49 ولقد كان أكثم من الأذكٌاء الفطناء, فلما سمع هذه الآٌة الكرٌمة أشرق قلبه بؤنوار ح ك م ها, واستضاء عقله بمجامع خٌرها, وما فٌها من مجامع المحاسن والمكارم التً انطوت فٌها, فؤسلم وأسلم قومه , فكان ممن قال فٌهم سبحانه فً آخر الآٌة وقد ذكرت جملة من الذٌن أسلموا لما سمعوا هذه الآٌة الكرٌمة , ذكرت ذلك فً كتاب ( هدي القرآن الكرٌم إلى الحجة والبرهان ) كما أ ن ً تكلمت حول هذه الآٌة الكرٌمة كلبماً مفصلبً فً ذلك الكتاب فارجع إلٌه ٌنفعك الله تعالى به . فهذه الوجوه التً ذكرتها هً بعض وجوه الحكم فً تلبوته صلى الله علٌه وعلى آله وسلم آٌات القرآن على الناس, كما أخبرنا الله تعالى بقوله فً الآٌة المتقدمة وهً أنفسهم ٌتلوا علٌهم آٌاته وٌزكٌهم وٌعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفً ضلبل مبٌن وقال تعالى {: وٌعلمكم الكتاب والحكمة وٌعلمكم ما لم تكونوا تعلمون . فاذكرونً أذكركم واشكروا لً ولا تكفرون وفً هذا بٌان منته الكبرى سبحانه وتعالى , ونعمته العظمى على العالم. والكلبم على هذه الآٌة الكرٌمة واسع جداً , ٌحتاج إلى مصنؾ كبٌر خاص بها . والآن أعود إلى بٌان بعض الأسباب الموجبة لمحبة النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم فوق كل محبوب؛ من خلق الله تعالى أجمعٌن فأقول عطفا على ما تقدم : وكٌؾ لا ٌكون سٌدنا رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم أحب خلق الله تعالى إلى الإنسان وقد قال الله تعالى فٌه عزٌز علٌه ما عنتم حرٌص علٌكم بالمإمنٌن رإوؾ رحٌم
عدد الصفحات ٤٩51 لقد جاءكم رسول من أنفسكم , معلوم بنسبه وحسبه, وصفته وصدقه وأمانته وعف ته ونزاهته, وذكابه وفطانته , ما جربتم علٌه إلا الصدق والأمانة صلى الله علٌه وعلى آله وسلم . كما قال سٌدنا جعفر بن أبً طالب رضً الله عنه لما دخل على النجاشً ملك الحبشة قال له : ( إن الله تعالى بعث فٌنا رسولاً منا , نعرؾ نسبه وصفته , ومدخله ومخرجه , وصدقه وأمانته ) إلى تمام الحدٌث. { ٌقال فً اللؽة : عز علٌه الأمر أي: صعب علٌه وشق . كما قٌل : ٌا م نْ ٌعز علٌنا أن نفارقهم وجداننا كل شًء بعدكم عدم والع ن ت هو : ما ٌكرهه الإنسان وٌشق علٌه . والمعنى :أ ن ه صلى الله علٌه وعلى آله وسلم ٌعز علٌه – أي: ٌصعب علٌه – الشًء الذي ٌ عنت أمته , وٌشق علٌها , ولذا جاء صلى الله علٌه وعلى آله وسلم بما فٌه صلبحهم ونجاحهم , وجاء بكل ما فٌه الخٌر لهم فً الدنٌا والآخرة , وبما فٌه سعادة الدنٌا والآخرة . قوله تعالى والمعنى أ ن ه صلى الله علٌه وعلى آله وسلم حرٌص على هداٌته للناس , وإٌمانهم بما جاء به , وهو حرٌص صلى الله علٌه وعلى آله وسلم على أن ٌوصل إلٌهم كل خٌر فً دنٌاهم وآخرتهم , وعلى أ نْ ٌ باعدهم عما هو شر لهم فً دنٌاهم وآخرتهم ؛ ولذلك كان صلى الله علٌه وعلى آله وسلم ٌحزن إذا دعا أ ناساً فلم ٌستجٌبوا للئٌمان بعد ما ٌ ب ٌ ن لهم , وٌؤتٌهم بالبٌنات, فكانت الآٌات الكرٌمة تنزل علٌه ل ت س لٌه , وتذهب عنه حزنه : قال الله تعالى ضٌق مما ٌمكرون
عدد الصفحات ٥٠51 وقال الله تعالى عمله فرآه حسناً فإن الله ٌضل من ٌشاء وٌهدي من ٌشاء فلب تذهب نفسك علٌهم حسرات إن الله علٌم بما ٌصنعون وقال تعالى إن نشؤ ننزل علٌهم من السماء آٌة فظلت أعناقهم لها خاضعٌن وقال تعالى نفسك على آثارهم إن لم ٌإمنوا بهذا الحدٌث أسفاً وقال تعالى وقد جاءت آٌات كثٌرة بهذا المعنى , وهذا كله ٌدل على حرصه الشدٌد صلى الله علٌه وعلى آله وسلم على هداٌة العالم وإٌمانهم, لٌخرجهم من الظلمات إلى النور , ومن الشقاء إلى السعادة الأبدٌة . وقد ض رب مثلبً لشدة حرصه صلى الله علٌه وعلى آله وسلم على هداٌة الناس , وإٌمانهم بما جاءهم به, لٌنقذهم من عذاب الله تعالى : فقال: كما جاء عن أبً موسى الأشعري رضً الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم مثلً ومثل ما بعثنً الله به كمثل رجل أتى قومه فقال: إنً رأٌت الجٌش بعٌنً , وأنا النذٌر الع رٌان ؛ فالنجاء64 النجاء قال صلى الله علٌه وعلى آله وسلم وانطلقوا على مهلهم فنجوا, وكذبت طابفة منهم فؤصبحوا مكانهم ف ص ب حهم الجٌش فؤهلكهم واجتاحهم 65. 64 والمعنى : أنه قال لهم : إنً رأٌت جٌش أعدابكم م توجهاً إلٌكم, ٌرٌد أن ٌباؼتكم صباحاً , فؤنا لكم النذٌر العرٌان , فانجوا بؤنفسكم , وانطلقوا على مهلكم ؛ والنذٌر العرٌان أصله أن الرجل إذا أراد إنذار قومه وإعلبمهم بما ٌ وجب المخافة من عدوهم نزع رداءه عن ظهره , وأشار به إلٌهم ؛ إذا كان بعٌداً منهم , لٌخبرهم بما ٌباؼتهم وٌداهمهم ؛ لٌؤخذوا حذرهم . 65 أي: استؤصلهم
عدد الصفحات ٥١52 فذلك مثل من أطاعنً واتبع ما جبت به , ومثل من عصانً وكذب بما جبت به من الحق66. وإنما كان صلى الله علٌه وعلى آله وسلم حرٌصاً على هداٌة الناس , وإٌمانهم بما جاءهم به, واتباعهم له, ذلك لأنه صلى الله علٌه وعلى آله وسلم جاءهم بما فٌه سعادة الدنٌا وسعادة الآخرة, وبما فٌه خٌر الدنٌا وخٌر الآخرة , وبما فٌه نجاح الدنٌا ونجاح الآخرة , كما ٌ د ل ك على ذلك الحدٌث الآتً : روى الإمام أحمد رضً الله عنه , عن ابن عباس رضً الله عنهمان رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , أتاه ملكان فٌما ٌ رى النابم , فقعد أحدهما عند رجلٌه والآخر عند رأسه الشرٌؾ صلى الله علٌه وعلى آله وسلم . فقال الذي عند رجلٌه للذي عند رأسه : اضرب مثل هذا ومثل أمته . فقال: إن مثله ومثل أمته كمثل قوم س فر – مسافرٌن- انتهوا إلى رأس مفازة 67, ولم ٌكن معهم من الزاد ما ٌقطعون به المفازة , ولا ما ٌرجعون به , فبٌنما هم كذلك إذ أتاهم رجل فً ح ل ة ح برة – أي: حسن الثٌاب والسمت – فقال لهم: أرأٌتم إنْ و ردت بكم رٌاضاً م عْ شبة , وحٌاضاً رواءً تتبعوننً ؟ فقالوا : نعم . قال: فانطلق معهم , فؤوردهم رٌاضاً معشبة , وحٌاضاً رواءً , فؤكلوا وشربوا وسمنوا – أي: فؤخرجهم من تلك المجاعة والعطش الذي كانوا فٌه-. فقال لهم: ألم أ لفكم – أي: ألقكم – على تلك الحال فجعلتم إلً إن مررت بكم رٌاضاً معشبة وحٌاضاً أن تتبعونً ؟ 66 كذا فً (التٌسٌر 67 المفازة فً الأصل : هً الصحراء الدوٌة المهلكةلمن انقطع فٌها, ثم أطلق علٌها المفازة تفاإلاً بسلبمة سالكها.
عدد الصفحات ٥٢53 فقالوا : بلى فقال: إن بٌن أٌدٌكم رٌاضاً هً أعشب من هذه , وحٌاضاً هً أروى من هذه فاتبعونً . فقالت طابفة : صدق والله لنتبعن ه , وقالت طابفة : قد ر ضٌنا بهذا نقٌم علٌه فلٌعلم العاقل أ ن سٌدنا رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم جاء بما فٌه سعادة الدنٌا وسعادة الآخرة , وب ٌ ن كل ما ٌقرب من الجنة , وكل ما ٌباعد من النار, وبٌن جمٌع ما فٌه خٌر الدنٌا والآخرة . روى الطبرانً بإسناد رجاله رجال الصحٌح , عن أبً الدرداء رضً الله عنه قال : ( لقد ت ر كنا رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , وما فً السماء طابر ٌطٌر بجناحٌه إلا ذكر لنا منه علماً ). قال: وقال النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم الجنة , وٌباعد من النار إلا وقد ب ٌ ن لكم علٌه وعلى آله وسلم بٌاناً واضحاً -. وروى الإمام أحمد عن أبً ذر رضً الله عنه قال : ( لقد ت ر ك نا رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , وما ٌحرك طابر جناحٌه فً السماء إلا ذكر لنا منه علماً ). وفً هذا دلٌل على أنه صلى الله علٌه وعلى آله وسلم ذكر لهم جمٌع العوالم العلوٌة والسفلٌة , والمربٌة والؽٌبٌة , حتى ذكر لهم عالم الطٌر, وذكر لهم منه علماً, فهل ٌتصور العاقل بعد ذلك أن ٌكون رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم قد أهمل بٌان ناحٌة إصلبحٌة من نواحً المصالح البشرٌة , وترك ذكرها !؟.. بل الحق الذي لا رٌب فٌه أنه صلى الله علٌه وعلى آله وسلم ب ٌ ن جمٌع النواحً الإصلبحٌة, وطرق السعادات البشرٌة فً دنٌاها وآخرتها , على أكمل الوجوه – ٌعلم ذلك كل من عقل وتبص ر , وتفكر فٌما جاء به صلى الله علٌه وعلى آله وسلم .
عدد الصفحات ٥٣54 قوله تعالى وسلم تسلٌماً كثٌراً دابماً أبداً. الرأفة : هً دفع ما فٌه عذاب , أو إٌلبم , أو شدة, أو مشقة. قال الله تعالى تؤخذكم بهما رأفة فً دٌن الله إن كنتم تإمنون بالله والٌوم الآخر ولٌشهد عذابهما طابفة من المإمنٌن فنهى سبحانه عن الرأفة بهما وذلك بؤن ٌدفع عنهما العذاب بالجلد , والإٌلبم به, فجًء بذكر الرأفة ؛ وإن ما نهى سبحانه عن الرأفة بهما لأنهما لٌسا موضع الرأفة , فإن فً ج لدهما إصلبحهما ؛ وإصلبح المجتمع العام ...إلخ, وتفصٌل الكلبم على ذلك لٌس موضعه هنا. وأما الرحمة : فهً إٌصال الخٌر والنفع والبر , وكثٌراً ما ٌ قرن بٌن ذكرهما, وكثٌراً ما ٌقدم ذكر الرأفة على ذكر الرحمة – من باب التخلٌة ثم التحلٌة . فهو صلى الله علٌه وعلى آله وسلم بالمإمنٌن رإوؾ رحٌم , له رأفة خاصة, ورحمة خاصة بالمإمنٌن فوق رحمته العامة للعالمٌن التً قال الله تعالى فٌهامٌن فهو صلى الله علٌه وعلى آله وسلم رحمة عامة للعالمٌن كلهم: مإمنهم وكافرهم, وبر هم وفاجرهم, وإنسهم وجنهم, وسابر العالمٌن – كما بٌ نت ذلك فً كتاب : (سٌدنا محمد رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم شمابله الحمٌدة, خصابله المجٌدة ) فارجع إلٌه تجد الأدلة على ذلك . فهو نبً الرحمة , وهو رسول الرحمة, صلى الله علٌه وعلى آله وسلم . روى مسلم عن أبً موسى رضً الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم ٌ س م ً لنا نفسه أسماء فقال والمقف ى – أي: خاتم الأنبٌاء – والحاشر , ونبً التوبة, ونبً الرحمة
عدد الصفحات ٥٤55 وروى مسلم عن أبً هرٌرة رضً الله عنه قال: قٌل ٌا رسول الله ادع على المشركٌن . فقالبْ عث لع اناً , وإنما ب عثت رحمة فهو صلى الله علٌه وعلى آله وسلم الرحمة المهداة , التً أهداها الله تعالى للعالم أجمع. وروى الطبرانً والبٌهقً عن أبً هرٌرة رضً الله عنه , أ ن النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم قال وفً رواٌة للطبرانًعثت رحمة مهداة فهو صلى الله علٌه وعلى آله وسلم بالمإمنٌن رإوؾ رحٌم , ٌدفع المشاق والمكاره عنهم فً الدنٌا والآخرة , وٌجلب لهم أنواع الخٌر والبر فً الدنٌا والآخرة . ومن رأفته صلى الله علٌه وعلى آله وسلم ورحمته بالمإمنٌن أنه كان ٌكثر الدعاء لهم؛ بدفع السوء عنهم فً الدنٌا والآخرة , وأن ٌكرمهم الله تعالى فً الدنٌا والآخرة , كما جاء فً الأحادٌث التالٌة : عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضً الله عنهما قال: ( تلب رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم تبعنً فإنه منً ومن عصانً فإنك ؼفور رحٌم وتلب قوله تعالى الحكٌم فرفع ٌدٌه وقالهم أمتً أمتً أمتً وسلم . فقال الله عز وجل– وربك أعلم – فاسؤله ما ٌبكٌه فؤتاه جبرٌل فسؤله بما قال – وهو أعلم-.
عدد الصفحات ٥٥56 فقال الله تعالىا سن رضٌك فً أمتك ولا نسوإكمسلم كما فً ( التٌسٌر). وأخرج البزار والطبرانً بإسناد حسن , عن أمٌر المإمنٌن علً رضً الله عنه , أن رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم قال حتى ٌنادٌنً ربً تبارك وتعالى فٌقول : أقد رضٌت ٌا محمد ؟ فؤقول : أيْ رب رضٌت فهو نبً الرحمة صلى الله علٌه وعلى آله وسلم . روى الترمذي وابن ماجه عن عثمان بن حنٌؾ رضً الله عنه , أن رجلبً ضرٌراً أتى النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم فقال : ادع الله تعالى أن ٌ عافٌنً . فقال شبت دعوت لك , وإن شبت صبرت فهو خٌر لك قال : فادع ه . فؤمره أن ٌتوضؤ فٌحسن وضوءه وٌدعو بهذا الدعاء : [ وعلى آله وسلم ٌا محمد إنً توجهت بك إلى ربً فً حاجتً هذه لتقضى لً, اللهم فشف عه فً ] وفً رواٌة النسابً وفً رواٌة النسابًؤ ثم ص ل ركعتٌن ثم قل: اللهم الحدٌث . فهو صلى الله علٌه وعلى آله وسلم نبً الرحمة . أخرج مسلم عن ثوبان رضً الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم [:ً الأرض – أي جمعها لً وضم ها إلً - فرأٌت مشارقها ومؽاربها , وإن م لك أمتً سٌبلػ ما ز وي لً منها , وأعطٌت الكنزٌن : الأحمر والأبٌض , وإنً سؤلت ربً لأمتً أن لا
عدد الصفحات ٥٦57 ٌهلكهم بس نة عام ة – أي: قحط عام ٌعم الكل -, ولا ٌسل ط علٌهم عدواً من سوى أنفسهم فٌستبٌح ب ٌْ ضتهم – فؤعطانً68 كما فً( الخصابص الكبرى). وقد أكرم الله تعالى المإمنٌن برسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم بؤنواع من الإكرام , وذلك لكرامته صلى الله علٌه وعلى آله وسلم على الله تعالى , كما قال صلى الله علٌه وعلى آله وسلم والآخرٌن على الله تعالى ولا فخر ومن ذلك إكرام المإمنٌن به صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , وأ ن ه سبحانه لا ٌ خزٌهم ٌوم القٌامة , وقد أعلن الله تعالى ذلك فقال توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن ٌكفر عنكم سٌباتكم وٌدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ٌوم لا ٌخزي الله النبً والذٌن آمنوا معه – أي: لا ٌخزٌهم – {ٌسعى بٌن أٌدٌهم وبؤٌمانهم ٌقولون ربنا أتمم لنا نورنا واؼفر لنا إنك على كل شًء قدٌر قال الحافظ السٌوطً فً (الخصابص الكبرى): أخرج أحمد وأبو بكر الشافعً فً الؽٌلبنٌات , وأبو نعٌم , وابن عساكر : عن حذٌفة بن الٌمان رضً الله عنه قال: سجد رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم ٌوماً فلم ٌرفع , حتى ظننا أ ن نفسه قد ق بضت فٌها, فلما رفع قال صلى الله علٌه وعلى آله وسلم ربً استشارنً – أي: خٌ ر نً- فً أمتً ماذا ٌفعل بهم– أي: تكرٌماً له لأنهم أمته صلى الله علٌه وعلى آله وسلم . فقلت ما شبت ٌا رب , هم خلقك وعبادك . فاستشارنً الثانٌة , فقلت له ذلك , فاستشارنً الثالثة فقلت له ذلك . فقال لً : إن ً لن أ خزٌك فً أمتك . 68 قال العلبمة الزبٌدي فً (التٌسٌر): وب ٌْض ة الناس م عظمهم , واستباحتهم هً جعلهم مباحاً بؤخذهم أسراً وقتلبً , ٌتصرؾ فٌهم عدوهم كٌؾ شاء , وقال : أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي .
عدد الصفحات ٥٧58 وبشرنً أن أول من ٌدخل الجنة معً من أمتً سبعون ألفاً, مع كل ألؾ سبعون ألفاً؛ لٌس علٌهم حساب . ثم أرسل إلً : ادع ت جب , وس ل ت عط . وأعطانً أ نْ ؼ ف ر لً ما تقدم من ذنبً وما تؤخر , وأنا أمشً حٌاً صحٌحاً 69 , وشرح صدري , وإنه أعطانً أن لا ت خزى أمتً ولا ت ؽلب, وإن ه أعطانً الكوثر نهراً فً الجنة , ٌسٌل فً حوضً , وإن ه أعطانً القوة والنصر, والرعب ٌسعى بٌن ٌدي شهراً , وإن ه أعطانً أ ن ً أول الأنبٌاء دخولاً الجنة , وطٌ ب – أي: أحل – لأمتً الؽنٌمة , وأحل كثٌراً مما شد د على من قبلنا , ولم ٌجعل علٌنا فً الدٌن من حرج – فلم أجد لً شكراً إلا هذه السجدة70. وروى الإمام أحمد عن كعب بن مالك رضً الله عنه , أن رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم قالحشر الناس ٌوم القٌامة , فؤكون أنا وأمتً على تل , فٌكسونً ر بً حلةً خضراء , ثم ٌ إذن لً فؤقول ما شاء الله أن أقول – فذلك المقام المحمود71 . وقوله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم [:ٌفسره ما جاء فً الصحٌحٌن فً حدٌث الشفاعة قال من محامده, وحسن الثناء علٌه , ما لم ٌفتحه على أحد قبلً وأخرج ابن جرٌر , وابن مردوٌه , عن جابر رضً الله عنه , عن النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم قال– أي: 69 المراد أعطانً ذلك فً الدنٌا قبل الآخرة , لا أ ن ه وعدنً بؤنه سٌعطٌنً ذلك فً الآخرة – كما تقدم بٌانه . 70 وقد تقدمت رواٌة الإمام أحمد فً (المسند) بلفظها , وذكر هذا الحدٌث فً (مجمع الزوابد) وقال: رواه أحمد وهو حدٌث حسن . اهـ. 71 كذا فً (الخصابص الكبرى
عدد الصفحات ٥٨59 مكان مرتفع– مشرفٌن على الخلببق , ما من الناس72 أحد إلا ود أنه منا , وما من نبً كذ به قومه إلا ونحن نشهد أ ن ه بل ػ رسالة ربه73. وروى الإمام أحمد والنسابً والبٌهقً عن أبً سعٌد الخدري رضً الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم القٌامة ومعه الرجل, والنبً ومعه الرجلبن , وأكثر من ذلك, فٌقال لهم – أي: للنبٌٌن – هل بل ؽتم ؟ فٌقولون : نعم, فٌ دعى قومهم فٌقال لهم : هل بل ؽوكم ؟ فٌقولون: لا74 . فٌقال للنبٌٌن : منْ ٌشهد لكم أنكم بل ؽتم . فٌقولون : أمة محمد صلى الله علٌه وعلى آله وسلم . فتدعى أمة محمد صلى الله علٌه وعلى آله وسلم فٌشهدون أنهم – أي: الأنبٌاء- قد بل ؽوا . فٌقال : وما علمكم أنهم قد بل ؽوا ؟ فٌقولون : جاء نبٌنا بكتاب رب نا , أخبرنا أنهم قد بل ؽوا75 فصدقناه . فٌقال: صدقتم , فذلك قوله تعالى شهداء على الناس وٌكون الرسول علٌكم شهٌداً76. وروى البخاري وأصحاب (السنن) والإمام أحمد – واللفظ له -: عن أبً سعٌد الخدري رضً الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلمدعى نوح ٌوم القٌامة , فٌقال له : هل بل ؽت؟ فٌقول : نعم. 72 أي: الأمم قبلنا 73 كما فً (الخصابص 74 هإلاء هم المنكرون الكفرة من قومهم 75 وفً رواٌة أحمد نبٌنا عن كتاب ربنا أنهم قد بلؽوا ؛ فلب تنافً بٌن الرواٌتٌن . 76 انظر (الخصابص الكبرى
عدد الصفحات ٥٩61 فٌدعى قومه فٌقال لهم : هل بل ؽكم ؟ فٌقولون : ما أتانا من نذٌر, وما أتانا من أحد . فٌقال لنوح : م نْ ٌشهد لك ؟ فٌقول : محمد وأمته صلى الله علٌه وعلى آله وسلم قال وكذلك جعلناكم أمة وسطا ً قال– فتدعون فتشهدون له بالبلبغ , ثم أشهد علٌكم والمعنى أنه صلى الله علٌه وعلى آله وسلم هو ٌ زك ً أمته , المت ب عٌن له , وٌ ع د لهم , وٌشهد لهم بالثقة والعدالة . فلما اد عى نوح علٌه السلبم والنبٌون أ ن هم قد بل ؽوا , طولبوا بالبٌ نة – وهً: الشهود – على دعواهم التبلٌػ , فجًء بؤمة سٌدنا محمد صلى الله علٌه وعلى آله وسلم فشهدوا لهم بالتبلٌػ . فقٌل : من ٌ زكٌكم وٌ ع د لكم . فقالوا : ٌ زك ٌنا وٌشهد لنا بالعدالة سٌد العالمٌن , وأكرم الأولٌن والآخرٌن على الله تعالى رب العالمٌن , ألا وهو الحبٌب الأعظم سٌدنا محمد صلى الله علٌه وعلى آله وسلم تسلٌماً – فشهد لهم بالعدالة وزك اهم . وهذا معنى قوله تعالى وإنما جًء بكلمة لتضم ن شهادته صلى الله علٌه وعلى آله وسلم معنى الحكم . وهذا المنصب, وهو منصب شهادة هذه الأمة على الأمم قبلها ؛ هو منصب شرٌؾ , ور تبة عالٌة , خ ص ت به هذه الأمة المحمدٌة , المتبعة لرسولها الأكرم صلى الله علٌه وعلى آله وسلم تسلٌماً – جعلنا الله تعالى منهم بفضله وعافٌته – آمٌن . ولذلك ٌقؾ, هإلاء الشهود ٌوم القٌامة , فً مكان عال , مشرؾ على الخلببق كلهم , كما تقدم فً الحدٌث .
عدد الصفحات ٦٠61 ولما كان هذا المقام– أي: مقام شهادة هذه الأمة المحمدٌة المتبعة له صلى الله علٌه وعلى آله وسلم له شؤنه الكبٌر , لما كان هذا المقام شرٌفاً منٌفاً , كان حقٌقاً أن ٌ دعى به, وٌسؤل من الله تعالى : قال الله تعالى : {نزل إلى الرسول ترى أعٌنهم تفٌض من الدمع مما عرفوا من الحق ٌقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدٌن قال ابن عباس رضً الله عنهما فً هذه الآٌة الكرٌمة : (أي: فاكتبنا مع الشاهدٌن مع محمد صلى الله علٌه وعلى آله وسلم وأمته , فهم الشاهدون لنبٌهم صلى الله علٌه وعلى آله وسلم أ ن ه قد بلػ , وللرسل أن هم قد بل ؽوا)77. الهم اجعلنا بجاهه صلى الله علٌه وعلى آله وسلم منهم – آمٌن . دعاؤه صلى الله علٌه وعلى آله وسلم للمحد ثٌن عنه من أمته عن ابن مسعود رضً الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم ٌقولر الله امرءاً سمع م ن ا شٌباً فبل ؽه كما سمعه , فرب مبل ػ أوعى من سامع78. وعن زٌد بن ثابت رضً الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم ٌقولنض ر الله امرءاً سمع من ا حدٌثاً فبلؽه ؼٌره , فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه , ورب حامل فقه لٌس بفقٌه79 الحدٌث 77 قال ابن كثٌر : رواه ابن أبً حاتم , وابن مردوٌه , والحاكم وصححه اهـ وذكر نحوه فً (الدر المنثور), وعزاه إلى ابن جرٌر , وابن المنذر , وابن أبً حاتم والحاكم وصححه , وابن م رْد وٌْ ه . 78 قال الحافظ المنذري : رواه أبو داود والترمذي , وابن حبان فً (صحٌحه) إ أنه قالالترمذي : حدٌث حسن صحٌح . وقال الحافظ المنذري : قوله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم الضاد المعجمة وتخفٌفها حكاه الخطابً , ومعناه الدعاء بالنضارة , وهً النعمة والبهجة والحسن , فٌكون تقدٌره : ج م له الله تعالى وزٌ نه – وقٌل ؼٌر ذلك . اهـ.
عدد الصفحات ٦١62 وعن جبٌر بن مطعم رضً الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم بالخٌؾ- خٌؾ منى – ٌقولض ر الله عبداً سمع مقالتً فحفظها ووعاها , وبل ؽها م ن لم ٌ سمعها , فر ب حامل فقه لا فقه له ؛ ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه . ثلبث لا ٌؽل علٌهن قلب مإمن : إخلبص العمل لله تعالى , والنصٌحة لأبمة المسلمٌن , ولزوم جماعتهم , فإن دعوتهم تحفظ من وراءهم وفً رواٌةنْ وراءهم80. وروى الطبرانً فً (الأوسط) عن ابن عباس رضً الله عنهما قال: قال النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم قلنا : ٌا رسول الله ومن خلفاإك ؟ قالمونها الناس81. أمة سٌدنا محمد صلى الله علٌه وعلى آله وسلم هً خٌر الأمم وكٌؾ لا ٌكون سٌدنا رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , أحب خلق الله تعالى إلٌك أٌها المسلم , وقد جعلك الله تعالى من أمته التً هً خٌر الأمم . قال تعالى وإنما نالت هذه الأمة هذه الخٌرٌة , والأفضلٌة على ؼٌرها من الأمم؛ بسبب أفضلٌة نبٌها سٌدنا محمد صلى الله علٌه وعلى آله وسلم على جمٌع الأنبٌاء والمرسلٌن , فإنه صلى الله علٌه وعلى آله وسلم أفضل خلق الله تعالى , وأكرم الأولٌن والآخرٌن على الله تعالى . 79 قال الحافظ المنذري : رواه ابن حبان فً (صحٌحه) والبٌهقً 80 رواه الإمام أحمد , وابن ماجه, والطبرانً فً (الكبٌر) مختصراً , ومطولاً, إ أنه قال 81 انظر (ترؼٌب) المنذري . و(الفتح الكبٌر), و (الخصابص الكبرىوؼٌرها.
عدد الصفحات ٦٢63 جاء فً الحدٌث عن حكٌم بن معاوٌة بن حٌدة عن أبٌه قال: قال رسول صلى الله علٌه وعلى آله وسلم– وفً رواٌةون– [82. وعن أمٌر المإمنٌن علً رضً الله عنه قال: قال رسول الله صلى علٌه وعلى آله وسلمعطٌت ما لم ٌ عط أحد من الأنبٌاء فقلنا: ٌا رسول الله ما هو ؟ قالصرت بالرعب, وأعطٌت مفاتٌح الأرض, وس م ٌْ ت أحمد- صلى الله علٌه وعلى آله وسلم – وج عل التراب لً طهوراً , وجعلتْ أمتً خٌر الأمم83. أمة سٌدنا محمد صلى الله علٌه وعلى آله وسلم هم أكثر أهل الجنة روى الإمام أحمد , عن ابن ب رٌدة عن أبٌه , عن النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم قال ثمانون صفاً84. وروى الطبرانً بإسناده , أن النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم قال أهل الجنة عشرون ومابة صؾ , ثمانون منها من أمتً ] فؤهل الجنة عشرون ومابة صؾ وكل صؾ لا ٌ علم عدده إلا الله تعالى , ثمانون صفاً من أمة سٌدنا محمد صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , وأربعون صفاً من سابر الأمم السابقة. فالحمد لله تعالى الذي جعلنا من أمته صلى الله علٌه وعلى آله وسلم . 82 عزاه ابن كثٌر إلى الإمام أحمد , و(جامع) الترمذي , و(سنن) ابن ماجه , و مستدرك ) الحاكم , قال: وهو حدٌث مشهور , وحسنه الترمذي . اهـ. 83 قال ابن كثٌر رحمه الله تعالى : تفرد به أحمد من هذا الوجه وإسناده حسن . اهـ 84 قال ابن كثٌر : أخرجه الترمذيوقال : هذا حدٌث حسن , ورواه ابن ماجه . اهـ.
عدد الصفحات ٦٣64 أمة سٌدنا محمد صلى الله علٌه وعلى آله وسلم هً أول من ٌدخل الجنة من الأمم جاء فً الحدٌث عن عمر بن الخطاب رضً الله عنه , أ ن النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم قال الجنة ح ر م تْ على الأنبٌاء كلهم حتى أدخلها , وحر متْ على الأمم حتى تدخلها أمتً85 . كما أن هذه الأمة المحمدٌة هً أول من ٌجوز الصراط من الأمم, كما جاء فً (الصحٌحٌن)- فً حدٌث طوٌل – ٌقول صلى الله علٌه وعلى آله وسلم [:ضرب الصراط– أي: ٌنصب – بٌن ظهرانً جهنم , فؤكون أول من ٌجوز من الرسل بؤمته؛ ولا ٌتكلم ٌومبذ أحد إلا الرسل , وكلبم الرسل : اللهم سل م سل م86. المرء مع من أحب وكٌؾ لا ٌكون سٌدنا رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , أحب خلق الله تعالى إلٌك أٌها الإنسان , وقد قال رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلمن أحب وأي فضل وشرؾ أعظم من المعٌ ة لسٌدنا رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم . فعن ابن مسعود رضً الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم فقال: ٌا رسول الله كٌؾ ترى فً رجل أحب قوماً ولم ٌلحق بهم – أي: لم ٌعمل مثلهم – فقال رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم ]87. 85 رواه الدار قطنً , والطبرانً فً (الأوسط) كذا فً (شرح المواهب 86 أي: فكل رسول ٌدعو لأمته بالسلبمة والحفظ حٌن ٌمرون على الصراط ورسولنا الأعظم ٌدعو لنا صلى الله علٌه وعلى آله وسلم. 87 متفق علٌه كما فً (ترؼٌب) المنذري.
عدد الصفحات ٦٤