المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حول تفسير سورة الكوثر

عبد الله سراج الدين الحسيني

صفحة ٣ من ١١

33 فخرج علٌهم رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم وقال كلبمكم , إن إبراهٌم خلٌل وهو كذلك , وموسى نجً الله وهو كذلك , وعٌسى روحه وكلمته وهو كذلك, وآدم اصطفاه الله تعالى وهو كذلك . ألا وأنا حبٌب الله ولا فخر , وأنا حامل لواء الحمد ٌوم القٌامة تحته آدم فمن دونه ولا فخر, وأنا أول شافع وأول مشف ع ٌوم القٌامة ولا فخر, وأنا أول من ٌحر ك حلق الجنة ولا فخر, فٌفتح الله تعالى فٌدخلنٌها ومعً فقراء المإمنٌن ولا فخر – وفً رواٌة– وأنا أكرم الأولٌن والآخرٌن على الله ولا فخر50. أي: لا أقول ذلك تكبراً وتعاظماً على الناس ,بل تحدثاً بنعمة الله تعالى شاكراً له سبحانه , وحامداً لله تعالى الذي أعطانً هذه الرتبة . اهـ من (شرح المواهب) . وعن جابر رضً الله عنه , أ ن النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم قال أنا قابد المرسلٌن ولا فخر, وأنا خاتم النبٌٌن ولا فخر, وأنا أ و ل شافع وأول مشف ع ولا فخر51. فهو صلى الله علٌه وعلى آله وسلم أحب الخلق إلى الله تعالى , وأكرمهم على الله تعالى , فٌجب على المإمن أن ٌكون رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم أحب خلق الله تعالى إلٌه. روى الترمذي والحاكم عن ابن عباس رضً الله عنهما , عن النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم أنه قالأحب وا الله تعالى لما ٌ ؽذوكم به من نعمه , وأحبونً لحب الله , وأحبوا أهل بٌتً لحبً أي: لحبً إٌاهم . ومعنى أحبونً لحب الله : أي: لحب الله إٌاي فإنه اتخذنً حبٌبه الأكرم صلى الله علٌه وعلى آله وسلم. 50 رواه الدارمً والترمذي وأبو نعٌم كما فً ( الخصابص الكبرى ) وقد تختلؾ رواٌاتهم فً الألفاظ وفً التقدٌم والتؤخٌر. 51 رواه البخاري فً ( تارٌخه), والطبرانً فً ( الأوسط), والبٌهقً وأبو نعٌم كما فً ( الخصابص الكبرى ).

عدد الصفحات ٣٣

34 وقد نقل الحافظ القسطلبنً فً ( المواهب اللدنٌة ) عن العارؾ الكبٌر والعلبمة الشهٌر سٌدي إبراهٌم الدسوقً أ ن ه قال رضً الله عنه : ألا ٌا محب المصطفى زد ص باب ة وضم خ52 لسان الذكر منك بطٌبه ولا تعبؤنْ بالمبطلٌن فإن ما علبمة حب الله حب حبٌبه صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , وعلٌنا معهم أجمعٌن , فً كل وقت وحٌن , عدد ما وسعه علم الله تعالى رب العالمٌن – آمٌن . فالواجب على المإمن أ ن ٌكون الله ورسوله أحب إلٌه مما سواهما . قال الله تعالى : { وإخوانكم وأزواجكم وعشٌرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إلٌكم من الله ورسوله وجهاد فً سبٌله فتربصوا حتً ٌؤتً الله بؤمره والله لا ٌهدي القوم الفاسقٌن ففً هذه الآٌة الكرٌمة ذكر الله تعالى أصناؾ المحبوبات للئنسان من المخلوقات : الآباء والأبناء , والإخوان , والأزواج , والعشٌرة , والأموال الكثٌرة التً اقترفوها – أي: اكتسبوها – وتجارة – أي: أمتعة كثٌرة- اشترٌتموها للتجارة والربح , ومساكن ترضونها – أي: تعجبكم الإقامة فٌها لأناقتها وزخرفتها واتقانها , ثم بٌن سبحانه أن ه إن كان شًء من ذلك أحب إلٌكم من الله ورسوله , وجهاد فً سبٌله , فترب صوا- أي: انتظروا- حتى ٌؤتً الله بؤمره – أي: بعقابه سبحانه لكم عاجلبً أو آجلبً – { ٌهدي القوم الفاسقٌن صلى الله علٌه وعلى آله وسلم . فهذه الآٌة دلٌل قاطع على وجوب محبة الله تعالى , ورسوله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم على وجه أقوى وأعظم من كل محبوب . 52 قال الشارح الحافظ الزرقانً : وضمخ– بمعجمتٌن بٌنهما مٌم أي: لط خ . اهـ.

عدد الصفحات ٣٤

35 جاء فً الحدٌث عن أنس رضً الله عنه , أن النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم قال فٌه وجد بهن حلبوة الإٌمان : من كان الله ورسوله أحب إلٌه مما سواهما , ومن أحب عبداً لا ٌحبه إلا لله , ومن ٌكره أن ٌعود فً الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما ٌكره أن ٌ قذؾ فً النار وفً رواٌة فٌه وجد حلبوة الإٌمان وطعمه : أن ٌكون الله ورسوله أحب إلٌه مما سواهما , وأ ن ٌحب فً الله وٌبؽض فً الله , وأن توقد نار عظٌمة فٌقع فٌها أحب إلٌه من أن ٌ شرك بالله شٌباً قال الحافظ المنذري بعد ما أورد هذا الحدٌث برواٌتٌه قال : رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسابً . اهـ. قلت: وللحدٌث رواٌات أخرى . وفً هذا الحدٌث دلٌل على وجوب محبة الله تعالى ورسوله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , على وجه أعظم من محبة ما سواهما , وأن من لم ٌتحقق بذلك لم ٌجد حلبوة الإٌمان وطعمه , لأن الحدٌث ٌقول حلبوة الإٌمان وعن أنس رضً الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم ٌقول والناس أجمعٌن وفً رواٌة أخرى للنسابً رحمه الله تعالى ماله وأهله53 . فالإٌمان ٌقتضً وٌوجب على الإنسان أن ٌكون سٌدنا رسول الله صلى علٌه وعلى آله وسلم ,أحب إلٌه من الوالد والولد , والمال والأهل , والناس أجمعٌن ؛ فهذا كله موج ب الإٌمان . فإن ه صلى اله علٌه وعلى آله وسلم حبٌب الله الأكرم , والشفٌع الأعظم عند الله تعالى . 53 كما فً (تٌسٌر الوصول

عدد الصفحات ٣٥

36 وٌرحم الله تعالى القابل فً مناجاته لربه تعالى بالذ ل وافٌت بابك عالماً أن التذلل عند بابك ٌنفع وجعلت معتمدي علٌك توكلبً وبسطت كفً سابلبً أت ض ر ع فبحق من أحببته وبعثته وأجبت دعوة من به ٌستشفع صلى الله علٌه وعلى آله وسلم اجعل لنا من كل ضٌق مخرجاً والطؾ بنا ٌا من إلٌه المرجع ثم الصلبة على النبً وآله خٌر الأنام ومن به ٌ ستشفع من الإٌمان أن ٌكون سٌدنا رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم أحب إلى المسلم من نفسه قال الله تعالى {: فهوصلى الله علٌه وعلى آله وسلم أرحم بالمإمنٌن من أنفسهم , وأشد شفقةً علٌهم من أنفسهم , وأشد رأفة بهم من أنفسهم , وأشد حرصاً علٌهم من أنفسهم , فمن الواجب الإٌمانً المحت م علٌهم قطعاً أنْ ٌكون رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم : أحب إلٌهم من أنفسهم , ومقد ماً على أنفسهم . فقوله تعالىن لهم موقفه معهم, وأنه أرحم بهم , وأشد رأفةً , وأشد عطفاً وحناناً علٌهم من أنفسهم , ومن الآباء والأمهات من باب أولى, وت ب ٌ ن الآٌة الكرٌمة الحق الواجب علٌهم , وذلك بؤن ٌكون أحب إلٌهم من أنفسهم ؛ كما جاء فً الحدٌث الذي رواه الإمام أحمد , عن عبد الله بن هشام رضً الله عنه وفٌه : قال رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم نفسه.

عدد الصفحات ٣٦

37 وكان صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , ٌعلن بؤ وْ لوٌ ت ه بالمإمنٌن من أنفسهم , فقد روى البخاري عند قوله تعالى عن أبً هرٌرة رضً الله عنه , عن النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم قال وأنا أولى الناس به فً الدنٌا والآخرة , اقرإوا إن شبتمما مإمن ترك مالاً ف لْ ت ر ثْ ه عصبته م نْ كانوا , وإن ترك د ٌْ نا أ وْ ض ٌاعاً فلٌؤتنً فؤنا مولاه الض ٌ اع : بفتح الضاد : الع ٌال الفقراء , وهو مصدر فً الأصل54 . وروى الإمام أحمدفً قوله تعالى روى عن أبً سلمة , عن جابر بن عبد الله رضً الله عنه , عن النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم كان ٌقول فؤٌ ما رجل مات وترك دٌنا فإلً – أي: فؤنا أ و ف ً عنه – وم ن ترك مالاً فهو لورثته فنتٌجة الأمر هو كما قال صلى الله علٌه وعلى آله وسلمن أحدكم حتى أكون أحب إلٌه من والده وولده والناس أجمعٌن وكما قال صلى الله علٌه وعلى آله وسلم نفسه والمعنى : لا ٌإمن أحدكم حتى أكون أحب إلٌه من خلق الله تعالى أجمعٌن. وكٌؾ لا ٌكون الأمر كذلك , وهو صلى الله علٌه وعلى آله وسلم أحب الخلق إلى الله تعالى , كما أعلن ذلك رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم فً الحدٌث المتقدم , حٌث قال صلى الله علٌه وعلى آله وسلم وأنا حبٌب الله تعالى ولا فخر , وأنا أكرم الأولٌن والآخرٌن على الله تعالى ولا فخرم بتمامه . فهو الذي خ ص ه الله تعالى بمقام حبٌب الله الأكرم صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , وأنه المقدم على ؼٌره من المحبوبٌن . 54 انظر ( النهاٌة

عدد الصفحات ٣٧

38 روى البٌهقً عن أبً هرٌرة رضً الله عنه , عن النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم أنه قالخ ذ الله إبراهٌم خلٌلبً , وموسى ن ج ٌ اً , واتخذنً حبٌباً ثم قال : وعزتً وجلبلً لأوثرن حبٌبً على خلٌلً ونجٌ ً55. ومعنى نجً الله تعالى أي: ناجاه الله تعالى , كما قال سبحانه من جانب الطور الأٌمن وقربناه نجٌاً وهو على نبٌنا وعلٌه أفضل الصلبة وأكمل التسلٌم كلٌم الله تعالى كما قال سبحانه وجمٌع هذه المقامات أ عطٌها رسول الله سٌدنا محمد صلى الله علٌه وعلى آله وسلم على وجه أكمل , وأعطاه الله تعالى مقاماً خاصاً به فوق تلك المقامات والمراتب كل ها , وهو أنه صلى الله علٌه وعلى آله وسلم حبٌب الله تعالى , وإمام النبٌٌن والمرسلٌن ؛ صلوات الله تعالى وسلبمه علٌه وعلٌهم أجمعٌن . روى الترمذي والإمام أحمد وؼٌرهما عن سٌدنا أ ب ً بن كعب رضً الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم القٌامة كنت أنا إمام النبٌٌن , وخطٌبهم , وصاحب شفاعتهم ؼٌر فخر وروى البخاري فً ( تارٌخه ) والطبرانً فً ( الأوسط ) وأبو نعٌم عن جابر بن عبد الله رضً الله عنهما , أ ن النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم قال وأنا أول شافع وأول مشف ع ولا فخر56 . وكٌؾ لا ٌكون رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم أحب الخلق إلٌهم , وقد هداهم الله تعالى به للئٌمان , فنقلهم من الشقاء الأبدي إلى السعادة الأبدٌة , وأخرجهم من الظلمات إلى النور , ومن الضلبل المبٌن إلى نور الحق المبٌن , قال الله تعالى الله الذي له ما فً السماوات وما فً الأرض ألا إلى الله تصٌر الأمور 55 كما فً (كنز العمال ) و(شرح المواهب 56 كما فً (الخصابص الكبرى

عدد الصفحات ٣٨

39 وقد قال رسول الله صلىعلٌه وعلى آله وسلم فً خطبة خطبها فً الأنصار رضً الله عنهم فقال فٌهال م أ جدكم ض لب لاً فهداكم الله بً, وكنتم متفرقٌن فؤلفكم الله بً, وكنتم عال ةً فؤؼناكم الله بً ك ل ما قال شٌباً قالوا: الله ورسوله أ م ن 57 . وقد فتح الله تعالى بسٌدنا محمد صلى الله علٌه وعلى آله وسلم الأعٌن الع مً , والآذان الص م , والقلوب الؽ لؾ – أي: القلوب المؽلفة – ف ب ص ر ها وملؤها هدى ونوراً . روى البخاري عن عطاء بن ٌسار قال: لقٌت عبد الله بن ع مرو بن العاص رضً الله عنهما فقلت : أخبرنً عن صفة رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم فً التوراة . فقال : أجل إن ه لموصوؾ فً التوراة ببعض صفته فً القرآن النبً إن ا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذٌراً , وح رزاً للؤمٌٌن58 , أنت عبدي ورسولً , س م ٌْ ت ك المتوك ل , لٌس بفظ ولا ؼلٌظ ولا صخ اب بالأسواق , ولا ٌدفع بالسٌبة السٌبة ولكن ٌعفو وٌؽفر . ولن ٌقبضه الله تعالى حتى ٌ قٌم به الم ل ة العوجاء وفً رواٌة الدرامً , وٌ فتح به أعٌناً عمٌاً , وآذاناً ص ماً , وقلوباً ؼلفاً59. وقال الله تعالى {نزلناه إلٌك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزٌز الحمٌد . الله الذي له ما فً السماوات وما فً الأرض 57 رواه الشٌخان عن أنس رضً الله عنه كما فً (شرح المواهب 58 قال المحققون : المراد بالأمٌٌن هنا: كل من اتبع الرسول النبً الأمً صلى علٌه وعلى آله وسلم . 59 كما فً ( التٌسٌر

عدد الصفحات ٣٩

41 وقال الله تعالى { آٌاته وٌزكٌهم وٌعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفً ضلبل مبٌن ففً هذه الآٌة الكرٌمة ٌذكر م ن ته الكبرى , ومنته العظمى على المإمنٌن؛ إذ بعث فٌهم رسولاً من أنفسهم , وهو سٌدنا محمد صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , المشهود له بالصدق والأمانة , والعفة والنزاهة , منذ صؽر سنه صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , حتى إن أعداءه من قومه ٌشهدون له بذلك , وٌ سمونه الصادق الأمٌن صلى الله علٌه وعلى آله وسلم . { آٌاته فً تلبوته صلى الله علٌه وعلى آله وسلم علٌهم آٌاته , وجوه من الحكمة العظٌمة , أذكر أطرافاً منها : الأول: إثبات ح ق ٌ ة وقطعٌة أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم . وبٌان ذلك : أ ن هذا القرآن الكرٌم الذي جاء رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسام به , ٌتلوه على الناس, هو معجز, وقد تحد ى الإنس والجن أن ٌؤتوا بمثله فعجزوا , وسج ل عجزهم فقال قل لبن اجتمعت الإنس والجن على أن ٌؤتوا بمثل هذا القرآن لا ٌؤتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهٌراً60. فجاء رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم ٌتلوه علٌهم , إذاً هذا الكلبم القرآنً كلبم م ن ؟ 60 وقد تكلمت على بعض وجوه الإعجاز فً كتابً (هدي القرآن الكرٌم إلى الحجة والبرهان ).

عدد الصفحات ٤٠

41 لا ٌمكن أن ٌكون من كلبمه صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , ولا كلبم سابر البشر , لأنه معجز للبشر والجن , إذاً ما هو إلا كلبم رب البشر : الله تعالى رب العالمٌن , أنزله على سٌد البشر, وهو سٌدنا محمد صلى الله علٌه وعلى آله وسلم . ومن وجه آخر أنه صلى الله علٌه وعلى آله وسلم قد ن شؤ أ م ٌاً لم ٌتعلم القراءة ولا الكتابة , قال تعالى تخطه بٌمٌنك إذاً لارتاب المبطلون حتى إن أعداءه لٌعلمون ذلك, فجاء صلى الله علٌه وعلى آله وسلم بهذا القرآن ٌتلو آٌاته على الناس . إذاً م ن الذي عل مه القرآن , وعلمه تلبوته وقراءته على وجه خاص, لا كقراءة كلبم الناس , مثللم الذي عل مه ذلك هو الرحمن , الذي قال له علٌنا بٌانه أي: فاقرأه على الوجه الذي قرأناه علٌك , بواسطة روح القدس جبرٌل علٌه السلبم . قال تعالى وقال تعالى بلسان عربً مبٌن فالله تعالى هو رب العالمٌن , ولا إله إلا الله , وهذا كلبمه المعجز, وسٌدنا محمد هو رسول الله حقاً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , أرسله الله تعالى , وأنزل علٌه هذا القرآن المعجز , وع ل مه القرآن, وع ل مه البٌان عن القرآن كما قال سبحانه للناس ما نزل إلٌهم ولعلهم ٌتفكرون وقال الله تعالى فٌكم عمراً من قبله أفلب تعقلون

عدد الصفحات ٤١

42 والمعنى : أنه صلى الله علٌه وعلى آله وسلم قد لبث أربعٌن سنة قبل النبوة لم ٌؤتهم بآٌة , وقد نشؤ أمٌاً صلى الله علٌه وسلم ,ثم على تمام الأربعٌن جاء بهذا القرآن المعجز , ففك روا واعق لوا , إذاً م ن الذي عل مه وهو أمًٌّ ؟ وم ن الذي أنزل هذا القرآن المعجز علٌه وفٌه تبٌان لكل شًء؟ نعم الله رب العالمٌن , أنزله علٌه وأنبؤه , وأرسله إلى كاف ة العالمٌن صلى الله علٌه وعلى آله وسلم . قال تعالىأرسلناك إلا رحمة للعالمٌن وقال تعالى السماوات والأرض لا إله إلا هو ٌحًٌ وٌمٌت فآمنوا بالله ورسوله النبً الأمً الذي ٌإمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون الوجه الثانً : أ ن تلبوته صلى الله علٌه وعلى آله وسلم آٌات القرآن على الناس فٌها إٌصال الروح القرآنً , والنور القرآنً إلى الروح الإنسانً والقلب الإنسانً , وذلك لأن القرآن فٌه الروح والنور والهدى . قال الله تعالى الكتاب ولا الإٌمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقٌم صراط الله الذي له ما فً السماوات وما فً الأرض ألا إلى الله تصٌر الأمور ومن المعلوم أن من شؤن الروح أن تكون فٌها الحٌاة , فالروح الإنسانً تحٌا به الأجسام الإنسانٌة, والروح القرآنً تحٌا به القلوب والأرواح,وبتلبوته ٌمر هذا الروح القرآنً على القلوب, فتتؤثر به , وتعرؾ أن ه الحق, وأنه كلبم رب العالمٌن: فهناك من ٌإمن لأنه عرؾ الحق فاعترؾ به, وتقب له وأذعن إلٌه, وهناك من ٌعرؾ أنه الحق من عند الله تعالى , والذي جاء به هو رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , ولكنه ٌجحد وٌنكر ولا ٌعترؾ , تكب راً وعناداً , كما قال تعالى ٌكذبونك ولكن الظالمٌن بآٌات الله ٌجحدون

عدد الصفحات ٤٢

43 والجحود هو الإنكار بعد العلم بحقٌ ة الأمر , وهذا شؤن الكفار كما أخبر الله تعالى عنهم . قال تعالىا القرآن علٌهم ما كانوا به مإمنٌن كذلك سلكناه فً قلوب المجرمٌن لا ٌإمنون به حتى ٌروا العذاب الألٌم ٌقال: سلكت الخٌط فً الإبرة إذا أدخلته . والمعنى : أدخلنا القرآن حٌن سمعوه من النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , أدخلناه فً قلوب المجرمٌن , فعرفوا أنه حقاً كلبم الله تعالى , وعرفوا فصاحته وبلبؼته , وأن ه لٌس من كلبم البشر , بل هو معجز للبشر وؼٌرهم , ولكنهم مع ذلك كله لا ٌإمنون به ؛ عناداً وكبراً , وجحوداً للحق بعد أن علموا أنه الحق, فهم مجرمون لا ٌإمنون به حتى ٌروا العذاب الألٌم . ولما جاء الولٌد بن المؽٌرة وكان من كبار كفار قرٌش , جاء إلى النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم فقرأ علٌه القرآن ؛ ر ق له , فلما خرج سؤلوه عما سمع , فقال : ٌا عجباً لما ٌقوله , فوالله ما هو بشعر ولا بسحر , وإن قوله – أي: قول محمد صلى الله علٌه وعلى آله وسلم الذي سمعه منه وهو القرآن – وإن قوله لمن كلبم الله . وقال الولٌد : والله إن ل قوله الذي ٌقول – أي: القرآن – لحلبوة , وإن علٌه لطلبوة , وإن أعلبه لمثمر , وإن أسفله لمؽدق , وإنه الحق ٌعلو ولا ٌ على علٌه , وإنه لٌحطم ما تحته . ثم إن الولٌد61 بن المؽٌرة لعبت به شٌاطٌن الإنس كؤبً جهل وأمثاله , فرجع عم ا قال , وجحد وأنكر, وأدبر واستكبر, فقال : إن هذا إلا سحر ٌ إثر , إن هذا إلا قول البشر , كما أخبر الله تعالى عنه بقوله 61 وهذه القصة عن الولٌد بن المؽٌرة رواها الحاكم وصححها, والبٌهقً فً (الدلابل) من طرٌق عكرمة عن ابن عباس رضً الله عنه , ورواها ابن جرٌر وابن مردوٌه, والإمام البؽوي , وأصحاب السٌر- والرواٌات متعددة .

عدد الصفحات ٤٣

44 ومن خلقت وحٌداً سحر ٌإثر إن هذا إلا قول البشر سؤصلٌه سقر وما أدراك ما سقر لا تبقً ولا تذر لواحة للبشر علٌها تسعة عشر وهكذا كانوا إذا سمعوا القرآن رق ت له قلوبهم , وعرفوا أنه لٌس كلبم البشر , بل كلبم رب البشر , وعرفوا أن ه الحق, فمنهم من ٌإمن وٌهتدي , ومنهم من ٌجحد وٌنكر ؛ عناداً وكبراً بعد ما عرؾ أنه كلبم الله تعالى حقاً , أنزله على رسوله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم . فالقرآن الكرٌم له فع الٌته وتؤثٌره. قال الله تعالىإنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شًء وأمرت أن أكون من المسلمٌن وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما ٌهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرٌن وقال تعالى ثم أبلؽه مؤمنه أي: لأن القرآن الكرٌم له ر وح وتؤثٌر فً قلب السامع . وقال تعالىأنزلنا والله بما تعملون خبٌر فما أعظم هذا الروح القرآنً وما أقوى نوره . روى البخاري وؼٌره, عن جبٌر بن مطعم عن أبٌه رضً الله عنه قال : سمعت النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم ٌقرأ فً المؽرب بالطور فلما بلػ هذه الآٌةالآٌات قال: كاد قلبً أن ٌطٌر , وكان ذلك سبب إسلبمه . وفً رواٌة مالك بإسناده, عن جبٌر بن مطعم عن أبٌه رضً الله عنه قال: (سمعت النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم ٌقرأ فً المؽرب

عدد الصفحات ٤٤

45 فما سمعت أحداً أحسن صوتاً أو قراءة منه62 صلى الله علٌه وعلى آله وسلم . وقد ذكرت جملة من الشواهد الواقعة فً كتاب( هدي القرآن الكرٌم إلى الحجة والبرهان ) فارجع إلٌها. اللهم بدٌع السماوات والأرض , ذا الجلبل والإكرام , والعزة التً لا ت رام, نسؤلك ٌا ألله ٌا رحمن , بجلبلك , ونور وجهك , أن ت نو ر بكتابك أبصارنا, وأن تطلق به ألسنتنا , وأن تفرج به عن قلوبنا, وأن تشرح به صدورنا,وأن تستعمل به أبداننا , فإنه لا ٌ عٌننا على الحق ؼٌرك , ولا ٌإتٌناه إلا أنت , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلً العظٌم . اللهم اجعل القرآن العظٌم ربٌع قلوبنا , ونور صدورنا , ونور أبصارنا , وجلبء حزننا, وذهاب هم نا وؼمنا – آمٌن. وصلى الله على سٌدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسلٌما. الوجه الثالث: إن فً تلبوته صلى الله علٌه وعلى آله وسلم آٌات القرآن الكرٌم على الناس تبلٌػ ما أ نزل علٌه من ربه , وتعلٌماً لهم كٌؾ ٌتلونه , قال الله تعالىعلى الناس على مكث ونزلناه تنزٌلبً وذلك بؤن ٌقرإوه على الوجه الذي سمعوه منه , وتلقوه عنه , لأن للقرآن الكرٌم منهجاً خاصاً , وأسلوباً فرٌداً فً تلبوته , وترتٌله, وتجوٌد قراءته , وفً مدوده ووجوه قراءاته , فإن جمٌع ذلك موقوؾ على التلقً عنه صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , والسماع منه صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , وقد قرأه الصحابة رضً الله عنهم كما سمعوه من النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , ثم إن هم تلوه على التابعٌن كما تلبه علٌهم النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , ثم إن التابعٌن تلوه على أتباع التابعٌن كما تلبه علٌهم الصحابة , وهكذا تتابع التلقً والتلبوة للقرآن الكرٌم , ج ٌْ لبً بعد ج ٌل إلى ٌومنا هذا , وسوؾ ٌتتابع وٌتتابع هذا التلقً لتلبوة القرآن الكرٌم 62 قال ابن كثٌر : أخرجاه من طرٌق مالك

عدد الصفحات ٤٥

46 على مدى الزمان , بواسطة العلماء والقراء إلى أن تقوم الساعة ؛ ٌنقطعون . قال الله تعالىلنا الذكر وإنا له لحافظون فالله تعالى الذي أنزله على رسوله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , هو الذي تكف ل بحفظه إلى قٌام الساعة , كما فص لت ذلك فً كتابً ( هدي القرآن الكرٌم إلى الحجة والبرهان ) مع الأدلة على ذلك والبراهٌن القاطعة. الوجه الرابع : إن فً تلبوته صلى الله علٌه وعلى آله وسلم لآٌات القرآن الكرٌم , عرضاً لذكر آٌات الله تعالى التكوٌنٌة : النفسٌة والآفاقٌة , السماوٌة والأرضٌة, الدالة على وجود الله تعالى , ووحدانٌته, وقد جاء ذكر ذلك فً مواضع كثٌرة من القرآن الكرٌم و وقد ٌقرن الله تعالى ذكرهما فً كثٌر من الآٌات القرآنٌة, ومن ذلك قوله تعالى : { ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضؽة فخلقنا المضؽة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشؤناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقٌن . ثم إنكم بعد ذلك لمٌتون . ثم إنكم ٌوم القٌامة تبعثون الظاهرة فً خلق الإنسان , وأطوار خلقه التً تمر علٌه , ثم ذكر بعد ذلك أصنافاً من الآٌات الآفاقٌة التكوٌنٌة فقال سبحانه طرابق وما كنا عن الخلق ؼافلٌن , وأنزلنا من السماء ماء بقدر فؤسكناه فً الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون . فؤنشؤنا لكم به جنات من نخٌل وأعناب لكم فٌها فواكه كثٌرة ومنها تؤكلون . وشجرة تخرج من طور سٌناء تنبت بالدهن وصبػ للؤكلٌن . وإن لكم فً الأنعام لعبرة نسقٌكم مما فً بطونها ولكم فٌها منافع كثٌرة ومنها تؤكلون . وعلٌها وعلى الفلك تحملون . فذكر سبحانه الآٌات التكوٌنٌة النفسٌة, ثم الآفاقٌة, وكلها دالة على وجوب وجوده ووحدانٌته , وكمال صفاته سبحانه .

عدد الصفحات ٤٦

47 وقد ذكر الله تعالى فً القرآن الكرٌم كثٌراً من آٌاته التكوٌنٌة فً مواضع متعددة , وكلها حجج وأدلة قاطعة على أنه لا إله إلا الله رب العالمٌن , ومن ذلك قوله تعالى جلبها . واللٌل إذا ٌؽشاها . والسماء وما بناها . والأرض وما طحاها فذكر جملة من الآٌات الآفاقٌة , ثم ذكر جملة من الآٌات النفسٌة فقال سبحانهنفس وما سواها . فؤلهمها فجورها وتقواها . قد أفلح من زكاها . وقد خاب من دساها ومن ذلك قول الله تعالى النجم الثاقب. إن كل نفس لما علٌها حافظ. فلٌنظر الإنسان مم خلق. خلق من ماء دافق . ٌخرج من بٌن الصلب والترابب . إنه على رجعه لقادر فذكر سبحانه السماء لٌتفكروا بما فٌها من الآٌات الدالة على عظمة قدرة الله تعالى , ثم ذكر النجم الثاقب الذي ٌطرق عالم الدنٌا لٌلبً, والمراد جنس النجوم فإن ها تثقب ظلبم اللٌل بنورها , وٌراها الناس عٌاناً مع أبعادها الشاسعة, وسعة أجرامها , فإن منها قدر مسافة الأرض , ومنها ما هو أكبر بكثٌر وبؤضعاؾ , مع كثرتها, وإٌقاع كل نجم فً موقعه , وجرٌانها فً أفلبكها المعٌنة لها . قال تعالى ثم ذكر سبحانه الآٌات التكوٌنٌة النفسٌة فقال تعالىر الإنسان مم خلق وفً هذا كله أدلة قاطعة , وبراهٌن ساطعة مشهودة بالعٌان , تدل على وجود الله تعالى , ووحدانٌته, وكمال أسمابه وصفاته , قال تعالى سنرٌهم آٌاتنا فً الآفاق وفً أنفسهم حتى ٌتبٌن لهم أنه الحق أولم ٌكؾ بربك أنه على كل شًء شهٌد الوجه الخامس : إن فً تلبوته صلى الله علٌه وعلى آله وسلم آٌات القرآن الكرٌم : إعلبناً وإعلبماً بمجامع ما فٌه صلبح العالم , وفلبحه ونجاحه , فإذا سمعها العاقل وفك ر فٌها أٌقن أن هذا لٌس من كلبم المخلوقٌن؛ بل هو

عدد الصفحات ٤٧

48 كلبم رب العالمٌن , أنزله على إمام الأنبٌاءوالمرسلٌن سٌدنا محمد صلوات ربً وسلبمه علٌه وعلٌهم أجمعٌن . روى الحافظ أبو ٌعلى فً كتاب(معرفة الصحابة ) بإسناده المتصل أن أكثم بن صٌفً لما بلؽه مخرج النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم , أراد أن ٌؤتٌه فؤبى قومه أن ٌدعوه – ٌتركوه- وقالوا: أنت كبٌرنا لم تكن لتخؾ إلٌه. قال : فلٌؤته من ٌ بل ؽه عنً وٌبلؽنً عنه . فانتدب رجلبن – وروي أنهما ولداه- فؤتٌا رسول الله صلى الله علٌه وعلى آله وسلم فقالا : نحن رسل أكثم بن صٌفً , وهو ٌسؤلك م نْ أنت , وما أنت – وفً رواٌة : وبم جبت ؟. فقال النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلما م ن أنا : فؤنا محمد بن عبد الله , وأما ما أنا : فؤنا عبد الله ورسوله جبتكم بقول الله تعالى ٌؤمر العدل والإحسان وإٌتاء ذي القربى وٌنهى عن الفحشاء والمنكر والبؽً ٌعظكم لعلكم تذكرون فقالا : رد د علٌنا هذا القول . فرد ده علٌهم النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم حتى حفظوه . فؤتٌا أكثم بن صٌفً فقالا: أبى أن ٌرفع نسبه , فسؤلنا عن نسبه فوجدناه زاكً النسب , و س طاً 63 فً مضر – أي: أشرفهم وأمجدهم – وقد رمى إلٌنا بكلمات قد سمعناها منه . فلما سمعهن أكثم قال: إنً أ راه ٌؤمر بمكارم الأخلبق , وٌنهى عن ملببمها, فكونوا فً هذا الأمر رإوساً أي: أسرعوا إلى الدخول فً دٌن هذا الرسول ,- تكونوا رإوساً وقادة- ولا تكونوا فٌه أذباباً . 63 ٌقال فً اللؽة : قرٌش أوسط العرب نسباً وداراً , أي: خٌرها, وكان النبً صلى الله علٌه وعلى آله وسلم وسطاً فً قومه أي: أشرفهم نسباً . اهـ من (تفسٌر) ابن كثٌر.

عدد الصفحات ٤٨