المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإيمان بالقرآن

عبد العزيز بن داخل المطيري

صفحة ٣ من ٩

الإيمان بالقرآن 38 للمعتزلة ببعض أصولهم؛ فخرج بقولٍ مبتدعٍ بين قول أهل السنة وقول المعتزلة، إذ زعم أنَّر القرآن حكايةٌ عن كلام الله، وأنّ كلام الله معنى نفسي ليس فيه حروف ولا أصوات، وأنَّر جبريل يحكي ما في نفسِ الله تعالى، ويُسمِعُه النبيَّر صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن هذا القول باطل مخالف لما دلّت عليه النصوص الصحيحة الصيحة المتقدّم ذكرها، ولما كان عليه السلف الصالح رحمهم الله، ولذلك أنكره أئمة أهل السنة إنكاراً شديداً. ثمّ أتى أبو الحسن الأشعري بعد ابن كلاب فسلك طريقته في الرد على المعتزلة، لكنّه استدرك عليه؛ فقال: الحكاية تقتضي مماثلة المحكي، وليست الحروف مثل المعنى، بل هي عبارة عن المعنى ودالة عليه. فلذلك ذهبَ إلى أنَّر القرآن عبارةٌ عن كلام الله، وهذا المعنى إذا أطلقه الأشاعرة فهم يريدون به أن القرآن ليس كلام الله عز وجلَّر حقيقةً، ولكنَّره عبارةٌ عبرَّر بها جبريلُ عن المعنى النفسي القائم بالله جل وعلا، وهذا ضلال مبين في مسألة صفة الكلام لله عز وجل. ومن الأشاعرة من يطلق القول بأن القرآن كلام الله لكن على سبيل المجاز لا الحقيقة. الكلابية يقولون:؛ هو أن فالفرق بين قول الكلابية وقول الأشاعرة في القرآن إن القرآن عبارة عن كلام الله والأشاعرة يقولون:إن القرآن حكاية عن كلام الله، تعالى، لأنَّر الحكاية تقتضي مماثلة للمحكي، والعبارة هو تعبير عن المعنى بألفاظ وحروف. ويتّفقون على أنّ القرآن غير مخلوق، لكنّه عندهم ليس هو كلام الله حقيقة بألفاظه.

عدد الصفحات ٣٩

الإيمان بالقرآن 39 والفرق بين المعتزلة والأشاعرة إن القرآن كلام الله تعالى، لكنّه مخلوق.أن المعتزلة يقولون: إن القرآن غير مخلوق، وليس هو كلام الله حقيقة، وإنما هو والأشاعرة يقولون: عبارة عبرّ بها جبريل عن المعنى النفسي القائم بالله تعالى. وكلا القولين باطلان، فالقرآن كلام الله تعالى حقيقةً، تكلّم الله به بحروفٍ سمعها جبريلُ من الله تعالى؛ ثمّ نزل به إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وبلَّرغه إيّاه بحروفه. (ولا يجوز إطلاق القول: بأنه حكاية عن قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: كلام الله أو عبارة عنه، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف؛ لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله حقيقة؛ فإنّ الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً، لا إلى من قاله مبلغا مؤديا. وهو كلام الله؛ حروفه ومعانيه؛ ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني ا.هـ.دون الحروف)

عدد الصفحات ٤٠

الإيمان بالقرآن 41 الباب الثامن: فتنة القول بخلق القراآن فتنة القول بخلق القرآن من أعظم الفتن التي بليت بها الأمة، وقد جرى بسببها من المحن والبلايا ما الله به عليم، وكانت هذه الفتنة من أعظم أسباب تفرّق الأمة، وظهور عدد من الفرق التي كان لاختلافها أثر سيّء على الأمّة الإسلامية؛ فجنت عليها الفُرقة ما جنت، وأوهنت منها ما أوهنت، وعصم الله طائفة من المسلمين لم يزالوا ظاهرين على الحقّ، وحجتهم ظاهرة على من خالفهم. وسنعرض في هذا الباب تلخيصاً لنشأة هذه الفتنة، وأبرز أحداثها، وما كان بسببها من المحن والشدائد على أهل السنة، ونستكمل في الأبواب القادمة الحديثَ عن آثار هذه الفتنة العظيمة. ن ، وقد قتله أمير الجعد بن درهمأوّل من أحدث بدعة القول بخلق القرآن هو هــ، يوم الأضحى.124العراق في زمانه خالد بن عبد الله القسي عام قال حبيب بن أبي حبيب: شهدت خالد بن عبد الله القسي بواسط، في يوم «أضحى، وقال زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله علوا كبيرا عما رواه البخاري في خلق أفعال العباد، وأبو يقول الجعد بن درهم، ثم نزل فذبحه سعيد الدارمي واللالكائي وغيرهم. (لا خلاف بين الأمّة أنّ أوّل من قال قال أبو القاسم اللالكائي: .مخلوقٌ

عدد الصفحات ٤٢

الإيمان بالقرآن 42 ، واشتهرت عنه، ولم يكن له أتباع لهم شأنالجهم بن صفوانثم أخذ هذه المقالة: في زمانه، وإنما بقيت مقالاته حتى تلقّفها بعض أهل الكلام فطاروا بها وفتحوا بها على الأمّة أبواباً من الفتن العظيمة، ولم يكن الجهمُ من أهل العلم، ولم تكن له عناية بالأحاديث والآثار، وإنما كان رجلاً قد أوتي ذكاء ولساناً بارعاً وتفننا في الكلام، وجدلاً ومراءً، وكان كاتباً لبعض الأمراء في عصه؛ فانتشت مقالاته، وكان من أعظم ما أدخله على الأمّة إنكار الأسماء والصفات، وإنكار علوّ الله، والقول بخلق القرآن، والجبر والإرجاء الغاليان، وقد كفّره العلماء في عصه؛ فقتله الأمير سلم هـ. 128بن الأحوز المازني سنة (رأيت سلم بن الأحوز حين ضربَ عُنُقَ الجهمِ فاسودَّر قال بكير بن معروف: . رواه اللالكائي.وجهه) (كان جهمٌ على معبرَ ترمذٍ، وكان رجلاً كوفيَّر الأصل،ِ وقال أبو معاذ البلخي: فصيح اللّسان، لم يكن له علمٌ، ولا مجالسةٌ لأهل العلم، كان تكلّم كلام المتكلّمين، وكلّمه السُّمَنيّة فقالوا له: صف لنا ربّك الّذي تعبده، فدخل البيت لا يخرج كذا وكذا. قال: ثمّ خرج عليهم بعد أيّامٍ، فقال: هو هذا الهواء مع كلّ شيءٍ، وفي كلّ شيءٍ، .ولا يخلو منه شيءٌ) . (كذب عدوّ اللهّ، إنّ اللهّ في السّماء على عرشه وكما وصف نفسه) قال أبو معاذٍ: رواه اللالكائي. وقد ذكر ابن بطّة عن يوسف القطّان أنّ الجعد بن درهم جدّ الجهم بن صفوان. (بلغني عن قتيبة بن سعيد أنه قال: »خلق أفعال العباد«وذكر البخاري في كتاب أن جهما كان يأخذ الكلام من الجعد بن درهم). ، وكان في أوّل أمره مشتغلا بالفقه بشر بن غياث المريسيثم ظهر بعدهما بمدّة حتى عدّه بعضهم من كبار الفقهاء؛ أخذ عن القاضي أبي يوسف، وروى عن حماد

عدد الصفحات ٤٣

الإيمان بالقرآن 43 بن سلمة وسفيان بن عيينة، وناظر الشافعيّ في مسائل، وكان مع أخذه عن هؤلاء العلماء يسيء الأدب ويشغّب، وأقبل على علم الكلام، وافتتن به، وكان خطيباً مفوَّرها، ومجادلاً مشاغباً. .(ما كان صاحب حُججٍ، بل صاحب خطبٍ) قال الإمام أحمد: (نظر في الكلام فغلب عليه، وانسلخ من الورع والتّقوى، وجرّد وقال الذهبي: القول بخلق القرآن، ودعا إليه، حتّى كان عينَ الجهميّة في عصه وعالمهم، فمقته .أهل العلم، وكفّره عدّةٌ، ولم يدرك جهمَ بن صفوان، بل تلقّف مقالاته من أتباعه) وكان متخفياً في زمان هارون الرشيد لما بلغه وعيده بقتله؛ ثم أظهر مقالته ودعا هـ.193إلى ضلالته بعد موت الرشيد سنة (روى أحمد بن إبراهيم الدورقي، عن محمد بن نوح، أن هارون قال الذهبي: الرشيد قال: بلغني أن بش بن غياث يقول لأقتلنه. قال الدورقي: وكان بش متواريا أيام الرشيد، فلما مات ظهر بش ودعى .إلى الضلالة) «وذكر البخاري عن يزيد بن هارون الواسطي أنه قال على قتله جهدي، ولقد أُخبرت من كلامه بشيء مرة وجدت وجَعَه في صلبي بعد . ثلاث «وقال علي ابن المديني وورى أيضا بإسناده عن أحمد بن خالد الخلال: أنه قال: سمعت يزيد بن هارون «وذَكَر أبا بكر الأصم والمريسي فقال .الدم «وقال عبد الرحمن بن مهدي ذكره البخاري في كتاب خلق أفعال العباد. ميراثه شيئا

عدد الصفحات ٤٤

الإيمان بالقرآن 44 .«وقال أيضاً فكان تحذير أئمة أهل السنة من بش المريسي وأصحابه ظاهراً مستفيضاً؛ حتى حَذِرَهم كثيرٌ من طلابِ العلم، لكنّهم تسللوا إلى الحكّام والولاة بما لهم من العناية بالكتابة والأدب، والتفنن في صياغة المكاتبات، وحفظ نوادر الأخبار، ولطائف المحاضرات. هـ، وكان رجلاً له نصيب من العلم 198 سنة المأمونثم لمّا آلت الخلافة إلى والأدب، لكنْ فَتَنَهُ إقبالُه على علم الكلام ولطائف ما يأتي به المعتزلة من زخرف القول ودقائق المسائل، وعنايتهم بالأدب والمنطق وعلم الكلام؛ فكان يقرّبهم ويجالسهم وزادوه ولعاً بالفلسفة وعلم الكلام حتى أمر باستخراج كتب الفلاسفة اليونانيين من جزيرة قبرص وتعريبها؛ فزاد البلاء بتلك الكتب وما فيها من الشبه التي غرّت المتكلّمين وفتنتهم. هـ)، 218(تبشر بن غياث المريسي وكان من رؤوس المعتزلة في عهد المأمون: وأبو الهذيل محمد بن الهذيل العلاف هـ)، 213 (ت وثمامة بن أشرس النميري هـ)، فزيّنوا له القول بخلق 240 (توأحمد بن أبي دؤاد الإياديهـ)؛ 235(ت القرآن، وأنّه لا يتمّ الدين إلا به، وشبّهوا عليه بشبههم؛ وكان في نفسه يرى القول بخلق القرآن لكنّه لا يتجاسر على إظهاره خشية إنكار العلماء عليه. لأظهرت أنّ القرآن مخلوق). يزيد بن هارونوكان يقول: (لولا مكان فقال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين، ومن يزيد حتى يكون يُتّقى؟!! فقال: (ويحك! إني أخاف إن أظهرته فيردّ عليَّر فيختلف الناس؛ فتكون فتنة وأنا أكره الفتنة). وأرسل إليه المأمون من يختبر أمره فوجده شديداً في منع القول بخلق القرآن؛ فلم يرد أن يثير الناس عليه، وكان أمر الناس مضطرباً في فتنة الخلاف بين المأمون والأمين، واستمرّ هذا الاضطراب سنوات بعد ذلك حتى إنّ المأمون لم يدخل

عدد الصفحات ٤٥

الإيمان بالقرآن 45 هـ، بعد قتله لأخيه بستّ سن 204بغداد إلا سنة هـ)؛ فلم يزل المأمون يقدّم رجلاً ويؤخّر 206ومات يزيد بن هارون سنة هـ، 212أخرى في دعوة الناس إلى القول بخلق القرآن؛ حتى تجاسر على ذلك سنة لكنّه لم يكن يمتحن الناس بهذا القول، وإنما يدعو إليه، ويقرّب من يقول به، ويقصي من يأباه؛ حتى كثر المعتزلة في زمانه، وكان منهم القضاة والكُتَّراب وجلساء الخليفة والأمراء. بداية المحنة ؛ فكتب عزم المأمون على امتحان العلماء في القول بخلق القرآنهـ 218وفي سنة إلى الولاة بامتحانهم، ومن أبى هُدّد بالعزل أو الحبس أو القتل. شيخ الإمام أحمد، وكان عفّان بن مسلم الصفّاروكان أوّلَ من امتحن من العلماء شيخاً كبيراً في الرابعة والثمانين من عمره لمّا امتحن، وكان رجلاً فقيراً، وفي داره نحو أربعين إنساناً، ويجُرى عليه من بيت المال ألف درهم كلّ شهر. فدعاه نائب بغداد إسحاق بن إبراهيم المصعبي؛ فقرأ عليه كتاب المأمون، فإذا فيه: (امتحن عفّان وادعه إلى أن يقول: القرآن مخلوق، فإن قال ذلك فأقرَّره على أمره، وإلا فاقطع عنه الذي يجري عليه). قال عفان: فقال لي إسحاق: ما تقول؟ »﴾ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ﴿فقرأت عليه فقلت: أمخلوق هذا؟ قال: يا شيخ إن أمير المؤمنين يقول: إنك إن لم تجبه يقطع عنك ما يجري عليك. ؛ فسكتَ ﴾ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ﴿قال عفان: فقلت له: يقول الله تعالى: وانصفتُ.

عدد الصفحات ٤٦

الإيمان بالقرآن 46 يحيى بن معين، وأبوثمّ ورد كتاب المأمون بامتحان جماعة من أهل الحديث منهم: خيثمة زهير بن حرب، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، وإسماعيل الجوزي، ومحمد بن . سعد كاتب الواقدي، وأبو مسلم عبد الرحمن بن يونس المستملي، وابن أبي مسعود أمر المأمون بإحضارهم إليه في الرقّة؛ ولم يُمتحنوا في بلدانهم؛ وإنما أحضروا إليه؛ فامتحنوا فهابوه وخافوا معارضته؛ فأجابوا وأطلقوا. (لو كانوا صبروا وقاموا لله عزّ وجلّ لكان الأمر قد انقطع، قال الإمام أحمد: وحذرهم الرجل - يعني المأمون - ولكن لمّا أجابوا وهم عينُ البلد اجترأ على .غيرهم) .(همّ أوّل من ثلم هذه الثلمة، وأفسد هذا الأمر) وكان إذا ذكرهم اغتمّ وقال: وفي دمشق ورد كتاب المأمون على إسحاق بن يحيى بن معاذ أمير دمشق، أن هشام بن عمار، وسليمان بن عبد الرحمن، أحضر المحدثين بدمشق فامتحنهم؛ فأحضر ، وكان والي دمشق يجلّ هؤلاء العلماء ولا وعبد الله بن ذكوان، وأحمد بن أبي الحواري يقوى على مخالفة أمر الخليفة؛ فامتحنهم امتحانا ليس بالشديد، فأجابوا، خلا أحمد بن أبي الحواري الناسك العابد، وقد كان من أهل الحديث في أوّل أمره ويغلب عليه العناية بالسلوك والتعبّد وتزكية النفس؛ عالماً بأخبار النسّاك والعبّاد وأحوالهم؛ قال .(ما رأيت أحداً أعلم بأخبار النُّسَّراك منه) عنه أبو داوود السجستاني: (أظن أهل الشام يسقيهم الله وكان معروفا بصلاحه؛ حتى قال يحيى بن معين: .به الغيث) ثم إنّه ألقى كتبه في البحر واجتهد في العبادة، وكان معظَّرماً محبوباً عند أهل الشام، وكان أمير دمشق يحبّه ويجلّه؛ فجعل يرفق به في المحنة، ويقول: أليست السماوات مخلوقة؟ أليست الأرض مخلوقة؟ وأحمد يأبى أن يطيعه؛ فسجنه في دار الحجارة.

عدد الصفحات ٤٧

الإيمان بالقرآن 47 واجتهد والي دمشق أن يجيبه ولو متأوّلاً لأنّه يعلم شدّة المأمون في هذه المحنة؛ فوجّه إلى امرأته وصبيانه ليأتوه ويبكوا عليه ليرجع عن رأيه. وقيل له: قل: ما في القرآن من الجبال والشجر مخلوق. فأجاب على هذا، وكتب إسحاق بإجابته إلى الخليفة. قاضي دمشق وهو أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغسّاني وامتحن في تلك المدة من شيوخ الإمام أحمد؛ وكان موصوفا بالعلم والفقه؛ وكان عظيم القدر عند أهل الشام. (ما رأيت أحدا في كورة من الكُوَر أعظم قدرا ولا قال أبو حاتم الرازي: أجل عند أهلها من أبي مسهر بدمشق، وكنت أرى أبا مسهر إذا خرج إلى المسجد .اصطفت الناس يسلمون عليه) وكان شيخاً كبيراً قد بلغ الثامنة والسبعين من عمره؛ فأُدخل على المأمون وبين يدي المأمون رجل مطروح قد ضرُبت عنقه، ليرهبه بذلك؛ فقال له المأمون: ما تقول في القرآن؟ .﴾ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ﴿قال: كما قال الله: قال: أمخلوق أو غير مخلوق؟ قال: ما يقول أمير المؤمنين؟ قال: مخلوق. قال: بخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن الصحابة، أو التابعين؟ قال: بالنظر. واحتج عليه. قال: يا أمير المؤمنين، نحن مع الجمهور الأعظم، أقول بقولهم، والقرآن كلام الله غير مخلوق.

عدد الصفحات ٤٨

الإيمان بالقرآن 48 وأخذ المأمون يجادله على طريقة المعتزلة؛ فأبى أبو مسهر أن يجيبه إلى ما قال؛ فدعا المأمون بالنطع والسيف؛ فلما رأى ذلك أجاب مترخّصاً بعذر الإكراه. (فتركه من القتل وقال: أما إنك لو قلت ذلك قبل أن أدعو لك قال ابن سعد: بالسيف لقبلت منك ورددتك إلى بلادك وأهلك. ولكنك تخرج الآن فتقول: قلت ذلك فرَقا من القتل؛ أشخصوه إلى بغداد فاحبسوه بها حتى يموت. فأُشْخِصَ من الرَّرقة إلى بغداد في شهر ربيع الآخر سنة ثماني عشة ومائتين فحبس قِبَل إسحاق بن إبراهيم فلم يلبث في الحبس إلا يسيرا حتى مات فيه، في غرة رجب ا.هـ.سنة ثماني عشة ومائتين؛ فأخرج ليدفن فشهده قوم كثير من أهل بغداد) محنة الاإمام اأحمد بن حنبل أحمد بن حنبل، ثم ورد الكتاب من الخليفة إلى أمير بغداد يأمره بامتحان الإمام الملقّب ومحمد بن نوح العجلي، وعبيد الله القواريري، والحسن بن حماد الحضرمي بِسَجّادة، ومعهم جماعة من أهل الحديث. فأحضر كل واحد منهم من موضعه، وأما الإمام أحمد فأتاه رسول صاحب الرَّربْع بعد غروب الشمس؛ فخرج معه عمّه إسحاق بن حنبل يشيّعه، فلما بلغوا دار صاحب الرَّربع، قال للإمام أحمد: إذا كان غداً فاحضر دار الأمير، يقصد إسحاق بن إبراهيم. فلماّ انصفوا من عنده قال له عمّه: لو تواريت! (كيف أتوارى؟ إن تواريت لم آمن عليك وعلى ولدي وولدك والجيران، قال: . ويلقى الناس بسببي المكروه، ولكنّي أنظر ما يكون) فلما اجتمعوا في دار الأمير إسحاق بن إبراهيم ببغداد قرأ عليهم كتاب المأمون يدعوهم فيه إلى القول بخلق القرآن، وكان في كتاب المأمون: (الحمد الذي ليس

عدد الصفحات ٤٩

الإيمان بالقرآن 49 .﴾ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ﴿كمثله شيء وهو خالق كلّ شيء..) فقال أحمد: ؟﴾ﭥ ﭦ ﭧﭨ﴿فقال أحد الحاضرين من المعتزلة: ما أردت بقولك: هكذا قال الله تبارك وتعالى. قال أحمد: ثمّ امتحن القوم فأجابوا جميعاً مصانعة وترخّصاً بالإكراه غير هؤلاء الأربعة. (كان من الحاضرين من أجاب إلى القول بخلق القرآن مصانعة قال ابن كثير: مكرها ؛ لأنهم كانوا يعزلون من لا يجيب عن وظائفه، وإن كان له رزق على بيت المال قطع، وإن كان مفتيا منع من الإفتاء، وإن كان شيخ حديث ردع عن الإسماع .والأداء، ووقعت فتنة صماء، ومحنة شنعاء، وداهية دهياء) فمن أجاب أطلق، ومن أبى حُبس وقُيّد؛ فلماّ كان بعد ذلك دعا بالقواريري وسجّادة فأجابا وخلىّ عنهما. (قد أعذرا وحُبِسَا وقُيِّدا، وقال الله عزّ وجل: فكان الإمام أحمد يعذرهما ويقول: . القَيْدُ كُرْه، والحَبْسُ كُرْه) ﴾ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ﴿ وبقي أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح في الحبس؛ فمكثا أياماً؛ ثم ورد كتاب المأمون من طرسوس بأن يحملا إليه؛ فحملا مقيّدين زميلين؛ وشيّعهما العلماء وطلاب العلم إلى الأنبار. وقال أبو بكر الأحول لأحمد بن حنبل: إن عرضت على السيف تجيب؟ قال: لا. فلماّ وصلا إلى الرقّة حبسا فيها؛ حتى يقدم المأمون؛ وكان قد خرج إلى بلدة يقال لها ودخل عليه في حبسه في الرقّة أبو العبّاس الرقي - وكان من كبار أهل الحديث- في ذلك البلد، ومعه بعض أهل الحديث؛ فجعلوا يذكّرونه ما يُروى في التقية من «(وكيف تصنعون بحديث خبّابالأحاديث؛ فقال أحمد: . )يُنشر أحدهم بالمنشار، ثمّ لا يصدّه ذلك عن دينه

عدد الصفحات ٥٠

الإيمان بالقرآن 50 قال: فيئسنا منه (لستُ أبالي بالحبس، ما هو ومنزلي إلا واحد، ولا قتلاً بالسيف؛ إنما فقال أحمد: . أخاف فتنة السوط، وأخاف أن لا أصبر) فسمعه بعض أهل الحبس وهو يقول ذلك؛ فقال: لا عليك يا أبا عبد الله؛ فما هو إلا سوط ثمّ لا تدري أين يقع الثاني؛ فكأنّه سرُّي عنه). ثمّ أُخِذ الإمام أحمد وصاحبه على محمل؛ وخرج عليهم الأمير رجاء الحضاري وكان من قادة الجيوش؛ فقال: هؤلاء الأشقياء! .يا عدوّ الله؛ أنت تقول: القرآن مخلوق، ونكون نحن الأشقياءفقال الإمام أحمد: ثم أنزلوا من المحامل وصيرّوا في خيمة؛ فخرج عليهم خادم من خدم المأمون يمسح الدمع عن وجهه من البكاء وهو يقول: (عزّ عليَّر يا أبا عبد الله أن جرّد أمير المؤمنين المأمون سيفاً لم يجرّده قط، وبسط نطعاً لم يبسطه قط، ثم قال: وقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا دفعت عن أحمد وصاحبه حتى يقولا: القرآن مخلوق). (سيدي غرّ هذا الفاجرَ فبرك الإمام أحمد على ركبتيه ولحظ السماء بعينيه، ثم قال: حلمُك حتى تجرّأ على أوليائك بالضرب والقتل، اللهمّ فإن يكن القرآن كلاُمك غير . مخلوق فاكفنا مؤونته) فما مضى ثلث الليل الأول حتى سمعوا صيحة وضجّة، وإذا رجاء الحُضاري (صدقت يا أبا عبد الله، القرآن كلام الله غير مخلوق، مات والله أمير قد أقبل فقال: . المؤمنين) (كنتُ أدعو الله أن لا يريني وجهه - يعني وفي رواية أخرى أن الأمام أحمد قال: المأمون - وذلك أنه بلغني عنه أنّه يقول .إرْبا

عدد الصفحات ٥١

الإيمان بالقرآن 51 (فلماّ دخلنا طرسوس أقمنا أيّاما وأنا في ذلك؛ إذا رجلٌ قد دخل علينا؛ قال: قال لي: يا أبا عبد الله، قد مات الرجل؛ فحمدتُ الله تعالى، وكنت على ذلك أتوقّع .الفرَج) المحنة في زمن المعت ، وكان رجلاً لا بص له بالعلم، وإنما المعتصموتولىّ الخلافة بعد المأمون أخوه هو قائد جيش وصاحب حروب، لكنّه قلّد أخاه المأمون في هذه المسألة، وقرّب المعتزلة على طريقة أخيه؛ فزيّنوا له ما كانوا يزيّنونه لأخيه. قاضيَ أحمدَ بن أبي دؤاد الإيادي ومن أوّل يوم تولىّ فيه المعتصمُ الخلافةَ عينَّر القضاة؛ فكان من أشد المعتزلة أذية لأهل السنة في القول بالخلق القرآن والامتحان هـ: 231به؛ ومن عجائب ولعه بهذا الامتحان ما ذكره الذهبي في حوادث سنة أن الخليفة الواثق فادى من طاغية الروم أربعة آلاف وستمائة أسير من المسلمين؛ فتفضل أحمد بن أبي دؤاد فقال: (من قال من الأسارى: القرآن مخلوق، خلّصوه وأعطوه دينارين، ومن امتنع دعوه في الأسر!!). والمقصود أنّ البلاء اشتدّ على أهل السنّة بتوليته، وبتقريب الخليفة له؛ فتولىّ كبر هذه المحنة، واجتهد فيها اجتهاداً بالغاً، وحرّض عليها من قرّبهم من قضاة المعتزلة ومناظريهم. ثم إنَّر ابنَ أبي دؤاد أمرَ بنقل الإمام أحمد ومحمّد بن نوح مقيّدين إلى بغداد؛ ليُحبسا فيها حتى ينظر في أمرهما، وكان الإمام أحمد ومحمد بن نوح قد مرضا تلك الأيام مرضاً شديداً، فأشخصا مقيّدين يُنقلان من بلد إلى بلد في طريق عودتهما إلى بغداد؛ فأما محمد بن نوح فاشتدّ به المرض حتى مات وهو مقيّد في موضع يقال له «

عدد الصفحات ٥٢

الإيمان بالقرآن 52 شابّا حديث السنِّ قويّا في أمر الله؛ لا يخاف في الله لومة لائم؛– رحمه الله – وكان قد هانت عليه نفسه في سبيل الله. (ما رأيت أحداً على حداثة سنّه أقومَ بأمر الله من محمّد بن نوح، قال الإمام أحمد: وإنيّ لأرجو أن يكون قد خُتم له بخير. قال لي ذات يوم وأنا معه جالس: يا أبا عبد الله! .. اللهَ اللهَ؛ إنّك لستَ مثلي ولستُ مثلك؛ إنِ اللهُ ابتلاني فأجبتُ فلا يقاس بي، فإنّك لستَ مثلي ولستُ مثلك، أنت رجلٌ يُقتدى بك، وقد مدّ هذا الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك؛ فاتّق الله واثبت .لأمر الله) .(فتعجّبت من تقويته ومن موعظته إياي) قال: ونقّل الإمام أحمد في محابس متعددة إلى أن استقرّ حبسه في محبس العامّة في بغداد، فكان معه جماعة كثيرة في حبسه، ومكث في ذلك الحبس نحو سنتين. . (فكنت أصليّ بهم وأنا مقيّد) قال الإمام أحمد: وفي تلك المدّة كانت المحنة جارية على أهل العلم؛ فامتحن جماعة من العلماء؛ فمنهم من أجاب ترخّصاً بعذر الإكراه، ومنهم من حُبس، ومنهم من عُزل، ومنهم ضرُب، ومنهم أوذي بالتفريق بينه وبين أهله، وبأنواع أخرى من الأذى؛ وكانت أعناق العامّة ممتدّة إلى أحمد بن حنبل لأنه كان رأس أهل الحديث في زمانه. المناظرة الكبرى في خلق القراآن ولمّا رأى إسحاق بن حنبل عمُّ الإمام أحمد بن محمد بن حنبل أنَّر حبس ابن أخيه قد طال تردّد إلى الأمراء وقادة الجيوش وأصحاب السلطان وكلّمهم ليشفعوا في إطلاقه؛ فلماّ أيس منهم دخل على نائب بغداد إسحاق بن إبراهيم بن الحسين المصعبي؛ فذكّره بما كان لحنبل جدّ الإمام أحمد ووالد إسحاق بن حنبل من المكانة والإعانة في حروب بني العباس، وكان حنبل جاراً للحسين جدّ إسحاق بن إبراهيم

عدد الصفحات ٥٣

الإيمان بالقرآن 53 بمرو؛ فذكّره بذلك وعرّفه؛ فقال إسحاق: قد بلغني ذلك ثم خلصا في تحاورهما إلى أن يناظره العلماء والفقهاء فمن أفلحت حجّته كان أغلب، وكان يريد بذلك أن يوجد وسيلة يخرج بها الإمام أحمد من سجنه. ثم دخل إسحاق بن حنبل على ابن أخيه الإمام أحمد في السجن بصحبة الحاجب (يا أبا عبد الله قد أجاب أصحابُك، وقد أعذرتَ فيما بينك وبين الله، وقد فقال له: .أجاب أصحابك والقوم، وبقيت أنت في الحبس والضيق!!) . (يا عمّ! إذا أجاب العالمِ تقيّةً والجاهل يجهل فمتى يتبينّ الحق؟!!) فقال: فأمسك عنه. هـ؛ فمكثوا أياما حتى 219وكان ذلك في العش الأواخر من رمضان سنة أَبلغ إسحاق بن إبراهيم الخليفةَ بالأمر؛ ثم أحضر الإمام أحمد من سجنه، إلى دار ووجّه إليه اثنين من مناظري المعتزلة: إسحاق بن إبراهيم ومنعت عنه زيارة أقاربه، ؛ فناظراه؛ فلم تقم لهما حجّة محمد بن رباح والآخر أبو شعيب الحجامأحدهما عليه، فكانا إذا ناظراه بعلم الكلام لم يجبهما، وإذا استدلا عليه بشيء من الكتاب والسنّة ردّ عليهما خطأهما في الاستدلال. وكان مما سألاه عن القرآن: هل هو مخلوق؟ ما تقولون في علم الله هل هو مخلوق؟فقال لهم: فتورّط ابن الحجّام فالتزم أن علم الله مخلوق؛ فكفّره الإمام أحمد، وأنكر ابنُ رباح على صاحبه هذا الالتزام، وقاما من عنده. فدخل إسحاق بن إبراهيم على الإمام أحمد فكلّمه بكلام لينّ ليثنيه عن موقفه من مسألة خلق القرآن، وكان مما قال له: يا أحمد إني عليك مشفق، وإن بيننا وبينك حُرمة، وقد حلف الخليفة لئن لم تجب ليقتلنَّرك. ما عندي في هذا الأمر إلا الأمر الأول.فقال له الإمام أحمد:

عدد الصفحات ٥٤

الإيمان بالقرآن 54 فحوّله من ليلته إلى غرفة مظلمة في دار الخليفة، وزيدت عليه القيود حتى أثقلته (وحملت على دابّة والأقياد عليّ، وما معي أحد يمسكني؛ ظننتُ قال الإمام أحمد: أنيّ سأخرّ على وجهي من ثقل القيود، وسلّم الله؛ حتى انتهيت إلى الدار؛ فأدخلتُ إلى الدار في جوف الليل، وأغلق عليّ الباب، وأقعد عليه رجلان، وليس في البيت .سراج، فقمت أصليّ ولا أعرف القبلة، فصليت فلما أصبحت فإذا أنا على القبلة) فلما أصبح أحضر إلى مجلس الخليفة واجتمع القضاة وأهل الكلام من المعتزلة وزعيمهم ابن أبي دؤاد، وحضر المجلس بعض الأمراء وقادة الجيوش. وكان المعتزلة من قبل يحقّرون شأن الإمام أحمد بن حنبل عند الخليفة ويزعمون أنّه شابّ حديث السنّ جاهل مبتدع يحبّ التصدّر والرياسة. فلماّ رآه الخليفة قال: أليس زعمتم لي أنه حدَث؟ أليس هذا شيخاً مكتهلاً؟ وكان الإمام أحمد قد بلغ الخامسة والخمسين من عمره عام المحنة؛ فأدني من الخليفة وعليه قيوده الثقيلة؛ فسلّم عليه ثم أجلس. فلما مكثت ساعة، قلت له: يا أمير المؤمنين، تأذن لي في الكلام؟ قال الإمام أحمد: قال: تكلّم. إلامَ دعا إليه ابن عمّك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت له: قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله. فأنا أشهد أن لا إله إلا الله.قلت: إن جدّكَ ابن عباس حكى أن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول ثم قلت له: الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بالإيمان بالله. فذكرت الحديث كلّه، وقلت له: يا أمير المؤمنين؛ فإلى ما أُدعى وهذه قال: شهادتي وإخلاصي لله بالتوحيد؟!! يا أمير المؤمنين دعوة بعد دعوة محمد صلى الله عليه وسلم؟!!

عدد الصفحات ٥٥