المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحذف في الجملة العربية خلال سورة يوسف

موسى صالح موسى أبو بكر

صفحة ٢ من ٣

17 كمــا قــال في مكــان اخــر منــه حينمــا كـــان يتحــدث عــن نظريــة الــنظم قــال: تعليــق الكـــلام بعضـــها بـــبعض وجعـــل بعضـــها بســـبب مـــن بعـــض ، والكلـــم في العربيـــة ثـــلاث اســـم وفعـــل وحرف وللتعليق فيما بينها طرق معلومة لاتعدو ثلاثة ا قسام : 1ـ تعلق اسم باسم 2ـ تعلق اسم بفعل 3ـ تعلـق حـرف بهمـا . وبـذلك يكـون الجرجـاني اول مـن ربـط بـين الـنظم والنحـو . ويقـول كــذلك : واعلــم ان لــيس للــنظم الاان تضــع كلامــك الوضــع الــذي يقتضــيه علــم النحــو وتعمــل علــي قوانينــه واصــوله وتعــرف مناهجــه الــتي نهجــت فــلا تزيــم عنهــا وتحفــني الرســوم التي رسمت فلا تبخل بشي منها . انتهي كلامه رحمه الله ومن هنا نعلم ان ربط الجرجاني بين العلمين كان في محله لان بينهمـا ارتباطـا وثيقـا ولحمـة ووشـــيجة حيـــث ان مهمـــة البلاغـــة تبـــدأ مـــن حيـــث تنتهـــي مهمـــة النحـــو اذ انهـــا تتنـــاول الصورة ا لصحيحة التي تدور حول غرض واحد لتري ايها ارفع في درجات البلاغة ولماذا؟ والان وبعــدان عرفنــا العلاقــة بــين العلمــين والتوأمــة بــين الفنــين وانهــا علاقــة حقيقيــة وتوأمــة طبيعية ندلف الي بيان الفرق بين الحذف والايجاز فنقول : 1ــــ ان شـــرط الحـــذف ان يكـــون في الحـــذ ف ثم (بتشـــديد المـــيم ) مقـــدر بـــو قولـــه تعـــالي : ( واســـأل القريـــة ) .يجـــلاف الايجـــاز فانـــه عبـــارة عـــن اللفـــني القليـــل الجـــامع للمعـــاني الجمـــة بنفسه 2ـــ ان شــرط الحــذف بقــاء اثــر المقــدر في اللفــني بــو قولــه تعــالي ( يــدخل مــن يشــاء رحمتــه والظـــالمين اعــد لهـــم عــذابا اليمـــا ) وبـــو قولــه تعـــالي : ( ويعــذب المنـــافقين ( . وهـــذا لايشترط في الايجاز 3 ومن الفروق انه لابد في الاضمار (الحذف) من ملاحظة المقدر واما في الايجاز ف

عدد الصفحات ١٧

18 4ـ ومن الفروق ان الحذف ـ كما يعرفه الرمـاني ـ تقليـل الكـلام مـن غـير اخـلال بـالمع اما الا يجاز فقد عرفه الرماني كما نقله عنه ابن رشـيق في العمـدة فقـال : هـو العبـارة عـن الغرض باقل ما يمكن من الحروف . ويعني بالحروف الكلمات 1 5ـ ومن الفروق ان الايجاز (ا از ) استعمال اللفني في غير موضعه والحذف ليس كذلك 1 / العمدة لابن رشيق / تحقيق محمد محي الـدين عبـد الحميـد / النشـر دار الجيـل / ط خامسـة 1981 م ج1 ص 251

عدد الصفحات ١٨

19 المطلب الرابع من المبحث الاول وعنوانه فوائد الحذف وأسبابه لكــل شــي في الوجــود فوائــد تجــني وثمــار تقتــني ، والحــذف ممــا يجــري عليــه هــذا القــانون فلــه فوائـــده الواضـــحات وثمـــاره اليانعـــات ، كمـــا ان لـــه اســـبابا ودواعـــي تـــدعوك الي الاتيـــان بـــه تجعلـــك تقدمـــه علـــي الـــذكر وانـــا ذاكرهمـــا في مطلـــبي هـــذا حســـب مـــا ذكر همـــا صـــاحب البرهان مع حذف بسيط يقتضيه المقام وتستوجبه الحال بادئا بالفوائد فمنها : 1ـ التفخيموالإعظام وذلك لمـا فيـه مـن الإبهـام لـذهاب الـذهن في كـل مـذهب وتشـوفه الي مــا هـــو المــراد فيرجـــع قاصــرا عـــن إدراكــه فعنـــد ذلــك يعظـــم شــانه وتعلـــو في الــنفس مكانـــه الاتــر ي ان افـــذوف اذا ظهـــر في اللفــني زال ماكـــان يخـــتلا في الــوهم مـــن المـــراد وخلـــص للمذكور . 2ـــ زيــادة اللــذة بســبب اســتنباط الــذهن للمحــذوف ، وكلمــا كــان الشــعور بافــذوف اعســر كان الالتذاذ به اشد واحسن 3ـ ومنها زيادة الاجر بسبب الاجتهاد في ذلك يجلاف غـير افـذو ف كمـا تقـول في العلـة المستنبطة والمنصوصة 4ـ ومنها طلب الايجاز والاختصار وتحصيل المعني الكثير في اللفني القليل 5ـ ومنها التشجيع علي الكلام ومن ثم سماه ابن جني شجاعة العربية 1 6ـ ومنها موقعه في النفس في موقعه علي الذكر ولهذا قال الجرجاني : مـامن اسـم حـذف في الحالة التي ينبغي ان يحذف فيها الا وحذفه احسـن مـن ذكـره ولله در القائـل : اذا نطقـت جاءت بكل مليحة ... وان سكتت جاءت بكل مليح وأما الأسباب فمنها : 1ـ انها تاتي رد الاختصار والاحتراز عن العبث بنـاء علـي الظـاهر بـو : الهـلال والله أي هذا فحذف المبتدا استغناء عنه بقرينة شهادة الحال اذلو ذكره لكان عبثا 2ـــــ ومنهــــا التنبيــــه علــــي ان الزمــــان يتقاصــــر عــــن الاتيــــان بافــــذوف وان الاشــــتغال بــــذكره يفضي الي تفويت المهم وهذه هي فائدة باب التحذير بو : اياك والشر والطريـق الطريـق 1 / الخصائص ج2 ص362)

عدد الصفحات ١٩

21 والله الله وبــابالاغـــراء هــو لـــزوم امــر يحمـــد بــه وقـــد اجتمعــا في قولـــه تعــالي : ( ناقـــة الله وسقياها ) علي التحذير أي احذروا ناقة الله فلا تقربوها وسقياها اغراء بتقدير الزموا 3ـــ ومنهــا التفخــيم والاعظــام قــال حــازم القرطــاجني في منهــاج البلغــاء : اجــا يحســن الحــذف مــال يشــكل بــه المعــني لقــوة الدلالــة عليــه او يقصــد بــه تقــدير أشــياء فيكــون في تعــدادها طــــول وســــامة فيحــــذف ويكتفــــي بدلالــــة الحــــال عليــــه وتــــترك الــــنفس تجــــول في الاشــــياء المكتفــي بالحــال عــن ذكرهــا علــي الحــال قــال : وبهــذا القصــد يــؤثر في المواضــع الــتي يــراد بهــا التعجــب والتهويــل علــي النفــو ومنــه قولــه تعــالي في وصــف اهــل الجنــة ( حــتي اذا جاءوهــا وفتحت ابوابها ) فحذف الجواب اذ كان وصـف مايجدونـه ويلقونـه عنـد ذلـك لايتنـاهي فجعل الحذف دليلا علي ضيق الكلام عـن وصـف مايشـاهدونه وتركـت النفـو تقـدر مـا شـانه ولا يبلـم مـع ذلـك كنه ما هنالك لقوله عليه الصلاة والسلام (فيها مالاعين رات ولااذن سمعت ولاخطر علي قلــب بشـــر ) . قلـــت ومنــه قولـــه تعـــالي : ( فغشـــيهم مــن الـــيم مـــا غشــيهم ) مـــالا يعلـــم كنهـــه الاالله قــال الزمخشــري : وهــذا مــن بــاب الاختصــار ومــن جوامــع الكلــم المتحملــة مــع قلتهــا للمعاني الكثيرة . 4ـ ومنها التخفيف لكثرة دورانه في كلامهم كما حذف حرف النداء في بـو قولـه تعـالي : ( يوسف اعرض عن هذا ) وغيره . قــال الامــام ســيبويه: العــرب تقــول : لا ادر (بكســر الــراء ) فيحــذفون اليــاء والوجــه لاادري لانه رفع وتقول : ل ابل (بسكون الام ) فيحذفون الالف والوج ه : ل ابال ويقولون : ل يــــك ( بســــكون الكــــاف ) فيحــــذفون النــــون . كــــل ذلــــك يفعلونــــه اســــتخفافا لكثرتــــه في كلامهم 1 5ـــ ومنهــا حــذف نــون التثنيــة والجمــع واثرهــا بــاق بــو الضــاربا زيــدا والضــاربوا زيــدا وقــراءة منقـــرا قولـــه تعـــالي مـــن هـــذا الضـــرب ( والمقيمـــي الصـــلاة ) كـــأن النـــ ون ثابتـــة فعلـــوا ذلـــك لا ستطالة الموصول في الصلة بو ( والليل اذا يسر ) حذفت الياء للتخفيف 1 / المرجــــع : الكتــــاب لســــيبويه / تحقيــــق عبــــد الســــلام محمــــد هــــارون / النشــــر مكتبــــة الخــــا ي القــــاهرة ط ثالثــــة / ج 1 ص24ـ25

عدد الصفحات ٢٠

21 6ـ ومنها رعاية الفصلة بو ( ماودعك ربك وما قلي 7ـ ومنها ان يحذف صيانة له كقوله تعالي : (قال فرعون وما رب العالمين القوله ( ان كنتم تعقلون ) حذف المبتدا في ثلاثة مواضع قبل ذكر الرب أي هو رب السموات والله ربكـم والله رب المشرق لان موسي عليه السلام استعظم حال فرعون واقدامه علـي السـؤال تهيبـا وتفخيما فاقتصرعلي ما يستدل به من افعاله الخاصة به ليعرفه انه ليس كمثله شي وهـو السميع البصير 8ـ ومنها صيانة اللسان عنه كقوله تعالي : (صم بكم عمي) أي هم 9ـ ومنها شهرته حتي يكون ذكره وعدمه سواء قال الزمخشـري : وهـو نـوع مـن دلالـة الحـال التي لسانها انطق من لسان المقال كقول ر بة (خير ) جواب من قال له : كيـف أصـبحت فحذف الجار وعليه قراءة حمزة (تساءلو ن به والأرحام)

عدد الصفحات ٢١

22 الملف الثاني: المبحث الأول: مدلول الحذف في الجملة العربية . وفيه أربعة مطالب المطلب الأول : تعريف الحذف لغة واصطلاحا الحذف لغة من حذف ذنب فرسه إذا قطع طرفه وحذف رأسه بالسيف : ضربه فقطع منه قطعة وحذف الصانع الش سواه تسوي ة حسنة كأنه حذف كل مايجب حذفه حتي خلا من كل عيب وتهذب قال امر القيس : لها جبهة كسراة ا ن حذفه الصانع المقتدر 1 وقال صاحب اللسان : حذف الش يحذفه حذفا قطعه من طرفه والحجام يحذف الشعر من ذلك والحذافة بالضم ماحذف من شي فطرح وخص اللحياني به حذافة الاديم ، وقال الأزهري تحذيف الشعر تطريره وتسويته وذكر بيت امرئ القيس السابق الذكر 2 اما الفيروز بادي فقال : حذفه يحذفه اسقطه ومن شعره اخذه ....والسلام خففه ول يطل القول به وككناسة : ماحذفته من الاديم وغيره وافذوف ال زق ومن العروض م ا سقط من اخره سبب خفيف....والحذف محركة طائر . ..وغنم سود صغار حجازية او جرشية بلا اذناب ولا اذان ... وقوله ج رشية يعني بها مكانا باليمن . ... والحذافة بالفتح مشددة الإست واذن حذفاء كانها حذفت أي قطعت 3 وفي المعجم الوسيط قال: حذف الشي حذفا قطعه من طرفه .....وحذف الخطيب الكلام هذبه وصفاه ....والحذفاء اذن صغيرة كانها قطعت 4 1 /شرح المعلقات التسع/الناشر مؤسسة الأع لمى للمطبوعات بيروت ط أولى 2111م ج1 ص143: أسا البلاغة للزمخشري / تحقيق محمد باسل عيون السود / الناشر دار الكتب العلمية بيروت لبنا ن / ط اولي 1998 م/ ج1ص176ـ177 2 / المرجع : لسان العرب لابن منظور/ دار صادر بيروت / ط ثالثة 1414هجرية ج 9 ص39ـ41 3 / المرجع : القامو افيط للفيروز ابادي / الناشر مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت ل بنان / ط ثامنة ـ2115م/ ج1 ص799 4 / المرجع:المعجم الوسيط / المؤلف لمع اللغة العربية بالقاهرة ( ابراهيم مصطفي واحمد الزيات وحامد عبد القادر ومحمد النجار ) الناشر دار الدعوة ج1 ص162

عدد الصفحات ٢٢

23 ومن هذا العرض يتبين لنا ان مادة الكلمة تدور حول القطع والنقص والتهذيب والتثقيف والتسوية . اماالحذف اصطلاحا فقد تفاوتت كلمات علمائنا وت غايرت في تعريف الحذف نظرا لاختلاف مدارسهم ومناهجهم التي يصدرون عنها ساذكر بعضها ثم اختار منها ما اراه صوابا : 1ـ قال صاحب البرهان في علوم القران : الحذف هو اسقاط جزء الكلام او كله لدليل ثم قال بعد هذا التعريف : اما قول النحويين الحذف لغير د ليل ويسمي اقتصارا فلا تحرير فيه لانه لا حذف فيه بالكلية1 2ـ وعرفه الباقلاني فقال : الحذف هو الاسقاط للتخفيف كقوله تعالي (واسال القرية وجعله من الايجاز فقال في فصل في وصف وجوه من البلاغة : ذكر بعض اهل الادب والكلام ان البلاغة علي عشرة اقس ام الايجاز والتشبيه والاستعارة والتلا م والفواصل والتجانس والتصريف والتضمين والمبالغة وحسن البيان . فاما الايجاز فاجا يحسن مع ترك الاخلال باللفني والمعني فياتي باللفني القليل الشامل لامور كثيرة وذلك ينقسم الي حذف وقصر فالحذف الاسقاط للتخفيف كقوله تعالي ( واسال القرية ) ثم قال : والحذف ابلم من الذكر لان النفس تذهب كل مذهب في القصد من الجواب 2 3ـ وعرفه الرماني فقال : الحذف تقليل الكلام من غير اخلال بالمعني . ثم انه يعده احد اقسام الايجاز الذي يعد فرعا من فروع علم المعاني ويراد به اداء المقصود من الكلام باقل قدر ممكن من الالفاظ 1 / البرهان في علوم القران لبدر الدين محمد بن عبدالله بن بهادر الزركشي / تحقيق محمد ابو الفضل إبراهيم / ط اولي 1957م / الناشر دار احياء الكتب العربية عيسي البابي الحلبي وشركا ه ج 3 ص112 2 / المرجع: اعجاز القران للباقلاني / تحقيق السيد احمد صقر / النشر دار المعارف مصر ط خامسة 1997 م ج1 ص262

عدد الصفحات ٢٣

24 4ـ بينما جعله ابن رشيق من ا از وقال : وفي الشعر القديم وافدث منه كثير يحذفون بعض الكلام لدلالة الباقي علي الذاهب ثم عرف ا از فقال : هو ان يسمي الشي باسم ماقاربه او كان منه بسبب 1 والذي اختاره هو تعريف صاحب البرهان وهو : اسقاط جزء الكلام اوكله لدليل 1 / المرجع : العمدة لابن رشيق / تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد / الناشر دار الجيل ط خامسة 1981م ج1 ص251-ـ251

عدد الصفحات ٢٤

25 المطلب الثاني من المبحث الاول وعنوانه : الحذف بين النحويين والبلاغيين الحذف ظاهرة لغوية عامة تشترك فيها اللغات الانسانية حيث يميل الناطقون الي حذف بعض العناصر المكررة في الك لام او الي حذف مايمكن للسامع اوالقارئي فهمه اعتمادا علي القرائن المصاحبة حالية كانت ام عقلية ام لفظية . ومن ثم فلا انكار لظاهرة الحذف جملة :وقد تناول علماء اللغة والبلاغة هذه الظاهرة بالدراسة والبحث فوصفها اللغويون والنحويون واطلقوا عليها الحذف احيانا والاضمار احيانا اخري ومن هؤلاء الامام سيبويه حيث قال: في باب مايضمر فيه الفعل المستعمل اظهاره بعد حرف وذلك قولك : النا لزيون باعمالهم ان خيرا فخير وان شرا فشر الي اخركلامه رحمه الله 1 ومنهم الجرجاني حيث عقد بابا بعنوان : حذف ال فعل واضماره فقال: وكما يضمرون المبتدا فيرفعون قد يضمرون الفعل فينصبون كبيت الكتاب : ديار مية اذمي تس اعفن........ ولايري مثلها عجم ولاعرب 2 كما وصفها البلاغيون ونعتوها بالايجاز بالحذف قال صاحب كتاب البرهان : ان الحذف نوع من انواع ا از علي الم شهور ثم حكي كلاما نقله امام الحرمين في التلخيص عن بعضهم : ان الحذف ليس بمجاز اذ هو (أي ا از ( استعمال اللفني في غير موضعه والحذف ليس كذلك . وقال ابن عطية في تفسير سورة : وحذف المضاف هو عين ا از او معظمه وهذا مذهب سيبويه وغيره من اهل النظر ثم قال : وليس كل حذف لازا انتهي كلامه المرجع تفسير ابن عطية وذكر ابن جني ان من حق الحذف ان يكون في الاطراف لا في الوسط لان طرف الشي اضعف من قلبه ووسطه قال تعالي : ( اول يروا انا نأتي الارض ننقصها من اطرافها ( وقال الطائي الكبير : كانت هي الوسط الممنوع فا ستلبت ما حولها الخيل حتي اصبحت طرفا 1 /الكتاب لسيبويه / تحقيق عبد السلام محمد هارون الناشر مكتبة الخا ي القاهرة / ط ثالثة 1988م ج1 ص258 2 /دلائل الاعجاز للجرجاني تحقيقلا محمود شاكر / الناشر مطبعة المدني بالقاهرة / ط ثالثة 1992م / ج1 ص 146-171

عدد الصفحات ٢٥

26 فكان الطرفين سياج للوسط ومبذولان للعوارض دونه ،ولذلك تجد الاعلال عند التصريفين بالحذف منها . ثم قال عند حديثه عن اية يوسف ( يوسف .....افتنا (وسوغ الحذف طول الكلام والطول داع للحذف 1 وقال سيبويه : اعلم انهم مما يحذفون الكلم وان كان اصله في الكلام غير ذلك ويحذفون ويعوضون ويستغنون بالشي عن الشي الذي اصله في كلامهم ان يستعمل حتي يصير ساقطا 2 بلوعقد بابا في كتابه الكتاب فقال: هذا باب يحذف منه الفعل لكثرته في كلامهم حتي صار بمنزلة المثل وذلك قولك : هذا ولا زعماتك أي ولا اتوهم زعماتك ومن ذلك قول الشاعر وهو ذو الرمة وذكر الديار والمنازل : د يار مية اذمي مساعفة .......ولا يري مثلها عجم ولا عرب كانه قال:اذكر ديار مية ولكنه لا يذكر اذكر لكثرة ذلك في كلامهم واستعماله م اياه ولما كان فيه من ذكر الديار قبل ذلك . ول يذكر ولا اتوهم زعماتك لكثرة استعمالهم اياه ولا ستدلاله مما يري من حاله انه ينهاه عن زعمه . ومن ذلك قول العرب : كليهما وتمرا فذا مثل قد كثر في كلامهم كانه قال : اعطني كليهما وتمرا . 3 ويعد الرما من الاوائل الذين التمسوا العلة البلاغية للحذف اذ انها ليست اختصارا فقط ، واجا هي امر نفسي يجعل لال الاحسا والشعور متسعا امام السامع فيتوهم كثيرا من الاشياء التي يحتمل ان يحمل معانيها اللفني افذوف . المرجع كتاب البرهان وقال ابن رشيق :والضرب الثاني مماذكره الرماتي وهو قول الله (واسأل القرية ) يسمونه الاكتفاء وهو داخل في باب ا از وفي الشعر القديم وافدث منه كثير يحذفون بعض 1 / المرجع: الخصائص لابن جني / الهيئة العامة للكتاب / ط رابعة /ج 1 ص266 وقال في موضع اخر : والغرض من الحذف هو التخفيف والاختصار لذلك لا يحسن الحذف مع التوكيد لان المؤكد مراد للطول والحذف مراد للاختصار ، الخصائص لابن جني / الهيئة المصرية العا مة للكتاب / ط رابعة ج 2 ص275 2 / المرجع : الكتا ب لسيبويه / تحقيق عبد السلام محمد هارون / النشر مكتبة الخا ي القاهرة / ط ثالثة 1988م ج1ص24ـ25 3 /الكتاب ج1 ص281-ـ281 ثم قال : وحذفوا الفعل لكثرة استعمالهم اياه في الكلام . ج 1 ص283

عدد الصفحات ٢٦

27 الكلام لدلالة الباقي علي الذاهب ثم قال : وقول لبيد : در المنا بمتالع فابان يريد المنازل فحذف للضرورة ثم قال فالحذف في كلامهم كثير لحب الاستخفاف وتارة للضرورة 1 اذن ابن رشيق لايفرق بين ا از والايجاز ويجعلهما شيئا واحدا وقد عرفه في كتابه فقال وا از في كثير من الكلام ابلم من الحقيقة واحسن موقعا في القلوب والاسماع وما عدا الحقائق من جميع الالفاظ ثم ل يكن محالا محضا فهو لاز لاحتماله وجوه التاويل فصا ر التشبيه والاستعارة وغيرهما من محاسن الكلام داخلة تحت ا از الا انهم خصوا به يعني اسم ا از بابا بعينه وذلك ان يسمي الشي باسم ما قاربه او كان منه بسبب كما قال جرير : اذا سقط السماء بارض قوم .............رعيناه وان كانوا غضابا اراد المطر لقربه من السماء وقال رعيناه والمطر لا يرعي ولكنه اراد النبت الذي يكون منه فهذا كله لاز انتهي كلامه 2 1 / المرجع العمدة ح 1 ص251ـ-251 2 / المرجع : العمدة لابن رشيق ج 1 ص266

عدد الصفحات ٢٧

28 المطلب الثالث من المبحث الاول وعنوانه : الفرق بين الحذف والايجاز ان اللغة العربية لغة ادبية قد بلغت شاوا كبيرا في هذا ا ال ،كما انها لغة علمية وسعت كل العلوم والمعارف والفنون وذلك بما تزخر به من مفردات وتعابير ومترادفات واساليب وتعبيرات متفاوتة تبعا لمستويات المخاطب والسامع ـكما يقول البلاغيون ـ وقد تعرض علما نا بالتوضيح والبيان لموضوعات واساليب وتعابير لا يكون الكلام فيها جاريا وفق ماقرره القيا اللغوي ولا القاعدة النحوية من حيث تكامل اركانها وتراكيب جملها ومن هذا الحذف فقد تعرض النحويون الاوائل للمواضع التي يقع فيها مبينين اثره في الاعراب والمعني . كما بين في الجانب الاخر البلاغيون اثره البلاغي والجمالي الذي يكسو به الجملة والمعني غير متعرضين لاثره في الاعراب وذلك بسبب طبيعة دراستهم المنهجية التي تعني بالمعني والجماليات ، وماكان من اشارات في اثره في النص فهي اشارات عابرة لا تفي بالغرض اللهم الاماكان من عبد القاهر الجرجاني فقد ربط بينها وبين النحو وعالج موضوعاتها معالجة بوية قبل ان يعالجها معالجة بلاغية ومما يدل علي هذا استشهاده بابيات من كتاب سيبويه ف قال في دلائل الاعجاز : القول في حذف المبتدا وهذه جملة قد تنكرها حتي بر وتدفعها حتي تنظر وانا اكتب لك بديئا امثلة مما عرض فيه الحذف ثم انبهك علي صحة ما اشرت اليه واقيم الحجة م ن ذلك عليه . انشد صاحب الكتاب إعتاد قلبك من ليلي عوائده .....وهاج أهواءك المكنونة الطلل ربع قواء أ ذاع المعصرات به... ...وكل حيران سار ما ه خضل قال: أراد ذاك ربع قواء أو هو ربع . قال ومثله قول الاخر : هل تعرف اليو م رسم الدار والطللا...... ..كما عرفت بحقن الصيقل الخللا دار لمروة إذأهلي.وأهلهم ...........بالكانسية نرعي اللهو والغزلا كانه قال:تلك دار 1 1 / المرجع : دلائل الاعجا ز / تحقيق محمود شاكر / النشر مطبعة المدني بالقاهرة / ط ثالثة 1992م / ج1 ص146

عدد الصفحات ٢٨

29 كما قال في مكان اخر منه حينما كان يتحدث عن نظرية النظم قال: تعليق الكلام بعضها ببعض وجعل بعضها بسبب من بعض ، والكلم في العربية ثلاث اسم وفعل وحرف وللتعليق فيما بينها طرق معلومة لاتعدو ثلاثة اقسام : 1ـ تعلق اسم باسم 2ـ تعلق اسم بفعل 3ـ تعلق حرف بهما . وبذلك يكون الجرجاني اول من ربط بين النظم والنحو . ويقول كذلك : واعلم ان ليس للنظم الاان تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل علي قوانينه واصوله وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تز يم عنها وتحفني الرسوم التي رسمت فلا تبخل بشي منها . انتهي كلامه رحمه الله ومن هنا نعلم ان ربط الجرجاني بين العلمين كان في محله لان بينهما ارتباطا وثيقا ولحمة ووشيجة حيث ان مهمة البلاغة تبدأ من حيث تنتهي مهمة النحو اذ انها تتناول الصورة الصحي حة التي تدور حول غرض واحد لتري ايها ارفع في درجات البلاغة ولماذا؟ والان وبعدان عرفنا العلاقة بين العلمين والتوأمة بين الفنين وانها علاقة حقيقية وتوأمة طبيعية ندلف الي بيان الفرق بين الحذف والايجاز فنقول : 1ـ ان شرط الحذف ان يكون في الحذف (بتشديد الميم ) مقدر بو قوله تعالي : ( واسأل القرية ) .يجلاف الايجاز فانه عبارة عن اللفني القليل الجامع للمعاني الجمة بنفسه 2ـ ان شرط الحذف بقاء اثر المقدر في اللفني بو قوله تعالي ( يدخل من يشاء رحمته والظالمين اعد لهم عذابا اليما ) وبو قوله تعالي : ( ويعذب المنافقين ( . وهذا لايشترط في الايجاز 3 ومن الفروق انه لابد في الاضمار (الحذف) من ملاحظة المقدر واما في الايجاز ف

عدد الصفحات ٢٩

31 4ـ ومن الفروق ان الحذف ـ كما يعرفه الرماني ـ تقليل الكلام من غير اخلال بالمع اما الا يجاز فقد عر فه الرماني كما نقله عنه ابن رشيق في العمدة فقال : هو العبارة عن الغرض باقل ما يمكن من الحروف . ويعني بالحروف الكلمات 1 5ـ ومن الفروق ان الايجاز (ا از ) استعمال اللفني في غير موضعه والحذف ليس كذلك 1 / المرجع : العمدة لابن رشيق / تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد / النشر دار الجيل / ط خامسة 1981 م ج1 ص251

عدد الصفحات ٣٠

31 المطلب الرابع من المبحث الاول وعنوانه : فوائد الحذف وأسبابه لكل شي في الوجود فوائد تجني وثمار تقتني ، والحذف مما يجري عليه هذا القانون فله فوائده الواضحات وثماره اليانعات ، كما ان له اسبابا ودواعي تدعوك الي الاتيان به تجعلك تقدمه علي الذكر وانا ذاكرهما في مطلبي هذا حسب ما ذكرهما صاحب البرهان مع حذف بسيط يقتضيه المقام وتستوجبه الحال بادئا بالفوائد فمنها 1ـ التفخيم والاعظام وذلك لما فيه من الابهام لذهاب الذهن في كل مذهب وتشوفه ا ما هو المراد فيرجع قاصرا عن ادراكه فعند ذلك يعظم شانه وتعلو في النفس مكانه الاتري ان ا فذوف اذا ظهر في اللفني زال ماكان يختلا في الوهم من المراد وخلص للمذكور . 2ـ زيادة اللذة بسبب استنباط الذهن للمحذوف ، وكلما كان الشعور بافذوف ا عسر كان الالتذاذ به اشد واحسن 3ـ ومنها زيادة الاجر بسبب الاجتهاد في ذلك يجلاف غير افذوف كما ت قول في العلة المستنبطة والمنصوصة 4ـ ومنها طلب الايجاز والاختصار وتحصيل المعني الكثير في اللفني القليل 5ـ ومنها التشجيع علي الكلام ومن ثم سماه ابن جني شجاعة العربية (الخصائص ج 2 ص362) 6ـ ومنها موقعه في النفس في موقعه علي الذكر ولهذا قال الجرجاني : م امن اسم حذف في الحالة التي ينبغي ان يحذف فيها الا وحذفه احسن من ذكره ولله در القائل : اذا نطقت جاءت بكل مليحة ............. وان سكتت جاءت بكل مليح وأما الأسباب فمنها : 1ـ انها تاتي رد الاختصار والاحتراز عن العبث بناء علي الظاهر بو : ا ل والله أي هذا فحذف المبتدا استغناء عنه بقرينة شهادة الحال اذلو ذكره لكان عبثا 2ـ ومنها التنبيه علي ان الزمان يتقاصر عن الاتيان بافذوف وان الاشتغال بذكره يفضي الي تفويت المهم وهذه هي فائدة باب التحذير بو : اياك والشر والطريق الطريق

عدد الصفحات ٣١

32 والله الله وباب الاغراء هو لزوم امر يحمد به وقد اجتمعا في قوله تعالي : ( ناقة ا وسقياها ) علي التحذير أي احذروا ناقة الله فلا تقربوها وسقياها اغراء بتقدير الزموا 3ـ ومنها التفخيم والاعظام قال حازم القرطاجني في منهاج البلغاء : اجا يحسن الحذف مال يشكل به المعني لقوة الدلالة عليه او يقصد به تقدير أشياء فيكون في تعدادها طول وسامة فيحذف ويكتفي بدلالة الحال عليه وتترك النفس تجول في الاشياء المكتفي بالحال عن ذكرها علي الحال قال : وبهذا القصد يؤثر في المواضع التي يراد بها التعجب والتهويل علي النفو ومنه قوله تعالي في وصف اهل الجنة ( حتي اذا جاءوها وفتحت ابوابها ) فحذف الجواب اذ كان وصف مايجدونه ويلقونه عند ذلك لايتناهي فجعل الحذف دليلا علي ضيق الكلام عن وصف مايشاهدونه وتركت النفو تقدر ما شانه ولا يبلم مع ذلك كنه ما هنالك لقوله عليه الصلاة والسلام (فيها مالاعين رات ولااذن سمعت ولاخطر علي قلب بشر ) . قلت ومنه قوله تعالي : ( فغشيهم من اليم ما غشيهم ) مالا يعلم كنهه الاالله قال الزمخشري : وهذا من باب الاختصار ومن جوامع الكلم المتحملة مع قلتها للمعاني الكثيرة . 4ـ ومنها التخفيف لكثرة دورانه في كلامهم كما حذف حرف النداء في بو قوله تعا ( يوسف اعرض عن هذا ) وغيره . قال الامام سيبويه: العرب تقول : لا ادر (بكسر الراء ) فيحذفون الياء والوجه لاادري لانه رفع وتقول : ل ابل (بسكون الام ) في حذفون الالف والوجه : ل ابال ويقولون : ل يك ( بسكون الكاف ) فيحذفون النون . كل ذلك يفعلونه استخفافا لكثرته في كلامهم 1 5ـ ومنها حذف نون التثنية والجمع واثرها باق بو الضاربا زيدا والضاربوا زيدا وقراءة منقرا قوله تعالي من هذا الضرب ( والمقيم ي الصلاة ) كأن النون ثابتة فعلوا ذلك لا ستطالة الموصول في الصلة بو ( والليل اذا يسر ) حذفت الياء للتخفيف 1 / المرجع : الكتاب لسيبويه / تحقيق عبد السلام محمد هارون / النشر مكتبة الخا ي القاهرة / ط ثالثة / ج 1 ص24-ـ25

عدد الصفحات ٣٢