الإيمان بالقرآن 55 قال: فسكت وأُلقي في نفس المعتصم هيبة أبي عبد الله، وقال له: لولا أنّك كنت في يدِ مَن كان قبلي لما عرضتُ لك. ثم قال: ناظروه وكلّموه. فقال ابن أبي دؤاد لعبد الرحمن القزاز كلّمه؛ فقال: ما تقول في القرآن؟ ما تقول في العلم؟ فقال الإمام أحمد: فسكت عبد الرحمن. القرآن من علم الله، ومن زعم أنّ علم الله مخلوق فقد كفر فقال الإمام أحمد: ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﴿بالله، وكان يستدلّ على ذلك بقول الله تعالى: . ﴾ﭩ فسكت عبد الرحمن القزاز ولم يردّ شيئاً. فقالوا بينهم: يا أمير المؤمنين كفّرنا وكفّرك! فلم يلتفت إلى ذلك منهم. ثم جعلوا يتكلمون من هاهنا ومن هاهنا، وكان الإمام أحمد وحده والمعتزلة نحو خمسين؛ هذا يدلي بشبهة، وهذا يعترض على حجة، وهذا ينزع باستدلال لغوي، وهذا يورد رواية معلولة، وهذا يورد حجّة كلامية؛ فكان إذا ذكروا له شيئاً من الكتاب والسنة واللغة أجابهم وردّ شبهتهم، وإذا أوردوا عليه شيئا من علم الكلام لم يجبهم، وقال: لا أدري ما هذا، إيتوني بشيء من الكتاب والسنة. حتى ضجر منه ابن أبي دؤاد وقال له: وأنت لا تقول إلا ما في كتاب الله أو سنّة رسوله؟ وهل يقوم الإسلام إلا بالكتاب والسنة؟!!فقال الإمام أحمد: وذكر الإمام أحمد فيما بعد أن ابن أبي دؤاد لم يكن صاحب علم ولا حجّة ولا قدرة على المناظرة، إنما كان يستعين ببرغوث البصي وجماعته فإذا انقطع أحدهم
عدد الصفحات ٥٦الإيمان بالقرآن 56 عرض ابن أبي دؤاد فتكلم ليوهم أن صاحبه لم ينقطع (ولقد احتجوا بشيء ما يقوى قلبي ولا ينطلق لساني أن أحكيه، قال الإمام أحمد: .وأنكروا الرواية والآثار، وما ظننتهم على هذا حتى سمعت مقالاتهم) واستمرّت المناظرة، وجعل صوتُ الإمام أحمد يعلو على أصواتهم، وحجّته تدحض حججهم، ووهبه الله قوّة قلب وحسن جواب وحجّة قاطعة؛ فما أسرع ما كان يقطع حججهم ويردّ على شبههم، وما أسرع ما ينقطع أحدهم. فلما طالت المناظرة قال ابن أبي دؤاد: هو والله يا أمير المؤمنين ضالُّ مضلٌّ مبتدع، وهؤلاء قضاتك والفقهاء فسَلْهُم؛ يقصد جماعته من المعتزلة. فقال لهم الخليفة: ما تقولون؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين هو ضالٌّ مضلٌّ مبتدع. وما كان في القوم أرأف بي ولا أرحم من أبي إسحاق المعتصم؛ قال الإمام أحمد: . فأمّا الباقون فأرادوا قتلي، وشاركوا فيه لو أطاعهم وأجابهم إلى ذلك ثم صرُفوا من المجلس في ذلك اليوم، واجتمعوا من الغد حتى إذا كان آخر النهار؛ قال لهم المعتصم: انصفوا، وأبقى عنده الإمام أحمد وعبد الرحمن بن إسحاق؛ فلماّ خلا بهما ذكر المعتصم للإمام أحمد أنّ مؤدّبه صالح الرشيدي كان جالساً في ذلك الموضع، وأشار إلى موضع من الدار، وخالفه في مسألة القرآن؛ فأمر به فسُحب ووطئ. وأراد بذلك أن يرهب الإمام أحمد عن مخالفته في هذه المسألة، وكان يحبّ أن يجيب الإمام أحمد لأنه كان رأس أهل الحديث فإذا أجاب طمع أن يجيبه الناس. وكان مما قاله المعتصم: والله إنه لفقيه، والله إنّه لعالم، ولوددت أنّه معي يصلح من شأني، فإن أجابني إلى ما أريد لأطلقنّ عنه.
عدد الصفحات ٥٧الإيمان بالقرآن 57 ثم قال: يا أحمد! ويحك! لقد غمّني أمرُك، ولقد أسهرتَ ليلي، ولولا أنّك كنت في يدِ مَن كان قبلي ما عرضت لك، ولا امتحنتُ أحداً بعدك، ولو أنّه وراء حائطي هذا. يا أمير المؤمنين ما أعطوني شيئاً من كتاب الله ولا سنّة عن فقال الإمام أحمد: . رسول الله فرُدَّر الإمامُ أحمد إلى الموضع الذي كان فيه، ووجّه إليه اثنين من المعتزلة يناظرانه فكانا معه حتى حضر الإفطار وجيء بالطعام؛ فأكلا ولم يأكل الإمام أحمد إلا ما يقيم به أوده، وجعل نفسه بمنزلة المضطر. فلما كان اليوم الثالث من مناظرته وذلك صبيحة خمس وعشين من رمضان؛ دخل ابن أبي دؤاد على الإمام أحمد فقال له: يا أحمد؛ إنّه قد حلف أن يضربك ضرباً شديداً، وأن يحبسك في أضيق الحبوس. وكلّ ذلك ترهيب منهم طمعاً في أن يجيبهم ليتّبعهم العامّة على هذا القول. ثم قال له ابن أبي دؤاد: يا أحمد والله ما هو القتل بالسيف، يا أحمد إنما هو ضرب بعد ضرب. فلماّ أدخل على الخليفة في اليوم الثالث، وعنده ابن أبي دؤاد وأصحابه؛ قال المعتصم: أنا عليك شفيق، لقد أسهرت ليلي، كيف بليتُ بك؟!! ويحك! اتّق الله في نفسك وفي دمك. ثم قال لهم: ناظروه وكلّموه؛ فدار بينهم كلام كثير، وكان مما احتجّ به عليهم ففرّق بين الخلق والأمر، ﴾ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ﴿الإمام أحمد أن احتجّ بقول الله تعالى: .﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ﴿والقرآن من أمر الله تعالى كما قال تعالى: علام تدعوني إليه؟ لا من كتاب الله، ولا ثم قال الإمام أحمد للخليفة المعتصم: من سنّة نبيه، تأويلٌ تأوَّلوه، ورأيٌ رأوه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن
عدد الصفحات ٥٨الإيمان بالقرآن 58 ، ولستُ صاحبَ مِرَاءٍ ولا كلام، «جدال في القرآن، وقال وإنما أنا صاحبُ آثارٍ وأخبارٍ؛ فاللهَ اللهَ في أمري؛ فارجع إلى الله، فوالله لو رأيتُ أمراً . وصحّ لي وتبيّنته لَصرِْتُ إليه فأمسك الخليفة، وكأنَّ أمره قد لان لمّا سمع كلامي ومحاورتي، عرف قال أحمد: فلم يُترك، وكان أحلمهم وأوقرهم وأشدّهم عليّ تحنُّنا إلا أنهّم لم يتركوه، واكتنفه إسحاق وابن أبي دؤاد؛ فقالا له: ليس من التدبير تَْلِيَته هكذا يا أمير المؤمنين، ابلُ فيه عذراً يا أمير المؤمنين، هذا يناوئ خليفتين!! هذا هلاك العامة!! وقال برغوث البصي وشعيب: يا أمير المؤمنين كافر حلال الدم، اضربْ عنقه، ودمه في أعناقنا. وقالا: إنّه ضالّ مضلّ. . (ولم يكن في القوم أشدّ تكفيراً ولا أخبث منهما) قال أحمد: فاشتدّ الخليفة عند ذلك وعزم على ضربه؛ فدعا بالعقابين والسياط والجلادين؛ (يا أمير المؤمنين، فلماّ صار الإمام أحمد بين العقابين وعظ الخليفة، وكان مما قال له: «اللهَ اللهَ، إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال الحديث.إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث «وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فبمَ تستحلّ دمي ولم آت شيئاً إلا الله؛ فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم من هذا يا أمير المؤمنين؟!! يا أمير المؤمنين: اذكر وقوفك بين يدي الله كوقوفي بين يديك، يا أمير المؤمنين .راقب اللهَ) فكأنّه أمسك ولان، لكنّه لم يُترك؛ فقال ابن أبي دؤاد وخاف أن يكون منه عطف أو رأفة: يا أمير المؤمنين إنّه ضالّ مضلّ كافر بالله.
عدد الصفحات ٥٩الإيمان بالقرآن 59 فقوي عزمُ الخليفةِ على ضرب الإمام أحمد؛ فدعا بكرسي فوضع له؛ فجلس عليه، وابن أبي دؤاد وأصحابه قيام على رأسه. فقال أحد الحراس للإمام أحمد: خذ الخشبتين بيدك وشدّ عليهما؛ فلم يتبينّ أحمد كلامه؛ فتخلّعت يداه بعد ذلك من الضرب. ثم قال المعتصم للجلادين: أروني سياطكم؛ فنظر فيها؛ فقال: إيتوني بغيرها؛ فأتوه بغيرها. ثم قال لهم: تقدّموا؛ وقال لهم: ادنوا واحداً واحداً، ثم قال لأوّلهم: أوجعْ قطع الله يدك. قال الإمام أحمد: فتقدّم فضربني سوطين، ثمّ تأخر. ثم قال للآخر: ادن، شدّ قطع الله يدك، ثم جاء آخر ؛ فلم يزالوا كذلك حتى أغمي على الإمام أحمد، فوقف المعتصم عليه وهم محدقون به حتى أفاق، فقال له: يا أحمد، ويلك تقتل نفسك، ويحك أجبني، أُطلق عنك. وأجلب الحاضرون عليه: أمير المؤمنين قائم على رأسك، إمامك يسألك أن تجيبه، يريدون أن يجيبهم إلى مقالتهم. وضربه عُجيف - أحد قادة جيوش المعتصم - بقائمة سيفه، وقال له: تريد تغلب هؤلاء كلهم؟!! وجعل بعضهم يقول: يا أمير المؤمنين دمه في عنقي. فرجع إلى الكرسي، وقال للجلاد: ادنه، أوجع قطع الله يدك، ولم يزل يدعو واحداً واحداً، وكلّ واحد يضربه سوطين ثمّ يتنحّى، حتى يكون ذلك أشدّ في الضرب، حتى أغمي عليه مرّة أخرى، ثمّ ترك حتى أفاق؛ فقام إليه ثانية، فكرر عليه مقالته فلم يجبه، ثم أعاد ضربه مرة ثالثة حتى أغمي عليه، ثم ترك حتى أفاق، ثمّ قام إليه الثالثة؛ فجعل يقول: يا أحمد أجبني.
عدد الصفحات ٦٠الإيمان بالقرآن 60 وجعل عبد الرحمن يقول لي: أصحابك يحيى وفلان وفلان، أليس قدقال أحمد: أجابوا؟ فلم يجبهم، وعزم على احتمال الضرب والأذى. وقال المعتصم لابن أبي دؤاد: لقد ارتبكت في أمر هذا الرجل. فقال له: يا أمير المؤمنين، إنّه والله كافر مشك، قد أشرك من غير وجه؛ فلا يزال به حتى يصفه عما يريد. فأعيدَ عليه الضربُ حتى ضرب نيّفاً وثلاثين سوطاً، وأغمي عليه ؛ ثم سحبوه وكبّوه على وجهه وداسوه، فلماّ رأى المعتصم أنّه لا يتحرّك دخله الرعب، وأمر بتخليته. فلم يفق إلا وهو في حجرة قد أطلقت عنه الأقياد. وأراد الخليفة أن يطلق سراحه بعد الضرب؛ فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين احبسه؛ فإنّه فتنة، يا أمير المؤمنين إنّه ضالّ مضلّ، وإن أخليته فتنتَ به الناس. فلم يلتفت إليه الخليفة، وأخذه الندم والارتباك. (لي ولهم وجيء الإمام أحمد بسويق ليشب؛ فأبى، وقال: لا أفطر، ثم قال: . موقف بين يدي الله عزّ وجل) فنقلت هذه الكلمة إلى الخليفة؛ فقال: يخلىّ سبيله الساعة. وأمر أن يُكْسَى كسوة حسنة، مبطّنة وقميصا وطيلسانا وخفّا وقلنسوة، وأن يحمل إلى منزله. وكان نائبُ بغداد قد أخذ عمَّر الإمام أحمد وبعض أقاربه من الليل وأوقفهم؛ فعلمَ الناسُ أنّه سيحدث في شأن أحمد حدثٌ؛ فاجتمع الناس في الميدان والطرقات، وأغلقت الأسواق، واجتمع الناس؛ فبينا هم كذلك إذ خرج عليهم الإمام أحمد على دابّة عليه كسوة حسنة، وابن أبي دؤاد عن يمينه، وإسحاق بن إبراهيم عن يساره.
عدد الصفحات ٦١الإيمان بالقرآن 61 وأُخِذ إلى دار إسحاق بن إبراهيم؛ فبعث إلى جيرانه ومشايخ المجالس؛ فجمعهم وأدخلوا عليه ؛ فقال لهم: هذا أحمد بن حنبل، إن كان فيكم من يعرفه، وإلا فليعرف. ثم حملوه على دابّة إلى داره يشيّعه نائب بغداد والناس. قال حنبل بن إسحاق - وهو ابن عمّ الإمام أحمد-: فلماّ صار إلى باب الدار؛ ذهب لينزل فاحتضنته ولم أعلم؛ فوقعت يدي على موضع الضربة فصاح وآلمه ذلك، ولم أعلم فنحّيت يدي؛ فنزل متوكّئا عليَّر، وأغلق الباب، ودخلنا معه، ورمى بنفسه على وجهه لا يقدر أن يتحرّك إلا بجهد، وخلع ما كان عليه من اللباس الذي كسوه، فأمر به فبيع، وتصدّق بثمنه. وجاء رجل من أهل السجن يقال له والجراحات؛ فقال: (قد رأيت مَن ضرُب الضرب العظيم، ما رأيت ضرباً مثل هذا؛ هذا ضرب التلف). وكان لبعض الجراحات غور؛ فسبرها بالميل ؛ فلم يجدها نقبت، وعافاه الله من ذلك، ورأى بعض اللحم قد مات من الضرب؛ فقطعه بسكين، فلم يزل أثر الضرب في ظهره. وجعل يضع له الدواء ويصنع له المراهم حتى تعافى بعد أيام، وقوي على شهود الصلاة مع المسلمين، وكان كهلاً في الخامسة والخمسين من عمره لمّا ضرُِبَ رحمه الله ورفع درجته. (إنّ الله عزّ وجلّ أعزّ هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث: أبو قال عليّ بن المديني: . رواه الخطيب البغدادي وعبد بكر الصديق يوم الردّة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة) الغني المقدسي. ولم تنته المحنة بهذا عن المسلمين، لكنّهم كفّوا عن امتحان الإمام أحمد، فلم هـ.226يعرض له المعتصم بقيّة حياته حتى مات سنة
عدد الصفحات ٦٢الإيمان بالقرآن 62 وجرت في خلافته حروب واضطرابات شغلته كثيراً؛ منها فتنة بابك الخرّمي، واستبداد الأفشين، وخيانات بعض العسكر، وحروب بينه وبين الروم؛ فأمكنه الله من قتل بابك الخرّمي وقتل الأفشين وأصحابه، وردّ عدوان الرّوم وفتح عمّورية. ولم يزل الإمام أحمد بعدَ أن برئ من الضرب يحضر الجمعة والجماعة، ويحدّث ويفتي، حتى مات المعتصم. ثم إنّ الإمام أحمد قد عفا عن المعتصم، وجعله في حلّ، وعفا عن كلّ من آذاه في تلك المحنة إلا من كان صاحب بدعة. جاءه رجلٌ حسن الهيئة كأنّه كان مع السلطان؛ فجلس عنده حتى انصف جلساؤه ثم دنا منه؛ فقال له: يا أبا عبد الله؛ اجعلني في حلّ. من ماذا؟قال: قال: كنت حاضراً يوم ضرُبتَ، وما أعنتُ ولا تكلمتُ، إلا أنيّ حضرتُ ذلك. أحدث لله توبةً، ولا تعدْ إلى مثل فأطرق الإمام أحمد ثم رفع رأسه إليه؛ فقال: ذلك الموقف. فقال له: يا أبا عبد الله أنا تائب إلى الله تعالى من السلطان. فأنت في حلٍّ وكلّ من ذكرني إلا مبتدع. فقال الإمام أحمد: قد جعلت أبا إسحاق ثم قال: ﴾.ﮈ ﮉﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ﴿يقول: وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالعفو في قضية مسطح. ثم قال: العفو أفضل، وما ينفعك أن يعذّب أخوك المسلم بسببك، ولكن تعفو .وتصفح عنه؛ فيغفر الله لك كما وعدك
عدد الصفحات ٦٣الإيمان بالقرآن 63 محنة اأهل ال وكان العلماءُ في مدّة سجن الإمام أحمد وبعدها يُمتحنون ويُؤذون: وكان شيخاً كبيراً قد قارب أبو نعيم الفضل بن دكين أُخذ ففي الكوفة: التسعين؛ فأدخل على الوالي مع جماعة من أهل الحديث منهم أحمد بن يونس وابن (أدركت الكوفة وبها أكثر من سبعمائة أبي حنيفة؛ فامتحنه الوالي: فقال أبو نعيم: .شيخ، الأعمش فمن دونه يقولون: القرآن كلام الله) (فما رأيتُ خَلقاً يقول بهذه المقالة -يعني بخلق القرآن - ولا تكلم وفي رواية: .أحد بهذه المقالة إلا رُمي بالزَّرندقة) ثمّ قطع زرّا من قميصه وقال: عنقي أهون علي من زري هذا. ثمّ إنّه طُعن في عنقه وأصابه (وَرَشْكين) وهو كس في الصدر، ومات بعد يوم هـ؛ قبل خروج الإمام أحمد بنحو 219من جراحته في يوم الشكّ من رمضان سنة شهر. ذكر ابن سعد في طبقاته عن عبدوس بن كامل قال: كنا عند أبي نعيم الفضل بن هـ يوما بالكوفة فجاءه ابن المحاضر بن المورّع؛ 217دكين في شهر ربيع الأول سنة فقال له أبو نعيم: إني رأيت أباك البارحة في النوم وكأنه أعطاني درهمين ونصفا؛ فما تؤولون هذا؟ فقلنا: خيرا رأيت. قال: أما أنا فقد أولتها أني أعيش يومين ونصفا، أو شهرين ونصفا، أو سنتين ونصفا، ثم أُلحق بالعصبة؛ فتوفي بالكوفة ليلة الثلاثاء ودفن يوم الثلاثاء لانسلاخ شعبان سنة تسع عشة ومائتين وذلك بعد هذه الرؤيا بثلاثين شهرا تامة. ؛ فامتحنا العباس بن عبد العظيم العنبري، وعلي بن المديني أُخذ وفي البصرة: فلم يجيبا في أول الأمر؛ فأما العباس فأقيم فضرب بالسوط حتى أجاب، وعلي بن
عدد الصفحات ٦٤الإيمان بالقرآن 64 المديني ينظر إليه؛ فلما رأى ما نزل بعباس العنبري وأنّه قد أجاب أجاب مثله، و يُنل بمكروه ولا ضرب؛ فكان الإمام أحمد يعذر العباس ولا يعذر عليّا لذلك. وكان علي بن المديني قد رأى في منامه أنه يصافح داوود عليه السلام؛ وكان عابراً ؛ فعبرها بأنه يفتن في دينه. المحنة في عهد الواثق بن المعت ؛ فنشط في المحنة بتدبير من قاضي القضاة أحمد الواثقثمّ ولي بعد المعتصم ابنه بن أبي دؤاد؛ وأظهر القضاةُ القول بخلق القرآن؛ فكان الإمام أحمد يشهد الجمعة، ويعيد الصلاة إذا رجع، ويقول: تؤتى الجمعة لفضلها، والصلاة تعاد خلف من قال بهذه المقالة. أبي ؛ يأمره فيه بامتحانوفي خلافة الواثق ورد كتاب ابن أبي دؤاد إلى والي مصر ؛ عالم مص ومفتيها، وتلميذ الشافعي وأعلم يعقوب يوسف بن يحيى البويطي أصحابه، وخليفته في مجلسه بعد موته. فاستدعاه والي مص؛ فامتحنه فأبى أن يجيب، وكان الوالي حسن الرأي فيه؛ فقال: قل فيما بيني وبينك! فقال: لا أقوله، ليس بي أنا، ولكن بي أن يقتدي بي مائة ألف يقولون: قال أبو يعقوب، ولا يدرون المعنى والسبب؛ فيضلون، ولا أقوله أبدا. وكان ابن أبي دؤاد قد أمر أن يحُمل إلى بغداد في أربعين رطلاً من حديد يقيّد بها ويغرّمها من ماله إن لم يجب. كيلوجرام من الحديد. 15فيكون وزن القيد نحو (كان البويطي أبدا يحرك شفتيه بذكر الله، وما أبصت قال الربيع بن سليمان: أحدا أنزع بحجة من كتاب الله من البويطي، ولقد رأيته على بغل في عنقه غل، وفي
عدد الصفحات ٦٥الإيمان بالقرآن 65 رجليه قيد، وبينه وبين الغل سلسلة فيها لبنة، وزنها أربعون رطلا، وهو يقول إنما خلق الله الخلق بـ أدخلت عليه لأصدقنه -يعني: الواثق- ولأموتن في حديدي هذا حتى يأتي قوم .يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم) هـ.231وترك في السجن إلى أن مات في قيوده سنة ، من أئمة أهل نعيم بن حماد المروزي مع البويطي: وممن حُبس في تلك المحنة السنة، وهو أوّل من صنّف المسند، وهو الذي حثّ الإمام أحمد على كتابة المسند. جاءنا نعيم بن حماد ونحن على باب هُشيم نتذاكر المقطعات (قال الإمام أحمد: .)فقال: جمعتم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ).فعُنينا بها منذ يومئذقال: ( نعيم بن حماد .. كان من أهل خراسان، من أهل قال محمد بن سعد في طبقاته: ( مرو، وطلب الحديث طلبا كثيرا بالعراق والحجاز، ثم نزل مص؛ فلم يزل بها حتى أُشخص منها في خلافة أبي إسحاق بن هارون - يعني المعتصم - فسُئل عن القرآن فأبى أن يجيب فيه بشيء مما أرادوه عليه؛ فحبس بسامرا؛ فلم يزل محبوسا بها حتى )ا.هـ.مات في السجن في سنة ثمان وعشين ومائتين حمُل إلى العراق في امتحان القرآن مع البويطي مقيدين، فمات وقال الذهبي: ( ).نعيمٌ بسَّر من رأى وروى الخطيب البغدادي عن نفطويه أنَّره جُرَّر بأقياده فألقي في حفرة، ولم يكفَّرن ولم يصلَّر عليه، بأمرٍ من صاحب ابن أبي دؤاد. نزيل بغداد محمود بن غيلان المروزي الحافظ المحدّث وممن حُبس في تلك المحنة: من شيوخ البخاري ومسلم، وقد أكثر الترمذي من الرواية عنه.
عدد الصفحات ٦٦الإيمان بالقرآن 66 (ثقة، أعرفه بالحديث، صاحب سنة، قد حبس سئل عنه الإمام أحمد فقال: .بسبب القرآن) بسبب تشدّده في الامتحان بخلق القرآن، وفي زمان الواثق حدثت فتنة أخرى وسجنه لكثير من العلماء والأئمة والمؤذنين الذين لا يجيبون إلى القول بخلق القرآن، وهي أنّ نفراً من فقهاء بغداد ضاقوا ذرعاً بما جرى من المحنة فأتوا الإمام أحمد فقالوا له: إن هذا الأمر قد فشا وتفاقم، ونحن نخافه على أكثر من هذا، وذكروا له أنّ ابن أبي دؤاد يأمر المعلمين بتعليم الصبيان في الكتاتيب القولَ بخلق القرآن، .وقالوا: نحن لا نرضى بإمارتهوأنهّم يخشون أن ينشأ جيل على هذا الكفر، واحتجّوا للخروج عليه بحجج؛ فنهاهم الإمام أحمد عماّ أرادوه؛ وقال لهم: (عليكم بالنُّكْرة بقلوبكم، ولا تلعوا يداً من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ولا دماء المسلمين معكم، انظروا في عاقبة أمركم، ولا تعجلوا، .واصبروا حتى يستريح برٌّ ويُستراح من فاجر) فقال بعضهم: (إنا نخاف على أولادنا إذا ظهر هذا لم يعرفوا غيره، ويمحى الإسلام يدرس). (كلا، إنّ الله عزّ وجل ناصر دينه، وإنّ هذا الأمر له ربٌّ ينصره، وإنّ قال: . الإسلام عزيز منيع) فلم يقبلوا منه، وخرجوا من عنده. قال حنبل بن إسحاق: (فمضى القوم، فكان من أمرهم أنهم لم يحمدوا، ولم ينالوا ما أرادوا، اختفوا من السلطان وهربوا، وأُخد بعضهم فحبس، ومات في الحبس). يبلغه ما أمره به ثمّ ورد كتاب من الأمير إسحاق بن إبراهيم إلى الإمام أحمد الخليفة الواثق، وكان في كتابه: (إن أمير المؤمنين قد ذكرك، فلا يجتمعن إليك أحد، ولا تساكني بأرض ولا مدينة أنا فيها، فاذهب حيث شئت من أرض الله).
عدد الصفحات ٦٧الإيمان بالقرآن 67 فاختفى الإمام أحمد ثلاثة أيام في دار صاحبه أبي إسحاق إبراهيم بن هانئ النيسابوري، ثم تنقل في أماكن متخفياً ثم رجع إلى منزله واحتبس فيه، وامتنع عن التحديث، ومجالسة الناس. هـ من أشدّ 231ولم يزل البلاء بهذه المحنة يشتدّ سنة بعد سنة حتّى كانت سنة تلك السنوات على أهل السنة: ففيها: فادى الخليفة الواثق من طاغية الروم أربعة آلاف وستمائة أسير من المسلمين؛ فتفضَّرل أحمدُ بن أبي دؤاد بوضع شرط لمن يفادَون؛ فقال: (من قال من الأسارى: القرآن مخلوق، خلّصوه وأعطوه دينارين، ومن امتنع دعوه في الأسر!!). وفي رواية: (فلا تفتكّوه). يأمره أن يمتحن الأئمة وفي تلك السنة ورد كتاب الخليفة الواثق إلى أمير البصرة والمؤذنين بخلق القرآن؛ فسجن جماعة منهم. مقتل اأحمد بن ن إلى مجلس الواثق؛ أحمد بن نصر الخزاعيوفي آخر شعبان من تلك السنة أُحضر وكان شيخاً أبيض الرأس واللحية، فأُوقف على النطع مقيّداً؛ وامتحنه الواثق بنفسه، قال له: ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله. قال: أفمخلوق هو؟ قال: كلام الله. قال: فترى ربك في القيامة؟ قال: كذا جاءت الرواية.
عدد الصفحات ٦٨الإيمان بالقرآن 68 قال الواثق: ويحك! يُرى كما يُرى المحدود المتجسم، ويحويه مكان، ويحصه ناظر! أنا كفرت بمن هذه صفته. ثمّ قال لمن حضره من قضاة المعتزلة: ما تقولون فيه؟ فقال عبد الرحمن بن إسحاق: يا أمير المؤمنين هو حلال الدم. وقال أبو عبد الله الأرمني: اسقني دمه يا أمير المؤمنين. وقال ابن أبي دؤاد: هو كافر يستتاب، لعلّ به عاهةً أو نقصَ عقل. فقال الواثق: إذا رأيتموني قمت إليه فلا يقومن أحد معي، فإني أحتسب خطاي. ثم نهض إليه بالصمصامة -وكانت سيفا لعمرو بن معد يكرب الزبيدي أهدي لموسى الهادي ثم صار إليه؛ فلما انتهى إليه ضربه بها على عاتقه وهو مربوط بحبل قد أوقف على نطع، ثم ضربه أخرى على رأسه ثم طعنه بالصمصامة في بطنه فسقط على النطع صريعا رحمه الله وتقبّله في الشهداء. قال جعفر بن محمد الصائغ: رأيت أحمد بن نص حيث ضربت عنقه قال رأسه: لا إله إلا الله. وذكر السّاج عن إبراهيم بن الحسن أنه قال: رأى بعض أصحابنا أحمد بن نص في النوم فقال: ما فعل بك ربك؟ قال: ما كانت إلا غفوةٌ حتى لقيتُ الله، فضحك إلي. ثم عُلّق رأسه رحمه الله في بغداد، وربطوا في أذنه ورقة كتبوا فيها: (هذا رأس أحمدَ بنِ نص بن مالك، دعاه عبد الله الإمام هارون إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه، فأبى إلا المعاندة، فعجله الله إلى ناره). وصُلب جسده في سامرا، وبقي مصلوباً ستّ سنين؛ ثمّ جمع رأسه وجسده ودفع إلى أهله فدفنوه، واجتمع لتشييعه ودفنه ما لا يحصى من العامّة. .(رحمه الله ما كان أسخاه، لقد جاد بنفسه)وذُكر عند الإمام أحمد فقال:
عدد الصفحات ٦٩الإيمان بالقرآن 69 .(ما دخل على الخليفة أحد يصدقه سواهوقال أيضا: وكان جدّه مالك بن الهيثم أحد نقباء الدولة العباسية، وأخوه أميراً من أمراء هـ، ولم يشفع له ذلك عندهم.208الجيوش مات سنة ؛ فإنّه ضرُب، ثمّ فضل بن نوح الأنماطي وممن أوذي في هذه المحنة من المحدّثين: فرّقوا بينه وبين امرأته. ليُمتحن بشيخ من أهل الشام من بلدة يقال لها جيء وفي آخر زمن الواثق في مسألة خلق القرآن بحضرة الواثق؛ وكان الواثق إذا أراد أن يقتل أحداً أحضر ابنه المهتدي ليشهد قتله. قال المهتدي بن الواثق: (فأدخل الشيخ على الواثق مقيدا، وهو جميل الوجه تام القامة، حسن الشيبة، فرأيت الواثق قد استحيا منه، ورقّ له، فما زال يدنيه ويقربه، حتى قرب منه، فسلم الشيخ فأحسن السلام، ودعا فأبلغ الدعاء، وأوجز، فقال له الواثق: اجلس. ثم قال له: يا شيخ، ناظر ابن أبي دؤاد على ما يناظرك عليه). ثمّ حكى المناظرة التي جرت بينهما، وخلاصتها أن هذا الشيخ قال لابن أبي دؤاد: يا أحمد بن أبي دؤاد! إلى ما دعوت الناس ودعوتني إليه؟ فقال ابن أبي دؤاد: إلى أن تقول: القرآن مخلوق؛ لأن كل شيء دون الله مخلوق. قال الشيخ: أخبرني يا أحمد عن مقالتك هذه، أواجبة داخلة في عقد الدين، فلا يكون الدين كاملا حتى يقال فيه ما قلت؟ قال ابن أبي دؤاد: نعم. قال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه الله تعالى إلى عباده، هل ستر رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا مما أمر الله تعالى به في دينه؟
عدد الصفحات ٧٠الإيمان بالقرآن 70 قال ابن أبي دؤاد قال الشيخ: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمة إلى مقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: تكلم؛ فسكت. فالتفت الشيخ إلى الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين، واحدة. فقال الواثق: واحدة. فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن الله تعالى حين أنزل القرآن على رسول الله صلى ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﴿الله عليه وسلم فقال: أكان الله تعالى الصادقَ في إكمال دينه، أم أنت الصادقُ في نقصانه، فلا ﴾ ﮄ ﮅ يكون الدين كاملا حتى يقال فيه بمقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: أجب يا أحمد، فلم يجبه. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، اثنتان. فقال الواثق: اثنتان. فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن مقالتك هذه، أَعَلِمَها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم جهلها؟ قال ابن أبي دؤاد: علمها قال الشيخ: فدعا الناس إليها؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، ثلاث. فقال الواثق: ثلاث).
عدد الصفحات ٧١