المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإيمان بالقرآن

عبد العزيز بن داخل المطيري

صفحة ٥ من ٩

الإيمان بالقرآن 71 وفي رواية أنه قال له: ما تقول في القرآن؟ قال ابن أبي دؤاد: مخلوقٌ. قال الشيخ: هذا شيءٌ عَلِمَه النّبيّ صلىّ اللهّ عليه وسلّم وأبو بكرٍ وعمر والخلفاء الرّاشدون، أم شيءٌ لم يعلموه؟ قال: شيءٌ لم يعلموه. فقال: سبحان الله! شيءٌ لم يعلمه النّبيّ صلىّ اللهّ عليه وسلّم علمته أنت؟ فخجل، فقال: أقلني. قال الشيخ: المسألة بحالها. قال ابن أبي دؤاد: نعم، علموه. فقال: علموه، ولم يدعوا النّاس إليه؟ قال: نعم. قال: أفلا وسعك ما وسعهم؟). ثم أعرض الشيخ عن ابن أبي دؤاد، وأقبل على الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين .. إن لم يتسّع لك الإمساك عن هذه المقالة ما اتّسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، فلا وسَّرع الله على من لم يتسع له ما اتّسع لهم من ذلك. فقال الواثق: نعم إن لم يتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، فلا وسع الله علينا، اقطعوا قيد الشيخ. وفي رواية أخرى أن الواثق دخل مجلساً وأخذ يردّد ما دار في المناظرة؛ ثم أمر بقطع قيود الشيخ، وسقط من عينه ابن أبي دؤاد، ولم يمتحن بعدها أحداً.

عدد الصفحات ٧٢

الإيمان بالقرآن 72 قال المهتدي بن الواثق: (فرجعت عن هذه المقالة - القول بخلق القرآن - منذ ذلك اليوم، وأظن الواثق بالله كان رجع عنها من ذلك الوقت). (هذا الأذنيّ هو أبو عبد الرّحمن عبد قال الحافظ أحمد بن عبد الرّحمن الشّيرازيّ: .الله بن محمّد بن إسحاق الأذرميّ) هـ، وبويع بعده أخوه جعفر 232وتوفيّ الواثق لستٍّ بقين من ذي الحجّة سنة المتوكّل، وكان شابّا في السادسة والعشين من عمره لمّا تولىّ الخلافة، وكان كارهاً لأمر المحنة. رفع المحنة ومُنع القضاة من امتحان الناس، وأظهر هـ رفعت المحنة رفعاً تامّا 233وفي سنة المتوكّل السنة، وأكرم المحدّثين، وأشهرت مجالس الحديث، وروى المحدّثون أحاديث الصفات، وانكشفت الغمّة عن أهل السنة بفضل الله ورحمته. لكن بقي في السجون جماعة ممن حبسوا في تلك المحنة تأخّر إطلاقهم إلى سنة هـ إذ صدر أمر الخليفة المتوكّل بإطلاق جميع من في السجون ممن امتنع عن 237 القول بخلق القرآن في أيام أبيه، وأمر بإنزال جثة أحمد بن نص الخزاعي، فدفعت إلى أقاربه فدفنت. ولعلّ من أسباب تأخّر إطلاقهم أنّ المتوكل لم يعزل ابن أبي دؤاد بعد أمره برفع هـ؛ 237هـ؛ ولىّ مكانه ابنه محمّد؛ وبقي في منصبه إلى سنة 233المحنة، ولمّا فُلج سنة فارتكب ما أغضب الخليفةَ فعزله وصادر منه أموالاً طائلة وأمر بحبسه. الحارث بن مسكين وطال حبسه المحدّث الفقيه: وممّن حُبس في هذه المحنة ؛ شيخ أبي داوود والنسائي.المصري (كان فقيها ثقة ثبتا؛ حمله المأمون إلى بغداد وسجنه في قال الخطيب البغدادي: .المحنة، فلم يجُِب؛ فلم يزل محبوسا ببغداد إلى أن ولي المتوكل فأطلقه)

عدد الصفحات ٧٣

الإيمان بالقرآن 73 فيكون قد مكث في السجن بضع عشة سنة؛ ثمّ إنه حدّث ببغداد بعد إطلاقه، وأقبل عليه طلاب الحديث؛ ثمّ ولاه المتوكّل قضاء مص فمكث في القضاء إلى أن هـ فأعفي، ومات بعدها بخمس سنين.245استعفى منه سنة ، وقيل: إنه قد دعا على نفسه هـ أُصيب أحمد بن أبي دؤاد بالفالج 233وفي عام بذلك إن كان القرآن غير مخلوق؛ فحبس في جسده؛ لا يستطيع الحركة سبع سنين؛ ولم يزل أمره في سفال، وغضب عليه المتوكّل وصادر منه أموالاً طائلة، وتوالت هـ بعد موت ابنه محمّد بعشين يوماً. 240عليه النكبات حتى هلك في أوّل عام

عدد الصفحات ٧٤

الإيمان بالقرآن 75 الباب التا مقدّمة في آثار فتنة القول بخلق القرآن: هـ؛ لكن رفع المحنة لم يكن 233هـ، ورفعت عام218كان بدء المحنة في سنة رفعا للفتنة؛ فقد أُوقفَ امتحانُ العلماء في مسألة القول بخلق القرآن، لكن بقي من المعتزلة قضاة ومفتون وخطباء ولهم مجالس وحلقات، وكتب ومصنفات، يبثّون فيها شبهاتهم، ويلقنونها تلاميذهم، وكان لهم تمكّن في بعض البلدان بسبب اتصالهم ببعض الولاة، وكانوا يعتمدون في إثارة شبهاتهم وتقرير مذاهبهم على ما فُتنوا به من علم الكلام؛ فضلوا به وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل. ومن دلائل ذلك أن الخليفة المتوكّل على الله لمّا أمر برفع المحنة لم يعزل رأس الفتنة قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد بل أقرَّره على منصبه مع كراهة الخليفة لمذهبه هـ ؛ ولىَّر 233في القرآن، ولما أصيب أحمد بن أبي دؤاد بالفالج في جمادى الآخرة سنة هـ. 237مكانه ابنه محمَّرداً المعروف بأبي الوليد، وبقي في هذا المنصب إلى سنة ثمّ إن الخليفة غضب على أبي الوليد وعلى أبيه فعزله وضيّق عليه وحبسه في ديوان الخراج وصادر منه أموالاً طائلة وضِياعاً، ثم أحدرهما إلى بغداد، وبقيا فيها هـ، ومات أبوه بعده بعشين 239حتى مات أبو الوليد في شهر ذي الحجة سنة هـ.240يوماً في أوّل سنة ولعلّ هذا من أسباب بقاء بعض من حبس في المحنة من أهل السنة إلى سنة هـ بعد الأمر برفع المحنة بأربع سنين.237

عدد الصفحات ٧٦

الإيمان بالقرآن 76 والمقصود أنّ بطانة الخليفة المتوكّل قد بقي فيها من الجهمية بقيّة لهم قوّة وتمكّن؛ حتى إنهّم كانوا يرفعون إلى المتوكّل بأسماء من يريدون توليتهم القضاء ممن هو على شاكلتهم أو يداهنهم. وكان المتوكّل بعد أن رفعت المحنة يستشير الإمام أحمد فيمن يُرفع إليه بتوليتهم القضاء؛ فكان ينهى عن تولية أهل البدع. وكتب المتوكِّل مرَّرةً كتاباً إلى الإمام أحمد مع عبد الرحمن بن يحيى بن خاقان وهو ابن وزيره؛ يسأله عن جماعة ممن يريد توليتهم القضاء؛ فكان أكثرهم من الجهمية؛ (أهل فبينّ الإمام أحمد حالهم واحداً واحداً ثم قال في خاتمة جوابه لأمير المؤمنين: البدع والأهواء لا ينبغي أن يُستعان بهم في شيء من أمور المسلمين، مع ما عليه رأي .أمير المؤمنين - أطال الله بقاءه - من التمسك بالسنة والمخالفة لأهل البدع) والمقصود أنّ فتنة القول بخلق القرآن بقيت وولّدت فتناً أخرى كثيرة في الأمة طال أمدها؛ وانتش أثرها، واتّسع خطرها، وكانت من أعظم أسباب نشأة الفِرَق، وظهور النِّحَل. وكانت الردود بين أهل السنة والمعتزلة قائمة على أشدِّها، والشُّبَه خطّافة، والأهواء لا تنضبط. وكان أئمة أهل السنة إنما يردّون على المعتزلة وغيرهم بالكتاب والسنة، ولا يتعاطون علم الكلام في الرد عليهم، ولا يتشاغلون به؛ فسلموا بذلك من فتن كثيرة. ثم نشأ أقوامٌ أرادوا الردَّر على المعتزلة والانتصارَ لأهل السنة بالحجج المنطقية والطرق الكلامية؛ فخاضوا فيما نهاهم عنه أهل العلم؛ ووقعوا في بدع أخرى، وخرجوا بأقوال محدثة مخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة. فحدث بسبب ما تقدّم شرَْحُه فتنٌ عظيمة من أهمّها: فتنة الوقف، وفتنة اللفظ، وجرى بسببهما محن ومواقف يطول وصفها، وظهرت نِحَل وأهواءٌ لم تكن تعرف

عدد الصفحات ٧٧

الإيمان بالقرآن 77 من قبل: فظهرت بدعة ابن كلاب والقلانسي وأبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي وغيرهم. وسنتناول أهمّ هذه الفتن بالدراسة وبيان ما ينبغي لطالب علم التفسير معرفته من أسباب اختلاف الفرق في القرآن، وأصول نشأة تلك الفرق، وموقف أئمة أهل السنة منها، وحجج أهل السنة في الرد عليهم، ومنهجهم في معاملتهم؛ لأنّ هذا مما لا يحسن بالمفسِّ جهله. فتنة الوقف في القراآن: الواقفة هم الذين يقولون: القرآن كلام الله ويقفون، فلا يقولون: هو مخلوق ولا غير مخلوق. وهم على ثلاثة أصناف: طائفة من الجهمية يتسترّون بالوقف، وهم في حقيقة أمرهم الصنف الأول: يقولون بخلق القرآن، لكنّهم في ظاهر قولهم يقولون بالوقف ويدعون إلى القول به، وينكرون على من يقول: القرآن غير مخلوق. وقد نبغ القولُ بالوقف في زمن الإمام أحمد بن حنبل، وكان زعيم هذه الطائفة في بغداد محمد بن شجاع الثلجي، وهو جهميّ متكلِّم من أصحاب بش بن غياث المريسي. وابن الثلجي هذا ممن كان يكيد الإمام أحمد بالحيل بعد خروجه من السجن؛ فقد وشى به مرّة إلى الخليفة المتوكّل واتهّمه بأنّه يؤوي علوياً يدبّر للخروج عليه؛ فدُهم بيت الإمام أحمد ليلاً ورُوّع أهله وأخرج من فيه من الرجال والنساء؛ وفتشوا بيته فلم يجدوا فيه أحداً ممن يُتَّرهم بهم؛ وقرؤوا عليه كتاب الخليفة وفيه كلام كثير يتّهمه فيه ويتوعّده؛ فردّ الإمام أحمد على الخليفة بتكذيب ما اتهّم به، وأنّه يرى السمع والطاعة له في المنشط والمكره؛ فعلم الخليفة أنّه قد كُذب عليه.

عدد الصفحات ٧٨

الإيمان بالقرآن 78 (وكان الذي دسّ من رفع على أبي عبد الله رجلٌ من أهل قال حنبل بن إسحاق: .البدع والخلاف، ولم يمت حتّى بينّ الله أمره للمسلمين، وهو ابن الثلجي) وأهل هذا الصنف جهمية مخادعون؛ وفتنتهم على العامّة أشدّ من فتنة الجهمية الذين يصّحون بالقول بخلق القرآن؛ لأنهّم يستدرجونهم بذلك؛ ثم يشكّكونهم في كلام الله؛ فلا يدرون أمخلوق هو أم غير مخلوق، وإذا ابتلي المرء بالشكّ وقع في الفتنة، وكان أقرب إلى التزام قولهم. ولذلك اشتدّ إنكار الإمام أحمد على هؤلاء الواقفة وكثرت الروايات عنه في تكفيرهم والتحذير منهم. «ذكر عبد الله بن الإمام أحمد أنّ أباه سئل مرّة عن الواقفة؛ فقال .الجهميّة استتروا بالوقف وقال يعقوب الدّورقيّ: سألت أحمد بن محمّد بن حنبلٍ، قلت: فهؤلاء الّذين يقولون: نقف ونقول كما في القرآن: كلام اللهّ، ونسكت؟ .«قال «وقال في رواية أخرى النّاس، وذلك أنّ الجهميّة قد بان أمرهم، وهؤلاء إذا قالوا العامّة، إنّما هذا يصير إلى قول الجهميّة والتربيث هنا: التخذيل عن الحق والتعويق عن اتّباعه، وهو من أعمال المنافقين. (هؤلاء يستترون، فإذا أحرجتهم كشفوا الجهميّة، فكلّهم وقال في رواية أخرى: .جهميّةٌ) وقد ذكر الذهبي في ميزان الاعتدال عن المروزي أنه قال: حدثنا أبو إسحاق الهاشمي، سمعت الزيادي يقول: أشهدنا ابن الثلاج وصيته، وكان فيها: (ولا يعطى من ثلثي إلا من قال: القرآن مخلوق).

عدد الصفحات ٧٩

الإيمان بالقرآن 79 فهذا مما يبينّ معرفة الإمام أحمد بمذاهب القوم، وخبرته بهم وكان ابن الثلجي على مذاهبه الرديئة وضّاعاً للأحاديث؛ كثير التلاوة والتعبّد؛ متصدراً في الفقه والإفتاء ببغداد، وله أصحاب وتلاميذ وكتب كثيرة؛ حتى قيل: إنه صنّف في أحكام المناسك كتاباً كبيراً في أكثر من ستين جزءاً. (لا، ولا على وكان المتوكّل أراد أن يولّيه القضاء فسأل عنه الإمام أحمد فقال: . حارس) (كان يضع أحاديث في التشبيه، وينسبها إلى أصحاب قال عنه ابن عدي: .الحديث؛ يثلبهم بذلك) والمقصود أن أصحاب هذا الصنف من الواقفة جهميَّرةٌ، لا يخفون على أئمة أهل الحديث، ومن علامات هؤلاء أنهّم يتعاطون علم الكلام ويجادلون؛ فمن كان متكلماً مجادلاً ويقول بالوقف في القرآن فهو جهمي. «ولذلك لمّا سُئل الإمام أحمد عن الواقفة قال .فهو جهمي «وذكر عبد الله بن الإمام أحمد أنّ أباه سئل عن الواقفة أيضاً؛ فقال .منهم يحسن الكلام فهو جهمي وقال زياد بن أيوب: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله وعلماء الواقفة جهمية؟ .(نعم مثل ابن الثلجي وأصحابه الذين يجادلون)قال: (وكانت الواقفة الذين يعتقدون أنَّر القرآن مخلوق ويُظهرون وقال ابن تيمية: الوقف، فلا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق، ويقولون: إنه محدَث، ومقصودهم مقصود الذين قالوا هو مخلوق فيوافقونهم في المعنى ويستترون بهذا اللفظ؛ فيمتنعون عن نفي الخلق عنه، وكان إمام الواقفة في زمن أحمد: محمد بن شجاع ا.هـ.الثلجي يفعل ذلك، وهو تلميذ بش المريسي وكانوا يسمونه

عدد الصفحات ٨٠

الإيمان بالقرآن 80 وابن الثلجي كان في بغداد، وكان له أتباع وكان من الواقفة في البصة: أحمد بن المعذّل العَبْدِي، وكان من كبار فقهاء البصة في زمانه تفقّه على ابن الماجشون، وله مصنفات في الفقه، وكان من الفصحاء المذكورين، والأدباء المعدودين، حلو العبارة بارعاً في انتقاء الألفاظ، والتنبيه على المعاني الدقيقة، يستميل من يحدّثه بفصاحته وبيانه، وكان يحطّ على أبي حنيفة أصحابه، وهو القائل: إن كنـتِ كاذبـةَ الـذي حدَّثتِنـي فعليـك إثـم أبي حنيفـة أو زُفَـر والراغبـين عـن التمسّـك بالأثـرالمائلـين إلى القيـاس تعمّـداً ولم تكن له عناية بالحديث، بل ذكر أبو داوود السجستاني أنه نهاه عن طلب الحديث، واشتغل بشيء من علم الكلام، فأُتيِ من هذا الباب، وهو الذي فَتَقَ القولَ بالوقف في البصة؛ ففَتن به خلقاً منهم؛ حتى فَتن بعض أهل الحديث؛ فوافقوه على قوله. (لا قال نص بن عليّ الجهضمي: قال الأصمعي ومرَّر به أحمد بن معذَّرل فقال: .تنتهي أو تفتُقَ في الإسلام فتقاً) وقال حرب الكرماني: سألت أحمد بن حنبل: أيكون من أهل السنة من قال: لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق؟ (لا، ولا كرامة. وقد بلغني عن ابن معذَّلٍ الذي يقول بهذا القول أنه فُتن به قال: .ناسٌ من أهل البصرة كثير) (قد كان ابن المعذَّرل من بحور العلم، لكنه لم يطلب الحديث، قال الذهبي: .ودخل في الكلام، ولهذا توقف في مسألة القرآن) الذين يقفون شكّاً وتردداً؛ فلا يقولون هو مخلوق ولا غير مخلوق الصنف الثاني: لشكّهم في ذلك.

عدد الصفحات ٨١

الإيمان بالقرآن 81 فهؤلاء لم يؤمنوا حقيقة بكلام الله تعالى؛ لأن الإيمان يقتضي التصديق، والشك منافٍ للتصديق الواجب؛ فالشاكّ غير مؤمن؛ إلا أنَّر الجاهل قد يُعذر لجهله، ومن عرضت له شُبهة قد يُعذر بسبب شبهته حتى تقوم عليه الحجة. قال عبد الله بن الإمام أحمد: سُئل أبي رحمه الله وأنا أسمع عن اللفظية والواقفة؛ .(من كان منهم جاهلا ليس بعالم؛ فليسأل وليتعلم)فقال: (من قال: وسمعت أبي رحمه الله مرة أخرى وسئل عن اللفظية والواقفة فقال: .كان منهم يحسن الكلام فهو جهمي) وهاتان الروايتان تدلان على تفريق الإمام أحمد رحمه الله بين الواقف الجهمي والواقف العامّي. فالعامّيّ الذين لم يدخل في علم الكلام ولم يجادلْ جدالَ أصحاب الأهواء؛ يُبينَّر له الحقّ ويعلَّرم، ويجب عليه الإيمان والتصديق بأنّ القرآن كلام الله تعالى، وأن كلام الله صفة من صفاته، وأن صفات الله غير مخلوقة. فإنْ قبل واتّبع الحقّ قُبل منه، وإن أبى واستكبر أو بقي شاكّاً مرتاباً في كلام الله تعالى بعد إقامة الحجّة عليه؛ حُكم بكفره. وقد كثرت الآثار عن السلف في تكفير الشاكّة من الواقفة. .(الواقفيّ لا تشكَّ في كفره) قال سلمة بن شبيبٍ: سمعت أحمد بن حنبلٍ يقول: وقال أبو داود: سألت أحمد بن صالح عمَّرن قال: القرآن كلام الله، ولا يقول غير مخلوق، ولا مخلوق. . (هذا شاك، والشاك كافر)فقال: «وقال عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون .من قال: مخلوقٌ وذلك لأنّ الشك والتكذيب كلاهما منافيان للتصديق الواجب.

عدد الصفحات ٨٢

الإيمان بالقرآن 82 والآثار في هذا الباب عن السلف كثيرة جداً طائفة من أهل الحديث؛ قالوا بالوقف، وأخطؤوا في ذلك؛ الصنف الثالث: ومنهم من دعا إلى القول بالوقف. وهؤلاء ينكرون على من يقول: إنّ القرآن مخلوق، ولا يعتقدون أنّ كلام الله مخلوق. لكنّهم قالوا: إن القول بخلق القرآن قول محدث، فنحن لا نقول إنّه مخلوق، ولا نقول إنّه غير مخلوق، بل نبقى على ما كان عليه السلف قبل إحداث القول بخلق القرآن؛ فنقول: القرآن كلام الله، ونسكت. قال أبو داوود: سمعتُ أحمد يُسأل: هل لهم رخصة أن يقول الرجل: القرآن كلام الله، ثم يسكت؟ (ولم يسكت؟ لولا ما وقع فيه الناس كان يسعه السكوت، ولكن حيث فقال: .تكلموا فيما تكلموا، لأي شيء لا يتكلمون؟) وكان الإمام أحمد شديداً على من يقول بالوقف من المحدّثين، ويأمر بهجرهم؛ لأنهّم يوطّئون الطريق لأصحاب الأهواء، ويشكّكون العامّة في كلام الله، وإذا أثيرت الشبهة وعمّت الفتنة وجب التصيح بالبيان الذي يزيل الشبهة ويكشف اللَّربس. ونفي التشكيك في صفات الله تعالى عند حدوث الفتنة في ذلك من البيان الواجب على العلماء، وليس من الخوض المنهي عنه، وقد ظنَّر من وقف من المحدّثين أنّ الكلام في هذه المسألة كلَّره من الخوض المنهي، وليس الأمر كما ظنّوا. وقد كانت فتنة القولُ بخلق القرآن فتنة عظيمة، وكذلك فتنة الوقف كانت فتنة عظيمة؛ وكان العامّة أكثر قبولاً للقول بالوقف منهم للقول بخلق القرآن؛ فمن وقف من المحدّثين فقد وافق قوله قول الواقفة من الجهمية والشاكّة، وكان عوناً لهم على التشكيك في كلام الله.

عدد الصفحات ٨٣

الإيمان بالقرآن 83 ولذلك أنكر عليهم كبار الأئمة وهجروهم وممن نُسب إليه القول بالوقف من أهل الحديث: مصعب بن عبد الله الزبيري، وإسحاق بن أبي إسرائيل المروزي، وبش بن الوليد الكندي، وعلي بن الجعد الجوهري، ويعقوب بن شيبة السدوسي. هـ) وإسحاق بن أبي إسرائيل 236 فأمّا مصعب بن عبد الله الزبيري (ت هـ) فقد صرّحا بأنهّما لم يقفا على الشكّ، وإنما سكتا كما سكت 245المروزي (ت من قبلهم، وكرها الدخول في هذه المسألة من أصلها، اتّباعاً لمن كره الكلام فيما ليس تحته عمل من الأئمة. قال ابن أبي خثيمة: قلت لمصعب بن عبد الله: إن هؤلاء يقولون القرآن كلام الله، ويقفون؛ فيقولون من قال: مخلوق ابتدع، ومن قال: غير مخلوق ابتدع، ويحتجون بك، ويزعمون أنك تقول بهذا القول، وأن مالكاً يقوله. فقال: معاذ الله؛ أما أنا فأقول كلام الله وأسكت، وقلبي يميل إلى أنه غير مخلوق، ولكني أسكت لأنه بلغني عن مالكٍ أنه يقول: الكلام في الدين كلُّه أكرهه، ولم يزل أهل بلدنا يكرهونه، القدرَ ورأيَ جهم، وكلَّر ما أشبهه، ولا أحب الكلام إلا فيما تحته عمل، فأما الكلام في الله فأحبُّ إليَّر السكوتُ عن هذه الأشياء؛ لأن أهل بلدنا ينهون عن الكلام إلا فيما تحته عمل. قال مصعب: ولقد ناظرني إسحاق بن أبي إسرائيل فقال: لا أقول كذا ولا كذا، ولا أقول ذلك على الشك، ولكني أسكت كما سكت القوم قبلي. وكان هذا اجتهاد منهم أخطؤوا فيه رحمهم الله؛ فإنّ كلام الله تعالى صفة من صفاته، وصفات الله ليست مخلوقة، ولو كانت المسألة لم يُتكلّم فيها بالباطل ويُمتحن الناسُ فيها لكان يسعهم السكوت؛ فأمّا مع ما حصل من الفتنة وحاجة الناس إلى البيان، وكثرة تلبيس الجهمية؛ فلا بدّ من التصيح بردّ باطلهم، وأن لا يترك الناس في عماية؛ فيكونوا أقرب إلى قبول الأقوال المحدثة.

عدد الصفحات ٨٤

الإيمان بالقرآن 84 (كان مصعب إذا سئل عن القرآن يقف، ويعيب منقال الحسين بن فهم: .يقف) إسحاق (وقال شاهين العبدي: سمعت أبا عبد الله، يعني أحمد بن حنبل، يقول: .)بن أبي إسرائيل واقفيٌّ مشؤوم، إلا أنه صاحب حديث كيِّس (كتبتُ عنه فوقف في القرآن، فوقفنا عن حديثه، وقد وقال أبو حاتم الرازي: تركه الناس حتى كنت أمرّ بمسجده وهو وحيدٌ لا يقربه أحدٌ بعد أن كان الناس .إليه عنقاً واحداً) وقد روى أبو القاسم اللالكائي عن مصعب الزبيري رواية من طريق عليّ بن الفرات الأصفهاني توافق قول أهل السنة في تخطئة الواقفة وتضليلهم؛ فلعلّه رجع عن قوله المشهور عنه، والله تعالى أعلم. هـ) فقد نُسب إليه الوقف، وما هو أشدّ 230 وأما عليّ بن الجعد الجوهري (ت من الوقف، وهو أنه لم ينكر على من يقول بخلق القرآن، وهو في نفسه لا يقول بخلق القرآن. وكان ابنه الحسن من قضاة الجهمية في بغداد، ثم قيل: إنّ ابنه رجع عن التجهم في خلافة المتوكّل، والله أعلم. قال الدارقطني: منع أحمد بن حنبل عبدَ الله ابنه أن يحدِّثَ عن علي بن الجعدِ؛ فسألته ما سبب ذلك؟ .(لأنه وقف في خلق القرآن)فقال: وقال زياد بن أيوب: كنت عند علي بن الجعد؛ فسألوه عن القرآن فقال: القرآن كلام الله، ومن قال: مخلوق؛ لم أعنِّفه. .(ما بلغني عنه أشد من هذا)فذكر زيادُ ذلك لأحمد بن حنبل؛ فقال:

عدد الصفحات ٨٥

الإيمان بالقرآن 85 وكان عليّ بن الجعد قد اتهّم بشيء من التشيّع لأجل تكلّمه في بعض الصحابة كعثمان ومعاوية، فعاب ذلك عليه أهل الحديث وأنكروه، وهو موثّق في حديثه غير متّهم، وكان له مسند كبير، ومصنَّرفات في الحديث، وقد روى عن الكبار من أمثال ابن أبي ذئب وشعبة والسفيانين والليث بن سعد وغيرهم، وروى عنه البخاري في صحيحه، وأبو داوود وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم، وكان كثير العبادة؛ مكث ستين سنة يصوم يوماً ويفطر يوماً. ولمّا أظهر الوقف نهى الإمام أحمد عن الكتابة عنه. هـ)؛ فقد كان قاضياً في عهد المأمون؛ فامتُحن 238 وأمّا بش بن الوليد الكندي (ت في القول بخلق القرآن؛ فأبى أن يجيب؛ فعُرض على السيف؛ فأجاب ترخّصاً؛ فكان الإمام أحمد يعذره لذلك، ولما خرج الإمام أحمد من السجن كان كثيراً ما يجالسه؛ ثمّ إنه سُعي به إلى المعتصم بأنّه لا يقول بخلق القرآن؛ فأمر المعتصم أن يحُبس في منزله؛ ووكّل به شرطياً، ومُنع من الإفتاء والتحديث؛ حتى ولي المتوكّل فأطلقه. (فبقي حتى كبرت سنه، وتكلم بالوقف؛ فأمسك أصحاب قال ابن سعد: .الحديث عنه وتركوه) هـ)؛ فمتأخّر عنهم؛ وهو صاحب 262 وأمّا يعقوب بن شيبة السدوسي (ت المسند الكبير، وله مصنفات كثيرة، لكنَّره دخل في شيء من علم الكلام بسبب تتلمذه على أحمد بن المعذَّرل العبدي، وعنه أخذ الوقف؛ فاشتدّ إنكار أهل الحديث عليه. .(أخذ الوقفَ عن شيخه أحمدَ بن المعذل) قال الذهبي: (لمّا أظهر يعقوب بن شيبة الوقف، حذّر منه أبو عبد الله، وأمر وقال المرّوذيّ: .بهجرانه) (وقد وقف علي بن الجعد، ومصعب الزبيري، وإسحاق بن أبي قال الذهبي: إسرائيل، وجماعة، وخالفهم نحو من ألف إمام، بل سائر أئمة السلف والخلف على .نفي الخلقية عن القرآن)

عدد الصفحات ٨٦

الإيمان بالقرآن 86 والمقصود أنّ من قال بالوقف من المحدّثين لشبهة عرضت له؛ كان يحذّرُ منه ويهُجرُ حتى يرجعَ عن قوله. قال أبو داوود: سمعت أحمد -وذكر رجلين كانا وقفا في القرآن، ودعوا إليه . (هؤلاء فتنة عظيمة، وجعل يذكرهما بالمكروه)فجعل يدعو عليهما- وقال لي:

عدد الصفحات ٨٧

الإيمان بالقرآن 87 الباب العا كانت فتنة القول بخلق القرآن فتنة عظيمة، عمّ بلاؤها عامَّرة الناس، وامتحن فيها علماء أهل السنة محنة شديدة، وذلك بسبب تقريب المأمون ومن تبعه من الخلفاء للمعتزلة، وتعيين كثير من الولاة والقضاة والكتاب منهم أو ممن يداهن في هذه المسألة أو يداري، واشتعلت الفتنة بسبب اجتهاد هؤلاء في حمل الناس على القول بخلق القرآن، وأنّه لا يتم الدين إلا به؛ وجرت أمور يطول وصفها؛ حتى قُتل من قتل من علماء أهل السنة، وحبس من حُبس، وضرُب من ضرب، واستمرّت هذه المحنة بضع عشة سنة؛ حتى فشا هذا القول وانتش، وفُتن به خلقٌ من العامة، ونشأ عليه جيل لا يعرفون قولاً ظاهراً غيره. وكان من يجرؤ على معارضة الخلفاء والقضاة في هذا الأمر يُنال بألوان من الأذى، حتى إن من كان يريد أن يؤذي أحداً من علماء السنّة أو يتسبب في الإضرار به يشي به إلى القضاة أو الخلفاء بأنّه لا يقول بخلق القرآن؛ فكانت تلك تهمة كافية عندهم لتعذيبه والتضييق عليه. كما حصل لبش بن الوليد الكندي؛ فإنّه امتحن في زمان المأمون فامتنع فعُرض على السيف فأجاب مكرهاً؛ ثم أطلق؛ فلما كان في زمان المعتصم وكان يحدّث ويفتي ولا يقول بخلق القرآن ؛ فوشى به رجل سوء إلى المعتصم بأنّه لا يقول بخلق القرآن؛ فأمر المعتصم بحبسه في بيته والتضييق عليه وإقامة شرطيّ على بابه يمنعه من الخروج. ولولا أن حفظ الله هذا الدين برجال صدقٍ ثبتوا في هذه المحنة فثبت بثباتهم خلق من العامة؛ لقد كاد أن يطبق على هذا القول عامة الناس.

عدد الصفحات ٨٨