المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مجلة البحوث والدراسات القرآنية إصدار خاص 004

ملتقى مجمع الملك فهد

صفحة ١ من ٣

123 تناولت في هذه الدراسة مجموعةً من الترجمات الفرنسية والإنجليزية التي لقيتْ رواجاً معتبراً عند الدارسين، لِما عُرفت به من دقّة في أداء العاني القرآنية من جهة، ولِما عُرف عن أصحابها من أمانة وحُسن نيّة في نقل تلك العاني إلى الآخر من جهة ثانية. وألخّص أهمّ معالم هذه الدراسة فيما يلي: ابتدأت هذه الدراسة بتمهيد بيّنتُ فيه ماهية الصيغة الصرفية، وكيفية عمل النظام الصرفي، وضرورة مراعاة السياق التركيبي عند البحث عن معنى صيغةٍ ما. اهتممت بإظهار تعدد المعنى للمبنى الواحد، أو لنَقل للصيغة الواحدة، وضربت لذلك أمثلة من القرآن الكريم واختلاف المفسرين - ومن ثمّ المترجمين - في الوقوف على المعنى المراد منها. ركّزت في الحديث عن التعريف - وهو معنىً من معاني التصريف كما سيتّضح - على بعض دلالات (ال) وإلصاقها ببعض الصيغ الصرفيّة كصيغة صفة الفاعل، وصيغة (أفعل)، وغيرهما. كما عرّجت على بعض المعاني المستفادة من صيغٍ غير صيغها المعهودة، كدلالة صيغة صفة الفاعل على معنى صفة المفعول، أو كدلالة بعض صيغ المبالغة على معنى غير المبالغة...، وغير ذلك من القضايا الجزئية. وتطرقت في الأخير إلى بعض الإيحاءات الدلالية في بعض الصيغ في القرآن، وكذا بعض الاختيارات القرآنية لصيغ دون أخرى. (*) أستاذ اللغويات بقسم اللغة العربية وآدابها، جامعة الأغواط بالجزائر.

عدد الصفحات ١

124 تمهيد الحمد لله ربّ العالين، والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين. تُعَدّ الصيغ الصرفية(() هيئات أو قوالب حاصلة من ترتيب الحروف وحركاتها وسكناتها(()، وهي بذلك تمثّل أبنيةً للكلمات من حيث عددُ حروفها الرتّبة وحركاتها العيّنة وسكونها، مع اعتبار الزائدة والأصلية، كلٌّ في موضعه. والعِملْمُ الذي يهتم بهذه الأمور وغيرها يُسمى (الصرَّْف) أو (التصريف)، وهو - على ما حكى التَّهانوي - .جزء من أجزاء النحو بلا خلاف من أهل الصيغة(() ويرى د. تمّام حسّان أن النظام الصرفي في اللّغة العربية يتكون من ثلاث دعائم هامّة، يمكن رصدها فيما يلي: () مجموعة من المعاني الصرفية التي يرجع بعضها إلى التقسيم، أي تقسيم الكلم كالاسمية والفعلية والحرفية، ويرجع بعضها إلى التصريف (تصريف الصيغ) كالإفراد، وفروعه، والتكلم وفروعه، وكالتذكير والتأنيث، والتعريف والتنكير، ويرجع بعضها الآخر إلى مقولات الصياغة الصرفية كالطلب والصيرورة والمطاوعة والألوان والأدواء والحركة والاضطراب، أو إلى العلاقات النحوية كالتعدية والتأكيد...، وهلم جرّاً. (() يفرّق بعض المحدَثين بين الصيغة والميزان بأن الأولى مبنى صرفي، والثاني مبنى صوتي، مثال ذلك أن صيغة فعل الأمر (قِم) - من وقى - هي (افْعَلْ)، ولكن وزنه هو ما يقابل هذا الحرف من الحروف الأصول، وهو (عِم). وقد يتّفق هيكل الصيغة في صورته مع هيكل الميزان، فالفعل (ضرب) صيغته 45 – (فَعَل) وميزانه (فَعَل) أيضاً. انظر في ذلك: اللغة العربية معناها ومبناها (ص 4(/(() انظر: كشّاف اصطلاحات الفنون (() وما بعدها./(() انظر: نفس المصدر ((

عدد الصفحات ٢

125 تتمثل في الصيغ الصرفية، وفي اللواصق Morphèmes() طائفة من المباني والزوائد والأدوات، فتدل هذه المباني على تلك المعاني، أحياناً بوجودها أو الدلالة Zeromorphèmesإيجاباً، وأحياناً بعدمها سلباً (وهو ما يسمى بـ العدمية). () طائفة من العلاقات العضوية الإيجابية، وهي وجوه الارتباط بين المباني وطائفة أخرى من المقابلات أو القيم الخلافية بين المعنى والمعنى، وبين المبنى والمبنى، وذلك كالعلاقة الإيجابية بين (ضرْب) و(شهْم) من جهة تشابههما في الصيغة، وكالمقابلة التي تتمثل في القيم الخلافية بينهما من جهة المعنى، فالأول مصدر والثاني صفة مشبهة. وتفرق اللغة بمثل هذه المقابلات كاعتبار التجرد في مقابل الزيادة، والصيغة في مقابل الصيغة، والتكلم في مقابل الخطاب أو الغيبة، والاسمية في مقابل الفعلية... وغيرها، وهذه المقابلات هي . عصب النظام الصرفي؛ فلا يُتصوَّر نظام بدونها(() كما أن الصيغة الصرفية تُعَدُّ من بين العناصر - الصوتية والصرفية الكثيرة - التي تربط بين هذا النظام الصرفي والنظام النحوي العام للّغة العربية، حتى إننا لنجد القرائن اللفظية الدّالة على أبواب النحو الختلفة هي في جملتها عناصر تحليلية مُستخرَجة من الصوتيات والصرف، من ذلك مثلاً اشتراط صيغة صرفية ما لتكون مبنى لباب نحوي بعينه؛ فتكون بذلك قرينة لفظية على ذلك الباب، كاشتراط الصدر للمفعول الطلق والفعول لأجله، وكالقول بالجمود للتمييز، ثم بالاشتقاق للحال والنعت الحقيقي، وكاطّراد صيغة البني للمفعول في الإسناد إلى نائب الفاعل...، وهلم جرّاً((). وكثيراً (() اللغة العربية معناها ومبناها (ص (() نفس المرجع (ص

عدد الصفحات ٣

126 ما تكون مثلُ هذه الشروط الصرفية فاصلاً مُهماًّ عند التباس بعض أبواب النحو أثناء الإعراب، ولذلك فإنّه ينبغي لن يمارس التحليل النحوي إتقان ضوابط علم الصرف، والصور الختلفة من أحكام: الجرّد والزيد، ومواضع زيادة الحروف ومقاصد تلك الزيادات، وأبنية الأسماء والأفعال...، وما تحتمله الصيغة الواحدة من الدلالات الصرفية عامةً، وفي سياقها التعبيري خاصةً، ووسائل التحديد للمراد الواقعي((). ومن هذا النطلق فلا بُدّ أن يكون أَمْنُ اللَّبس بين البنى والبنى غايةً كبرى تحرص عليها اللغة .في صياغتها للمباني الصرفية(() وقد تفطن نحاة العربية منذ وقت مبكر لا للصيغة من أهمية في دراسة الفردات مبنىً ومعنى، ويظهر ذلك عند ابن جني مثلاً في تفريقه بين الدلالة اللفظية والصناعية (الصيغة) والعنوية بقوله على زمانه، ودلالة معناه على فاعله، فهذه ثلاث دلائل من لفظه وصيغته ومعناه. وإنما كانت الدلالة الصناعية أقوى من العنوية من قِمبل أنها، وإن لم تكن لفظاً، فإنها صورة يحملها اللفظ ويخرج عليها، ويستقر على الثال العتزم بها؛ فلما كانت كذلك لحقت . بحكمه وجرت مجرى اللفظ النطوق به؛ فدخلا بذلك من باب العلوم بالشاهدة فالصيغة وإن كانت مجردة غير ظاهرة، فإنَّ اللفظ - بما اعتُمد فيه من ترتيب للحروف وبيان للحركات - يُظهر صورتها ويكشف عنها، ومن ثَم نستشفُّ معناها فيه، وهذا العنى لا يقتصر على الزمن كما في مقولة ابن جني، بل يتعداه إلى معان كثيرة - كنا قد ذكرنا بعضها - كالحركة والاضطراب، والصيرورة والطاوعة والطلب... إلخ، والدلالة على صفة الفاعل والفعول...، وغيرها من معاني الشتقات. (() انظر: التحليل النحوي أصوله وأدلّته (ص (() المصدر السابق (ص 98/(() الخصائص

عدد الصفحات ٤

127 غير أن هذه الدلالة لا تؤخذ من الصيغة وحدها، بل يجب أن تراعى معها وما يحويه من قرائن دالة على Le Contexteحيثيات أخرى، لعل أهمها السياق العنى الراد من هذه الصيغة أو تلك، إذ لا يكفي في مثل قوله تعالى: ﴿ أن يقال إن الفعل (جاء) دلَّ على الزمن الاضي لأنه جاء على ]﴾ صيغة (فعَل)، وهذه الصيغة تدل على الاضي، بل يجب أن نراعي السياق الذي وردت فيه هذه الصيغة لنقف على دلالتها الزمنية بدقّة (وهو ما يسمى بالزمن النحوي، لا الزمن الصرفي)، وهو هنا سياق شرطي مُصدَّر بـ (إذا)، وهي لا يُستقبل من الزمان؛ مما يعني أن الفعل بعدها يكون دالاً على الزمن الستقبل، ومن ثم فإنّ الفعل (جاء) في الآية جاء على صيغة (فَعَل) التي تُنسَب إليها الدلالة على الزمن الاضي، ولكنه دال على الزمن الستقبل لجيئه بعد (إذا) الشرطية. والشيء نفسه يقال عن الفعل الضارع الذي تدل صيغته (يَفْعَلُ) على الحال أو الاستقبال، ولكنها قد تدل على الزمن الاضي في سياق معينّ، كسياق النفي في قوله تعالى: ﴿ ]﴾ هذا من جهة، وأما من جهة أخرى فإنّ في تعدد العنى بالنسبة للمبنى الصرفي الواحد دليلاً قويّاً على جدوى مراعاة السياق، وما يحمله من قرائن لفظية أو معنوية أو حالية للوقوف على الدلالة الدقيقة، فإذا كان الفعل (تسمعُ) عند إطلاقه يحتمل أن يكون للمخاطب الذكر (أنتَ) وللغائب الؤنث (هي)، فإنه يتحدد ويختص بأحدهما في السياق، ويذكر الدكتور تمّام حسّان في هذا الصدد أنّه قد يحدث أن تتشابه صيغتان في النظام مع اختلاف معناهما، فحين لا نجد اختلافاً بينهما نلجأ إلى القرائن نستبين بها معنى كلٍّ منهما، وأعطى مثالاً على ذلك صيغة (فاعِملْ) عند النظر إليها باعتبارها مبنىً غيرَ منطوق وغير موضوع في سياق متَّصل، إذ نجدها صالحة للدلالة على معنيين: أحدهما اسم الفاعل من (فَعَلَ)، والآخر الأمر من (فاعَلَ). وكمثال دقيق لتوضيح

عدد الصفحات ٥

128 ذلك أخذ الكلمة (قاتِملْ) ساكنة الآخر بالوقف، وأشار إلى أنّنا نجدها لا تزال - وهي .كلمة لا صيغة فحسب - صالحة للمعنيين معاً(() وهكذا نُخَرِّج عمل سيبويه حينما تحدّث في كتابه عن بعض قضايا الدلالة الرتبطة بالجانب الصرفي وتعلُّقه بالتحليل النحوي، وإشارته إلى ظاهرة الشترك اللفظي في قوله والعنى واحد، واتّفاق اللفظين واختلاف العنيين...، واتّفاق اللفظين والعنى مختلف قولك: وجدتُ عليه، من الَوجِمدة، ووجدت، إذا أردت وجدان الضّالّة. وأشباه هذا كث العاني عليها، وكذا علاقاتها النحوية، فإذا ربطتها بمضمون مصدرها (الوُجد) كانت بمعنى: استغنى، واكتفت بالفاعل وحده، وإذا جعلتَ فيها مرادَ (الوجود) صارت بمعنى: أدرك، واحتاجت إلى مفعول به أيضاً، وإن زعمتَ فيها الدلالة على (الوجدة) أصبحت بمعنى: غضب، واقتضت جارّا ومجروراً (عليك) مثلاً، وإذا حمّلتها مقصد (الوَجْد) عادت بمعنى: هامَ، وتطلّبت مثل قولك: بها، ثمّ حين تريد بها حدوث العِملم .تلقاها في حاجة إلى مفعولين(() ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى تعدد معاني الصيغ في العربية كما يذكرها النحاة، إذ تدل صيغة (فعَّل) على: التكثير، والتعدية، والسلب، واختصار الحكاية... إلخ، وتدل (أفعَلَ) على: التعدية، والسلب، والصيرورة، والدخول في الشيء زماناً ومكاناً...، وهكذا مع أغلب الصيغ في العربية (() انظر: اللغة العربية معناها ومبناها (ص 4/(() الكتاب (() التحليل النحوي أصوله وأدلّته (ص(((). 4(

عدد الصفحات ٦

129 معناه الوظيفي ويظل احتمالياً ما دام البنى مفرداً(()، أي مطلقاً دون ضابطٍ من السياق ويتحدد العنى هنا أيضاً من خلال السياق بما يحمله من قرائن، غير أن السياق في بعض الأحيان قد يسمح باحتمالية تعدّد العاني في الصيغة الواحدة، وقد لا يكون فيصلاً في بيان العنى الراد بدقّة؛ مما يفتح أبواب الخلاف بين النحاة واللغويين في دلالات بعض الألفاظ وما تفيده أبنيتها من العاني الختلفة، بل وبين مفسري القرآن الكريم كما سنتبيّنه هنا بإذن الله. تلك كانت بعض القضايا الهامة التي أردت أن يطلع عليها القارئ الكريم قبل أن نخوض معه غمار البحث في بعض الترجمات الفرنسية والإنجليزية لعاني القرآن الكريم، على أن تكون هناك بين الحين والآخر إشارات إلى غير ما سبق من دلالات الصيغ والأبنية ومقابلاتها في اللغة الهدف. دلالة الصيغة الصرفية الواحدة على أكثر من معنى، وأثر ذلك في التفسير والترجمة: قد تختلف العاني في العربية على الصيغة الواحدة كما رأينا؛ فيكون ذلك مدعاة ﴾ في لاختلاف الفسرين من هذه الجهة، ومن أمثلة ذلك اختلافهم في دلالة لفظ ﴿ ، على اعتباره ]﴾قوله تعالى: ﴿ ﴾ تمييزاً أو مفعولاً فعلاً ماضياً أو (أفعل) تفضيل، ومن ثم اختلفوا أيضاً في كون ﴿ ﴾((). ودقّق ابن هشام ﴾، ومنهم من قال هو منصوب بـ ﴿به أو ظرفاً(() لـ ﴿ في ذلك ففرَّق بين العنيين اللذين تحتملهما صيغة هذه اللفظة قائلاً (() أقسام الكلام العربي بين الشكل والوظيفة (ص (() ويكون التقدير - في الظرف -: أي الحزبين أحصى للبثهم في الأمد، والأمد: الغاية. 7(/64/(() انظرتفصيل ذلك في: الجامع لأحكام القرآن 4(/إعراب القرآن

عدد الصفحات ٧

130 ذهناً، وعمرو أحصى مالاً، فإن الأول على أن مثل أحسن وجهاً، والثاني على أن أحصى فعل ماض، والنصوب مفعول، مثل ﴿ ﴾ إنه من . ومن الوهم قول بعضهم في: ﴿]﴾ الأول، فإن الأمد ليس محُصِمياً بل محُصىً، وشرط التمييز النصوب بعد (أفعل) كونه فاعلاً ﴾ فعل في العنى كـ: زيد أكثر مالاً، بخلاف: مال زيد أكثر مال ﴾ منصوب على الفعولية لا على التمييز.ماض مضارعه (يحصي)، و﴿ وقد تُرجم معنى هذه الآية عند الأستاذ مازيغ بـ: pour voir deux parties opposés disputer de la durée de leur séjour, et savoir lequel l'évaluerait le mieux(2). وعند الشيخ حمزة بـ pour savoir lequel des deux parties évaluerait le mieux la durée de leur séjour(3). كما ترجمه جاك بيرك بـ puis les ranimâmes pour savoir lequel des deux parties serait le plus apte à compter le temps de leur séjour (4). وجاء في ترجمة محمّد حميد الله ما نصّه afin de savoir lequel des deux groupes saurait le mieux calculer la durée exacte de leur séjour (5). ﴾ باعتباره (أفعل ونلاحظ اتّفاق هذه الترجمات في نقل معنى ﴿ أي: أفضل أو أحسن إحصاءً، عند le mieuxتفضيل، لا فعلاً ماضياً، بدلالة أي: أكثر إحصاءً، le plusكلٍّ من الأستاذ مازيغ والشيخ حمزة ومحمّد حميد الله، و عند جاك بيرك. ولو افترضنا أنّ هؤلاء الترجمين قد عادوا جميعاً إلى التفاسير 78(/(() مغني اللبيب 2) Le Coran, Sadok Mazigh, Maison Tunisie de l'edition, p 549. (3) Le Coran, Cheikh Boubakeur Hamza, ENAG/Edition, Alger, Algerie, 1989, 1/424. (4) Le Coran, Jacques Berque. Sindbad. Paris,1990, p 307. (5) Le Saint Coran, Mouhammad Hamidallah. Amana Corporation, France,1989, p294.

عدد الصفحات ٨

131 ووقفوا على ذلك الخلاف الذي أشرنا إليه، وهو من نتائج اللّبس في البنى، فع أيّ شيء اعتمدوا في ترجمة هذا اللفظ بمعنى التفضيل فقط!؟ على الرغم من نص بعض النحاة - كما رأينا عند ابن هشام - على عدم صحّته، وصحة جعل ﴾ فعلاً ماضياً.﴿ وما قيل عن الترجمات الفرنسية يقال عن الترجمتين الإنجليزيتين، إذ جاء في ترجمة الهلالي وخان ما نصّه: Then We raised them up (from their sleep), that We might test which of the two parties was best at calculating the time period that they had tarried(1). وترجمها بيكثال بـ that We might know which of the two parties would best calculate the time that they had tarried (2). ويظهر معنى الفاضلة بين الفريقين عند الترجمَينْ 1. which of the two parties was best at calculating 2. which of the two parties would best calculate. ﴾ الثانية من قولهومن أمثلة هذا النوع أيضاً اختلاف الفسرين في لفظة ﴿ ، وسبب ]﴾تعالى: ﴿ ﴾ على صيغة (أفعل)؛ فتحتمل بذلك أن تكون صفةً، اختلافهم هو مجيء ﴿ وأن تكون للتفضيل. وعلى هذين العنيين اللذين تحتملهما هذه الصيغة دارت أقوال الفسرين، وقد ربطوا بين معنى العمى الراد وبين دلالة هذه الصيغة، فمن ذهب ﴾ منهم إلى أن العمى القصود هو عمى البصر - بعد إجماعهم على أن معنى ﴿ ﴾ مجرّدُ صفة كسابقتها في الآية ﴿ الأولى عمى القلب(() - رأى أن ﴿ 1) Interpretation of the Meanings of The Noble Qur’ān, Muhammad Muhsin Khàn, and Muhammad Taqi-ud-din Al-Hilāli. Maktaba Dar-us-Salam, Riyadh, Kingdom of Saudi Arabia, 1994, p 447. (2) The Glorious Qur'ân, Marmaduke Pickthall. Bi-lingual Edition,1996, p 710. « :)(46/(() جاء في فتح القدير

عدد الصفحات ٩

132 ﴾؛ لأن (أفعل) لا تصاغ من هذا الفعل، وإنما يقال: أشد عمى. أمّا من ﴾ على التفضيل، مستدلاًّ بعطف ﴿جعل العمى عمى البصيرة فقد حمل ﴿ ﴾ عليها. كما ربطوا هذين العنيين بطريقة الأداء؛ فمن رأى الرأي الأول أمال، ومن رأى الثاني فتح. وقد لخّص لنا الطبري كل ذلك - مرجّحاً الرأي الثاني - بقوله: ﴾ فإن عامّة قراء الكوفيين أمالت أيضاً قوله: ﴿ « ﴾، وأما بعض قراء البصرة فإنه فتحه، وتأوّله بمعنى: فهو في الآخرة ﴾. وهذه القراءة هي أوْلى أشد عمى. واستشهد لصحة قراءته بقوله: ﴿ القراءتين في ذلك بالصواب للشاهد الذي ذكرنا عن قارئه كذلك، وإنما كره من كره قراءته كذلك ظنّاً منه أن ذلك مقصود به قصد عمى العينين الذي لا يوصف أحد بأنه أعمى من آخر أعمى، إذ كان عمى البصر لا يتفاوت؛ فيكون أحدهما أَزْيَد عمًى من الآخر إلا بإدخال (أشد) أو (أبين) فليس الأمر في ذلك كذلك. وإنما قلنا ذلك من عمى القلب الذي يقع فيه التفاوت فإنما عني به عمى قلوب الكفار عن حجج الله التي قد عاينتها أبصارهم، فلذلك جاز ذلك وحسُن. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل: ذكر من قال ذلك حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: ﴾، قال: أعمى عن أخبرنا سفيان، عن ابن أبي نَجِميح، عن مجاهد: ﴿ .حجته في الآخرة وقد فسرَّ ابن عطية علاقة طريقة الأداء والقراءة بالعنى القصود من العمى ﴾ في الوضعين بقوله بغير إمالة، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم بخلاف عنه في الوضعين بإمالة، وقرأ أبو عمرو بإمالة الأول وفتح الثاني، وتأوله بمعنى: أشد عمى، ولذلك لم يُمله، قال ﴾ ليس كذلك؛ لأن تقديره: أبو علي: لأن الإمالة إنما تحسن في الأواخر، و﴿ 99 – (98/9/(() جامع البيان

عدد الصفحات ١٠

133 أعمى من كذا، فليس يتم إلا في قولنا من كذا، فهو إذاً ليس بآخر، ويقوي هذا ﴾ الذي هو (أفعل ﴾، فإنما عطف ﴿ التأويل قوله عطفاً عليه: ﴿ من كذا) على ما هو شبيه به...، وقول سيبويه رحمه ا كما يقال ما أبداه . والحاصل أنّ إدخال الإمالة في الأولى دالٌّ فيقال ذلك لأنه يقع فيه التفاضل دلالةً لفظيّة على أنه ليس الراد (أفعل) التفضيل، وتركها في الثانية يدل على أن .الراد منها (أفعل) التفضيل(() واستدل من قال إن عمى الآخرة عمى بصر - لا عمى بصيرة - وأنه لا تفضيل . وعلة (()]﴾فيه بقوله تعالى: ﴿ عدم حمَْلهِم على التفضيل أنه مما ليس لصاحبه فيه فعل يقِملّ أو يكثر، فيكون (أفعل) دليلاً على قلّة الشيء وكثرته، فأنت لا تقول لأعميين - في عمى البصر دائماً -: هذا أعمى من هذا، ولا ليِّتَينْ: هذا أموت من هذا. ومن أراد عمى القلب جاز له أن يقول على .التفضيل: فلان أعمى من فلان وقد أجمعت الترجمات الفرنسية على نقل العنى باعتبار الصفة لا التفضيل، فجاءت على النحو التالي: الشيخ أبو بكر حمزة: Quiconque aura été aveugle ici - bas le sera également dans l'au - delà et il sera plus égaré [encore] par rapport à la bonne route(5). .)474/(() المحرر الوجيز 6/(() التفسير الكبير 7/46/6(/(() انظر: البحر المحيط 8 – ((7/4( (5) Le Coran, Cheikh Boubakeur Hamza, 1/405.

عدد الصفحات ١١

134 الصادق مازيغ Pour celui qui aura été aveugle en ce monde, il le sera de méme dans l'autre, il y retrouvera encore moins sa voie(1). جاك بيرك qui aura été aveugle ici-bas, celui-là le sera aussi dans la vie dernière, et plus gravement encore égaré du chemin...(2). محمد حميد ا Et quiconque est aveugle ici-bas, alor il sera aveugle dans l'au-delà, et en chemin plus égaré(3). أي أن الإنسان الذي يكون في هذه الدنيا أعمى، سيكون كذلك بهذه الصفة في الآخرة، إذا أردنا أن نعيد ترجمة كلامهم بصفة عامة. الهلالي وخان، وهما الوحيدان اللذان أشارا بين قوسين إلى أن المراد بالعمى الأول عمى البصيرة (عدم النظر في آيات الله..)، ولكنّهما لم يصرفا العمى الثاني إلى معنى المبالغة، وقد جاءت ترجمتهما على النحو التالي: And whoever is blind in this world (i.e does not see Allah's Signs and believes not in Him), will be blind in the Hereafter, and more astray from the path (4). ﴾ على الرغم من أنّه معطوف - كما وقد أخذا بمعنى المبالغة في﴿ ﴾، فكان بإمكانهما أن يترجما الآية بـ:رأينا سابقاً - على ﴿ will be more blind in the Hereafter, and more astray from the path. لأنَّ السياق لا يمنع من ذلك بيكثال: Whoso is blind here will be blind in the hereafter…(5). وهو أيضاً لم يعتمد معنى المبالغة والتفضيل 1) Le Coran, Sadok Mazigh, p 541. (2) Le Coran, Jacques Berque, p 302. (3) Le Saint Coran, Muhammad Hamidullah, p 289. (4) Interpretation of the Meanings of The Noble Qur'Ān, p 439. (5) The Glorious Qur'ân, p 289.

عدد الصفحات ١٢

135 وقد ظهر لي وأنا أتدبر هذه الآية ما يؤكّد ضرورة صرف هذه الصيغة إلى معنى البالغة، وذلك حينما نربطها بسياقها الذي وردت فيه، وهو سياق الآخرة التي يحشر الله الكافر فيها أعمى بصراً وبصيرة، بعد أن كان في الدنيا أعمى بصيرة لا بصراً؛ فيكون عمى الآخرة أشدَّ وأعظمَ على الكافر من عَمَى الدنيا، ودليل ذلك ما جاء على لسان * الكافر في الآخرة من قوله تعالى: ﴿ ]﴾ ومن الأمثلة التي تمس بعض الصيغ في العربيّة واحتمالها عدة معان في سياق بعينه ما نجده من احتمال كلمة (مختار) و(معتاد) لأن تكون كل منهما صيغة فاعل أو مفعول، فأنت تقول: اخترت الثوب فهو مختار، وأنا مختار له، (أي: اختار فهو مختار، واختير فهو مختار أيضاً)، وتقول: اعتدت أن أفعل هذا . ومثله في ذلك كلمة (الُحتَلّ) التي قد الأمر فهو معتاد، وأنا معتاد على فعله(() تعني الذي احتل غيرَه (صفة فاعل)، أو الذي احتلّه غيرُه (صفة مفعول)، ولا يتّضح الراد إلا بسياق هذه الكلمة، كأنْ تقول: إنّ الحتلَّ لا يهدأ له بال حتّى يقضي على القاومة، أو إنّ الحتلَّ لا يهدأ له بال حتّى يطرد الستعمِمر من بلاده. وقد تأتي الكلمة على صيغة معينة، ويكون معناها على معنى صيغة أخرى، ومن ذلك صيغة (فاعل) الدالة على معنى الفعول أو النسب(() كقوله تعالى: ، أي مرْضيَّة، أو ذات رضى. وقد ربط الفراء ]﴾﴿ خروجها وصيغة (مفعول) إلى غير معناها التعارف بمعرض الدح أو الذم، وذلك 0(/46/(() انظر: الخصائص (() يقول الرضي مَرْضية، والأوْلى أن يكونا على النسب كنابل وناشب، إذ لا يلزم أن يكون فاعل الذي بمعنى النسب مما لا فعل له كنابل، بل يجوز أيضاً كونه مما جاء منه الفعل، فيشترك النسب واسم الفاعل في اللفظ 99/شرح كافية ابن الحاجب

عدد الصفحات ١٣

136 ﴾ فيها الرضاء، والعرب تقول: هذا ليل نائم،حين يقول وسرّ كاتم، وماء دافق، فيجعلونه فاعلاً، وهو مفعول في الأصل، وذلك أنهم يريدون وجه الدح والذم، فيقولون ذلك لا على بناء الفعل، ولو كان فعلاً مصرّحاً لم يُقَل ذلك فيه؛ لأنه لا يجوز أن تقول للضارب: مضروب، ولا للمضروب: ضارب، لأنه لا مدح فيه ولا ذم احتمال الصيغة لعدة معان مختلفة، فلننظر بأي معنى تمت ترجمتها. il mènera une vie satisfaisante...(2)جاء في ترجمة الشيخ أبو بكر مما يدل على ترجمته لها سياقياً - بمعنى مرضية (للمفعول لأن صفة الفاعل الفرنسية ) - لا صيغياً واحتمالها أن تكون ذات رضا.Satisfaite d'un séjour agréable...(3)وكذلك فعل مازيغ، إذ ترجمها بـ بمعنى رغدة أو ممتعة (الإقامة أو القام) وجعلها محمد حميد الله الحياة الرغدة dans une vie agréable...(4)بترجمتها إ وترجمها جاك بيرك على معنى الصدرية بـ: et il aura existence de contentement(5) أي سينال وجود الرضا، أو السعادة أمّا الترجمتان الإنجليزيتان فقد اختلفتا في ترجمة معنى كلمة (راضية)، إذ ترجمها So he shall be in a life, well - pleasing(6)الهلالي وخان بـ أي سيكون في حياة جدّ مرضية، وترجمها بيكثال بـ: Then he will be in blissful state(7) أي سيكون في حالة سعيدة، أو في منتهى السعادة 8(/(() الفراء، معاني القرآن. ت: محمد علي النجار، وأحمد يوسف نجاتي. دون ط. دار السرور 2) Le Coran, Cheikh Boubakeur Hamza, 2/539. (3) Le Coran, Sadok Mazigh, p 1087. (4) Le Saint Coran, Muhammad Hamidullah, p 567. (5) Le Coran, Jacques Berque, p 632. (6) Interpretation of the Meanings of The Noble Qur’Ān, p 895. (7) The Glorious Qur'ân, p 567.

عدد الصفحات ١٤

137 ،]﴾﴾ في قوله تعالى: ﴿ والشيء نفسه قيل عن ﴿ إذ رأى بعض النحاة أن الصيغة للمفعول، ولكن العنى للفاعل، أي: آتيا(()، وقد ردّ الرضي ذلك بقوله ﴾ وعده مفعولاً، كما في الآية الأخرى ، أو غيرها من الآيات التي جاءت لنفس العنى. والصيغة بذلك - عنده - ][ جاءت على معناها، وهو معنى الفعول، لا معنى الفاعل. غير أن الفراء صحّح الذهب - وهذا دليل على ثراء الدلالة الصرفية في العربية - فرأى أن كلَّ ما أتاك فأنت تأتيه؛ لأنك تقول: أتيت على خمسين سنة، وأتت عليّ خمسون سنة، وكل ذلك صواب(()، وهذا الرأي دقيق جداً، وبه تم تخريج عدة ألفاظ من الأضداد، ولاسيما العاني التضادة التي تجمعهما صيغة واحدة، كالصريخ، الذي جاء على صيغة (فعيل) الدالة على صفة الفاعل أو الفعول، وتُطلق على النجِمد والستنجِمد، وذلك أن كلاًّ منهما يصرخ، .وكالصرَّيم الذي يطلق على الليل والنهار؛ لأن كلا منهما ينصرم عن الآخر وبهذا العنى فإن ترجمة هذه الصيغة بالعنيين صحيحة، ولكن الترجمين لم يتعرضوا لهذا العنى ولم يشيروا إليه؛ لأنهم اختاروا صيغة من التعبير لا تتوافق والدلالة الدقيقة للآية، إذ ترجمها الشيخ أبو بكر بـ: sa promesse se réalisera(5) أي أن وعده سيتحقّق، وترجمها الأستاذ مازيغ بـ la promesse du Miséricordieux sera tenue(6) .]﴾(() ويصدق هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ 99/(() شرح الكافية 70/(() معاني القرآن للفراء 4( (5) Le Coran, Cheikh Boubakeur Hamza, 1/457. (6) Le Coran, Sadok Mazigh, p 579.

عدد الصفحات ١٥

138 أي: إنّ الله سيَفِمي بوعده، وأين هذا من معنى الآية وإيحاءاتها بالدلالات الختلفة التي تُراعى فيها اختلافات الجهة وربط دلالة الصيغة بها!؟ لأننا حين نصرف معنى الصيغة إلى الفاعلية ننظر إلى مجيء الوعد (أو الوعود)، وحينما نصرفها إلى الفعولية ننظر إلى مجيء البَشر إليه، وكلاهما حاصل كما ذكرنا عن الفراء سابقاً؛ وذلك لرونة اللغة العربيّة واتّساع آفاق الدلالة فيها. ولعلّ ترجمة محمد حميد الله - بعد أن عدّلها بعض العلماء في طبعة مجمع اللك فهد - هي الأقرب لاعتمادها على معنى الفعل (أتى) دون (تحقّق) أو (ثبت)، وإن جاء الوعد فيها آتياً لا مأتيّاً، فقد ترجم معنى الآية بـ: Car Sa promesse arrivera sans nul doute(1) بينما نجد جاك بيرك يترجم العنى إلى أنّ وعده ممنوحٌ أو معطًى قطعاً، إذ جاء في ترجمته que c’était assurément promesse accordée(2)ما نصه كما أثبتت بعض الترجمات الإنجليزية معنى إتيان الوعد أيضاً، فقد جاء في ترجمة Verily! His promise must come to pass(3)الهلالي وخان ما نصّه بينما جاءت ترجمة بيكثال على معنى أن وعده دائماً محقق التنفيذ، أو أن الله يفي دائماً Lo! His promise is ever sure of fulfilment(4)بوعده، وهذا نص ترجمته وقد تحتمل الصيغة - وهي مفردة - عدة معان، ولكنها في السياق لا تحتمل إلا معنى واحداً، والذي لا يقف على سياق الآية بدقة قد يصرف معنى الصيغة إلى غير الراد، ومثال ذلك أن صيغة (فعّال) توحي بادئ الرأي بدلالتها على البالغة والتكثير، لأنها كثيراً ما تؤدي هذا العنى، وعليه استشكل بعضهم قوله تعالى: ﴿ لأن نفي (ظلاّم) لا يلزم منه نفي ]﴾ أصل الظلم عن الله تعالى، بل يلزم منه نفي مبالغته في الظلم، وهذا مناف لقوله تعالى: 1) Le Noble Quran. p 309. (2) Le Coran, Jacques Berque. p 325. (3) Interpretation of the Meanings of The Noble Qur’Ān, p 473. (4) The Glorious Qur'ân. p 309.

عدد الصفحات ١٦