحيّز بدرجات متفاوتة، وأنّ كلّ محادثة محمّلة بنقل كلام الآخرين وتأويلها، وأنّ كلام الآخرين مفهومًا في سياق، مهما بلغت دقّة نقله، فهو يتعرّض دائمًا لبعض التعديلات في المعنى، ومن خلال اللجوء إلى طرائق ملائمة في التحليل على مستوى التضمين، نستطيع التوصّل الى تحوير ملفوظ أجنبيّ تحويرًا بارزًا. وبناءً عليه، لا بدّ من تشخيص خطاب الشخصيّات للتمكّن من كشف الموقف الإيديولوجيّ للشخصيّة الروائيّة ٧٠-والعالم الإيديولوجيّ المكوّن لقاعدتها (باختين، ص لذلك، يُسهب باختين في تحليل وجود الخطاب والملفوظات داخل الرواية، والتقاط طرائق التشخيص الأدبيّ للّغات كلام المتكلّمين نقلاً أدبيًّا إلى خطاب الرواية، لأنّ صورة كلامهم هي التي تميّز العمل الروائيّ (ص تميّزه، وتميّز الفئة المجتمعيّة التي تميّزه، وأنّ لغات عديدة تتعايش ممثّلةً فئاتٍ

عدد الصفحات ١٥٤

153 الخطاب الروائيّ الاجتماعيّ (باختين اجتماعيّة مختلفة في وقت واحد، فتكون كلّ لغة في كلّ فترة من فترات وجودها ٢-التاريخيّ منوَّعة تمامًا (ص وعليه، تسعى القراءة الاجتماعيّة، وَفق باختين، إلى إظهار التنوّع الكلاميّ والاجتماعيّ المنظَّم فنيًّا، والمتباين الأصوات، من خلال دراسة الظواهر الكلاميّة والأسلوبيّة والموضوعات المختلفة المتكرّرة على ألسنة الشخصيّات، وطرائق تعبيرها الخاصّة بمجموعة اجتماعيّة محدّدة، لها علاقة بمهنة ما أو جنس أدبيّ معيّن، أو سنّ محدّدة، أو ترتبط بمذاهب فلسفيّة وفكريّة عديدة. وتسعى هذه القراءة إلى تحليل سيرورة تشخيص الخطاب داخل الخطاب الروائيّ تشخيصًا لغويًّا، على أنّه أساس تشخيص لخطاب الآخر، اعتمادًا على المحاكاة الساخرة والمحكيّ المباشر وخطابات الكاتب والشخصيّات، والأجناس التعبيريّة المتخلّلة، كونها، جميعها، تجعل خطاب الآخرين حاضرًا بقوّة، وتفيد في امتصاص تعبير الكاتب عن نواياه وجعله تعبيرًا غير مباشر، وتحوّل الرواية إلى خطاب ثنائيّ الصوت، غالبًا ما يكون ذا صيغة حوار داخليّ يُضفي عليها الخصوصيّة (ص٧ من هنا، يقول باختين بضرورة مقاربة الرواية مقاربة أسلوبيّة، ويميّز أسلوبيّة الرواية التي يوؤسّس لها من الأسلوبيّة التقليديّة، ويميّز الخطاب الشعريّ من الخطاب الروائيّ، ويجعل التشخيص الأدبيّ للّغات وصورة اللغة أساسًا في مقاربته الأسلوبيّة الروائيّة. ثانيًا- مصطلحات : أشكال تعبيريّة متنوّعة (أشعار، Genres intercalaires) الأجناس المتخلّلة موشّحات، اعترافات، أقوال مأثورة، أغانٍ شعبيّة، خطابات غير أدبيّة كالخطابات الطبيّة والقانونيّة...) تتخلّل السياق الروائيّ بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، يدرجها الموؤلّف بوساطة الراوي، أو إحدى شخصيّات الرواية لتحقيق أهداف معيّنة. : تحدُّث الكاتب الروائيّ عن نفسه في لغة الآخرين، Réfraction) الانكسار والتحدُّث عن الآخرين من خلال لغته الخاصّة به. ومن ثَمّ، فإنّ الروائيّ يلجأ إلى عدّة وسائل لتكسير لغته أو حرْفها حتّى لا تبدو أُحاديّة أو مباشرة، وتاليًا، فإنّ التعدّد اللغويّ والشكليّ يحقّق انكسار نوايا الروائيّ، كما يضمن ثنائيّة الصوت للنصّ الروائيّ (ص٩٢).

عدد الصفحات ١٥٥

154 الخطاب الروائيّ الاجتماعيّ (باختين : مزْج لغتَين اجتماعيّتَين داخل ملفوظ واحد، والتقاء Hybridisation) التهجين وعيَين لغويَّين مفصولَين بحقبة زمنيّة، وبفارق اجتماعيّ، أو بهما معًا، داخل ساحة ذلك الملفوظ، ولا بدّ أن يكون قصديًّا (ص : وَحدة تحليل لدراسة اللغة على أساس سمات المقولات Chronotope) الزمكانيّة الزمانيّة والمكانيّة الممثّلة في تلك اللغة، والارتباط الجوهريّ بين العلاقات المكانيّة والزمانيّة في الأدب؛ فالزمان والمكان متداخلان ويوؤخذان معًا بوصفهما رحمًا حاضنة للّغة أو إطارًا ضابطًا لها. استلهم باختين الكرونوتوب من نظريّة النسبيّة لأينشتاين، ما أتاح له وسيلة تأريخ الرواية، والتنظير لها، وتصنيف أنواع مختلفة منها (ليشته، : الرواية هي التعدّد الاجتماعيّ للّغات، وأحيانًا للألسن Dialogisme) الحواريّة والأصوات الفرديّة، وهو تعدّد منظَّم أدبيًّا. وما يجري على لسان متكلّم، ما هو إلاّ صدى تعابير سابقة نطق بها كثيرون قبله؛ فالكلمات مسكونة بأصوات الغير. (أيّوب، صPolyphonie)وهذا ما يُعرف أيضًا بتعدّد الأصوات أو التعدّديّة وقد عالج باختين هذه القضيّة في موؤلَّفه عن دوستويفسكي. : للضحك الكرنفاليّ / المهرجانيّ وظيفة نقديّة؛ فهو Carnavalesque) الكرنفاليّة يفضح ازدواجيّة القيم، والجمع بين قيمتَين متعارضتَين. وهذا الضحك الكرنفاليّ يرسّخ حياة الجسد، وينشر ثقافة الشهوانيّة، والماديّة، ضدّ المثاليّة، وينفي الثقافة الرسميّة من طريق التهريج والسخرية والبهلوانيّة؛ لذلك، لا تُفصَل النظريّة الكرنفاليّة عن السياق الاجتماعيّ (ص موؤلَّفه عن رابليه. ثالثًا- إجراءات تُدرَس أسلوبيّة الرواية، وَفق باختين، كما يلي: أ. تقسيم النصّ الروائيّ إلى مقاطع نصّية وملفوظات لسانيّة وشواهد تطبيقيّة، بغية استخلاص تجلّيات البوليفونيّة الحَدَثيّة والفضائيّة والشخوصيّة واللغويّة والأسلوبيّة والتناصّية والسرديّة من جهة، واستجلاء التعدّديّة الفكريّة والإيديولوجيّة من جهة أخرى. وقبل البدء بالتشخيص الأدبيّ لخطاب الآخر، يُفترض تلمُّس معنى

عدد الصفحات ١٥٦

155 الخطاب الروائيّ الاجتماعيّ (باختين المتكلّم وما يقوله في مجالات خارج أدبيّة متّصلة بالحياة والإيديولوجيا. ب. ثمّة ثلاث طرائق لتشييد صورة اللغة في الرواية: 1 ٢. التهجين: وقد سبق التعريف به ضمن المصطلحات 3 وصيغ هذه التعالق هي : قيام وعي لسانيّ معاصر بأسلبة مادّة لغويّة أجنبيّة عنه، Stylisation) الأسلبة يتحدّث من خلالها عن موضوعه؛ فاللغة المعاصرة تلقي ضوءًا خالصًا على اللغة موضوع الأسلبة، فتستخلص منها بعض العناصر وتترك بعضها الآخر في الظلّ. : نوع من الأسلبة، يتميّز بأنّ الموؤسلِب يُدخل على المادّة الأوليّة Variation) التنويع للّغة، موضوع الأسلبة، مادّته الأجنبيّة المعاصرة (كلمة، صيغة، جملة...) متوخّيًا أن يختبر اللغة الموؤسلبة بإدراجها ضمن مواقف جديدة مستحيلة بالنسبة إليها. : نوع أساسيّ من الأسلبة يقوم على عدم توافق نوايا Parodie) المحاكاة الساخرة اللغة المشخِّصة مع مقاصد اللغة المشخَّصة، فتقاوم اللغة الثانية وتحاول فضحها وتحطيمها (ص ج. إنّ الرواية ظاهرة متعدّدة الأسلوب واللسان والصوت، يعثر فيها المحلّل على بعض الوحدات الأسلوبيّة اللامتجانسة التي توجد أحيانًا على مستويات لسانيّة مختلفة (ص لمختلف أجزاء الكلّ الروائيّ هي: 1 ٢. أسلبة مختلف أشكال السرد الشفويّ 3 4 الأدبيّ (الكتابات الفلسفيّة والأخلاقيّة 5

عدد الصفحات ١٥٧

156 الخطاب الروائيّ الاجتماعيّ (باختين هذه الوحدات الأسلوبيّة اللامتجانسة تتمازج في الرواية، لتكوّن نسقًا أدبيًّا منسجمًا، وتخضع لوحدة أسلوبيّة عُليا تتحكّم فيها. ولا نستطيع أن نطابق بينها وبين أيّ وَحدة من الوحدات التابعة لها؛ فأسلوب الرواية هو تجميع للأساليب المختلفة، وكلّ عنصر من عناصر لغة الرواية يتحدّد مباشرة بالوحدات الأسلوبيّة التي يندمج فيها مباشرة: خطاب الشخصيّة المفرّد أسلوبيًّا، المحكي المألوف للسارد، رسائل... هذه الوحدة التي تحدّد المظهر اللسانيّ، والأسلوبيّ (القاموسيّ، والدلاليّ، والتركيبيّ) للعنصر المعطى الذي يشارك، في الوقت نفسه الذي تشارك فيه وحدته الأسلوبيّة الأقرب إليه، في أسلوب الكلّ، ويصبح جزءًا من البنية ومن الكشف عن الدلالة ٩-الوحيدة لذلك الكلّ (ص د. تجميع اللغات والأساليب التي تكوّن وَحدة عليا، تحليل الحوار الاجتماعيّ النوعيّ للغات الرواية، وتحليلها الأسلوبيّ يتّجه نحو مجموع الرواية. رابعًا- ميادين تصلح نظريّة باختين في الرواية، ويصلح منهجه النقديّ لمقاربة الأعمال الملحميّة والروائيّة، ودراسة الثقافة الشعبيّة. خامسًا- مصادر ومراجع نصّ القار أيّوب، نبيل (ط (طالخطاب الروائيّ باختين، ميخائيل (٧ الفكر للدراسات والنشر والتوزيع. (طمختارات من أعمال باختين8( ______ المركز القوميّ للترجمة (ط٢)، تر. فخري ميخائيل باختين: المبدأ الحواريّ تودوروف، تزفيتان صالح. بيروت: الموؤسّسة العربيّة للدارسات والنشر. (طالكرنفال في الثقافة الشعبيّة ستوري، جون وآخرون (٧ حامد. ميلانو: منشورات المتوسّط.

عدد الصفحات ١٥٨

157 الخطاب الروائيّ الاجتماعيّ (باختين خمسون مفكّرًا أساسيًّا معاصرًا من البنيويّة إلى ما بعد ليشته، جون (طالحداثة سادسًا- قراءات تطبيقيّة (ط شعريّة دوستويفسكي باختين، ميخائيل التكريتي. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر. أعمال فرنسوا رابليه والثقافة الشعبيّة في العصر الوسيط وإبّان 15( ______ (طعصر النهضة (طالنظريّة الجماليّة: الم (٧______ تر. عقبة زيدان. دمشق: دار نينوى مهى جرجور ود. علي ناصر الدينإعداد: د.

عدد الصفحات ١٥٩

158 علم اجتماع النصّ الأدبيّ (زيما علم اجتماع النصّ الأدبيّ (زيما) أوّلاً- التعريف وأهمّ الم ناقدٌ تشيكيّ، وُلد في براغ Pierre Zima)بيار زيما أسسَ نظريّةٍ سيميائيّة Manuel de Sociocritique) دليل النقد الاجتماعيّوضع في اجتماعيّة للنصّ الأدبيّ. وفيها ينقد المناهج الاجتماعيّة والتحليليّة النفسيّة التقليديّة التي يرى أنّها تتّسم بمشكلة منهجيّة مشتركة تتمثّل في كونها تتّجه إلى المحتوى، وتميل إلى إهمال البنى اللغويّة للنصوص. لا يتخلّى زيما عمّا قدّمه غولدمان ، بل يقدّم مشكلة على مستوى اللغة، ذات مظاهر سرديّة ودلاليّة. Goldmann) ويوضح زيما أنّه يمكن الجمع بين المدخل الاجتماعيّ ومدخل التحليل النفسيّ في إطار نظريّته؛ فبدلاً من طرح أسئلة تخصّ المعنى الرمزيّ الخفيّ للأبطال والبحث في النصّ عن رموز جنسيّة أموميّة أو أبويّة، وبدلاً من عقد علاقات تشابُه بين الشخصيّات والأشياء، وبعض المفاهيم التحليليّة النفسيّة مثل الكبت والنكوص أو عُقدة أوديب، يطرح مشكلة الوظيفة النفسيّة الاجتماعيّة للبنى اللغويّة التي يستوعبها النصّ الأدبيّ. يودّ زيما أن يفتح منظورًا يتّخذ فيه شكلٌ معيّن للّغة (لهجة جماعيّة ما) معنًى خاصًّا بالنسبة إلى نفسيّة الكاتب وبعض أعضاء جماعته. والمقصود هنا إحلال مدخل وظيفيّ يستهدف العمليّات اللغويّة بدلاً من المدخل الرمزيّ المحكوم بالتشابه. أيّ وظيفة نفسيّة توؤدّيها كتابة الكاتب؟ بدلاً من البحث عمّا ترمز إليه 4-الشخصيّة (زيما،

عدد الصفحات ١٦٠

159 علم اجتماع النصّ الأدبيّ (زيما وتاليًا، تتجاوز هذه النظريّة المباحث الموضوعاتيّة الصرفة، وتفيد من بعض المفاهيم ولاسيّما Le Carnaval) الكرنفاليّMikhaïl Bakhtine)السيميائيّة، ومن مفهوم باختين من الفكرة القائلة إنّه في الرواية المتعدّدة الأصوات، يمكن أن يصبح كلّ خطاب مادّة لخطاب آخر (ساخر، نقديّ، هزليّ)، وأنّه بإمكانه هو نفسه أن يصبح خطابًا شارحًا. كما أفاد من مقولة باختين بأنّ اللغات هي مفاهيم للعالم يخترقها نظام التقييم الذي لا ينفصل عن الممارسة الجارية وصراع الطبقات، ولهذا، يقع كلّ مفهوم، وكلّ وجهة نظر، وكلّ تقييم، في نقطة تقاطع الحدود اللغويّة المفاهيميّة للعالم، ضمن صراع . ويقدّم، إضافةً إلى ذلك، أزمة القيم Zima, 2000, p.131-134)إيديولوجيّ محتدم على أنّها ظاهرة لغويّة، ويشير إلى أنّ التحليل اللغويّ لمسألة القيم يسمح، ومن خلال دراسة النصّ الأدبيّ أو غيره، بالتسا الأزمة على المستويَين الدلاليّ والتركيبيّ (زيما، ص تُثري النقد الاجتماعيّ وتجدّده، Greimas)ويرى زيما أنّ سيميائيّة غريماس كونها تقدّم إلى علماء الاجتماع مفاهيمَ تسمح بوصف العلاقات بين الأدب والمجتمع، ويرى أنّ التحليل العامليّ يشرح بنية النصّ السرديّة كونها ترتبط ارتباطًا .Zima, p. 186)وثيقًا بالتحليل الدلاليّ وعليه: يبحث زيما في الوظيفة التي توؤدّيها البنى السرديّة في كتابات الروائيّين، كونها تحاكي الواقع وتعيد إنتاجه، وتتماثل أحيانًا معه، بشكل ضمنيّ أو صريح. ويسعى إلى شرحها في سياقها الاجتماعيّ، وإلى إظهار أبعادها الاجتماعيّة، كون المفهوم الإيديولوجيّ يكتسب بُعدًا جديدًا حين يُعاد صوغه في سياق سيميائيّ، ويوضع في علاقة بمفاهيم الخطاب ولغات جماعاتٍ ما (السوسيوليكت). يبيّن كيف تلتقي اللغات الجماعيّة داخل العمل الروائيّ، وكيف تعمل على المستويات: المعجميّة والدلاليّة التركيبيّة والسرديّة، سواء أكانت متصارعة أم متضامنة إلى حدّ ما. يبيّن العلاقة بين عدم قدرة الفرد على الاندماج في المجتمع والتركيب السرديّ، ويبحث في مدى ترابط الخطابَين السرديّ والاجتماعيّ في التعبير عن ر الروائيّين إلى العالم.

عدد الصفحات ١٦١