المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مجلة البحوث والدراسات القرآنية إصدار خاص 004

ملتقى مجمع الملك فهد

صفحة ٢ من ٣

139 وقوله سبحانه ]﴾﴿ ، ]﴾﴿ وقد أجيب عن ذلك باثني عشر جواباً كما يذكر الزركشي، ليس هنا موضع ذكرها جميعاً أو تفصيلها، بل سنكتفي بإيراد ما شاع بين الفسرين في هذا الشأن. ذكر البيضاوي أن التكثير جاء لأجل العبيد(()، ومعنى ذلك أن صيغة ﴾ البالغة جاءت لكثرة العبيد لا لكثرة الظلم، كقوله تعالى: ﴿ .(()]﴾، مع قوله: ﴿ ][ وذكر القرطبي أن ذلك لنفي الظلم عن الله عز وجل قليله وكثيره، وأنه إذا انتفت البالغة انتفى غيرها(()؛ لأن من يظلم يظلم للانتفاع بالظلم فإذا ترك كثيره - مع زيادته .نفعه في حق من يجوز عليه النفع والضر - كان لقليله - مع قلة نفعه - أكثر تركاً وذهب الرازي والشوكاني إلى كون التوعَّد به بأن يفعله بهم لو كان ظلماً لكان .عظيماً، فنفاه على حدّ عظمه لو كان ثابتاً وذهب عددٌ من الفسرين إلى أن ذلك جاء على النسب، أي أن الله لا يُنسب إلى الظلم، ولو كان مثقال ذرة، ودلالة صيغة (فَعَّال) على معنى النسب مشهورة عند علماء العربية قديماً وحديثاً، يقول ابن عقيل مثلاً في شرحه لقول ابن مالك: ف 5/(() انظر: أنوار التنزيل (() أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة من غرائب التنزيل (ص 70/(() الجامع لأحكام القرآن 44/4( .)406/0(/5(

عدد الصفحات ١٧

140 « نحو: تامر، ولابن، أي صاحبِم تَمْرٍ وصاحبِم لبن، وببنائه على فَعَّال في الحرف غالباً، كبَقَّال وبَزَّار، وقد يكون (فَعَّال) بمعنى صاحب كذا، وجُعل منه قوله تعالى: ﴿ أي: بذي ظلم]﴾ في (باب من الإضافة تحذف فيه ياء الإضافة)، فقال يزاوله أو ذا شيء. أمّا ما يكون صاحب شيء يعالجه فإنه مما يكون (فعَّالاً) وذلك قولك لصاحب الثياب: ثوَّاب، ولصاحب العاج: عَوَّاج، ولصاحب الجمال التي ينقل عليها: جَمَّال، ولصاحب الحمُر التي يعمل عليها : حمََّار، وللّذي يعالج الصرف : صرََّاف ، وذا .أكثر من أن وقال عباس حسن - من الحدَثين - عن كثرة مجيء (فَعَّال) دالة على النسب في فصيح الكلام على النسب - بدلاً من يائه - وكثر هذا في الحِمرَف؛ فقالوا: حدَّاد لن حرفته الحدادة، .ونَجَّار لن حرفته النِّجارة... ونحوها من كل منسوب إلى صناعة معيّنة ولمَّا كانت اللغة العربية تسمح بصرف صيغة (فعّال) إلى غير البالغة والتكثير، كالنسب هنا، فلسنا بحاجة إلى كل تلك التأويلات؛ التي كان منطلقها أن (فَعَّال) يجب أن تدل على البالغة والتكثير، وبهذا العنى التمس لها الفسرون كل تلك التخريجات التي نحن في غنى عنها إذا أرجعنا دلالة الصيغة (فعّال) إلى النسب، فيكون العنى - بكل سهولة ويسر -: نفي نسبة الله إلى الظلم مطلقاً، أي أنه ليس بذي ظلم. 480/(() شرح ابن عقيل 8(/(() الكتاب 744 – 74(/(() النحو الوافي

عدد الصفحات ١٨

141 هذا، وفي أقوال بعض علماء اللغة الذين ذكرناهم، ما يدل على أنهم لم يصرفوا - دائماً - (فَعَّال) إلى معنى البالغة والتكثير، وهو ما يردُّ على قول أحد مترجمي معاني القرآن - وهو محمد حميد الله - الذي تساءل إن كان نُحاتنا قد فكروا في توظيف غريب لصيغة البالغة (فَعَّال)، فكلمة (ظَلاَّم) التي تعني الكثير الظلم، لا يمكن حملها على هذا العنى في سياق ، ومن ثم لا يمكن ترجمتها بـ: ليس الله ]﴾الآية: ﴿ بكثير الظلم، ولكن نترجمها بـ: ليس ظالاً على الإطلاق. إنه السياق - كما يضيف حميد الله - الذي يجعلنا نختار بين العنيين المكنين، ونكون مجبرين أمام وضع الألفاظ التي بهذه .الصيغة، أو على الأقل هذه الكلمة، ضمن الاشتراك اللفظي الكثير في اللغة العربية(() وقد صرف جميع الترجمين دلالة هذه الصيغة عن معنى البالغة والتكثير، وترجموا مثلاً بعدم ظلم الله سبحانه لأحد من ]﴾الآية ﴿ عباده مطلقاً، فقد ترجمها الشيخ أبو بكر بـ: Dieu n’est nullement injuste envers [ses] serviteurs (2). أي: إنّ الله ليس إطلاقاً غير عادل تجاه عباده (أو خدمه)!. وترجمها الصادق مازيغ بـ Dieu ne traite pas injustement Ses créatures (3). أي: إنّ الله لا يعامِمل بالظلم مخلوقاته. وترجمها حميد الله بـ Dieu ne manque point à Ses esclaves (4). أي: إنّ الله ليس بظالم (أو مقصرّ) أبداً لعبيده. وترجمها جاك بيرك بـ Dieu n’est pas enclin à l’iniquité envers Ses serviteurs (5). أي: إنّ الله ليس مطبوعاً (أو مجبولاً) على الظلم نحو عباده. وهو كلام غريب نوعاً ما في حقّ الله تعالى. 1) Le Saint Coran, Muhammad Hamidullah, p 26 - 27. (2) Le Coran, Cheikh Boubakeur Hamza, 1/87. (3) Le Coran, Sadok Mazigh, p 143. (4) Le Saint Coran, Muhammad Hamidullah, p 74. (5) Le Coran, Jacques Berque, p 91.

عدد الصفحات ١٩

142 كما ترجمها الدكتوران خان والهلالي بـ Allah is never unjust to (His) slaves(1). أي: إنّ الله ليس ظالاً (أو غير عادل) أبداً لعبيده. وترجمها بيكثال بـ Allah is no oppressor of (His) bondmen(2). أي: إنّ الله ليس ظالاً لعباده الترجمة والمعادل الصرفي: قد لا نجد في اللغة الهدف مقابلاً صرفيّاً لعنى الصيغة العربية الراد ترجمته، فنحن في العربيّة نعبرّ في غالب الأحيان بكلمة واحدة تحمل العنى العام للجذر اللغوي ومعنى الصيغة معه، فمثلاً عندما نقول (جالس)، فإنّنا نلمس فيه معنى الجلوس الذي يفيده الجذر اللغوي (ج ل س)، ومعنى الصيغة (فاعل) أي صفة الفاعل، أو بمعنى آخر الفعل والتصف بهذا الفعل، وهو ما قد يكون غائباً تماماً - كما سبق أن ذكرنا - في اللغة الهدف، إذ لا بدَّ - في كثير من الأحيان - من إضافة كلمة أخرى تؤدّي معنى الصيغة الصرفية إلى كلمةٍ تؤدّي معنى الحدث أو الفعل. إنّنا في العربيّة إذا أردنا أن نعبرّ عن معنى التفضيل والبالغة صُغنا الكلمة على صيغة (أفعل)، فنقول في تفضيل الحسن: أحسن، والكبرَ: أكبر، والغنى: أغنى...، وهكذا، بينما لو بحثنا عن معادل صرفي لهذه الصيغة في اللغة الفرنسية أو الإنجليزية لا وجدناه؛ لأنّ اللغتين السابقتين - بكلِّ بساطة - ليستا من اللغات الاشتقاقية كاللغة العربيّة، فهم إذا أرادوا أن يعبرِّوا عن العنى الصرفي السابق، وهو التفضيل والبالغة، استدعوا كلمة أخرى إضافةً إلى الكلمة الدّالّة على الشيء الراد التفضيل والبالغة فيه، plus beau, plus grand, plus richeفيقولون فيما سبق في الفرنسيّة 1) The Noble Qur’an, p 119. (2) The Glorious Qur'ân, p 74.

عدد الصفحات ٢٠

143 ولذلك نجد ترجمة اسم سورة (الأعلى) قد جاءت في جميع الترجمات الفرنسية ، وجاءت في ترجمة كلٍّ من الهلالي وخان وبيكثال بـ Le Plus - Hautتقريباً بـ ﴾ في قوله تعالى: ومثال هذا النوع أيضاً ما جاء في ترجمة ﴿ . The Most High ، هذه الكلمة التي جاءت بكسر الكاف وتشديد ]﴾ ﴿ الذال؛ لتدل على معنى: تكذيبا كبيراً أو مفرطاً((). فقد تُرجم هذا العنى الصرفي عند Ils traitaient effrontément Nos signes de mensongers(2)الأستاذ مازيغ بـ et auront renié effrontément Nos versets(3)وعند الشيخ حمزة بـ ﴾ معنى الوقاحة أو السفاهة في التكذيب والإنكار؛ مما فالترجمان قد فهما من ﴿ يجعل تكذيبهم مبالغاً فيه. ووضع جاك بيرك كلمة (شديد) صفة للتكذيب للدلالة على البالغة، إذ جاء في ترجمته ما نصه: ils ont démenti Nos signes d’un (violent) démenti (4) أي كذبوا آياتنا تكذيباً شديداً بينما وضع الهلالي وخان في ترجمتهما الإنجليزية كلمة (تماماً أو مطلقاً)؛ للدلالة على معنى البالغة، إذ ترجما معنى الآية بـ: But they belied Our Ayàt (proofs, evidences, verses, lessons, signs, revela - tions, and that wich Our prophet brought) completely(5). للدلالة على قوة التكذيب، أو قوة الرفض strongكما وضع بيكثال كلمة والإنكار وشدّتهما، فقد ترجم معنى الآية بـ: they called our revelation false with strong denial(6). .)(8( – (8(/(() انظر: الجامع لأحكام القرآن 2) Le Coran, Sadok Mazigh, p 1119. (3) Le Coran, Cheikh Boubakeur Hamza, 2/597. (4) Le Coran, Jacques Berque, p 657. (5) Interpretation of the Meanings of The Noble Qur’Ān, p 926. (6) The Glorious Qur'ân, p 582.

عدد الصفحات ٢١

144 وهذا يعني أنّه لا مقابل - صيغياً - لعنى التكثير أو الإفراط الذي دلت عليه الصيغة العربية (فِمعَّالاً)، ولا لعنى البالغة والتفضيل الذي دلّت عليه الصيغة (أَفْعَل)، فاضطر الترجمون إلى الجيء بكلمة تفيد العنى الذي أفادته الصيغة في كلتا الحالتين، وهذا يؤكّد مدى الاختلاف بين اللغة العربية من جهة واللغتين الفرنسية والإنجليزية من جهة أخرى، في كون الأولى لغةً اشتقاقية، كما أشرنا آنفاً، أي: إنهّا تعتمد الاشتقاقَ مبدأً من مبادئ أداء العاني النحوية أو الصرفية(()، بخلاف بعض اللغات الأخرى كالفرنسية أو الإنجليزية هنا، وهما لغتان إلصاقيتان، أي تعتمدان في أداء كثير من تلك للدلالة على eur"العاني على إلصاق بعض الوَحْدات ببعض، كإلصاق الفرنسية ... إلخ.Travailleur, Mangeur"صفة الفاعل في مثل من معاني (ال): التي تدلُّ في اللغة العربيّة على معان صرفيّة غايةً Morphèmes"تُعَدُّ (ال) من البا في الدقّة، إذ لا يكتفى فيها بالقول إنهّا للتعريف فحسب، بل هي تدل مع التعريف على معان أخرى لا بدّ للمترجِمم من اللسان العربي أن يكون على علم بها حتّى لا يكتفي في كلِّ سياق بنقل معنى التعريف الذي يتبادر إلى الأذهان من أوّل الرأي، فينقلها إلى اللغة الفرنسية دائماً ، دونما مراعاة للمعنى السياقي الذي دلّت عليه.the، وإلى الإنجليزية بلفظla أوleبلفظ ومما لم تُراعَ ترجمته في هذا الصدد بدقة، بحسب العنى الصرفي أو معنى الصيغة، ما ورد في القرآن الكريم بصيغة الصفة (صفة الفاعل أو غيرها من الصفات)، وتُرجم بصيغة أخرى كالفعل أو الصدر. ومثال ذلك لفظ (القارعة) الذي يعني: التي تقرع (القيامة أو الساعة أو الرزيِّة التي تقرع قلب صاحبها، أو الحالة التي تقرع فيها الناس (() يذكر الكفوي في تعريف الاشتقاق أنّه اقتطاع فرع من أصل يدور في تصاريفه حروفُ ذلك الأصل، وأنّه من خواص كلام العرب، فإنّهم أطبقوا على أن التفرقة بين اللفظ العربي والعجمي بصحة الاشتقاق. انظر: الكليات (ص

عدد الصفحات ٢٢

145 بالإفزاع والأجرام بالانفطار والانتشار)(()، على اعتبار أن (ال) هنا هي الوصولية التصلة بصفة الفاعل، فتكون (ال) بمعنى: التي، وصفة الفاعل بمعنى الفعل، وبهذا العنى فسرَّ النحاة عطف الفعل على صفة الفاعل في قوله تعالى: ﴿ ؛ لأن العنى: إن ]﴾ الذين تصدقوا واللواتي تصدقن وأقرضوا الله قرضا حسنا..(()، باعتبار أن الضمير في ﴾ عائد على مجموع الذكور والإناث.﴿ Le Choc Terrifiant(3)وقد تُرجمت (القارعة) عند مازيغ بـ كاسم معرَّف موصوف، بمعنى: الصدمة الروعة. La Fracassante(4)وعند جاك بيرك بـ وهي تحمل معنى القرقعة ومعنى التحطيم، وهما معنيان واردان في بعض كتب التفسير كما رأينا، ولكنها أيضاً لم تراع معنى الوصولية. بينما اكتفى حميد الله بمعنى الصدمة، Le Coup(5)وشرحها بكونها صدمة الانفجار ونهاية العالم، إذ ترجمها بـ L’assénante(6)وعند الشيخ حمزة بـ وهذه الترجمة التي تحمل معنى الضرب القوي جاءت كاسم فاعل معرَّف أيضاً، ولكننا نجد صاحبها كأنما استدرك أو فهم معنى الوصولية خلال ترجمته لهذه الكلمة في سياقها في السورة، وهو ما لم يفعله من سبق، إذ ترجم معنى قوله تعالى: ﴿ بـ:]﴾* Celle qui assène! Qu’est ce que celle qui asséne? .)40/48/78/(() انظر: أنوار التنزيل 44(/(() انظر: التبيان في إعراب القرآن 3) Le Coran, Sadok Mazigh, p 1157. (4) Le Coran, Jacques Berque, p 694. (5) Le Saint Coran, Muhammad Hamidullah, p 600. (6) Le Coran, Cheikh Boubakeur Hamza, 2/667.

عدد الصفحات ٢٣

146 ما الفرق بين اللفظتين كاسم للسورة مرةً، واستخدامها داخل سياق الآية بنفس Celle qui assèneالعنى مرةً أخرى!!. والأوْلى أن يكون اسم السورة عنده أيضاً، لأنّ (ال) هنا هي الوصولية ذاتها. أما الترجمتان الإنجليزيتان فقد ارتضت أولاهما، وهي ترجمة الهلالي وخان، The Striking Hour(1)معنى: ساعة القرع، إذ ترجما معنى اسم السورة بـ The Calamity(2)بينما ترجمه بيكثال بـ أي الكارثة، أو الصيبة. Les ouragans(3)والشيء نفسه يقال عن (الذاريات) فقد ترجمها الشيخ أبو بكر بـ على أنها اسم معرَّف أيضاً بمعنى الرياح، أو الزوابع، أو الأعاصير، ولكن الأستاذ الصادق Les Vents qui dispersent (4)مازيغ ترجمها بـ أي الرياح التي تذرو، فكأنه التمس معنى الوصولية في (ال)، وبذلك تكون ترجمته ، وهي - كما ذكرنا - الرياح Les Ventsأقرب إلى العنى الصرفي، وإلى معنى السياق التي تذرو، وإن لم يجَْرِم لها ذكر في اسم السورة أو خلالها، وهو مما يُعرف بداهةً في كلام العرب؛ لأن الوصولية هنا تقترب من العهدية، يقول تمام حسان في ذلك (ال) على الوصولية فتتحقق عند اقترانها بالوصف، لأن الوصف مشتق... فإذا اقترن الوصف بـ (ال) صلح أن يحل محله (الذي) أو (التي) ومع كل منهما فعل من مادة الوصف القترن بـ (ال)، فالؤمن هو الذي آمن والكافر هو الذي كفر.. وهكذا، ويبقى لها في هذه الحالة عموم الدلالة الذي تتسم به الوصولات؛ فتقرب بالوصولية من معنى الجنس، أي: إن الؤمن كل من آمن، والكافر كل من كفر، أو خصوص الدلالة الذي في 1) Interpretation of the Meanings of The Noble Qur’Ān, p 964. (2) The Glorious Qur'ân, p 600. (3) ibid, 2/439. (4) Le Coran, Sadok Mazigh, p 989.

عدد الصفحات ٢٤

147 الوصف؛ فتقرب بها من معنى العهد، إذ يكون الؤمن أحياناً هو الذي ذكر منذ قليل، أو هو العهود بين التكلم سبحانه وبين السامع Ceux qui arrachent(2)(النازعات)، إذ ترجمها بـ من غير ذِمكْرٍ للملائكة العنيين بهذا، وكان يمكن أن يفعل ذلك مع (الذاريات)، Celles qui dispersentفيترجمها بـ Les arracheuses(3)وقد ترجمها الشيخ أبو بكر بـ Celles qui arrachentكما فعل مع سابقتها، والأوْلى من ذلك أن تكون عنده فتجمع الترجمة بذلك بين معنى الصفة (صفة الفاعل) والوصولية التي تقترب بها من معنى العهد، وقد فعل ذلك في سياق الآية حين ترجمها بـ: J’en jure par celles qui arrachent(4) وهو بذلك قد استدرك معنى القَسَم أيضاً، وهو معنى دقيق يحُمد عليه ويمكننا في الترجمتين الإنجليزيتين أن نلاحظ معنى الوصولية بوضوح، فقد Those who pull out(5)ترجم الهلالي وخان معنى النازعات بـ ، وأن الذي يُنْتَزع هو angelsأي التي تنزع، وفسرَّ ذلك بين قوسين بأنها اللائكة Those who drag forth(6)الأرواح. وترجم بيكثال معنى الوصولية أيضاً بـ أي التي تسحب. ومما يتصل بهذا الباب دخول (ال) للربط؛ فتكون قريبة من الضمير في العنى؛ لأن الضمير يصلح أن يحل محلها حينئذ، وقد يقرِّبها ذلك من معنى العهد، وإن لم تكن * * دلالتها خالصة له، وذلك نحو ما جاء في قوله تعالى: ﴿ 4 - ((/(() البيان في روائع القرآن 2) Le Coran, Sadok Mazigh, p 1121. (3) Le Coran, Cheikh Boubakeur Hamza, 2/599. (4) ibid. 2/600. (5) Interpretation of the Meanings of The Noble Qur’Ān, p 928. (6) The Glorious Qur'ân, p 583.

عدد الصفحات ٢٥

148 وقوله في نفس السورة: ﴿]﴾ ، إذ العنى في الآيتين: هي ]﴾ * مأواه، بإحلال الضمير محل (ال). وتأتي فكرة قربها من العهد من احتمال العنى أن يكون: هي الأوى الذي تعرفونه؛ لأن الذهن يجعل الجحيم عقوبة العصيان ويجعل .الجنة جزاء التقوى، ولا يسمح العقل بعكس ذلك(() وقد ترجم الشيخ أبو بكر معنى الآيتين - على الترتيب - بـ: son refuge sera l’enfer son asile sera, certes, le paradis(2)وبـ وبغض النظر عن اختلاف ترجمة معنى الأوى معجمياً بين الآيتين، فإن الشيخ الدالة عليه. كما وُفِّق في sonقد أدرك أن (ال) هنا بمعنى الضمير، ولذلك جاء بـ ترجمة العنى الإضافي - الذي يُقرِّب (ال) من معنى العهد الذي شرحناه في الآيتين الدالة على معنى تحققه كأمر certesقبل قليل - بإدراجه في ترجمة معنى الآية الثانية لـ مُسَلَّم به، كما شرحناه آنفاً. وهو ما تفطن إليه الأستاذ مازيغ في ترجمته لعنى الآية L’enfer, en vérité, sera son refuge(3)الأولى أيضاً، إذ ترجمها بـ ومن أمثلة (ال) أيضاً أن تدل على كمال ما تتصل به، وتسمى حينئذ (الكمالية)، وهي في حقيقة أمرها الجنسية، لأن الجنسية إما لاستغراق الأفراد، وهي التي تخلفها ﴾ ، ونحو: ﴿]﴾(كلّ) حقيقة نحو: ﴿ ، أو لاستغراق خصائص الأفراد، وهي التي تخلفها (كل) مجازاً نحو: زيد ][ الرجل علماً، أي الكامل في هذه الصفة ((،/(() انظر: البيان في روائع القرآن (( 2) Le Coran, Cheikh Boubakeur Hamza, 2/602. (3) Le Coran, Sadok Mazigh, p 1123. .)7(/4(

عدد الصفحات ٢٦

149 فيه صفات الرجال الحمودة((). وقد جعل النحاة والبلاغيون من ذلك (ال) التصلة ، وفسرّوا بذلك ]﴾بالكتاب في قوله تعالى: ﴿ ﴾، يقول صلاح الدين بن كَيْكَلْدي ﴾ توكيداً لـ ﴿ كون ﴿ ﴾ في الآية وزان نفسه في قولك: جاءني الخليفة نفسه، فهو بيان وتحقيق وزان ﴿ مؤكد، لأنك لم ترد بقولك: جاءني الخليفة الجاز، فكذلك الآية فإنه لا بولغ في وصفه بالكمال، وبلوغه الدرجة القصوى منه؛ لجعله البتدأ ذلك وتقدير الخبر باللام، فكان نفيُ الريب عنه تأكيداً لكماله كأنه قال: هو ذلك الكتاب نوع من أنواع كمال الاتصال، وذلك بأن تُنَزَّل الجملة الثانية من الأولى منزلة التأكيد العنوي من متبوعه في إفادة التقرير، مع الاختلاف في العنى(()، وقال عبد القاهر في * ذلك أيضاً ﴾، وزيادة تثبيت له، ﴾ بيان وتوكيد وتحقيق لقوله: ﴿﴾ قوله: ﴿ وبمنزلة أن تقول: هو ذلك الكتاب هو ذلك الكتاب، فتعيده مرة ثانية لتثبته. وليس تثبيت الخبر غير الخبر، ولا شيء يتميز به عنه فيحتاج إلى ضامّ يضمه إليه وعاطف 4(»يعطفه عليه الؤكِّد والؤكَّد، فكذلك ينبغي في الجمل، وما التوكيد في الآية لكمال هذا الكتاب - الستفاد من (ال) - إلا بنفي الريب والشك عنه. وإذا ما عدنا إلى الترجمات الفرنسية لنرى مدى توفيق الترجمين في فهم هذا العنى الدقيق فإننا نجد ترجمة الشيخ حمزة قد أشارت إلى معنى التعريف مطلقاً، دون التعرض 95/(() شرح شذور الذهب ((().– 0/(() الفصول المفيدة في الواو المزيدة 48/(() الإيضاح في علوم البلاغة 77/4(

عدد الصفحات ٢٧

150 إلى معنى الكمال الذي نصت عليه (ال)، والذي نص عليه العلماء التذوقون، فقد ترجمها Ce Livre, sur lequel il n’y a point de doute(1)بـ وكذلك فعل حميد الله وجاك بيرك، إذ جاء في ترجمة الأول ما نصه: Ce Livre, point de doute(2) V oila l’Ecrit que nule doute n’entache(3)وفي ترجمة الثا بخلاف الأستاذ مازيغ الذي ترجمها بـ: V oici le Livre par excellence, sans nul doute (4) فأضاف معنى الكمال إلى الكتاب بجعله مثالياً أو في أعلى درجة، وذلك من خلال par excellenceتركيب بأكمله هو وقد خلت الترجمتان الإنجليزيتان عن معنى الكمال في التعريف أيضاً، فجاءت ترجمة This is the Book (the Qur’ân) , whereof there is no doubt(5)الهلالي وخان بـ This is the Scripture whereof there is no doubt(6)وترجمة بيكثال بـ دلالة التعجب من خلال صيغة الفعل: وفي صيغ الأفعال نجد أن الفعل قد ينتقل من معناه الوظيفي الأساسي، وهو الدلالة على الحدث والزمن، ليؤدي معنى خالفة التعجب ويقوم بوظيفتها في السياق، ويطّرد هذا العنى في صوغ (فَعَل) على وزن (فَعُل) من كل فعل صالح لشروط التعجب للدلالة على وظيفة إفصاحية، إذ ليس القصود بالعنى الوظيفي للفعل في مثل .هذه الحالة الإخبار كما يخبرون بالفعل من باب (كرُم 1) Le Coran, Cheikh Boubakeur Hamza, 1/08. (2) Muhammad Hamidullah, Le Saint Coran, p 02. (3) Le Coran, Jacques Berque, p 25. (4) Le Coran, Sadok Mazigh, p 09. (5) Interpretation of the Meanings of The Noble Qur’Ān, p 02. (6) The Glorious Qur'ân, p 02. 7(

عدد الصفحات ٢٨

151 ومما جاء من ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ ، إذ العنى: عَظُمَتْ الكلمة كلمة تخرج من أفواه هؤلاء ]﴾ القوم الذين قالوا: اتخذ الله ولداً، واللائكة بنات الله(()، أو عظمت مقالتهم هذه في الكفر لا فيها من التشبيه والتشريك وإيهام احتياجه تعالى إلى ولد يعينه ويخلفه إلى غير ذلك من الزيغ((). ثم وصف الكلمة بقوله: تخرج من أفواههم، وفائدة هذا الوصف استعظام اجترائهم على التفوه بها((). ومعنى التعظيم هنا أنه على معنى التعجب، إذ التعجب - كما جاء في كشاف اصطلاحات الفنون - هو استعظام صفة خرج بها التعجب منه عن نظائره، أو هو تعظيم الأمر في قلوب السامع عن (فعُل) هذه أو محوّلاً إليه من فعل أو فعل، ذهب الأخفش والبرد إلى إلحاقه بباب التعجب...، وأكثر النحاة إلى إلحاقه بباب نعم وبئس...، وفي التسهيل أنه من باب نعم وبئس ، وقد ذكر في 5(»وفيه معنى التعجب، والراد به هنا تعظيم الأمر في قلوب السامع موضع آخر أن الثلاثي الحول إلى (فعُل) لفظاً أو تقديراً موضوع للتعجب كما صرح .به النحاة ورأى عباس حسن - من الحدَثين - أنّ الأصل العام أنْ يقتصر كل فعل تحتويه الجملة الفيدة على تأدية معنى واحد مناسب يُكتفى به، ولا ينضمُّ إليه معنى آخر. وأنّ هذا الأصل العام ينطبق على أكثر الأفعال الثلاثية، حيث يقتصر كل فعل 94/(() جامع البيان 476/(() أنوار التنزيل 477/70/(() فتح القدير 90/4( .)(04/5( .)(/6(

عدد الصفحات ٢٩

152 منها على تأدية معناه الخاص الواحد من غير دلالة معه على مدح أو ذم أو تعجّب، غير أنه من المكن أن يدخل شيء من التغيير على صيغة الفعل ليصير على وزن معينّ - كصيغة (فعُل) التي نحن بصدد الحديث عنها -؛ فيؤدي معناه الأصلي الخاص مع زيادة في الدلالة، تتضمّن الدح بهذا العنى اللغوي الخاص، أو الذم به، كما تتضمّن - في الوقت نفسه - الإشعار بالتعجّب في الحالتين: أي حالة الدح، أو حالة الذم. فالزيادة الطارئة على العنى اللغوي للفعل بعد تغيير صيغته تتضمن الأمرين معاً: الدح .مع التعجب، أو الذم مع التعجب(() وكل هذا يعني أن (كبرُت) في الآية يُقصد بها معنى التعجب، ولاسيما إذا علمنا أن الكبر يستعار للعظمة في كثير من الواقف(()، وقد رأينا أن التعجب هو تعظيم الأمر في قلوب السامعين، أو استعظام الصفة التي خرج عليها. وقد ترجم الشيخ أبو بكر هذه الآية بـ: Ce que leurs bouches expriment est un blasphème grave(3) على معنى التعظيم الذي يُستفاد من التعجب، وهو بذلك قد أدى العنى الراد من التعجب (تعظيم الأمر لدى السامعين)، ولكن بصيغة أخرى غير صيغة التعجب التي تجعله أقوى. كما ترجمها الأستاذ مازيغ بـ: Monstrueux blasphèmes que ce qu’ils profèrent et mensonge évident!(4) أي: شتيمة هائلة هذه التي تلفَظُّوا بها وبهتان واضح. وقد أضاف إلى معنى العظمة ، دلالة التعجب بإيراده لعلامة الترقيم (!) الدالة عليه. بينما نجد حميد Monstrueux 84/(() انظر: النحو الوافي 94/(() انظر: روح المعاني 3) Le Coran, Cheikh Boubakeur Hamza, 1/423. (4) Le Coran, Sadok Mazigh, p 549.

عدد الصفحات ٣٠

153 الله قد أتى مباشرة بصيغة التعجب، فترجم معنى الآية بـ Quelle énormité que la parole qui sort de leurs bouches!(1) ولم تلتفت الترجمتان الإنجليزيتان إلى معنى التعجب، واكتفتا بذكر لفظ التعظيم للكلمة النطوق بها، فجاءت ترجمة الهلالي وخان كما يلي: mighty is the word that comes out of their mouths(2). وفي ترجمة بيكثال جاء ما نَصُّه Dreadful is the word that cometh out of their mouths(3). ونظير ما سبق من دلالة (فعُل) على التعجب ما نجده في قوله تعالى: ﴿ ، إذْ يذكر الطاهر بن عاشور أنّ (حسُن) فعلٌ مراد به الدح ]﴾ ملحق بنِمعْم، ومضمّن معنى التعجب من حسنهم، وذلك شأن (فعُل) - بضم العين - من الثلاثي أن يدل على مدح أو ذم بحسب مادته مع التعجب. وأصل الفعل حسَن ﴾ - بفتحتين - فحُوّل إلى فعُل - بضم العين - لقصد الدح والتعجب. و﴿ ﴾ تمييز، أي ما أحسنهم حسنوا من جنس الرفقاء﴾، و﴿ فاعل ﴿ ﴾، فيه معنى التعجب، كأنه قيل: وما أحسن أولئك الزمخشري رفيقاً، ولاستقلاله بمعنى التعجب قرئ (وحَسْن) - بسكون السين - يقول التعجب: .حَسُن الوجهُ وجهَك، وحَسْن الوجهُ وجهَك، بالفتح والضم مع التسك ولم يتفطن مازيغ لعنى التعجب فجاء بمعنى الآية خلواً منه، إذ اعتبر أنّ التحدَّث عنهم سيكونون أحسن الرفقاء، وهذا نص ترجمته: 1) Muhammad Hamidullah, Le Saint Coran, p 294. (2) Interpretation of the Meanings of The Noble Qur’Ān, p 446. (3) The Glorious Qur'ân, p 294. .)((6/4( .)(55/5(

عدد الصفحات ٣١

154 Ce seront là les meilleurs des compagnons (1). بينما تفطن له حميد الله، وحمزة بو بكر، فجاءت ترجمتهما على التوا Et quels bons compagnons que ceux - là! (2). Quels bons compagnons! (3). كما تفطنت له الترجمة الإنجليزية، إذ جاء في ترجمة الهلالي وخان ما نصّه And how excellent these companions are! (4). ﴾ومثلُه ما جاء في قوله تعالى: ﴿ ﴾: بئس شيئاً عملُهم، إذ أَوْرَد الزجّاج أنّ معنى ﴿ ][ الزمخشريّ - وتَبِمعَه في ذلك الرازي - أنّ فيه معنى التعجب، فكأنّه قيل: وكثيرٌ منهم ما أسوأ عملهم هذه الحالة مُلحق بـ (بئس) ويتضمّن معنى التعجب، إلاّ أنّ أبا حيّان ذكر أنّ ابن عطيّة جعلها (ساء) التصرّفة كما تقول: ساء الأمر يسوء، فتحتاج حينئذٍ إلى تقدير مفعول، أي ساء ما كانوا يعملون بالؤمن أبي محمّد، لقول ابن عطيّة بعد ذلك تكون (ساء) في هذه الآية غير التصرّفة الفيدة معنى الذّم التضمّن للتعجّب. ولم يورد جاك بيرك هذا العنى - الذي هو التعجب - في ترجمته، إذ ترجم معنى Mais de beaucoup d’entre eux les actions sont mauvaises (9)الآية بـ 1) Le Coran, Sadok Mazigh, p 169. (2) Muhammad Hamidullah, Le Saint Coran, p 89. (3) Le Coran, Cheikh Boubakeur Hamza, 1/106. (4) Interpretation of the Meanings of The Noble Qur’Ān, p 139. .)(9(/5( .)4(/8/6( .)5(8/7/7( .)((7/8( (9) Le Coran, Jacques Berque, p 131.

عدد الصفحات ٣٢