المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تركيا في ضوء الحقائق

غير معروف

صفحة ٣٣ من ٣٧

433 اليوم. ذلك أنَّ هذهِ المهمَّةا تتوقَّفُ على شروطٍ؛ كالتزامِ المبادئِ العلميَّةِ بحيادٍ، وبِسلوبٍ منهجيٍِ وموضوعِيٍِ، وبتحليلِ الأحداثِ عن خبرةٍ ورويَّةٍ في ضو ءِ الأدلَّةِ والبراهين، وتقيِيمها بعيدًا كلَّ البُعدِ عن الن َّزاعااتِ العاطفِيَّةِ وما إلى ذلك ... ***  سياسة تركيا تجاه المنطقة العربيِة أيام الدولة العثمانيِة لامَّا ف اقادا العربُ مركزاهُم السياسِيَّ بعد سقوطِ الدولةِ العباسيَّة عام 0421م. وزالا سلطانُِم، مهَّداتْ ظروفُ العصرِ للترُّكِ والفُرِِ والْمُغُولِ والبربرِ السبيلا للاستقلالِ الذَّاتيِِِ، فاستولتْ كلُّ طائفةٍ من هذهِ الأقوامِ على منطقةٍ خلَّفاهاا العباسيُّ ونِ . شانُِ ا شانُ كلِِ الإمبراطورياَّ تِ الكبيّا ةِ . سقطتْ الدولةُ العباسيَّةُ سقوطً ا سياسيًّ ا توافرتْ عواملُ هُ من الداخلِ ، ولم يكنْ سقوطً ا عسكرِ ياًّ بِ غا زْ وٍ خارجِ يٍِ احتلاليٍِِ . ف "الْقُّ يكمُ نُ في القوةِ وحدا ها على الدَّ وام" كما قيل. و أما السلااجِقاةُ الأتراك، فكانتْ لهم دولةٌ شِبهُ مستقلَّةٍ من ق ابْلُ، وكانوا من أقواى أجزاءِ الأمَّةِ بعد انِِيارِ الإمبراطوريَّةِ العباسيَّة، فاستطاعوا أنْ يُافظوا على كيانِِم في أناضول أماما حْلاتِ المغول، وكانتْ عاصمت ُهُمْ مدينة قُون ْيااKonya .إلاَّ أنَّ أاماراتِ الشيخ وخةِ كانت قد سادتْ على هذه الدولةِ بعد اجتياح التاتَرِ على جزءٍ كبيٍّ من أراضِيها، كما تمرَّدتْ عليها القبائلُ، فما لبث حتََّّ انِارتْ هي الأُخرى، ف قامتْ على أنقاضِها إحداى عاشْراةا أامااراةً، وفي جملتِها إمااراةُ آلِ عثمانا في غربِ أناضول وعاصماتُها مدينةُ بُورْصااBursa (بروسه قديًُا) على تخومِ الدولة البِيزانْطِيَّةِ التي أن ْهاكات ْهاا غاراتُ السلاجقةِ في أيام عزِِها، فأصبحتْ دولةُ بيزنطةا هذه المرَّةا معرَّضةً لِتاحارُّشااتِ وحْلاتِ العثمانِيِِين بعد انِِْياارِ الدولةِ السلجوقِيَّةِ . فلامَّا اتِسعتْ الرقعةُ التي تَاْكُمُهاا الإمارةُ العثمانيَّةُ واستقواى سُلطان ُهاا على المنطقةِ خاصَّةً بعدا فتحِ القسطنطنيَّةا عام 0225م. على يدِ السلطان محمِد الثانّ الذي لُقِبا ب "الفاتح"، تَوَّلتْ في عهدِ حفيدهِ السطان سليم الأوَّل، إلى دولةٍ ذاتِ نفوذٍ واسعِ النطاقِ ضمَّتْ في فترةٍ قصيّةٍ مناطقا واسعةً من الديارِ العربِيَّةِ سواءٌ في المشرقِ العربي وفي شمااالِ إفريقيا أياَّما ابنِهِ السلطان سليمان القانونّ، واتَّساماتْ في الوقتِ ذاتِهِ بخصوصيَّاتِ "دولةٍ إسلامِيَّةٍ " ت اقْلِيدِيَّةٍ على غرار الدولة الأمويَّةِ والعباسيَّ ةِ خاصَّةً بعد فتح البلاد الشامِيَّةِ ومصرا عام 0200م. على يد السلطان سليم الأوَّل.

عدد الصفحات ٤٣٣

434 هذه الواقعةُ تُعتابرُ نقطةا تَوُّلٍ عظيمٍ بالنسبةِ للدولةِ العثمانيَّةِ لأسبابٍ، من أهَاِِها : أنَّ رقعةً واسِعةً من ديارِ العربِ أصب حتْ جزءًا منها . ومن هذه الأسباب: أنَّ السلطانا سليم الأوَّلا الذي استولى على الساحةِ الشامِيَّةِ ومصرا والْجازِ واليامانِ، تسلَّما الخلافةا من محمِ دِ بن يعقوب المتوكِِلِ عالاى اللهِ الثَّالِثِ، آخرِ الخُ لافااءِ العباسيِِين في العهدِ المملوكِيِِ بمِِصْرا . وبذلك أصبحتْ أكثريَّةُ المجتمعِ العارا بيِِِ راعااياا الدولة العثمانيَّةِ . ومن هنا بدأتْ سياسةُ الأتراك تأخذُ مجراها في المنطقةِ العربِيَّةِ . اختلفتْ سياسةُ الدولةِ العثمانيَّة في المنطقةِ العربِيَّةِ باختلافِ ظروفٍ مرحلِيَّةٍ ناجمةٍ عن التغيُّّاتِ الإجتماعيَّةِ وحركاتِ التمرُّدِ، كما كان لِما وااقِفِ أولياءِ الأمورِ الذين في قِمَّةِ الدولةِ ، والأمراءِ الْماحالِِيِِين، وأصحابِ الكلمةِ النافذةِ من العربِ تأثيٌّ بالغٌ في تغيِيِّ وتَدِيدِ السياسةِ بالمنطقةِ من مرحلةٍ إلى أخراى. لقد كانتِ الدولةُ العثمانيَّة قائماةً على نظامٍ عسكريٍِ تقليديٍِ محضٍ ، أكثرا من أن ْتكونا دولةً مدنيَّةً اجتماعيَّةً، و كانت الجهودُ منصبَّ ةً على الاهتمامِ بالجيشِ ، لاعتقادِ السلاطين أنِ ه العنصرُ الأساُِ في مواجهة الأخطارِ الْ محتما لا ةِ ، فأهَْلوا تعليما الفنونِ والصناعات، وسدُّوا عيونِام وآذانِام عن التطوُّ راتِ التي كانتْ تجرِي في الغربِ خاصَّةً بعد النهضةِ الْديثةِ الأوروبِيَّةِ، فما لبث حتََّّ با دا تْ ملامِ حُ الإنْطاطِ والتدنِِّ والهْا را مِ في أجهزةِ الدولة ومرافِقِهاا. من خصوصيَّاتِ الدولةِ العثمانيَّةِ : أنَّ اقتصاداها كان يعتمِدُ على غاناائِمِ الْربِ، لذا طالاماا اعتادتِ الدو لةُ إعلانا الْربِ على منطقةٍ من مناطقِ "بلادِ الكفرِ "، تَت شعار "الجهادِ " (؟!). من الجدير بالاشارة هنا للمناسباةِ؛ أنَّ جميعا المعارِكِ التي خاضات ْهاا الدولةُ العثمانيَّة عبرا تَريخِها كانتْ في عقليَّتِهِمْ : "غازاوااتٍ جهادِيَّةً على غرارِ حربِ البدرِ والأُ حُدِ اللَّتانِ قادا فيهما الرسول عليه السلام جيوشاه على المشركين". كان هذا هو التفسيُّ المتعارافُ لدى المجتمعِ العثمانِِّ لأيِِ حربٍ خاضتها "الدولةُ العالِيَّةُ "، مع أي "داولةٍ كافراةٍ ". فاستغلَّتِ السلطةُ العثمانيَّة فِقها الدفاعِ في الشريعةِ الإسلاميَّ ةِ بهذا التفسيّ الغريب الذي اخْت الاقاتْهُ لكسبِ الرأْيِ العامِِ في كلِِ الأحوالِ؛ سواءٌ كان إعلانُ الْربِ ياسْتانِدُ إلى سببٍ مشروعٍ، أو إلى ذريعةٍ تتقمَّصُ بها السلطةُ لإضفاءِ الشرعيَّةِ على قرارِ إعلانِ الْربِ، حتََّّ تَااوَّلا هذا القصدُ المتكرِِرُ منها إلى طبيعةٍ سياسيَّةٍ متأصِِلةٍ في سلوكِ الدولةِ العثمانيَّةِ وتعامُلِها الخارجِيِِ، مَِِّا يبرهن على الروحِ العسكريِِ الراسخِ في الإنسانِ الت ُّرْكِيِِ على ما دا ى تَريخِهِ، كما يؤكِِدُ على هذه الْقيقاةِ – في الوقتِ ذاتِهِ – الإنقلاباتُ العسكريَّةُ التي فجَّرتِْا القواتُ المسلَّحةُ

عدد الصفحات ٤٣٤

435 الت ُّرْكِيَّة على الْكوماتِ الْمُن ْتاخاباةِ فأطاحتْ بها في العهدِ الجمهورِيِِ رغم المزاعم التي تدَّعِي : "أنِِ الدولةا الت ُّرْكِيَّة تقوم على نظامِ ديُقراطيٍِ حُرٍِ "! لامَّا تبنَّ تِ الدولةُ العثمان يَّة– في سياساتِهاا التوسُّعيَّةِ - الزحفا والاستيلاءا تَت شعار "الجهاد"، والجهادُ (في حدودِ شروطها المنصوصةِ في الفقه الإسلامِيِِ ) من الأعمالِ المقدَّساةِ عند المسلمين، كانتْ لِكلِِ حربٍ أعلن ات ْهاا "الدولةُ العليَّةُ "، قادااساةٌ في مفهومٍ عامَّةِ الرعايا من العربِ والترُّكِ والكردِ وغيِّهِمْ من مُكاوِِنااتِ المجتمعِ الإسلاميِِ . كلُّ هذهِ الفصائلِ العرقيَّةِ الْمُت اباايِناةِ كانتْ تدعو "للجيوشِ المحمَّدِيَّةِ " بالنصرِ ، وتفرحُ بما "يُُاقِِقُونا من الفتوحااتِ، وما ياضُمُّونا إلى سوادِ الوطن الإسلامِيِِ من البقاعِ، وما يُملون إلى البلادِ من الغنائم والسُّبِِِ ..." فكانت أسواقُ النخاسةِ تزدحمُ بِسرا ى الْربِ وتنشطُ فيها تجارةُ البشرِ بعد كلِِ معركةٍ، وتُقامُ حفلاتُ السباقِ الفروسيَّةِ، والمبارياتِ والأفراحِ والتهانِّ، وتُطْلاقُ خُطابٌ ساخنةٌ على المنابر، يُشاادُ فيها "بِغالاباةِ الجيوشِ الإسلاميَّةِ على فلول الكفر " ت ات ْب اعُهاا داعاوااتٌ مُطاوَّلاةٌ وابتهالاتٌ مُهايِِجاةٌ، وي ُفاخَّمُ عاب ْرا هذه النشاطاتِ شأنُ "خليفةِ اللهِ في أرضهِ وظلِِهِ على العالمين"! يُكن أنْ نستخلِصا من هذهِ الخصوصيَّةِ : أنَّ المعاركا التي خا ضات ْهاا الدولةُ العثمانِيَّةُ مع حُكَّامِ المنطقةِ العربِيَّةِ، لم ت ُعادْ من الغزواتِ الجهادِيَّةِ (نظيّا حروبِ العثمانِيِِين في القارة الأور و بِيَّةِ )، ذلك باعتبارِ ديارِ العربِ مناطِقا إسلاميةً، كما لم يُسماحْ للجيشِ أن يقوما بِعمال الأسرِ والسبِ ولا بمص ادرة الأموالِ والممتلكاتِ كغنائِمِ الْربِ . بل كانتِ السلطةُ الجديدةُ تَتالُّ مكانا السلطةِ القديُةِ بشكلٍ طبيعيٍِ، تعمل على ت اهْدِئاةِ مشاعر أهل المنطقةِ التي ضمَّت ْهاا إلى المملكة العثمانِيَّةِ وتَاْرُصُ على إزالةِ آثارِ الْربِ وتبِعاتِِا السلبِيَّةِ من ا لخوفِ والذُّعْرِ، وت ُعاوَّضُ عن الخْاساائِرِ ومُلَّفاتِ الدمارِ الناجمةِ عن تبادلِ القتالِ بين الطرفينِ بحكمِ الضرورة. لذا كانتْ سياسةُ التوسُّعِ والفتوحاتِ للدولةِ العثمانيَّةِ في المناطقِ العربِيَّة تتبنََّ توحيدا الأمَّةِ تَتا رايةٍ واحدةٍ على الظنِِ ال غالب، ف ات ُعادُّ إمتدادًا طبيعيًّا بعيدًا عن أغراضٍ استعماريَّةٍ وسحقٍ للمجتمعات الآهلة بها 298. 298 يبرهن على هذه الْقيقة ما سجلَّ الكاتب السودانّ محمِد الخيّ عبد القادر في بحث له، يقول: "لم يكن ثَاَّةا نِزااعٌ بين العثمانيِين وسُكِان الأقاليم العربيِة. لأنَّ العثمانيِين إنمِا أخذوا السلطاةا من المماليكِ في المشرق العربيِِ . ولم يكن العثمانيِون في نظر العرب غُزاةً فاتَين بل كانوا إخوةً لهم في العقيدة وحُْاةً لِدارِ الإسلام . كانت حروبُ الدولة العثمانيِةِ في نظر المسلمين – عرباً أم أتراكًا- جهادًا في سبيل الله. وكان العربُ لا يرون الدولةا العثمانيِةا دولةً أجنبِيَّةً، وإنمِا كان اعتقادُهُم أنِا دولتهم فهي دولة الإسلام . وعاصمتها (إسلامبول). و كان هذا هو الشعورُ السائدُ إلى نِاية القرن التاسع عشر وحتَِّ بداية القرن العشرين لم يكن العربُ يُلقُون بالاً إلى أنَّ الدولةا العثمانيِةا تُركيِة بقدر ما كان يهمِهم أنِا إسلاميِةٌ ."

عدد الصفحات ٤٣٥

436 إلاَّ أنَّ هذهِ السياسةا لم تكنْ خاليةً تمامًا من آثارِ ن ازاعااتٍ أنانيَّةٍ وهواجِسا نفسانيَّةٍ، يدلُّ على ذلك ما سجَّلا بعضُ المؤرِِخين من الموقفِ المتهاوِن لِعددٍ من سلاطينِ بنِ عثمانا بالنكبا ةِ التي أصابتْ المسلمين في الأندلس299 .وقد تكون ظروفُ العصرِ هي التي عرقلتِ الدولةا العثمانيَّةا عن ندةِ المسلمين في تلك البقاعِ لأسبابٍ لا يُكنُ الوقوفُ على حقيقتِها اليوما، ذلك أنَّ كثيًّا من الأحداثِ التاريخيَّةِ يصعُ بُ تَليلُ ها، وقد يستحيلُ كشفُ أسرارِها، واللهُ أعلمُ بالصواب. لقد كانتْ لِوا شِ يجا ةِ الدِِينِ قوَّةٌ عظيمةٌ ودورٌ كبيٌّ في ربطِ المسلمين بعضِهِم ببعضٍ على ماداى التاريخِ الإسلاميِِ، وهي تستمِدُّ من الآية الكريُةِ "إِنَّ هاذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وااحِداةً 300 "كانتْ لهذه الصلةِ عبرا تَريخِ الدولةِ العثمانيَّةِ أيضًا أهَاِِيَّةٌ بالغةٌ، فكانا العربُ والتركُ والكردُ وسائرُ الأعجامِ الذين جمعات ْهُمُ السلطةُ العثمانِيَّةُ تَتا راياةٍ واحدةٍ، كانوا إخوةً في نظرِ عامَّةِ المسلمين وخاصَّتِهِمْ، بما فيهم سلاطينُ بنِ عثمان، وقد دامتْ هذهِ المشاعرُ راسخاةً في ضميِّ المجتمعِ الإسلامِيِِ حتَّ نِِااياةِ القرن التاسع عشر الميلادِ يِِ كما لا تزالا القِلَّةُ السَّلافِيَّةُ في جميعِ الإقطارِ الإسلاميَّةِ اليوما تَُاافِظُ على هذهِ الْقانااعاةِ وات اعُدُّهُا من ركائِزِ الإيُانِ باللهِ واليومِ الآخر. هذا، فإنَّ المجتمعا التركيَّ كانا ينظرُ إلى العربِ بعين التوقيِّ والإجلالِ لِكاوْنِ الرسول عليهِ السلام بُعِثُ من ب ايْنِهِمْ، وأنَِّم أوَّ لُ مانِ استجابوا لِداعْواتِهِ، مَِِّا أسفرا عن هذهِ النظرةِ واصْفُهُمْ للعربِ : بِ "القوم النجيبKevm-i Necib "، داما طيلاةا قرونٍ إلى أنْ واثابا الاتَِِاديُّون على السلطةِ فقضاوْا على كثيٍّ من المفاهيمِ والمصطلحاتِ والعاداتِ التي كانتْ لها أثرٌ في توطيدِ الصلةِ بين الأجْزااءِ الْعِرْقِيِِةِ للأُمَّةِ . لقد كان الوازعُ الدِِينُِِّ عند العثمانِ يِِين هو أساِا الْواحْداةِ ونِب ْرااساهاا إلى آخرِ حُكمِهِمْ، يشهدُ على ذلك فكرةُ "الجامعةِ الإسلاميَّةِ " التي أثاراها السلطان عبد الْميد الثانّ، وب انَا عليها سياستاهُ، وباذالا جهوداهُ لتحقِيقِها حتَّ أصباحا ضاحِيَّةً لهذا الهدفِ المقدَِّ . 299 يقول جميل بيهم: وإذا انتحلنا لِمحمِد الفاتح عذرًا مَّا، فما عذرُ ابنِهِ بايزيد الثانّ (0210-0204م.) الذي عاصر فرديناند المسمَّى بالكاثوليكي (0202-0200م.)، وكانت تصل إليه أنباءُ ماظاالمِِ مجلسِ التفتيشِ واساوْمِهِ المسلمين سُوءا العذابِ، فضلاً عن إجبارِهِمْ على التنصُّرِ، وحرقِ مانْ يقومُ منهم سِرًّا بمماراساةِ الشعائِرِ الدينيَّةِ؟ وما عذرُهُ وقد وصلتْ إليه الوفودُ من مسلِمِي الأ ندلس مستجيّةً ولكنَّه بدلاً من إنقاذِ إخوانِهِ المستجيّين به انصرفا إلى محاراباةِ مِاليك مصر المسلمين، وإلى غزو قبرص، والاستيلاءِ على سواحلِ المورة في اليونان؟ أجلْ هذه غرناطة عاصمة بنِ الأحْر، التي كانت آخر ملجأٍ لِمسلمِي إسبانيا، أمستْ على شفاى جرفٍ هارٍ، ولم يبقا لها أملٌ إلاَّ ندةٌ تأتيها من آلِ عثمانا أولئك الذين أصب حوا بقوَّتِِم المتفوِِقةِ سادةا الب ارِِ والبحر . وهذا أبو عبد الله آخر ملوكِ غرناطة يبعث سنة 0210م. رسولاً إلى السلطان بايزيد الثانّ يلتمسُ منه النجدةا على فرديناند ولكنَّ السلطان وضعا أصابِعاهُ في أذُن ايْهِ، ولم يستجبْ لأيِِ نداءٍ . وإذا استثنينا ما قاله صاحبُ كتاب العالم: l’univers, Joianin & Vangaver بِنَّ السلطانا استجابا لنداءِ الأندلس، وساقا أسطولاً لِنجدتِِا بقيادةِ رجلٍ من حاشيتِهِ اسمُْهُ (جمال)، نظرًا لما كان يتمتَّعُ به من الجمالِ الفائق؛

عدد الصفحات ٤٣٦

l’univers, Joianin & Vangaver بِنَّ السلطانا استجابا لنداءِ الأندلس، وساقا أسطولاً لِنجدتِِا بقيادةِ رجلٍ من حاشيتِهِ اسمُْهُ (جمال)، نظرًا لما كان يتمتَّعُ به من الجمالِ الفائق؛ وإذا استثنينا هذا الخبرا فإناَّ لا ند في كتب التاريخ ما يشيُّ إلى هذا الأسطولِ أو إلى التنوِيهِ بنجدةٍ قدَّماها السلطانُ لِمسلمي الأندلس مِا يجعلنا ناشُكُّ في صِحَّةِ هذا الخبر . (محمد جميل بيهم، العرب والترك في الصراع بين الشرق والغرب، ص /002 .المطبعة الوطنية-0220م. مكان الطباعة مجهول) 300 الأنبياء/24– المؤمنون/24

عدد الصفحات ٤٣٦

437 ومن الْقائقِ الت اريخيَّةِ؛ أنَّ الأتراكا العثمانِيِِين (كذلك العربا جميعًا) لم يكنْ قد ن اباضا في نفوسِهِمْ شيءٌ من التحسُّس بالقوميَّةِ قبل القرنِ التاسعا عاشارا الميلادِيِِ 301 .فلم يُسماعْ من أحدٍ من سلاطينِ آلِ عثمانا أنَّهُ افتخرا بالأتراك دون غيِّهِمْ، أو فضَّلاهُمْ على باقِيَّةِ فصائلِ الأمَّةِ من العرب والكردِ والشَّرااكِساةِ وغيِّهِمْ .. بل على عكس ذلك ورد عن عددٍ منهم (إذا صحتِ الرواياةُ ) أنَِّم وصفوا الأتراك بِقِلَّةِ الإدراك! مَِِّ ا يثيُّ اليوما غضبا الفاشيِِين منهم، فيقابلون ذلك بالنقمةِ على سلاطين آل عثمان. وإنمَّا ا كانوا يعتزُّونا بالإسلامِ ويهتِفون به حتَّ آخرِ حُكْمِهِم الذي اغتصباهُ السبطائِيُّونا اليهودُ بواسطةِ عملائِهِم الْمُغافَّلين والإنتهازيِِين الذين حشروهم تَت مظلَّةِ حزبِ الاتَِِادِ والت َّراقِِي، فقضوا بذلك على الدولة العثمانِيَّةِ تمهيدًا لبناءِ دولتين يهودِي َّت اينِْ في الشرق الأوسط! إلاَّ أنَّ وجهةا نظرِ الأتراكِ إلى الدِِينِ كانت ولا تزال تختلفُ عمَّا جاءا به القرآنُ واداعاى إليه (بتعبيٍّ دقيقٍ ومُِايِِزٍ )، اختلافًا لا يكادُ يظهرُ إلاَّ بعد مقاراناةٍ عِلْمِيَّةٍ وتَليلِيَّةٍ بين مفهوم (الإيُان) ومصطلح (التَّدايُّنِ ). ذلك أنَّ الإيُانا مفهومٌ قرآنٌِّّ أصيلٌ ي ُعاب َّرُ به عن اليقين التامِِ بمعبودٍ واحدٍ وما يتعلَّقُ به من معتقداتٍ ومقدَّساتٍ وعملٍ بمُِوجِبِهاا على أساِِ الت َّوْقِيفِيَّ ةِ، يقينًا راسخًا في أعماقِ ضميّ الإنسانِ بوجهٍ لا يخالطُهُ أدنى شيءٍ من الريبِ والإشراكِ . بينما (التَّدايُّنُ ): ت افاعُّلٌ واتاصانُّعٌ واتاكالُّفٌ .. لا يُكنُ حصرُهُ في نطاقِ تعريفٍ بالضبط، ينساقُ به الإنسانُ إلى التمسُّكِ بمُِعْت اقادااتٍ ي ات الاقَّاهاا باِ لت َّقْلِيدِ الْماحْضِ ولا صِلاةا لها باِلت َّوْقِيفِيَّةِ أبدًا. إنَّ نظرةا الأتراكِ إلى صِلاةِ الأُخُوَّةِ التي ت ارْبِطُهُمْ بالعربِ كانتْ مُسْتامِدَّةً من فكرةِ (التَّدايُّنِ ) أكثرا منها استِمْداادًا من وحي الإيُانِ؛ كانتْ جوفاءا خاليةً من جميعِ مايِِزاا تِ الأُخُوَّةِ الإيُانيَّةِ التي اتَّصافا بهِاا أصحابُ الرسولِ عليه الصلاةُ السلام، وأثَاارا عن الت َّعااطُفِ والت َّرا احُمِ والت َّعااوُنِ فيما بينهم؛ فنالوا بذلك شرفا الدنيا وكرامةا الآخرةِ . 301 يؤكِد على هذه الْقيقة ما ورد على لسان باحث سودانّ اسمهمِد الخيّ عبد القادر يقول: "لم تكن كلمةُ (عرب) معروفةً في القرن التاسع عشر بالمعنَ الذي نعرفه اليوم، ولم تكن تُطلاق – بوجه عامٍِ - إلاَّ على بدو الصحراءِ أو السكان الذين يقيمون خارج المدن في الشرق الأوسط . ومن ثُاَّ لم تكن هناك قضيِة عربيِة في السياسة الدو ليِة آنذاك. وبالمثل كانت كلمةُ (أتراك) لا تتردِد على الألسُنِ إلاَّ نادرًا، ويُقصادُ بها البدو من الترُّكْمانِ أو الفلاحين في ق ُراى أناضول . وحتَِّ كلمة (عثمانينِ ) لم تكن تَملُ معنًَ قوميًّا، وإنمِا كانت في مدلولهِا شبيهةً بكلمة (عبَّاسيِين) أو (أمويِين) أو (سلاجقة). أمِا الأتراك، فكان تعريفهم لأنفسهم أنِِم مسلمون والااؤُهُمْ للإسلامِ ولِبيتِ (آل عثمان). وكذلك مانْ نُسامِِهِم اليوم (العرب) لم يكونوا يصفون أنفساهم بانِِم عربٌ إزاءا الأتراكِ . وإذا كان لا بدِ أن نُطْلِقا عليهم هذه الصفةا فهم (عربٌ عثمانيِون ). لأنِ البلادا العربيِةا انضوتْ تَتا لواءِ الدولة العثمانيِةِ منذ مطلع القرن السادِ عشر، عندما سقطت سوريا في يد السلطان سليم في م وقع (مرج دابق 42 أغسطس0200م.). وتبعتها مصر (في 45 يناير0200م.)، وأُلقِياتِ الخُطابُ في اليوم التالي في مساجد القاهرة باسم السلطان العثمانِِّ . ومن هناكا امتدَّ سلطانُ العثمانيِين إلى بقيِة أجزاءِ العالم العربيِِ؛ الْجاز واليمن والعراق .

عدد الصفحات ٤٣٧

00م.)، وأُلقِياتِ الخُطابُ في اليوم التالي في مساجد القاهرة باسم السلطان العثمانِِّ . ومن هناكا امتدَّ سلطانُ العثمانيِين إلى بقيِة أجزاءِ العالم العربيِِ؛ الْجاز واليمن والعراق ." (الدكتور محمد الخيّ عبد القادر، نكبة الأمِة العربيِة بسقوط الخلافة العثمانيِة، دار التوفيق النموزجية، القاهرة/0212م.)

عدد الصفحات ٤٣٧

438 على أنَّ العربا لم يكونوا أفضلا من الأتراكِ فهمًا لِْقيقةِ هذه الصلةِ ، بل ما أصابهام من المسكناةِ، وما حالا بينهم وبين القرآنِ الذي نزلا بلغتِ هم من الجْاهْلِ، حاوَّلهام إلى مجتمعاتٍ غارِ يباةٍ بحيث لم يستحقُّوا الاهتماما أكثر مَِِّا أاوْلات ْهُمْ به السلطةُ العثمانِيَّةُ . ولكي لا ي ُعادَّ هذا من الفرياةِ والبهتانِ على العربِ يُستحسان هنا أن ي ُت ْراكا القول لأهلِهِ من مثل العلاَّماةِ ابنِ خلدون . وهذه خطوطٌ عريضةٌ مُقْت اباساةٌ مِنْ مُقادِِماتِهِ الشهيّة، يقول: "إنَّ العربا لا يتغلَّبُونا إلاَّ على البُساطااءِ . إنَّ العربا إذا تغلَّبُوا على أوطانٍ أسرعا إليها الخرابُ . إنَّ العربا لا يُصُ لُ لهم الْمُلْكُ إلاَّ بِصِب ْغاةٍ دينيَّةٍ من ن ُب ُوَّةٍ أو ولايةٍ أو أثرٍ عظيمٍ من الدِِينِ على الجملةِ . إنَّ العربا أبعدُ الأُمامِ عن سياساةِ الْمُلْك "302 302 عبد الرحْن بن محمد بن خلدون الْضرمي، الجزء الأول من كتاب العِبرا وديوان المبتدأ والخبر ، المشتهر بالمقدِمة . ص/014-012 .دار ومكتبة الهلال، بيّوت-0220م. نعم، لم يكن العربُ من قديم الزمان أهلا سياسةٍ حكيمةٍ تمُاكِِن ُهُمْ من الربطِ والضبطِ، وتوحيدِ الصفوفِ، وجمعِ شملِ الأمِةِ، والنهوضِ بها، والصلابةِ والصمودِ أماما التحدِيات، إلاَّ في فترةٍ قصيّةٍ كانت معجزةً إلهيِةً ظهرتْ لْكمةٍ بالغةٍ على يد الرسول الكريم صلِى الله عليه وسلِما، وأصحابِهِ الرباِنيِين العدولِ، الذي ن قال الله تعالى فيهم: "واالَّذِينا ماعاهُ أاشِدَّاءُ عالاى الْكُ فَّارِ رُحْاااءُ ب اي ْن اهُمْ ت ارااهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا ي اب ْت اغُونا فاضْلاً مِنا اللهِ وارِضْوااناً، سِيمااهُمْ فيِ وُجُوهِهِمْ مِنْ أاثارِ السُّجُودِ ..." كانت هذه الفترةُ حدثاً استثنائِيًّا فيه دروٌِ وعِب ارٌ للبشريِةِ إلى يوم القيامة، دروٌِ لا ت ُعادُّ ولا تَُصى .. ولن تبلُغا شأوا هذا الجيلِ العظيمِ طبقةٌ من المسلمين، ولا من غيِّهم مِنْ أمِةٍ ولا شعبٍ إلى قيامِ الساعةِ؛ ولن يظهرا له مثيلٌ من بينِ أجيالِ البشرِ فيما خصَّ هُ الله من الإيُانِ الخالِصِ والعملِ الصالحِ والتقوى، والْرصِ على كلِِ أنواعِ الخيِّ والبرِِِ ، ومحاربةِ الشركِ بكلِِ أشكالِهِ، وتأسيسِ العدالةِ، والتمسُّكِ بمبدأِ المشورةِ، والتحلِِي بمكارِمِ الأخلاقِ، والأخذِ بِسبابِ التمكينِ، والاستعدادِ للفوزِ بشرفِ الدنيا وكرامةِ الآخرة... هذا، ولا شاكَّ في أنِ العربا ألا مُّ وا بالأدبِ والشعرِ، وتفوَّ قوا في فنون الكلامِ قبل الاسلامِ وبعداه . عالجوا صنوفًا من قضايا الفكر الإنسانِِِّ، وطوِروا العلوما بعد إسلامِهِمْ، وابتكروا ضروباً من المبادِءِ والأصولِ ففسحوا المجالا للتفكيّ السليمِ، وسهِلوا مناهج الإستنباطِ والاستنتاجِ في البحثِ بطريق القياِِ والمقارنةِ وال تحليلِ والاستقراءِ ... نبغ فيهم أعلامٌ سبروا غور فلاسفة اليونانِ بتتبُّعاتِِم الدقيقةِ، فتمكِنوا من الوقوفِ على مواطن الصوابِ والفسادِ في أقوالهِم، وتصحيح ما وقع فيه أولئك من الأخطاءِ والعيوبِ . كما اشتهر العربُ في صناعةِ الأخذ والتلقِي بالتسجيل والتوثيقِ؛ ثُِ الاثباتِ بطريقايِ الإسنادِ والاستشهادِ، وبرعوا في الإمدادِ بمعارفهم من خلال التنسيقِ والتصنيفِ، فأبدعوا ثقافةً إنسانيِةً جديدةً خالِياةً من التعقيد والتكلُّفِ حتَِّ اكتظِت مكتباتُ العالماِ بمؤالَّفااتِِِم . فكان من نتائج جهودِهِم الجبِارةِ في عصورهم الذهبيِةِ أن استفاقا الغربُ من سباتِهِ العميقِ، فاستمدِ من كنوز معارف العربِ بعد قرونٍ حتَِّ نِضا وبلغ اليوما إلى ما يبهر له العقولُ مِنْ أنواعِ الصناعاتِ والفنونِ والكشوفاتِ والاختراعهاتِ ...

عدد الصفحات ٤٣٨

اقا الغربُ من سباتِهِ العميقِ، فاستمدِ من كنوز معارف العربِ بعد قرونٍ حتَِّ نِضا وبلغ اليوما إلى ما يبهر له العقولُ مِنْ أنواعِ الصناعاتِ والفنونِ والكشوفاتِ والاختراعهاتِ ... إلاَّ أن العربا ما لبثوا حتَِّ تقهقروا وكادوا أن يتأخَّ روا إلى المستوى الذي كانوا عليه في جاهليَّ تهم، فغداوْا متفرِِقين متخاذلين، مستسلمين للطُّغاةِ والجبابراةِ والمستبدِِ ين... حُ كَّ امُهم متواطؤون مع أعدائِهم وقد أن ْ ها كا ت ْ هُ م الطبقِيَّةُ والمحسوبيَّ ةُ، وفشتْ فيهم البِداعُ والشعوذةُ، وانتشرتْ بالعا دْ وا ى من الأعجامِ إلى بيئاتِِ م التطرُّفُ الصوفيُِّ، والغلوُّ المذهبُِّ، واستشاطتْ بفعلِ المستشرقين في عقولهِ م الفكرُ الإنعزاليُِّ، وتشوَّ هتْ لغتُ هم فتحوَّ لت إلى لهجاتٍ هجينةٍ لا تكاد تُ شبِ هُ العربيَّ ةا ... فاستغلَّ تْ هم قِ لَّ ةٌ ثرِيَّةٌ منهم، تستضعِ فُ هُ مْ بالتعاون مع الْكَّ امِ وهي تتقلَّ بُ في ألوانٍ من النعيم، بينما أكثرهم يتذوَّ قُون مرارةا الفقرِ والفاقةِ والغلاءِ والمهاجر، ويعانون من التخلُّفِ والأمراضِ والآلامِ وقسوةِ العيشِ ... والسُجُونُ في البلاد العربية مليئةٌ بالعلماءِ ، والخُْ ب ا را اءِ ، والأُ دا باا ءِ ، والأا ذْ كِ يا اءِ ، والعباقرةِ ، والمثقَّ فين.. ظلمًا وعدوااناً . تلتهبُ اليوما بلادُهُم بِ نيّانِ الثوراتِ وتقصم ظهوراهم الشغابُ والفِتناُ وهم يتباكون على أمجادِهِمْ التي أضاعوها من جانب، (كما ينشدُ الشاعرا المصرِيُّ محمود غنيم في قصيدتِهِ : "إنّ تا ذا كَّ رْ تُ والذِِ كْ را ى مُ ؤا رِِ قا ةٌ * مجاْ دًا تا لِ يدًا بِِا يْ دِ ينا ا أا ضا عْ نا اهُ ")، ومن جانبٍ آخرا يتفاؤلون بالفتنةِ التي تجتاح بلاداهم مَّ ا عسى أن تكونا حريقًا يقضِ ي على معاقِلِ الظلم والقهر، وبشارةً تُنبِئُ عن الخلاصِ والنجاةِ من النكباتِ التي أصابتهم إباِن التناحُرِ و الْروبِ الإهليَّةِ الطاحنةِ ، أبادتْ منهم مئاتِ الأولوفِ، بل الملايينا ، فسامَّوها ا "الربيعا العربيَّ "! ثبتا مُعظمُ هذهِ الْقائقِ من خلالِ دراسةٍ خاصَّةٍ وبحوثٍ اختِباريَّةٍ دقيقةٍ أجْراي ْنااهاا بالاتِِصالِ مع عددٍ من المثقَّفِينا السوريِِين المهاجرين إلى تركيا. فكم كان الجهلُ بالمفاهيم والمصطلحاتِ سمِاةً بارزةً فيهم، وعلى سبيل المثال: لاماسْناا عجزًا بالغًا يعانيهِ أحدُ علماءِهِمْ في التمييز بين ثلاثِ مصطلحاتٍ وردتْ في ثنايا هذا الكتاب، وهي : (الْْانافِيَّةُ )، و(الْْان افاانِيَّةُ )، و(الْْانِيفِيَّةُ ). أمِا الْْانافِيَّةُ (المصود بها في ثنايا هذا الكتاب): فاهِيا اسْمُ أُطْلِقا على المذهبِ المنسوبِ للإمامِ أبي حنيفةا والمعروفِ (باِلمذهبِ الْنفِيِِ ) كما مرَّ سالفًا وهذا نصه: "المذهبُ الْنفيُّ : يتمثَّلُ في اجتهاداتِ الإماامِ أبيِ حنيفةا النعمان، وتلاميذهِ (أبي يوسفا يعقوب بن إبراهيم، ومحمِ د بنِ الْسنِ الشيبانِِِّ، وزُفارِ بْنِ الهُْزايْلِ ). وهم من أعلامِ الجيلِ الثانِّ، في الفقهِ الإسلامِيِِ رحْهم الله تعالى ." وأمِا الْْان افاانِيَّةُ : فهي اسمٌ اصْطالاحْنااهُ للإطلاقِ على المذهبِ الْنفِيِِ بعد أن تعرضا لتشويهٍ بالغٍ وتَريفٍ شنيعٍ فتحوَّلا إ لى شِبْهِ دينٍ مستقلٍِ يعتنقُهُ أهلُ الأهواءِ من العنصريِِين والقبوريِِين الأتراك، للتمايزِ عن الأحنافِ العربِ، وذلك على سبيل الكراهية لهم . ووزن (ف اعْلاانٍِِّ ) أو (ف اعالاانٍِِّ ): كثيًّا مَّا يوحِي بمعنَا وجهٍ من وجوهِ الفسادِ في الموزون، بالوضعِ والتدليسِ والتزويرِ والتلفيقِ، أو التشويهِ والتحريفِ . وقد يدل هذا الوزن على الاستحداثِ في الموزون، مثل : (عقلانٍِِّ )، في مقابلةِ (عقلِيٍِ، منسوبٍ إلى العقلِ )؛ و(روحانٍِِّ ) في مقابلةِ (روحِيٍِ، منسوبٍ إلى الروحِ )؛ و(نفسانٍِِّ )، في مقابلةِ (نفسِيٍِ، منسوبٍ

عدد الصفحات ٤٣٨

حداثِ في الموزون، مثل : (عقلانٍِِّ )، في مقابلةِ (عقلِيٍِ، منسوبٍ إلى العقلِ )؛ و(روحانٍِِّ ) في مقابلةِ (روحِيٍِ، منسوبٍ إلى الروحِ )؛ و(نفسانٍِِّ )، في مقابلةِ (نفسِيٍِ، منسوبٍ إلى النفسِ )؛ و(علمانٍِِّ ) في مقابلةِ (علمِيٍِ، منسوبٍ إلى العِلمِ )... واثََُّّ أسماءٌ على هذا الوزنِ يُسْت اث ْنَا من هذه الطائفةِ، مثل : (فلانٌ رباِنٌِّّ )، فلا يقال (ربيٌِِّ ).

عدد الصفحات ٤٣٨

439 لقد مرَّ بِترُكيا فيما سبق عدد غيّ قليل من المثقفين العرب والمستعربين، وأقاما شخصياتٌبارزةٌ منهم في هذا البلد أيام إنِيار الدولة العثمانية. يأتي على رأسهم خيّ الدين التونسي الذي تولىَّ الصدارةا العُظْماى في أواخرِ العهدِ العثمانّ، ومنهم الشيخ جمال الدين الأفغانّ، والشيخ أبو الهدى الصيَّادي، وعبد الله النديم، وأحْد فارِ الشدياق، وعبد الرحْن الكواكب، وساطع الْصري، وعارف بكر الدجانّ، وأحْد سامي الأتَسي، وعادل زعيتر، والملاَّ عثمان الموصلي، ومحمد على العابد، والشريف محي الدين بن علي حيدر، وعدد كبيّ من ن ُ وَّ ابِ الأيالاتِ العربيَّ ةِ في المجلس العثمانّ... ومِن توافد إلى تركيا في العهد الجمهورِيِِ : الأستاذ الدكتور محمد بن تَويت الطنجي، والأستاذ الدكتور إبراهيم الصنافيّي، و الأستاذ الدكتور محمد حرب، والأستاذ الدكتور فتحي النكلاوي، والأستاذ الدكتور أحْد الشوابكة، والدكتور إبراهيم الْلالشة، والدكت ور زبيّ خلف الله، والدكتور عبد الرازق أحْد، والدكتور عمر أمكاسو، والدكتور عبد الخالق حسان الشريف، والطبيب فائد حسن، والطبيب أحْد جبُّ ور، والصحفي إبراهيم بو عزِِي، والمقاول إحسان سبع النمور، والتاجر غزوان المصري، والتاجر محمد الأكرادي، والدكتور نزار نبيل الْرباوي، والكاتب عبد القادر عبد اللِِ ي، وكثيّ غيّهم ... من العجيب العجيب أنَّ شخصًا من هؤلاءِ، (ولا أحدًا غيّاهم من العرب)، لم يطرقْ بكلمةٍ واحدةٍ إلى الإسلامِ المشوَّهِ الذي نسجا الأتراكُ خيوطاه قبلا الفِ سنةٍ، وسمَّوْهُ "المسلمانيَّةا Müslümanlık ." لم ينتبهْ أحدٌ من هؤلاءِ الشخصيات إلى ما فعل قدماءُ الأتراك عاب ْرا عصورِ الظَّلامِ من العبث تعاليمِ الإسلامِ وقوانِينِهِ الأصيل ةِ العالميَّةِ، وما حشاوْهُ بالمذهبيَّةِ والتصوُّفِ فطوَّروه إلى شكلٍ آخر وحوَّلوه إلى شبهِ دينٍ مستقل . وإنْ دلَّتْ هذه الْقيق ةُ على شيءٍ فإنمِا تدلُّ على غفلة العرب عن أحوالِ الأمةِ وعدمِ مبالاتِِم بالتغيُّّاتِ والمستحداثات التي طرأت على عقائد المسلمين، فعدلا بمُِعظمِهمْ عن الصراطِ المستقيم . فاأاعْظِمْ بهذه الغفلة ذنبًا أخذهم الله به وهم يتلون كتابه الذي أنزله بلغتِهم يفهمه حتَّ رعاعُهم ورُزَّالهُم فضلاً عن مُث اقَّفِيهمْ وأُداباائِهم، إلى أن أبلاهم ربُّ العزِةِ بِعاصيّ (الشتاء العربيِِِ ) وأذااق اهُمْ واباالا أمرِهمْ، فسلَّطا بعضاهُمْ على بعضٍ يقتتلون، ويتناحرون، ويلجئون إلى بلاد الشرك، يطلبون الْماية من القبوريِِين أهلِ الأهواءِ وا لبدعِ والخرافاتِ، وعبدة الأضرحة والشيوخ ... وأمِا الْْانِيفِيَّةُ : فهي العقيدةُ السمحةُ التي تُ لاا ئِ مُ فطرةا الناِ. والمعتنقُ للحنيفيةِ : يُقالُ له "هذا حنيفٌ "، أي ي ُواحِِدُ اللها ولا يُشركُ به . والْْانِيفِيَّةُ : هي التي لا غُ لُ وَّ فيها ولا تقصيّ. تُطلقُ على الإسلامِ الذي يتمثَّلُ في إطار الكتاب والسنة. أي على ملةِ الإسلامِ التي كان عليها إبراهيمُ عليه السلامُ والأنبياءُ ، وقد أمر الله عزَّ وجلَّ نبيَّ ه والمؤمنين باتِِ باعِ ها، فقال سبحانه وتعالى: فااتَّبِعُوا مِلَّةا إِب ْرااهِيما حانِيفًا واماا كاانا مِنا الْمُشْرِكِينا . (آل عمران/22).

عدد الصفحات ٤٣٩

440 *** هذا، على رغم ما أصابا الاسلاما من التشويهِ والتحريفِ ، بالإضافةِ إلى غفلةِ العربِ عن هذه الاستحالةِ الخطيّةِ في عقيدةِ الأتراك، لا ينبغي أن نتجاهلا الجهودا التي بذلتْ ها الدولةُ العثمانيَّ ةُ وقتا ها في الدفاعِ عن المنطقةِ العربيةِ للحيلولة دون أطماعِ الغربيِين ومحاولاتِم للسيطرة عل ى هذه المنطقة. ربما لأسبابٍ ناشئةٍ من الوضعِ الإجتماعِيِِ المتأخِِرِ في البلادِ العربيَّة والفقرِ والمسكنةِ والجهلِ الْمُت افاشِِي، ثارتْ غاي ْراةُ العثمانِيِِين على المنطقةِ العربِيَّةِ - باعتبارِها أجزاءً من الوطنِ الإسلامِيِِ - فأعلنتْ سيادتِا ا على هذه الرقعةِ تفادياً لهِاجامااتِ البرتُغالِيِِين كي لا تقع فريسةً لهم. لقد تصاعدا في تلك المرحلةِ خطرُ الزحفِ البرُتُغاليِِِ على البحرِ الأحْرِ وسواحلِ اليمنِ ومنطقةِ الخليجِ العربيِِ، واباداا تِادِيدُهم على الأراضِي المقدَّساةِ بينما الأُمارااءُ الْماحالِِيُّون يعانونا عجزًا بالغًا في الدِِفاعِ عنها . فنهضا السلطان سليم الأوَّل لهذه المهمَّةِ بعد أنْ تصدَّى لِْاا كِمِ الدولةِ الصفويَّةِ الشيعيَّةِ (شاه إسماعيل) في موقعةِ تشالدرانÇaldıran عام0202م. وحالا دون أطماعِهِ التوسُّعيَّةِ، ثُِ سارا بِيشِهِ على دولةِ المماليكِ الشراكسةِ بمِِصْرا التي كان قد أصابهاا الوهنُ ودبَّ في أوصالهِاا الضعفُ والإنْلالُ، فأصبحتْ هدفًا لِماطاامِعِ الغُزاةِ الأوروبِيِِين، فقضا ى عليها بعد أن قُتِلا حاكمُ المماليكِ السلطانُ الأشرفُ قنصوه الغوري في ساحةِ المعركةِ بمِارْجِ داابِق، وأُعْدِما (طومان بايTomanbay )آخرُ سلاطين المماليك بالقاهرة عام 0200م. فتمَّ الأمرُ بعد ذلك للسلطان سليم الأوَّ لِ بِضامِِهِ مِصْرا والبلادا الشاميَّةا إلى المملكةِ العثمانيَّةِ، كما انتقلتِ المنطقةُ الْجازيَّةُ أيضًا تَتا سيادتِِا بطلبٍ مباشرٍ منْ أميِّ مكة المكرَّمة الشريف ب اراكااتِ بْنِ الْْاسانِ بْنِ عاجْلاانِ الهْااشمِِيِِ . بعثا وفدًا إلى السلطان سليم يُملُ إلي هِ مفاتيحا الكعبةِ المشرَّفاةِ وبعضا آثارِ النبوِيَّةِ الشريفاةِ . كذلك دخلتِ اليمنُ تَتا السيادةِ العثمانِيِِين . وقد أضفتْ كلُّ هذه التطوُّراتِ على الدولةِ صفةً دينيَّةً، وانتقلتِ الزعامةُ الدينيَّةُ إلى سلاطين الأتراك من آلِ عثمان بدءًا من السلطان سليم الأوَّل، وإنْ كانتْ هذه الصفةُ لا تَملُ أي معنًَ من الخلاافاةِ الْقيقيَّةِ الراشدةِ لِمانْ تقلَّداهاا بعد الْسن بن علي بن أبي طالب إلى عبدِ الِماجِيد أفندي العثمانِِِّ الذي كان هو الثالثا عاشارا بعدا الْمائاةِ في قائمةِ الخلفاءِ الت َّقْلِيدِيِِين .303 303 احتل مقام الخلافة الإسلامية قُراباةا أربعةا عاشارا قرناً 001 خليفةً؛ خمسةٌ منهم خُلافااءُ حقيقيُّونا دخلوا في سجلِِ التاريخِ باسم "الخلفاء الراشدين" وهم: أبو بكر الصديق، وعمرُ بْنُ الخطاب، وعثمانُ بْنُ عفانا، وعلِيِ ابنُ أبي طالبٍ، والْسنُ بْنُ علِيٍِ . أمَّا الذين جائوا بعدهم، فليسُوا خلفاءا على الْقيقة، بل خلافت ُهُمْ رمزيَّةٌ . وهؤلاء: 02 منهم، من بنِِ أمي ةا؛ أوَّلهُم معاويةُ ابْنُ أبيِ سفيانا . 50 منهم، عبَّاسيُّون. 02 منهم، فاطميُّون(العُبيديِون). 01 منهم من المماليكُ. 51 منهم، من آل عثمان. وقد أسقطا العبيديِِين من هذهِ السلسلةِ بعضُ المؤرِِخين، منهم : جلالُ الدِِين عبد الرحْن السيوطي، يستبشعُهم في مستهلِِ الفصلِ الذي أفرداهُ لهم بقوله : "فصلٌ في الدولة الخبيثة العبيديَّ ةِ " ويقول في كتابه (تَريخ الخلفاءِ ): "...وناهيك بهم إفسادًا وكفرًا وقتلاً للعلماء والصلحاء."

عدد الصفحات ٤٤٠

441 إنالعصرا الأوَّ لا من الْكم العثمانِِِّ في المنطقةِ العربِيَّةِ ، يتمي َّزُ بِدارةٍ شِبْهِ لامركزيَّةٍ، حيث أبقتِ البلادا على التقسيماتِ الإداريَّ ةِ التي كانت معروفا ةً في العهد الْ ما مْ لُ وكِ يِِ ، فلم تتدخَّلْ في شؤونِ هذه المنطقةِ بشكلٍ مباشرٍ إلاَّ في حالاتٍ استثنائِيَّةٍ، كنصبِ الأميّ جاان ْ ب ُ رْ دِ ي الْ غا زا اليِِِ ، الذي خان مليكا ه (قا انْ صُ وه الْ غا وْ رِ ي) في معركةِ (ما رْ جِ دابق)، ومهَّدا السبيلا لانتصارِ الجيوشِ العثمانيَّةِ على القواتِ المملوكيَّةِ، فنصبا هُ السلطانُ سليمُ الأوَّلُ واليًا على المنطقةِ الشاميَّةِ ، ثُ عُزِلا من منصبِهِ جزاءا تمرُّدِهِ وخروجِهِ على السلطةِ العليا في عهدِ السلطان سليمانِ القانونّ، فقُ سِ ما تِ المنطقةُ إلى ثلاثِ ولاياتٍ لتسهلا السيطرةُ عليها، فسادتْ فترةٌ من الهدوءِ في بلادِ الشامِ بشكلٍ عامٍِ تزامنا مع وجودِ عددٍ قليل من السلاطينِ المشهورين بالقوَّةِ والعدالاةِ والهِْمَّةِ العالِياةِ، مثل السلطان ياغوز سليم وابنِ هِ السلطان سليمان القانونّ. لقد كانت الدولةُ وصلتْ في عصر هَِاا إلى أوجِ مجاْ دِ ها. إلاَّ أنَّ بوادِ را الضعفِ وأحداثا الفِتناِ وا جا وْ را الوُ لاا ةِ والموظَّ فين الْ محلِِ يِِ ين، أخذتْ في التنامي عند نِِ ايا ةِ النصفِ الأوَّ لِ من القرنِ السابِ عا عا شا را ، كثورةِ علي باشا ا جانبلاط في جهاتِ كِ لِِ سْ Kilis شماال حلب، وثورةِ فخر الدين الْ ما عا نِِِِ في جنوبي سورية. إن السلطةا المركزيَّةا لم ت ُهْمِلْ الإدارةا للأمراءِ المحلِِيِِين بشكلٍ نِِائِيٍِ، بل كانتْ في بعضِ الفتراتِ تختارُ أصحابا الكفائاةِ من شخصيااتِ هذه المنطقةِ ، نظرًا لِمعرفتِهِمْ بِدِيارِهِم ومجتمعاتِِم بدليلِ الْماثالِ السائرِ : "أهلُ مكةا أدرا ى بشعابهِا "، كما حدثا ذلك في القرنِ الثامن عشر عندما ظهرا جيلٌ جديدٌ من الولاةِ والموظَّ فين حظيتْ غالبيتُ هم بحمايا ةِ الصدرِ الأعظمِ في مقرِِ السلطنةِ ، كآل الْ عا ظْ م الذين تُ شيُّ أغلبُ المصادرِ إلى أن أصلا هُ مْ من معرَّ ةِ النعمان، وأوَّ ل ما نْ ظهر منهم إسماعيل باشا العظم، ثَُُّ أخوه سليمان، ثَُُّ أسعد بن إسماعيل الذي بلغتِ الأسرةُ في عهدِ هِ ذروةا نفوذِ ها ا في بلاد الشام. إنَّ ثِقاةا السلطةِ العثمانيَّةِ بالولاةِ المحلِِيِِين في المنطقةِ العربِيَّة (أو ت ارْكا الأمرِ لهم ) كانتْ لها مبرِِرااتُِا المرتبطةُ بظروفِ المنطقةِ؛ ذلك أنَّ الأمراءا الْمحلِِيِِين كانوا يقومون بالقضاءِ على تمرُّ دِ طوائفِ الجندِ، وتأديبِ الب ُغااةِ، والقبضِ على اللُّصُوصِ وقُطَّاعِ الطُّرُقِ من البا دْ وِ الذين كانو ياسْطُونا على قوافلِ التجارةِ والجيج. فكانوا ياكْفُونا السلطةا المركزيَّةا مؤناةا هذهِ الْماهاامِِ، يُافظونا على التوازنِ بين مُتلفِ القُ وا ى الْ ما حا لِِ يَّ ةِ في الولايةِ الواحدةِ ، وضبطِ الأمورِ، وإقامةِ العدلِ ونْوِها من الشؤون الإداريَّةِ . كلُّ ذلك كانتْ منوطةً بهِِمْ . فكانتْ عواملا استقرارٍ جعلتْ سلاطينا الدولةِ العثمانيَّ ةِ ي ُ فا ضِِ لونِا م على

عدد الصفحات ٤٤١

442 غيِّهم لإدارةِ أمرِ البلاد. ب ايْدا أنَّ هذا تَااوَّلا فيما بعدُ إلى حكمٍ وراثِيٍِ، حتََّّ عامَّ الفسادُ ولم تتمكَّنِ الدولةُ من ضبطِها والْدِِ منها بعد النصفِ الثانّ من القرنِ التاسِ عا عا شا را . لقد كانتِ الدولةُ العثمانِيَّةُ بلِ الأمَّةُ الإسلاميَّةُ كلُّها في هذهِ المرحلةِ في حالةٍ من الضع فِ والهْاواانِ وشتااتِ الشملِ بحيث يعجزُ اللسانُ عن وصفِها . لم تبقا للسلطةِ العُليا هيبةٌ على الرعايا خااصَّةً في المناطق النائيةِ . وهذا أنبتا في نفوِ الناِِ فكرةا التمرُّدِ والإنفصالِ والمطالبةِ بالْكمِ الذَّاتيِِِ حتَّ بدأتْ كُتالٌ تَبعةٌ للدولة ت ُعْلِنُ عن انشقاقِها وتَُاوِلُ الْصولا على إستقلالهِا . لم يكنْ هذا المشهدُ المأساوِيُّ ناشئًا من سببٍ واحدٍ، بل كانتْ ثُاَّ أسبابٌ عديدةٌ تضافرتْ وتضخَّمتْ مع الزمان وعاب ْرا القرون. وقد عزا الوزيرُ الأعظمُ خيّ الدين باشا التونسيُّ الانْطاطا الذي آلتْ إليه الْضارةُ الإسلاميَّ ةُ خصوصً ا إلى نظامِ الُْْ كْ مِ الْ مُ طْ لا قِ الذي ت ا وا خَّ تْ هُ الدولُ الإسلاميَّ ةُ على الإجمال منذ القرون الوسطى معتبرً ا هذا النظام غريبً ا عن الإسلام في أصوله. جرتْ تطوُّرُاتٌ في المشرقِ العربيِِِ بحُِكْمِ ظروفِ العصرِ بدأتْ في نِاياةِ القرنِ الثامن عشر إلى منتصفِ القرنِ التاسع عشر الميلاديين، طوالا أيامِ السلطان سليمِ الثالث والسلطان محمودِ الثانّ، هزَّتْ أركانا الدولةِ العثمانيَّةِ وزعزعتْ استقراراهاا . أوَّ لهُ ا: زحفٌ استعمارِ يٌّ نْوا البلاد العربِ يَّ ةِ ، الذي قاداهُ الزعيمُ الفرنسِيُّ (نابليون بونابرت 304) بحملتِهِ على مِ صْ را وبلادِ الشامِ ما بين أعوام 0021- 0110م.. والثانّ: كانت تَرُّكاتٌ سياسيَّة ثااراتْ في منطقةِ ند، و قامتْ دولةٌ هناك في ظل آلِ سعود. و الثالثُ : محاولةُ محمد علي باشا وا اليِ مِ صْ را للانفصالِ من الدولةِ العثمانيَّ ةِ بعد أن ف ا قا دا الثقةا بِ قُ دْ را ةِ العثمانِ يِِ ين على حْايةِ مُِْ ت ا لا كا اتِ دا وْ لا تِ هِ مْ . والرابعُ : ظهورُ عصاباةٍ خطيّةٍ انتحلتْ صفةا حزبٍ سياسِيِِ باسمِ (حزبِ الاتَِِاد والترقِِي )، فواث اباتْ على الُْْكْمِ، وأخذتْ على عااتِقِهاا تدميّا الدَّوْلاةِ بالاتفاقِ مع بريطانيا وفرنسا وإيطايا . أمَّا التحرُّكاتُ السياسيَّةُ في المنطقةِ العربِيَّةِ، - في الْقيقةِ - لم تكُنْ نتيجةا صحوةِ الْعارابِ من سُبااتِِِم العميقِ -كما يادَّعِيهِ فريقٌ مِنْ كُتَّابهِِمْ -، بل كان بعضُهاا نتيجةا إحساِِ الوُلاةِ الْماحالِِيِِين بالفاراغِ السياسِيِِ وغيابِ السلطةِ العثمانِيَّةِ التي سادتْ عليها ملامحُ الشيخُوحةِ حتََّّ أطلقا عليها قيصرُ روسيا نِ يكُ ولاا الأوَّ لُ صفةا الرجلِ المريضِ سنةا 0125م. بِ سببِ ضا عفِ ها ا وت افاكُّكِ أجزائِهاا والهْ زائِ مِ التي ألْقتْ بها العصياناتُ في الداخلِ، وا الغربُ بُِِيُوشِهِ من الخارج ... 304 Napoléon Bonaparte; 1769 - 1821)

عدد الصفحات ٤٤٢

443 إنَّ آخرا هذه الْْامالااتِ هي زحفُ التحالُفِ الثلاثِيِِ (بريطانيا وفرنسا وإيطايا) على منطقةِ أناضول، واحْتِلاالُهُ إسطنبولا عاصمةا الدولةِ يوم 00 مارِ0241م. وذلك بالتنسيقِ مع الشاباكاةِ السِِرِِيَّةِ لِْزبِ (الاتَِِاد والت َّراقِِي ). وبهذهِ المناسباةِ يجبُ هنا سارْدُ معلوماتٍ عن هذا التيَّارِ الإرْهاابيِِِ المتقمِِصِ في ثوبِ حزبٍ سياسِ يٍِ لِعلاقتِهِ بالتطوُّراتِ والأحداثِ الَّتي شهِداتِْا المنطقةُ العربِيَّةُ في تلك المرحلة . يجبُ هنا التركيزُ على أهَاِِيَّةِ المعرفةِ بدقائِقِ التغيُّّاتِ والتطوُّراتِ التي اتَّسمتْ بهِا سياساةُ الدولةِ العثمانِيَّةِ تجُاها المنطقةِ العربِيَّةِ في مرحلتِ ها الأخيّاة أثناءا حُكْمِ الاتَِِاديِِين . فقد دعتِ المناسباةُ من هذا المنطلاقِ إلى عرضِ نُبذةٍ من الن َّزْواةِ التاريخيَّةِ المتمثِِلاةِ في حزب الاتَِِاد والترقِِي .  المغامرةُ السياسيَّ ةُ للسبطائيِِ ين في المنطقةِ العربيَّ ةِ أياَّ ما حزبِ الاتَِِادِ والترقِِي. ناشاأا تيَّارٌ سياسيٌّ غامضٌ أواخرا القرنِ التاسعا عاشارا الميلادِيِِ في قلبِ الدَّولةِ العثمانِيَّةِ . عُرِفاتْ في البدايةِ باسْمِ (الاتَِِاد العثمانِِِّ ). كان هذا الت َّيَّارُ في أوَّلِ أمرِهِ حركةً سياسيَّةً سِرِِيَّةً . لا شكَّ في أنَّ العصابةا السبطائِيَّةا كانت هي القوَّةا الَّتي أاف ْرازات ْهاا، ثَُّ ظلَّتِ الْركةُ طيَّ الكِتْماانِ على ما دا ى عقدين من الزمن ابتداءً من عام 0112م. يدورُ شاباحُهاا عاب ْرا سراديبِ الْمُدُنِ الواقِعاةِ بالمنطقةِ الغربيةِ خاصَّةً منها مادِين اتياْ إسطنبول وسالونيك الشهيّ تين باِحْتِضاانِِِماا للمنظَّماتِ السِِرِِيَّةِ، وشاباكااتِ الْمااف ْياا، وعصاباتِ الإجرامِ واالاغتيالات ... ثُ ظهرتْ إلى العايانِ كامُناظَّماةٍ سياسيَّةٍ باسم (جماْعِيَّةِ الاتَِِاد والت َّراقِِي ) عام 0210م.، تُسايْطِرُ عليها في الصورةِ حافْناةٌ من طلاَّبِ ك لِِيَّةِ الطِِبِِ عُرِفُو ب (الفِت ْياانِ الأتراك). كان قادةُ الْزبِ (السبطائِيُّون) على اتِِ صالٍ مستمرٍِ معا الْكوماتِ الغربِيَّةِ خاصَّةً مع الْكومة الإنليزيَّةِ والفرنسيَّةِ والأالْماانِيَّةِ، ودامتِ الاستشاراتُ واللِِقاءاتُ والمفاوضاتُ بين الطرفين لإناح المؤامرةِ ضدَّ الدولةِ العثمانِيَّةِ، وللقضاءِ عليها، حتََّّ تَاَّ الإتِِ فاقُ على برنامجٍ ي ُن افَّذُ عبرا ثلاثِ مراحلا لإكمال الخُْطَّةِ : أوِلاً : أنْ تزحفا قواتُ التحالُفِ الثلاثِيِِ (بريطانيا وفرنسا وإيطاليا) على السواحلِ الغربِيَّةِ والجنوبِيَّةِ لفصلِ المنطقةِ الت ُّرْكِيَّة عن بقيَّةِ المناطقِ العثمانِيَّةِ، لِيُمْكِنا بعد الْسمِ إقامةُ دولةٍ تُركيَّةِ طورانيَّةٍ صِرْفا ةٍ على أراضي أناضول، (ذاتِ سيااداةٍ في الظاهر )، تخدمُ أهدافا الدُّولِ الْغارْبِيَّةِ بالتواطؤ معها . يُاولُ

عدد الصفحات ٤٤٣

444 في تَقيقِ هذا الهدفِ : المنظَّماةُ السبطائيَّةُ ودولُ التَّحاالُفِ الثلاثيُّ بالتعاونِ ومن خلالِ تبادلِ المعطياتِ الإستخباراتِيَّةِ (عبر قنواتٍ سرِِيَّةٍ )، وبِت اوْجِيهِ الرأي العامِِ الت ُّرْكِيِِ وإرْبااكِهِ، وتشوِيشِ أفكارِهِ ببثِِ الأراجيفِ وتلويثِ البيئةِ المعلوماتِيَّةِ . ثانيًا: دعمُ الْركةِ القومِيَّةِ الت ُّرْكِيَّة في منطقةِ أناضول، وتأليفُهاا مع القِيامِ الغارْبِيَّةِ كإديولوجيَّةٍ شِبْهِ دينٍ بديلٍ للمجتمعِ الت ُّرْكِيِِ، تمهيدًا لاحتواءِ "دِينِ الْعارابِ !" ومحوِهِ من ضميِّ الإنسانِ الت ُّرْكِيِِ، لِي اتاماكَّنا بعد ذلك مِنا الإنسجام مع "النموزج العلمانِِِّ " في المجتمعاتِ الغربِيَّةِ قادرًا على مُوااكاباةِ الْعاصْراناةِ مُتاحارِِرًا من قُيودِ التطرُّفِ الدينِِِ ". ثالثًا: تأسيسُ دولةٍ لليهودِ على جزءٍ من المناطقِ العربِيَّةِ، تكونُ هِ يا مع تركيا جسرًا لنفوذِ الغربِ إلى العالماِ العربيِِِ، وحفظِ التوازُنِ السياسِيِِ على ساحةِ الشرقِ الأوسطِ في المستقبلِ . التزمتْ التحالُفُ الثلاثِيُّ فِعلاً بهِذه الإتِِفاقيَّةِ السِِرِِ يَّةِ مع الشبكةِ السبطائِيَّةِ المتمثلةِ في حزبِ الاتَِِادِ والت َّراقِِي، لأنَّ التطوُّراتِ الَّتي جاراتْ أثن اءا الْربِ العالامِيَّةِ الأولىا وما تعاقبت ْهاا مِنْ تابِعااتٍ دلَّ تْ دلالةً قطعيَّ ةً على صحَّ ةِ هذا الإلتزام. لا تزالُ الأق ِلِِيَّةُ السبطائيَّةُ تتحكَّمُ في المجتمعِ الت ُّرْكِيِِ منذ نِاياةِ الْربِ العالامِيَّةِ الأُولىا حتَّ اليوم؛ تَتكرُ السلطةا والاقتصادا، وتُِيمنُ على مُقادَّ راتِ الْب الادِ، وهي صاحبةُ الكلِماةِ . هذا القطاعُ عِصاابةٌ خطيّةٌ كما مارَّت قصَّةُ تاكاوُّنِِاا، وانتظامِهاا، وسِرِِيَّتِهاا، وخُططِها، ومؤامراتِِاا باختصار ... أفرادُها مُوازَّعةٌ في مرافقِ الدولةِ، غالب ُ هُ مْ كبارُ أركان الجيشِ الت ُّ رْ كِ يِِ، وأعضاءُ ها ي ْ ئا ةِ القضاءِ في الْ ما حْ كا ما ةِ الدستورِ يَّ ةِ والْ ما حْ كا ما ةِ الإستئنافِ يَّ ةِ ، لهم شركاتٌ عالامِيَّةٌ عملاقةٌ وبنوكٌ ومؤسَّساتٌ ضخمةٌ يعتمدون عليها في توجيهِ الشعبِ، وتسيِيّ الرأيِ العامِِ، وبثِِ الدعياتِ والإشاعاتِ، واستخدامِ قنواةِ الْواشْواشاةِ الَّتي تخدمُ أهدافاهم... أمِا الْكوماتُ الت ُّرْكِيَّةُ ، فإنَِّ ا غالبً ا مَّ ا تكون أُ لْ عُ وبا ةً في يا دِ هذهِ العصابا ةِ . إنَّ ساباطاائِيَّ اليومِ هو سبطائيُّ الأمسِ، بل هذا أشدُّ من ذاك خُب ْثًا وداهااءً وخاطارًا على الإسلامِ والمسلمين بالمقارنا ةِ مع أسلافِهِ . لأنَّ ساباطاائِيِِي هذا العصرِ خاصَّةً مجُاهَّزون بِِاق ْواى أسلحةِ القمعِ والإقصاءِ والتشريد؛ مجُهَّزون بِِارْقاى أساليبِ الإرْبااكِ والإخفاقِ والإفحامِ؛ مجُاهَّزون بِِاخْباثِ فنون الزورِ والطعن والإتِِِام والفرياةِ؛ مجُا هَّزون بِِاخْطارِ آلِيااتِ القاهْرِ والإذْلالِ والتعذيبِ الْماعْناوِيِِ؛ يتنكَّ رونا

عدد الصفحات ٤٤٤