المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإيمان بالقرآن

عبد العزيز بن داخل المطيري

صفحة ٦ من ٩

الإيمان بالقرآن 88 فكانت حاجة الناس إلى بيان الحق بياناً لا لبس فيه ماسة، والابتعاد عن اللبس والإيهام واجباً. ولكن جرت حكمة الله بأن تُبتلى الفئة التي ثبتت في المحنة في أوّل الأمر بابتلاء آخر ؛ ويبتلى عامّة الناس بهم. فظهر من قال بالوقف؛ وكان بسبب القول بالوقف فتنة عظيمة؛ حتى قال بالوقف بعض أهل الحديث الذين لا يقولون بخلق القرآن، واغترّ بهم جماعة من العامّة كما سبق بيانه. فكانت فتنتها أعظم وأطول مدى من فتنة الوقف؛ وظهرت فتنة اللفظية فإنهّا استمرّت قروناً من الزمان وجرى بسببها محَِنٌ يطولُ وصفها،وخصومات ومناظرات، وشقاق ونزاع. : حسين بن علي الكرابيسي، وكان رجلاً قد وكان أوّل من أشعل فتنة اللفظية أوتي سعة في العلم ؛ فحصّل علماً كثيراً، وصنّف مصنّفات كثيرة، وكان له أصحاب وأتباع ؛ لكنّه وقع في سقطات مردية، تدلّ على ضعف إدراكه للمقاصد الشعية، وعدم رعايته لدرء المفاسد وتحقيق المصالح الشعية. والعلم إذا لم يصحبه عقل ورشد كان وبالاً على صاحبه لأنّه ينصف عن المقاصد السامية للعلم إلى التشغيب على العلماء ومماحكتهم؛ وربما تمكّن بذكائه وسعة معرفته من إثارة شبهات يريد بها إفحام بعض العلماء والارتفاع عليهم؛ فيعاقب بنقيض قصده؛ فيسقط ويخْزَى، ويكون ما أثاره من الشبهات مثلبة يُذمّ بها، وينكرها أهل العلم عليه. ومن ذلك أنّ الكرابيسيّ ألّف كتاباً حطَّر فيه على بعض الصحابة وزعم فيه أنّ ابن الزبير من الخوارج، وأدرج فيه ما يقوّي به جانب الرافضة ببعض متشابه المرويات؛ وحطّ على بعض التابعين كسليمان الأعمش وغيره، وانتص للحسن بن صالح بن حيّ وكان يرى السيف.

عدد الصفحات ٨٩

الإيمان بالقرآن 89 نقل الذهبي في تاريخ الإسلام عن المرّوذيّ أنه قال: عزم حسن بن البزاز، وأبو نص بن عبد المجيد وغيرهما على أن يجيئوا بكتاب المدلّسين الذي وضعه الكرابيسي يطعن فيه على الأعمش وسليمان التيمي؛ فمضيت إليه في سنة أربع وثلاثين، فقلت: إنَّر كتابك يريد قوم أن يعرضوه على أبي عبد الله، فأظهرْ أنَّرك قد ندمتَ عليه، فقال: إنَّر أبا عبد الله رجلٌ صالحٌ، مثله يوفق لإصابة الحق، قد رضيتُ أن يُعرَضَ عليه، لقد سألني أبو ثورٍ أن أمحوه فأبَيت، فجيء بالكتاب إلى أبي عبد الله، وهو لا يعلم لمن هو، فعلَّرموا على مستبشعاتٍ من الكتاب، وموضعٍ فيه وَضْعٌ على الأعمش، وفيه: إن زعمتم أنَّر الحسن بن صالح كان يرى السيف؛ فهذا ابن الزبير قد خرج، (هذا أراد نصرة الحسن بن صالح، فوضع على أصحاب رسول فقال أبو عبد الله: الله صلى الله عليه وسلم، وقد جمع للروافض أحاديث في هذا الكتاب). فقال أبو نص: إن فتياننا يختلفون إلى صاحب هذا الكتاب. .(حذروا عنه)فقال: قال المروذي: (ثم انكشف أمره). .(قد جمع للمخالفين ما لم يحسنوا أن يحتجوا به)وفي رواية أخرى أن الإمام أحمد قال: فلماّ حذّر منه الإمام أحمد، ونهى عن الأخذ عنه؛ بلغ ذلك الكرابيسيَّر فغضب وتنمّر، وقال: لأقولنَّر مقالة حتى يقولَ ابن حنبلٍ بخلافها فيكفُر؛ فقال بالقرآن مخلوق وهذه الكلمة التي فاهَ بها الكرابيسي أثارت فتنة عظيمة على الأمّة؛ وكان الناس بحاجة إلى بيان الحقّ ورفع اللَّربس، لا زيادة التلبيس والتوهيم، وإثارة فتنة كانوا في عافية منها. وبهذا نعرف الفَرْقَ العظيم بين مقاصد الربانيين من العلماء، ومقاصد الذين يريدون الإثارة والتغليط ومماحكة العلماء ومشاغبتهم، ثم لنتأمّل كيف كانت عاقبة هؤلاء وعاقبة هؤلاء.

عدد الصفحات ٩٠

الإيمان بالقرآن 90 نقل أبو بكر المرّوذي وهو من خاصة أصحاب الإمام أحمد مقالة الكرابي للإمام أحمد، وذكر له أن الكرابيسي قال: (أقول: إنّ القرآن كلام الله غير مخلوقٍ من كلّ الجهات إلاّ أنَّر لفظي به مخلوقٌ، ومن لم يقل: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، فهو كافرٌ). (بل هو الكافر - قاتله الله - وأيّ شيءٍ قالت الجهميّة إلاّ هذا؟ فقال الإمام أحمد: .وما ينفعه، وقد نقض كلامُه الأخير ُكلامَه الأوَّل؟!) أيشٍ خبر أبي ثورٍ، أوافقه على هذا؟ ثم قال الإمام أحمد للمرّوذي: قال المروذي: قلت: قد هجره. .(أحسن، لن يفلح أصحاب الكلام)قال: (ما كان الله ليدعه وهو يقصد إلى التابعين مثل سليمان ثم قال الإمام أحمد: .الأعمش، وغيره، يتكلم فيهم) (أوَّرلُ من أظهرَ اللفظَ الحسين بن علي الكرابيسي، وذلك في سنة قال الذهبي: .أربع وثلاثين ومائتين) فتكون نشأة هذه الفتنة في خلافة المتوكّل بن المعتصم. وقال أبو داوود السجستاني في مسائله للإمام أحمد: كتبت رقعة، وأرسلت به إلى أبي عبد الله، وهو يومئذ متوار، فأخرج إلي جوابه مكتوبا فيه: قلت: رجل يقول: التلاوة مخلوقة، وألفاظنا بالقرآن مخلوقة والقرآن ليس بمخلوق، ما ترى في مجانبته؟ وهل يسمى مبتدعا؟ وعلى ما يكون عَقْدُ القلب في التلاوة والألفاظ؟ وكيف الجواب فيه؟ (هذا يجانب، وهو فوق المبتدع، وما أراه إلا جهمياً، وهذا كلام الجهمية، قال: القرآن ليس بمخلوق، قالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﴿، يريد حديثها﴾ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ﴿« «، فقالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم﴾ ﮞ

عدد الصفحات ٩١

الإيمان بالقرآن 91 ا.هـ، والقرآن ليس بمخلوق)ما تشابه منه، فاحذروهم، فإنهم هم الذين عنى ا فإذا كان المراد بتواري الإمام أحمد ما كان في زمن الواثق؛ فيكون لهذه المسألة بدايات قبل أن يتكلّم بها الكرابيسي. وقد روي عن الإمام أحمد أن هذه المقولة كانت من أقوال جهم في أوّل أمره، ثمّ قال بها بش المرّيسي. لكنّ الجهمية والمعتزلة صرّحوا بالقول بخلق القرآن، ولذلك لم تشتهر عنهم هذه المقولة، واشتهرت عن الكرابيسي لأنّه جمع بين القول بنفي خلق القرآن والقول بأنّ اللفظ بالقرآن مخلوق. قال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله، عن الكرابيسي، وما أظهر، فكلح ﯦ ﯧ ﯨ ﴿(هذا قد أظهر رأي جهم، قال الله تعالى: وجهه ثم أطرق، ثم قال: ، فممن يسمع؟ إنما جاء بلاؤهم ﴾ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ من هذه الكتب التي وضعوها. تركوا آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، .وأقبلوا على هذه الكتب) وقبل بيان تلبيس الكرابيسي يجب أن نفرّق بين أمرين عظيمين: أن القرآن كلام الله تعالى وهو غير مخلوق، فالقرآن يتلوه القارئ، الأمر الأول: ويكتبه الكاتب في المصحف، ولا يخرج بذلك عن كونه كلام الله، لأن الكلام يُنسب إلى من قاله ابتداء. . وسئلت كلام من هذا؟ ﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ﴿فإذا سمعت قارئاً يقرأ: قلت: هو كلام الله. . «وإذا سمعت من يقرأ عرفت أنّ هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لشهرته عنه، وأنّ الذي قرأ هذا لم يُنشئ هذا الكلام من تلقاء نفسه.

عدد الصفحات ٩٢

الإيمان بالقرآن 92 وإذا سمعت من يُنشد ألا كلُّ شيء مـا خـلا الله باطـلُ .... .... .... .... .... عرفت أنّ هذا من قصيدة لبيد بن ربيعة لشهرتها عنه. وكذلك إذا سمعت قصيدة معروفة لشاعر قديم ينشدها أحدهم، وسُئلت: قصيدة من هذه؟ فإنّك تنسبها للشاعر الذي قالها ابتداءً، ولا تنسبها لمن أنشدها، ولو أن واحداً من الناس ألقى هذه القصيدة ونسبها لنفسه لعدَّره الناس كذاباً منتحلاً؛ لأن الكلام يُنسب نسبة إنشاء إلى من قاله ابتداءً. والمقصود أن القرآن كلام الله تعالى، وقارئ القرآن إنما يقرأ كلام الله تعالى، فهذا الكلام يُنسب إلى الله تعالى لا إلى القارئ. وكلام الله تعالى صفة من صفاته، وصفات الله تعالى غير مخلوقة. وهذه المسألة خالف فيها المعتزلة والجهمية وزعموا أنَّر كلام الله مخلوق. أنَّر أفعال العباد مخلوقة كما أنَّر ذواتهم مخلوقة؛ فكُلُّ ما يصدر منهم الأمر الثاني: من قول أو فعل فهو مخلوق؛ كما هو معلوم متقرر من أدلّة كثيرة؛ منها قول الله . ﴾ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ﴿تعالى: وهذه المسألة خالف فيها القدرية؛ فكفَّررهم العلماء؛ لأنَّر من زعم أن الله لم يخلق أفعال العباد؛ وأن العباد يخلقون أفعال أنفسهم فقد أثبت خالقاً غير الله تعالى، ولذلك سمّيت القدرية مجوس هذه الأمة. وكلام السلف في تكفير من لم يقلْ بخلقِ أفعالِ العباد معروفٌ مشتهر. قال يحيى بن إسحاق العنبري: سألت حمّاد بن زيدٍ عمن قال: كلام النّاس ليس بمخلوقٍ. .(هذا كلام أهل الكفر)فقال:

عدد الصفحات ٩٣

الإيمان بالقرآن 93 وقال يحيى بن إسحاق أيضاً: سألت معتمر بن سليمان عمن قال: كلام النّاس ليس بمخلوقٍ. .«قال (حدثنا عبيد الله هو ابن قدامة بن وقال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد: سعيد، ثنا حماد بن زيد، قال .على ذلك يحيى بن سعيد القطان ومعتمر بن سليمان) والمقصود أن قراءة القارئ من فعله وفعله مخلوق. فيقال في تلخيص هذين الأمرين: القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة. فجاءت مسألة اللفظ للتلبيس بين الأمرين؛ فقول القائل مخلوق الذين يقولون بخلق القرآن. وقد يريد به فعلَ العبد الذي هو القراءة والتلفّظ بالقرآن؛ لأنَّر اللفظ في اللغة يأتي اسماً ومصدراً؛ فالاسم بمعنى المفعول أي الملفوظ، والمصدر هو التلفظ. ويتفرّع على هذين الاحتمالين احتمالات أخرى، ولذلك اختلف الناس في تأويل قول القائل فهي كلمة مُـجْمَلةٌ حمّالةٌ لوجوه، ولا نَفْعَ في إيرادها، والناس كانوا أحوج إلى البيان والتوضيح والتصيح بأنَّر القرآن كلام الله غير مخلوق، لا أن تلقى إليهم كلمة مجملة فيها تلبيس تتأوَّرلها كلّ فرقة على ما تريد. ولذلك فرحت طائفة من الجهمية بهذه المقالة؛ فقالوا: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، ومنهم من قال: القرآن بألفاظنا مخلوق.

عدد الصفحات ٩٤

الإيمان بالقرآن 94 وهم يريدون أنَّر القرآن مخلوق؛ لكن القول باللفظ أخفّ وطأة وأقرب إلى قبول العامّة من التصيح بقولهم: إن القرآن مخلوق؛ فتسترّوا باللفظ؛ كما تسترّت طائفة منهم بالوقف. (افترقت الجهمية على ثلاث فرق:ولذلك قال الإمام أحمد: القرآن مخلوق.فرقة قالوا: كلام الله، وتسكت.وفرقة قالوا: ا.هـ. لفظنا بالقرآن مخلوق)وفرقة قالوا: هم جمهور المعتزلة الذين قالوا بخلق القرآن، وأظهروا هذا القول فالفرقة الأولى وأشهروه ودعوا إليه. هم الذين سُمّوا بالواقفة. والفرقة الثانية هم اللفظية. والفرقة الثالثة وليس كلّ من قال باللفظ جهمي، كما أنَّره ليس كلّ من قال بالوقف جهمي، وقد سبق بيان ذلك. وقد اشتدّ إنكار الإمام أحمد على من قال باللفظ إثباتاً أو نفياً لأنه تلبيس يفتن العامة ولا يبينّ لهم حقاً ولا يهديهم سبيلاً. وقد جرت محنة عظيمة للإمام البخاري بسبب هذه المسألة، ووقعت فتنة بين أصحاب الإمام أحمد بعد وفاته بسب هذه المسألة، ودخل الغلط على بعض أهل الحديث بسبب هذه المسألة. وقام الإمام أحمد والإمام البخاري في هذه المسألة بما هو الحقّ فيها، وإن دقّت عنه أفهام بعض الناس، وافتتن بها بعضهم.

عدد الصفحات ٩٥

الإيمان بالقرآن 95 بيان الاإمام اأحمد والبخاري للحقّ في فتنة اللفظ بالقراآن قال فوران صاحب الإمام أحمد: سألني الأثرم وأبو عبد الله المعيطيّ أن أطلب من أبي عبد الله خلوةً، فأسأله فيها عن أصحابنا الذين يفرّقون بين اللّفظ والمحكيّ. القرآن كيف تصرّف في أقواله وأفعاله، فغير مخلوقٍ؛ فأمّا أفعالنا فسألته، فقال: .فمخلوقةٌ قلت: فاللّفظيّة تعدّهم يا أبا عبد الله في جملة الجهميّة؟ .(لا، الجهميّة الّذين قالوا: القرآن مخلوقٌ) فقال: ووردت عن الإمام أحمد روايات أخرى تفيد بأنَّر اللفظية جهمية، وهي محمولة على من قال بخلق القرآن وتسترَّر باللفظ. حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم (وقال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد: وكتابتهم مخلوقة، فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصاحف المسطور المكتوب ﮓ ﮔ ﮕ ﴿الموعى في القلوب فهو كلام الله ليس بمخلوق، قال الله عز وجل: .)﴾ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ جميع القرآن هو قوله (وقال البخاري أيضاً: موصوف به فالقرآن قول الله عز وجل، والقراءة والكتابة والحفظ للقرآن هو فعل ا.هـ.)والقراءة فعل الخلق ﴾ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ﴿ الخلق لقوله: وروى أبو القاسم اللالكائي أن أبا ثور واسمه خالد بن يزيد الكلبي سُئل عن (هذا ممّا يسعك جهله، واللهّ لا يسألك عزّ وجلّ عن ألفاظ القرآن، فقال للسائل: هذا، فلا تتكلّموا فيه، فإنّ من زعم أنّ كلامه بالقرآن مخلوقٌ فقد وافق اللّفظيّين؛ لأنّه إذا سمع منك القرآن فقد زعمت أنّ لفظك بالقرآن مخلوقٌ، فقد أجبت القوم .أنّه مخلوقٌ)

عدد الصفحات ٩٦

الإيمان بالقرآن 96 (ومعلومٌ أنّ التّلفّظ شيءٌ من كسب القارئ غير الملفوظ، والقراءةوقال الذهبي: غير الشيّء المقروء، والتّلاوة وحسنها وتجويدها غير المتلوّ، وصوت القارئ من كسبه فهو يحدث التّلفّظ والصّوت والحركة والنّطق، وإخراج الكلمات من أدواته المخلوقة، ولم يحُدث كلمات القرآن، ولا ترتيبه، ولا تأليفه، ولا معانيه. فلقد أحسن الإمام أبو عبد الله حيث منع من الخوض في المسألة من الطّرفين، إذ كلّ واحدٍ من إطلاق الخلقيّة وعدمها على اللّفظ موهمٌ، ولم يأت به كتابٌ ولا ا.هـ.سنّةٌ، بل الّذي لا نرتاب فيه أنّ القرآن كلام الله منزلٌ غير مخلوقٍ، والله أعلم) اختلاف المواقف في م من المسائل التي كان لها ذيوع وانتشار كبير في عص الإمام أحمد مسألة اللفظ كلٌّ يفهمها بفهم وقد اختلفت مواقف الناس منها اختلافاً كثيراً وبعده بقرون، ويتأوّلها بتأوّل ويبني موقفه على ما فَهِمَ وتأوّل: : موقف الجهمية المتسترّة باللفظ، وهم الذين يقولون بخلق الموقف الأول القرآن، ويتسترَّرون باللفظ، وهم نظير الجهمية المتسترة بالوقف. وهؤلاء فرحوا بهذه المقالة؛ لأنها أخف شناعة عليهم عند العامّة، ولأنهّا أقرب إلى قبول الناس لها؛ فإذا قبلوها كانوا أقرب إلى قبول التصيح بخلق القرآن، وهؤلاء كانوا من أكثر من أشاع مسألة اللفظ. وقد كثرت الروايات عن الإمام أحمد في التحذير من اللفظية وتسميتهم بالجهمية؛ يقصد بهم من يقول بخلق القرآن، ويتسترّ باللفظ. «قال عبد الله بن الإمام أحمد: سمعت أبي يقول .أو غير ذلك يريد به مخلوق؛ فهو جهمي «وقال أيضاً: سمعت أبي يقول .فهو كافر

عدد الصفحات ٩٧

الإيمان بالقرآن 97 وقال أيضاً: سألت أبي فقلت: إنّ قومًا يقولون: ألفاظنا بالقرآن مخلوقةٌ؟ .«قال « وعظّم الأمر عنده في هذا، وقال«وقال ، وقال رسول اللهّ ﴾ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﴿ «، وقال صلىّ اللهّ عليه وسلّم «صلىّ اللهّ عليه وسلّم فمن قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، فهو الصّلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام النّاس .جهمي وقال أيضا: قلت لأبي: إنّ الكرابيسيّ يقول: لفظي بالقرآن مخلوقٌ. «فقال الخبيث .«وقال (القرآن حيث تصرف كلام الله، واللفظية وذكر الخلال عن الإمام أحمد أنه قال: جهمية. قلنا: هل علمتَ أن أحداً من الجهمية كان يقوله؟ .قال: بلغني أنّ المريسي كان يقوله) «هـ): عن الإمام أحمد أنّه قال 252وروى يعقوب الدورقي(ت .إنّما يدورون على كلام جهمٍ، يزعمون أنّ جبريل إنّما جاء بشيءٍ مخلوقٍ إلى مخلوقٍ هـ): قلت لأحمد بن حنبلٍ: ما تقول في 246وقال أخوه أحمد الدّورقيّ (ت هؤلاء الّذين يقولون: لفظي بالقرآن مخلوقٌ؟ (هذا شرٌّ من قول الجهميّة، من زعم هذا، فقد فرأيته استوى، واجتمع، وقال: .زعم أنّ جبريل تكلّم بمخلوقٍ، وجاء إلى النّبيّ صلىّ اللهّ عليه وسلّم بمخلوقٍ)

عدد الصفحات ٩٨

الإيمان بالقرآن 98 وقال عبد الله بن أحمد: سئل أبي، وأنا أسمع عن اللّفظيّة والواقفة، فقال: من كان منهم يحسن الكلام، فهو جهميٌّ. وكان الإمام أحمد يحمل اللفظية في أوَّرل الأمر على هذا المحمل؛ لأنَّر أهل السنَّرة ليسوا بحاجة إلى التلبيس؛ فهم يصّحون بأنّ القرآن غير مخلوق، وأنَّر أفعال العباد مخلوقة. وكان شديد الحذر من حِيَلِ الجهمية، وما يُدخلونه على الناس من الشُّبَه وزخرف القول، وينهى عن الدخول في علم الكلام للرد عليهم، وينهى عن استعمال عباراتهم؛ لأنهم يلبّسون بالألفاظ المجملة. «قال جعفر بن أحمد: سمعت أحمد بن حنبلٍ يقول .عُتُقٌ «وقال عبّاسٌ الدّوريّ: كان أحمد بن حنبلٍ يقول وروى أبو القاسم اللالكائي عن أبي بكر الأسدي أنه قال: أتى قومٌ أبا مصعبٍ الزّهريّ؛ فقالوا: إنَّر قِبَلنا ببغداد رجلاً يقول: لفظه بالقرآن مخلوقٌ. (يا أهل العراق، مافقال: .إلاّ بالسّيوف، هذا كلامٌ نبطيٌّ خبيثٌ) وقد كانت فتنةُ الجهمية باللفظ فتنةً عظيمةً؛ فلذلك اشتدَّر تحذير العلماء من هذه ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخه عن ومما يدلّ على انتشار فتنة الجهمية الفتنة، محمد بن الحَْسَن بن هَارُون الموصلي أنّه قَالَ: سألت أبا عَبْد اللهَّرِ أَحمَْد بنَ محَُمَّردِ بْنِ حنبل، فقلت: يا أبا عَبْد اللهَّرِ أنا رجل من أهل الموصل والغالب عَلىَ أهل بلدنا الجهمية، وفيهم أهل سُنَّرةٍ نَفَرٌ يسير يحبونك، وقد وقعت مسألة الكرابيسي نطقي بالقرآن مخلوق؟

عدد الصفحات ٩٩

الإيمان بالقرآن 99 (إياك إياك وهذا الكرابيسي، لا تكلّمه ولا تكلّم من يكلّمُه فَقَالَ ليِ أَبُو عَبْدِ اللهَّرِ: أربع مرات أو خمس مرات. قُلْتُ: يا أبا عَبْد اللهَّرِ، فهذا القول عندك فما تشاغب منه يرجع إِلىَ قول جهم؟ . (هذا كله من قول جهم)قَالَ: وكان الكرابيسيّ صاحب كتب كثيرة وله أصحاب وأتباع؛ فهجره أهل الحديث حتى قلَّر الانتفاع بعلمه واضمحلّ ذِكْرُه إلا فيما أثاره من مغالطات، وما ينقل عنه هـ. 248هـ، وقيل245في مسائل معدودة، واختلفوا في سنة وفاته؛ فقيل: سنة (وحديث الكرابيسي يعزُّ جداً، وذلك أنَّر أَحمَْد بن حنبل قال الخطيب البغدادي: كَانَ يتكلم فيه بسبب مسألة اللفظ، وكان هو أيضا يتكلم فيِ أَحمَْد، فتجنب الناس .الأخذ عنه لهذا السبب) (وكان فَهِماً عالماً فقيهاً، وله تصانيف كثيرة فيِ الفقه وفي الأصول تدلُّ وقال عنه: .عَلىَ حسن فهمه، وغزارة علمه) (وكان من أوعية العلم، ووضع كتاباً في المدلّسين، يحطّ على جماعةٍ: قال الذهبي: فيه أنّ ابن الزّبير من الخوارج. .وفيه أحاديث يقوّي بها الرّافضة، فأُعلم أحمد، فحذّر منه) (سمعت محمد بن عبد الله الصيرفي الشافعي يقول لهم- يعني وقال ابن عدي: التلامذة -: اعتبروا بهذين: حسين الكرابيسي، وأبي ثور؛ فالحسين في علمه وحفظه، وأبو ثور لا يعشّه في علمه؛ فتكلَّرم فيه أحمدُ بن حنبل في باب اللفظ فسقط، وأثنى .على أبي ثور، فارتفع للزومه السنة) (وكان ممَّرن جمع وصنَّرف، ممن يحسن الفقه والحديث، ولكن وقال عنه ابن حبّان: أفسده قِلَّرةُ عقله؛ فسبحان من رفع من شاء بالعلم اليسير حتى صار عَلَماً يقتدى به، ا.هـ.ووضع من شاء مع العلم الكثير حتى صار لا يلتفت إليه)

عدد الصفحات ١٠٠

الإيمان بالقرآن 100 موقف طائفة ممن خاض في علم الكلام وتأثّر ببعض قول الجهميةالموقف الثاني: وإن كان كلامهم غيرَ جارٍ على أصول الجهمية، وعلى رأس هؤلاء رجل من أهل الشام يقال له: الشّاك؛ قال: إن القرآن كلام الله؛ فإذا تلفظنا به صار مخلوقاً، وهذا يعود إلى صريح قول الجهمية عند التحقيق. قال أبو طالبٍ للإمام أحمد: كُتب إليَّر من طرسوس أنّ الشّّاك يزعم أنّ القرآن كلام اللهّ، فإذا تلوته فتلاوته مخلوقةٌ. .«قال قال: قلت: رجلٌ قال في القرآن: كلام اللهّ ليس بمخلوقٍ، ولكنّ لفظي هذا به مخلوقٌ؟ «قال فقالوا: ﴾ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ﴿قلت: (الحجّة فيه حديث أبي بكرٍ: لمّا قرأ: هذا جاء به صاحبك؟ قال: لا، ولكنّه كلام اللهّ)؟ «قال .تكلّمه، هذا مثل ما قال الشرََّّاك قلت: كذا بلغني. . «قال قلت: لا. «قال صاحب كلامٍ، فليس ينزع إلى خيرٍ .أمر النّاس؟ وهذه الرواية ذكرها ابن بطّة في الإبانة.

عدد الصفحات ١٠١

الإيمان بالقرآن 101 و أصله من الكوفة ثم انتقل إلى بغداد، وكان له أتباع يعظمونه، و واسمه عبد الكريم. وكان صاحب كلام وتصوف، وقد اشتهرت عنه بِدَعٌ: منها بدعة الملامية، ومنها بدعة التحريم المطلق، كان يزعم أن كل ما في الدنيا حرام، ولا يحلّ منها إلا القوت، هـ).210وخلط التصوّف بالتشيّع، وتوفي ببغداد سنة ذكر ابن النجار في ذيل تاريخ بغداد عن إسحاق بن داود أنه قال: أول من سمى ببغداد وقد ذكرَ بعضَ مقالاتِه الشيخُ إحسان إلهي ظهير في كتابه عن نشأة التصوف. والشّاك ابن اخت عَبْدَك الصوفي كما ذكر الإمام أحمد، وهذا من شواهد سعة معرفة الإمام أحمد رحمه الله بالرجال. (إنّ من قال: إنّ ذكر أبو القاسم اللالكائي عن محمّد بن أسلم الطّوسيّ أنه قال: .القرآن يكون مخلوقًا بالألفاظ، فقد زعم أنّ القرآن مخلوقٌ) موقف داوود بن عليّ بن خلف الأصبهاني الظاهري الموقف الثالث: هـ) رأس أهل الظاهر وإمامهم، وكان رجلاً قد أوتي ذكاءً حادّاً وقوّة 270(ت بيان وتصّفاً في الاحتجاج والاستدلال، وكان مولعاً بكتب الشافعيّ في أوّل عمره؛ معتنيا بجمع الأقوال ومعرفة الخلاف حتى حصّل علماً كثيراً، ثم ردّ القياس وادّعى الاستغناء عنه بالظاهر، وصنّف كتباً كثيرة. (لو اقتص على ما يقتص عليه أهل العلم لظننتُ أنه يَكْمِدُ قال أبو زرعة الرازي: .أهلَ البدع بما عنده من البيان والآلة، ولكنه تعدَّرى) وهو من أصحاب حسين الكرابيسي، وعنه أخذ مقالته في اللفظ، لكنّه تأوّلها على مذهبه في القرآن؛ فإنّ له قولاً في القرآن لم يسبق إليه: قال: (أما الذي في اللوح المحفوظ: فغير مخلوق، وأما الذي هو بين الناس: فمخلوق).

عدد الصفحات ١٠٢

الإيمان بالقرآن 102 .(هذه التفرقة والتفصيل ما قالها أحد قبله فيما علمتقال الذهبي: واشتهر عنه أنه قال: (القرآن محُْدَث) وكلمة الإحداث عند المعتزلة تعني الخلق؛ لأنّ المحدث هو ما كان بعد أن لم يكن؛ ويقولون بأنَّر كلّ ما كان بعد أن لم يكن فهو مخلوق؛ ولذلك نفوا صفة الكلام عن الله جل وعلا، وضلوا في ذلك وكذبوا على الله؛ فإنّ الله تعالى يحدث من أمره ما يشاء، ويفعل ما يشاء متى يشاء. ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﴿ولفظة ﴾.ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ لكنّها ليست على المعنى الذي أراده المعتزلة من أنّه مخلوق، ولكنّ الله يحدث من أمره ما يشاء؛ فيكون حديثا أي جديداً عند إنزاله أو وقوعه. ولمّا حدثت فتنة اللفظ كان ممن تكلّم بها داوود الظاهري؛ وقال: (لفظي بالقرآن مخلوق). قال: محمد بن الحسين بن صبيح: سمعت داوود الأصبهاني يقول: (القرآن محُدَث، ولفظي بالقرآن مخلوق). رواه الخلال. هـ): سمعت إسحاق بن 267وقال أبو عليٍّ أحمد بن إبراهيم القوهستانيّ (ت راهويه يقول: (إنّ لفلانٍ - يعني داود الأصفهانيّ - في القرآن قولاً ثالثًا، قولَ سوءٍ). فلم يزل يُسأل إسحاق: ما هو؟ قال: (أظهر اللّفظ) يعني قال اللالكائي. وقد أنكر عليه إسحاق بن راهويه، وشهد على داوود أنه قال: (القرآن محدث) بعض من حضره، فكتب قاضي نيسابور محمد بن يحيى الذهلي إلى الإمام أحمد ببغداد أنّ داوود بن علي قال: (القرآن محدث) فأمر الإمام أحمد بهجره ومجانبته.

عدد الصفحات ١٠٣

الإيمان بالقرآن 103 قال أبو بكر المروذي: إن داوود خرج إلى خراسان إلى ابن راهويه، فتكلم بكلام شهد عليه أبو نص بن عبد المجيد وآخر، شهدا عليه أنه قال: القرآن محدث. مَن داوود بن علي لا فرج عنه الله؟ فقال لي أبو عبد ا قلت: هذا من غلمان أبي ثور. قال: جاءني كتاب محمد بن يحيى النيسابوري أن داوود الأصبهاني قال ببلدنا: إن القرآن محدَث. فهجره الإمام أحمد، وأمر بهجره. وذكر الخطيب البغدادي عن أبي زرعة الرازي أن داوود بن علي كانت بينه وَبين صالح بْن الإمام أَحمَْد معرفة حسنة، فكلَّرم صالحاً أن يتلطَّرف له فيِ الاستئذان على أبيه، فأتى صالحٌ أباه، فَقَالَ له: رجل سألني أن يأتيك؟ ما اسمه؟ قَالَ: قَالَ: دَاوُد. من أين؟قَالَ: قَالَ: من أَهْل أصبهان. أي شيء صناعته؟قَالَ: قَالَ: وَكَانَ صالح يروغ عَنْ تعريفه إيَّراه؛ فما زال أَبُو عَبْد اللهَّرِ يفحص عنه حَتَّرى فطن له. هذا قد كتب إليَّ محَُمَّد بْن يحَْيَى النيسابوري فيِ أمره أنه زعم أن القرآن فَقَالَ: محدث فلا يقربني. قَالَ: يا أبت إنه ينتفي من هذا وَينكره. . (محَُمَّد بْن يحَْيَى أصدق منه، لا تأذن له فيِ المصير إلي) فَقَالَ أَبُو عَبْد اللهَّرِ أَحمَْد:

عدد الصفحات ١٠٤