30 يتعاقبُ شيوخُ النقشبنديَّةِ في تركيا جيلاً بعدا جيلٍ بِذنٍ خاصٍِ يربِطُ ب اعْضاهم ببعضٍ صعودًا إلى خالد البغداديِِ . لذا، جاءا شيوخُ النقشبنديَّةِ كُلُّهُمْ على شاكلتِهِ في التَّسا لُّطِ على العواطِفِ واستغلالِ الضمائرِ للحصولِ على المصالِحِ وبثِِ الشهرةِ وتوسيعِ نطاقِ الهيمنةِ بِساليبا غريبةٍ من المكرِ والِْيلة. بذلك ازدادوا حِرْصًا وطمعًا، فأدَّى إلى نشوبِ المنافسةِ والنِِزاعِ بينهم، حتََّّ رمى بعضُهُم بعضًا بالخروجِ على تعاليم الط ريقةِ، وفاسَّقا، بل كافِرا بعضُهُم بعضًا، وتطوَّرا النِِزاعُ بين عائلاتِ الشيوخِ واحتدما الصراعُ بينهم في الهيمناةِ على المنطقةِ . هذا، ومن أشهر الْروبِ التي اندلعتْ بين شيوخِ النقشبنديَّةِ، هي تلك التي نشبتْ بين (التَّاغِيِِينا ) وا (الْكُفْراوِيِِينا ) نتيجةا الصراعِ بين الأُسْرات اينِْ على ميّاثِ الشيخ عبيدِ اللهِ الن َّهْرِيِِ في الزعامةِ على منطقةِ ما بين بِتْلِيسا وامُوشا وآغري بِشارْقِ تركيا . حاداثا تفاوتٌ كبيٌّ بين شيوخِ النقشبنديَّةِ في الشُّهرةِ والسُّمعةِ، منهم مانْ طارا صِيتُهُ فتهافاتا عليه عشراتُ آ لافٍ من الناِِ ليسا لغزارةِ علمِهِ، ولا لفصاحةِ لساانِهِ ولا لبلاغةِ كلامِهِ، ولا لِزُهدِهِ وتقواهُ 22 ...لأنَّ الشهرةا والسمعةا بالنسبة لِشيوخِ النقشبنديَّةِ لا يتوقَّفُ على هذه الأسبابِ، بل على عكسِ ذلك : مانْ كان على هذه الصفاتِ لا ينالُ قبولاً عند الناِِ أبدًا. ولا يُقِرُّ شيخٌ من شيوخِ النقشبنديَّةِ لِشخصٍ يُلُّ محاِلَّهُ بعد موتِهِ إلاَّ إذا تَااقَّقا مِنْ أنَّهُ قد أات ْقانا فنَّ التحامقِ والتعامي بالصمتِ والإطْرااقِ؛ واب اراعا في حيلةِ التظاهُرا باِ لوقارِ والهيبةِ والسكينة! وإنمَّا فاقا بعضُهم أقراناه في كسبِ الشهرةِ والسُّمعةِ لِكاوْنِهِ أنحا في مِارسةِ هذه الِْيالِ، بينما ظلَّتْ شهرةُ بعضِهِم محدوداةً في نطاقِ عِدَّةِ ق ُرًى لِكاوْنِهِ أقلَّ ناحًا فيها . فأثارا هذا الاختِلافُ الْسدا والضغيناةا في نفوسِهِمْ، وجعلا بعضاهم يتطاوالُ على الآخرِ بحِجاجٍ يخت لِقُها من تلقاءِ نفسِهِ ويُصدِرُ فتاواى ضِدَّهُ بِِنَّهُ فاسِقٌ، وي ُعادِِدُ ماثاالِباهُ؛ ي ُبادِِعُهُ ويضلِِلُهُ ويُشانِِعُهُ ... هكذا كانت الْروبُ الكلاميَّةُ والْمُلااعناةُ سجالاً بين شيوخِ النقشبنديَّةِ في المنطقةِ الكرديَّةِ منذ عهدِ خالدِ البغدادِيِِ إلى اليوم. لقد كان الشيخ حامد الماردينُِِّ يصِفُ الشيخا خالِدًا الزيلانَِّّ بالدجالِ . وكان الشيخ محمَّدِ الكفروِيُّ يدَّعِي أنَّ الشيخا صبغاةا اللهِ الْيزانَِّّ دعِيٌّ مطرودٌ من الطريقةِ، وأنَّه ضالٌّ غاوٍ، وأنَّ جميعا مريدِيهِ في 22 إنَّ مفهومايِ الزُّهدِ والتقوى محُارَّفاانِ عند الصوفيةِ أصلاً، فالزهدُ عندهم هو التقشُّفُ والفقرُ والمسكنةُ . يتناقلون فيما بينهم حديثًا مكذوباً على الرسول (ص). وهو قو لهم: "الْفاقْرُ فاخْرِي وابِهِ أاف ْتاخِرُ "، وقد ورد النكيُّ من العلماءِ على هذا الكلامِ الباطلِ، منهم ابنُ تيمةا الْرانُِِّّ رحْه الله تعالى . قال: "واأامَّا ق اوْلُهُ الْْادِيثُ الْماذْكُورُ واهُوا ق اوْلُهُ : {الْفاقْرُ فاخْرِي وابِهِ أاف ْتاخِرُ}ف اهُوا كاذِ بٌ ماوْضُوعٌ لماْ ي ارْوِهِ أاحادٌ مِنْ أاهْلِ الْماعْرِفاةِ باِلْْادِيثِ عانْ النَّبِِِ صالَّى اللهُ عالايْهِ واسالَّما واماعْنااهُ بااطِلٌ ." (مجموع الفتاوى : 00 /000).
عدد الصفحات ٣٠31 ضلالٍ هالاكُوا معه ... هذه الخصوماتُ كانت في القرنِ المنصرِمِ . إلاَّ أنَّ نزاعا شيوخِ النقشبنديَّةِ اليوما لا يختلِفُ عن نزاعِهِم بالأمسِ . وعلى سبيل المثال؛ فإنَّ أتباعا الشيخ قدري الجْازارِي يصفونا الشيخ سعيدًا سايْداا الجزرِيَّ أيضًا بالدجلِ . كذلك شيوخُ منطقةِ الجْازْناةِ (ذوي الأصول العربية)، حلُّوا رِبقاةا عهدِ التاغِيِِين (الأكرادِ ) من أعناقِهِم وتبرَّؤوا منهم بِنَِّم مستغلُّونا انتهازيُّونا يُتقرون مانْ ليسا من عرقِهِم، لا يهتمُّون إلاَّ بتوسِيعِ نطاقِ شُهرتِِِم - للسيطرةِ على نفوِِ الأكرادِ - والإكثارِ من المريدين والأنصارِ في أوساطِهِم. وقد فقد الشيوخُ مِنْ ذوي الأصولِ العربيَّةِ مركزاهم وشُهرتِام فيِ السنين الأخيّةِ كنتيجةٍ لانتشارِ العصبِيَّةِ الكرديَّةِ في المنطقة . وهذه العائلات أغلبهم من أهالي مدِين اتياْ ماارْدِينا واأاسْعِرْدا (مثل الأسرةِ الْامديَّةِ، وأسرةِ الشيخ محمد الْزين الهاشمِيِِ ). بينما اختلف الأمرُ بالنسبة للعائلاتِ ذواتِ الأصول الكرديَّةِ من الشيوخ، فإنَِّا تتمتَّعُ بشهرةٍ واسعةٍ وأُب َّهاةٍ وعظمةٍ على غرارِ الملوكِ رغم انسحابِ شبابهم وراءا النَّزعةِ الفاشيَّةِ واالْتِحااقِ كثيٍّ منهم بالعصاباةِ الإرهابيةِ المعر وفةِ ب "حزبِ الْعُمَّالِ الْكُرْدِسْتاانِِِّ PKK" إنَّ النِِزااعا القائِما بين شيوخ النقشبنديَّةِ وصراعاهم على الزعامة، لا شكَّ قد ت اعادَّى إلى مريديهم وأنصارِهِم؛ فلا يخلو أحدٌ منهم إلاَّ والطائفةُ التابعةُ له ينافسُ بقيَّةا الجماعاتِ بِباثِِ دعاياتٍ لشيخِهِ بِنَّه أعظمُ خلقِ اللهِ قاطباةً، وأنَّهُ القطبُ الفردُ، والغوثُ الأعظمُ، وأنَّهُ لو جازا أنْ يبعثا اللهُ نبيًّا بعد محمِدٍ لكانا هو أجدرا وأحقَّ بهذه الصفةِ ! إنَّ شيوخا النقشبنديَّ ةِ يُتقرون الأكرادا في الوقت الذي يستغلُّونِام ويُسخِِرونِم في أعما لهِم وأشغالهِم. وهذا يعنِ أنَّ الشيوخا يتهاونون بكرامةِ الأكرادِ وي ات اعامَّدُونا إزلالا رِقابهِم، كما يُسخِِرونِام في الوقتِ ذاتِهِ لتحقيقِ أغراضِهِم؛ على سبيل المثالِ : يُكالِِفُ الشيخُ جماعةً من مريدِيهِ (الأكرادِ ) لِت ُراافِقاهُ في أثناءِ رحلتِهِ إذا أرادا أنْ يزورا منطاقاةً أو قريةً لغرصٍ مَّا . إذْ لا يسافرُ منفرِدًا أبدًا، "لأنَّ ذلك يخُفِِفُ من شأنِهِ في نظرِ الناِِ ويقلِِلُ من هيبتِهِ في قلوبهِم ". يريدُ بذلك أنْ يستعرِضا نفوذاهُ، ولكي يُظهِرا لأهلِ تلك المنطقةِ أو القريةِ التي يقصِدُها : أنَّه رجلٌ وجيهٌ في قومِهِ، وأنَّه شخصِيَّةٌ ذو مكانةٍ يوقِِرُهُ جمهورٌ الناِِ وهو محفوفٌ بهم أينما توجَّه . وإذا أرادا أنْ ي ُواسِِعا داراهُ مثلاً، كما لو أرادا أن يُضِيفا إليها قاعةً أو مرافِقا (بذريعةِ الإزديادِ الْاصلِ في عددِ ضيوفِهِ وتكاثُرِ زائِرِيه ). تُغنيهِ إشارةٌ منه بذلك لأحدِ المقرَّبين إليه مؤنةا أمرٍ يُصدِرُهُ جهارًا. فيقومُ هذا الشخصُ بِثارةِ عاطفةِ الجماعةِ بدهاءٍ ولباقةٍ ويُثُّهم على التعاونِ لتحقيقِ المطلوبِ وكأنَّه هو الذي اقترحِ عليهم الخدمةا من تلقاءِ نفسِهِ حفاظًا على وقارِ الشيخِ ومكاناتِهِ عندهم . فلا يلبث طويلاً حتََّّ ي ُن افَّذُ الأمرُ ويتحقَّق الإنازُ على أكمل
عدد الصفحات ٣١32 وجهٍ؛"لأنَّ الإنصياعا والخدمةا والإفتداءا في سبيل رِضاى الشيخ فرضُ عينٍ على المريد، وفي ذلك سعادتُهُ؛ وأمَّا مُالفتُهُ لشيخِهِ فموجبٌ للشقاءِ والعذابِ وسوءِ الخاتمة والخسرانِ في الدنيا والآخرة !". يقول أحدُ صناديد النقشبنديَّةِ محمد أمين الكرديُّ الأربلِيُّ في كتابِهِ (تنوير القلوب) في فصلِ آدابِ المريدِ مع شيخِ هِ : "أنْ ي ُ وا قِِ را المريدُ شيخاهُ، وا ي ُ عا ظِِ ما هُ ظاهرًا وباطنًا معتقِدًا أنَّ ه لا يُصلُ مقصودُ هُ إلاَّ على يدِ هِ . وإذا تشتَّ تا نظرُ هُ إلى شيخٍ آخر، حرَّ ما هُ من شيخِ هِ ، وانْ سا دَّ عليه الفيضُ . ومنها: أنْ يكون مُ سْ تا سْ لِ مًا مُ ن ْ قا ادًا را اضِ يًا بتصرُّ فاتِ الشيخِ ، يخدمُ هُ بالمالِ والبدنِ . لأنَّ جوهرا الإرادةِ والمحبَّ ةِ لا ي ا ت ا ب ا ينَُّ إلا بهذا الطريق. ووزنُ الصدقِ والإخلاصِ لا ي ُ عْ لا مُ إلا بهذا الميزانِ . ومنها: أنْ لا يعترِ ضا عليه فيما ف ا عا لا هُ ، ولو كان ظاهرُ هُ حرامًا. ولا يقول: لمِا فعلتا كذا؟ لأنَّ ما نْ قال لشيخِ هِ : لمِا ؟ لا ي ُ فْ لِ حُ أبدًا"23 لا شكَّ في أنَّ هذه العقلِيَّةا والعقيدةا هي من أهمِِ الأسبابِ التي فرَّقاتْ جموعا الأكرادِ وجعلاتْ توحيدا صفوفِهِم من المستحيل إلى اليوم. كما جعلت ْهُم فريسةً لأطماعِ السياسِيِِين الذين ي اتَّجِرُونا بالدِِين ويلعبون بعقول الناِِ ويراهنون على أصواتِِم خاصَّ ةً في مواسم الإنتخاباتِ فيؤدِِي ذلكا إلى ت ارادِِي الأوضاعِ وخيبةِ الآمالِ في المنطقةِ الكردية . إنَّ معظما الأزماتِ السياسيَّةِ والإجتماعيَّةِ التي ي ُعاانىِ منها المجتمعُ الكردِيُّ، ناشئةٌ أصلاً من استغلالِ زعمائِهم الروحيِِين للعواطفِ بدعوى ترغيبهم للخيّ . ذلك لامَّا عالِما شيوخُ النقشبنديَّةِ وُلُوعا الأكرادِ بصاحب العمامة البيضاءِ واللِِحياةِ الطويلةِ تفنَّنوا في الاستعراضِ بهذا المظهر بصورٍ خلاَّبةٍ ولقَّنوهم أشكالاً غريبةً من العباداتِ جُلُّها مأخوذةٌ من الدياناتِ الهنديَّةِ مثلِ رابطةِ الشيخِ، وحبس ال ن َّفاسِ، وإِلْصااقِ اللِِساانِ باِلْْاناكِ الأاعْلاى في أثناءِ ت اعْداادِ "الوِردِ " إلى غيّ ذلك من المناسك والطقوِِ الهندوسِيَّةِ . لقد كانتْ لِمُزااحْااةِ الشيوخِ على استلابِ العواطِفِ أثرٌ خطيٌّ في تشتيتِ الأكرادِ . لأن كلَّ قبيلةٍ منهم تعصَّبتْ لشيخها، و ناصبتِ القبائلا الأخراى عداءً بتفضيلِ شيخِهاا على شيوخهِمْ، فتحوَّلتْ إلى منافسةٍ ومُاصمة ومعاداةٍ بين العشائر، كما تطوَّرا منها التقليدُ والتعصُّبُ الدينُِّ والمذهبُِّ والقبلِيُّ ... وكلَّما ازدادوا إنِْماكًا في غمرةِ الت َّيَّارِ النقشبنديِِ ازدادوا تزمُّ تًا وخنوعًا للشيوخِ وانساقوا وراءاهُمْ إلى كل مُعْت اراكٍ، واغترُّوا وافتتنوا بهم، فعظَّموهم تعظيما الآلهةِ، وأكسبوهم ثرواتٍ وأموالاً 23 محمِد أمين الكرديِ الأربلي، تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب، ص/ 241 .طبعة مصر/0512 ه.. طبعة مصر/0512 ه.
عدد الصفحات ٣٢33 طائلةً وشهرةً واسعةً لم يستحقُّوها، وعلى أيديهم وقعوا في قبضاةِ الأحزابِ السياسيَّةِ والمنظماتِ الإرهابِيَّةِ . فكلَّما اشتهرا بينهم شيخٌ، جمااعا حولاهُ جمهورًا منهم فركبا رقابهام وراهن عليهم في مقارعةِ النظامِ وتِديدِ الْكومةِ زعمًا منه أنَّهُ يريدُ تَريرا الأكرادِ . كان أوَّلُ مانْ تخوَّفتْ منه الْكومةُ العثمانيَّةُ هو خالدُ البغدادِيُّ الذي نالا شهرةً واسعةً غيّا مسبوقةٍ بفضلِ الجماهيّ الملتفَّةِ حولاهُ من الأكراد . بينما "كان الأكرادُ - في نظرِهِ - لصوصًا وقُطَّاعا الطرُقِ . وإنمَّا اهتداى منهم من اهدى بدعوتِهِ، وكفَّ منهم مانْ كافَّ عن النهبِ والسلبِ بعدا أنْ تَبا على يدِهِ وتديَّنا وانتسبا إلى طريقتِهِ !"24 حظِيا من الشهرةِ أيضًا عددٌ من خلفاءِ البغدادِيِِ بعده، فكان من بينِهم الشيخ طه الن َّهْرِيُّ الهكَّارِيُّ أكثرا نصيبًا من الجاهِ والنفوذِ؛ لأنَّ مقرَّهُ كان في وسطِ المنطقةِ الكُرديَّةِ، يُيطُ بِهِ أقوى وأشهرُ العشائِرِ ثروةً ومالاً، وأكثرُهُمْ نفوسًا، كما ساعده موقِعُهُ الإستراتيجِيُّ الْمُطِلُّ على الْدودِ الت ُّرْكِيَّة - الإيرانيَّةِ، ولِبُعدِهِ من عااصِمات ايْهِماا، فكان يتصرَّفُ دونا همِِ ولاا ينتابُهُ قلقٌ . والعائلةُ النهريةُ؛ كانت لها مكانةٌ مرموقةٌ لأسْباقِيَّتِها في زعامة النقشبنديِِين بمنطقةِ شمال العراقِ وما يليها من الساحةِ الكرديَّةِ في شرقِي تركيا. اشتهرا كبيُّ هذهِ العائلةِ الشيخ طه النهريُّ بعد اتصالِهِ بخالدِ البغدادِيِِ وحصولِهِ على إذنٍ للنياباةِ عنه في بلادِهِ . وما لبثَّ حتََّّ طار صيتُهُ في أنْاءِ المنطقة الكرديَّةِ لأسبابٍ أهَاُّها أنَّهُ كان من أكبرِ الأث رياءِ، يُلكُ من الأراضِي الخصبةِ ما ي ُقادَّر بآلافِ أميالٍ مربعةٍ، وعديدٍ من القُراى . ناصاباهُ خالدٌ البغدادِيُّ خليفةً عن نفسِهِ ليقوما بدعوةِ الناِِ إلى الطريقة النقشبنديَّةِ في بلادِهِ . فلمَّا ماتا الشيخ طه، حلَّ محلَّهُ ابنُهُ الشيخ عبيدُ الله، ولم يل بثْ الرجلُ طويلاً حتََّّ فاقا أباهُ وجميعا شيوخِ المنطقةِ شهرةً وجاهًا . كانا عبيد الله النهريُّ داهِياةً، ذكِيًّا، لبيقًا، متلوِِناً، حاذقًا في تسلِيطِ هيبتِهِ على قلوبِ الناِِ . كلَّفا عُصباةً من بطانتِهِ في بثِِ الدعايةِ له، يقومونا بحياكةِ قصصِ من العجائِ بِ والخوارِقِ والأساطيِّ، ينسبونِاا إليه، ويعدُّونِاا من كراماتِهِ؛ فلم يلبثْ حتَّ اعتقدا مئاتُ آلافٍ من بُساطااءِ الأكرادِ بهذهِ الْكاياتِ وانخرطوا في طريقتِهِ مستعدِِينا للافتداءِ بِرواحِهِمْ في سبيلِهِ متَّ أرادا وبِدنىا إشارةٍ منه . 24 راجع: عباِ العزاوي، مولانا خالد النقشبندي، مجلة المجمع العلمي الكردي. بغداد-0205م.
عدد الصفحات ٣٣34 ورد في عددٍ من المصا دِرِ والتقارير والمقالاتِ : "أنَّه كان يعيشُ عيشا الملوكِ، يُلكُ أراضِيا واسِعةً ومزارعا وق ُرًى يربو عددُها عن مِئ اتياْ قريةٍ، يتناولُ الطعاما على مائدتِهِ يوميًّا مئاتٌ من الضيوفِ، يعشِقُهُ أهلُ المنطقةِ التي تمتدُّ من مدينةِ (أُورْمِياة) الإيرانيَّةِ إلى مدينةِ آغري العثمانيَّةِ شرقًا، وإلى ديار بكر غرباً، وإلى الموصل وكركوكا جنوباً . ي ُن افِِذُونا أاواامِراهُ بِقصى سرعةٍ ومن غيّ نقاش. كلُّ ما نْ رآه ها ابا هُ لِماا يعتقدُ فيهِ من القداسةِ، ويراى عليه من مظاهرِ الأُب َّهاةِ . وإذا خرج حفَّتْهُ جماعةٌ غفيّةٌ من مُتلفِ طبقاتِ الناِِ يقفون أماماهُ بخشوعٍ، يخجلون من النظرِ أو التحدُّ ثِ اليهِ لشدَّ ةِ تبجيلِ هم له. وعندما يا لمحونه، وحتَّ عن ب ُ عْ دٍ ، يترجَّ لون عن خيولهِ م ويضعون يدً ا على الاخرا ى وهي مضمومةٌ الى صدورِ هم، يخاْ فِ ضُ ونا رؤوسا هم وا ي ا غْ لِ قُ ونا عيونِا م، وبهذه الهيئةِ يستقبلونه وهم راكعون. وعندما ي اقْتراِ بُ ونا منه، ي ا نْ حا نُ ونا نْوا الارضِ وينتظرون أن يتحدَّ ثا الشيخ، ولا ي انْبِسُ أحدُهم بِبِنْتِ شافاةٍ حتَّ يبادِئ اهُمْ هو، ويتحاشا وْ نا النظرا إليه. وإذا سارا تَاب اعاتْهُ مواكبُ فخمةٌ وهو محاطٌ بلفيفٍ من الْرِِ والْشم . شهرةُ الشيخ عبيدِ الله أخذتْ تتزايدُ في مطلعِ السبعينِ يَّ اتِ من القرن التاسع عشر، لكنَّها لم تكن شهرةً طبيعيَّةً، بل كانت نتيجةا الدعاياتِ واللَّعْبِ بالعقولِ والإتجِِارِ بالدِِين . لأنَّه كان عربيَِّ الأصلِ من سلالةِ الْسنِ بْنِ عليِِ بْنِ أبيِ طالِبٍ، م ع ذلك يتظاهرُ للناِِ بِنَّهُ كُردِيٌّ ! كلُّ تصرُّفاتِ هذا الرجلِ الصوفيِِِ تدلُّ على أنَّه كانا مُغرمًا بحُبِِ الجاهِ والرياسةِ، غيّا قانعٍ بالصفة الروحيَّة التي ورثها من أسلافِهِ . يصفُ هُ الطبيبُ والْمُباشِِرُ الأميّكيُّ الدكتور كوجران : "بِنَّه كان جذَّ اباً الى حدٍِ كبيٍّ ، يرتدِ ي حُ لَّ ةً فضفاضا ةً من جُ بَّ ةٍ واسعةِ الاطرافِ والاكمامِ وعلى راأْسِهِ عِ ما اما ةٌ كبيّةٌ بيضاءُ ". انتحل الشيخ عبيدُ الله الزعامةا السياسيَّةا بِانبِ صفتِهِ الروحيَّةِ وهو يستعرضُ أفانيناهُ بالخروجِ في مثل هذا المظهرِ الخلاَّبِ ليأخذا بالألبابِ، وليزدادا بهِاات اينِْ الصِِفات اينِْ مهابةً وقدرةً على استغلالِ أكبر عددٍ من الأكرادِ، واحتكارِ وُلُوعِهِمْ به . فبدأ يتحرَّشُ بالسلطةِ الإيرانيَّةِ ويستعدُّ في الوقتِ ذاتِهِ ليتمرَّدا على الْكومة العثمانيَّة. و عندما رفضا الأكرادُ الإيرانيُّونا دا فْ عا الضرائبِ الى الْكومةِ الفارسيَّ ةِ بحُِجَّةِ أنَِّ م يدفعونِا الى الشيخ عبيد الله بموجبِ امتيازٍ كان والدُ ه (الشخ طه) قد حصلا عليه من شاهِ إيران محمد القاجاري عام 0150م. إلاَّ أنَّ إلغاءا الْكومةِ الإيرانيَّةِ هذا الإمتيازا في عهدِ ناصر الدين شاه سنة 0104م أدَّى إلى نزاعٍ بين الطرفين.
عدد الصفحات ٣٤35 كان الشيخ عبيد الله ي ات اهايَّأُ لإقامةِ دولةٍ كرديَّةٍ مستقلَّةٍ عن الدولةِ العثمانيَّةِ، فبدأ باستعداداتٍ عسكريَّةٍ ضدَّ النظام الفارسيِِ أوَّلاًّ لِي اقْواى ظهرُهُ حتَّ يعودا لمواجهةِ الدولةِ الت ُّرْكِيَّةِ . فجهَّزا جيشًا قوامُهُ 40 الفا جندِي، وزحف على الأراضي الإيرانيَّةِ عام 0111م. ولكنَّهُ انِزما و باءتْ محاولاتُهُ بالفشلِ أماما ضغوطِ الإيرانيِِ ين المدعومين من الروِِ والانكليز. ثُ استغلَّتِ الْكومةُ العثمانيَّةُ انِزاماهُ فاعتقلتْهُ في يوليو/تموز عام 0114م. فهربا من سجنِ هِ لكنَّ هُ اعْ تُ قِ لا ثانيةً ونُ فِ يا إلى الْجاز حيث ت ُ وُ فيِِا في السنةِ نفسِها بم كةِ المكرمة. غاب الشيخ عبيدُ الله النهرِيُّ من الساحةِ لكنَّ عواقِبا تصرُّفاتِهِ كانت ويلاً على الأكراد . ذهبا ضحي َّت اهاا آلافٌ من سكَّانِ المنطقةِ . والطامَّةُ الكبرى أنَّهُ خلَّفا عددًا من الشيوخِ ينوبون عنه في نشر طريقتِهِ وعقائِدِه بين الأكرادِ لتكونا مصدرا خلافٍ وخص امٍ ونزاعٍ بينهم على ماداى قرنين . ولا يزالُ حتََّّ اليوم يدفعُ الأكرادُ ثَنا الشتاتِ الذي تعرضوا له من جراءِ الْفِتناِ المُشْتاعِلاةِ بين شيوخ النقشبنديَّة وصراعِهم على الزعامةِ وحرصِهم على كسبِ الجاهِ والشهرةِ في المنطقةِ . بخاصةٍ اثنانِ من خلفاءِ عبيد الله النهريِِ ناشِباتْ بينهما منافسةٌ في سباقِ الوراثةِ له، وهَا : الشيخ صبغةُ اللهِ الأرواسِيُّ، والشيخ محمدٌ الكُفروِيُّ . كلٌّ منهما يريدُ أنْ يستفيدا من شهرتِهِ . كانت الساحةُ التي ينازعانِ عليها تمتدُّ من مدينةِ بِتْلِيسا إلى تخومِ مدينةِ ق ارْص، وتضمُّ الس احةُ عِدَّةا مدنٍ أخراى مع ضواحِيها . تطوَّرتْ هذه المنافسةُ إلى خصومةٍ متواصلةٍ وعداوةٍ شديدةٍ بين الطرفين، يلعنُ كلٌّ منهما الآخرا، فداما النزاعُ بينهما قرابةا مائةٍ وخمسين عامًا، وانتهى باِنْكِمااشِ الأسرةِ الكُفْراوِيَّةِ المُشرِفاةِ على الإنقراضِ، فا نسحبتْ من الساحةِ في منتصفِ القرنِ العشرين وتَدِيدًا في عهدِ رئيس الوزراء عدنان مندريس. ولمَّا طاغاتِ الأسرةُ الأرواسيَّةُ بِشُهْراتِِاا على الأسرة الْكُفْراوِيَّةِ في أواخرِ العهدِ العثمانِِِّ وازدادتْ من المريدين والأنصارِ، وكان ماقارُّهاا في ناحيةٍ اسمُ ها (هِيزاان) بِوارِ مدينةِ بِتْلِيسا، بدأتْ تادُبُّ عاطفةُ الإغترارِ بالذَّات في نفوِِ كبارِ الأسرةِ لأسبابٍ ناشئاةٍ من الظروفِ التي تَيطُ بها وتغمُرُهاا بغرائِبِها وتناقضاتِِا .
عدد الصفحات ٣٥36 لقد كانتْ عقليِةُ الأسرةِ الأرواسِيَّةِ ومعتقداتُِا تجمعُ بين أمورٍ يستحيلُ امتزاجُها، كان الْقُّ والباطِلُ والْلالُ والْرامُ والبدعةُ والسنَّةُ تتداخالُ وتتعاناقُ في هذه العقليَّةِ الغريباةِ؛ يتعصَّبُ كبارُ الأسرةِ للإسلامِ في الْين الذي يُارسونا تعاليما الراهبِ الهندِيِِ باا تَا نْا اليِ Patanjali في عباداتِِم ومناسِكِهم، يبغضون حُكْما الأتراكِ "لأنَّه يتعارضُ مع الشريعةِ الأسلاميَّةِ "، مع ذلك يقيمون طقوِا البوذيَّةِ بعد صلاةِ العصرِ وصلاةِ العشاءِ في كلِِ يوم . يُنكرون على السلطةِ "لأنَِّا لا تقطعُ يدا السارِقِ ولا تجاْلِدُ الزانِّا "، مع ذلك يفرضون على الناِِ أن يعبدوا أضرحةا آبائِهم ويُشركوهم مع الله ... بحكمِ هذه العقليةِ المتناقضةِ في ذاتِِا، وأسوةً بشيخِهم (عبيدِ اللهِ النهرِيِِ )، واسْواساتْ لهم نفوسُهُم أنْ يُعلِنوا حرباً على الْكومةِ العثمانيَّةِ، فلم يلبثْ حتََّّ جهَّزوا جيشًا قوامُهُ خمسةُ آلا فٍ من الأكرادِ المدنيِِين لأجلِ القيامِ في وجهِ الدولةِ، مع أنَِّم وأتباعاهم كانوا جاهلين بالأمورِ العسكريَّةِ وفنونِ القتالِ وتَدِيدِ الإسْترااتِيجِيَّاتِ الْربِيَّةِ . تورَّطتْ الأسرةُ الأرواسيَّةُ في أتونِ الفتنةِ بالزخفِ على مدينةِ بِتْلِيسا عام 0202م. بِغراءِ أحدٍ مِنْ خُوااجاوااتِ النقشبندِيَّةِ اسمُهُ (مُلاَّ سليم). كان على رأِِ جيشِهم ثلاثُ شخصِيَّاتٍ من هذه الأسرة . وهم: الشيخ شهابُ الدِِين، والسيِِد علي، ومحمِد شيّين. وماا إنْ دخلوا المدينةا حتََّّ فوجِئُوا بِتاخااذُلِ الجيشِ عنهم . فتقاعسا المرتزقةُ عن القتالِ، وخرجو عن طاعةِ شيوخِهم الثلاثِ وفرَّ كلُّ واحدٍ منهم إلى ناحيةٍ، فتبعثروا في شوارعِ المدينةِ واأازِقَّتِهاا وشِعابهِا وهم ينهبون مِتلاكاتِ المواطنين ويسلبون أموالهام... فوجدا القادةُ الثلاثُ أنفساهم مهجورين حايااراى في وسطِ مدينةِ بِتْلِيسا و قد خانِم أتباعُهُم البسطاءُ وانفضُّوا من حولهِم . وإذا بشيخٍ نقشبندِيٍِ آخرا (يُدْعاى الشيخ محمِد الغريب) من أهالي بِتْلِيسا ينادِي بالناِِ لمقاوماةِ المرتزقةِ، ف اقاباضا سُكَّانُ المدينةِ على رؤوِِ العُصاةِ الثلاثِ وسلَّموهم إلى قاضِي المدينةِ، فاتمَّ تنفيذُ الإعدامِ فيهم بسرعةٍ . أمَّا مُلاَّ سليم، فلجأ إلى القنصليةِ الروسيَّةِ وتَصَّنا بها فترةً . ولامَّا اندلعتْ الْربُ العالميَّةُ الأُولىا وانسحبا الدبلوماسيُّون الروِ من المدينةِ سلَّموه إلى الشرطةِ العثمانيَّةِ فإُعدِما هو الآخر. سادا الفوضاى على المنطقةِ الْكُرْدِيَّةِ وانتشرتْ فيها الْفِتناُ وتكرَّرتِ العصياناتُ نتيجةا منافسةِ شيوخِ النقشينديَّةِ فيما بينهم من جهةٍ، وصراعِهِمْ مع حزبِ الاتَِِاد والترقِِي من جهةٍ أخرى حتََّّ سقطت الدولةُ العثمانيةُ .
عدد الصفحات ٣٦37 إنَّ الأكرادا في الْقيقةِ كانوا من أخلصِ رعايا الدو لةِ الغثمانيَّةِ وأشدِِهم انصياعًا لُِْكْمِها . إنمَّا حرَّضاهم على التمارُّدِ ضدَّ السلطةِ العثمانيَّةِ من حينٍ لاخر زعماؤُهم المحلَّيونا بالتعاوُنِ مع شيوخِ النقشبنديَّةِ . لقد كانتْ صلةُ الأكرادِ بالدِِين قويَّةً مع جهلِهم بحقيقةِ الإسلامِ . فتنبَّها شيوخُ النقشبنديَّةِ إلى هذه الثَّغرةِ لِي ان ْفُذُوا من خلالهِا إلى ضمائِرِهِمْ، فاستطاعوا بذلك إثارةا عاطفةِ المجتمعِ الكردِيِِ باستغلالِ هذه الصلةِ، فسحبوه من وراءِ أهواءِهِمْ وأطماعِهم إلى أتون الْروبِ والثوراتِ لتحقيقِ أهدافِهِم ومصالِِْهم، وليسا لمصالِحِ الش عبِ الكردِيِِ . فانصبَّت عليهم ويلاتٌ من جراءِ ذلك طوالا القرنِ المنصرم. فلمَّا نح مصطفى كمال في تأسيسِ الدولةِ الت ُّرْكِيَّةِ على أنقاضِها جعلا المنطقةا الكرديَّةا ناصْبا عينيهِ، إذْ كان يعلمُ أنَّ أكبرا عقبةٍ تعترضُ سبيلاهُ في فرضِ سلطتِهِ وإحْكاامِ س ياستِهِ، هي القضيةُ الكرديَّةُ . فأخذ ي ُفاكِِرُ بتدبيِّ مؤامرةٍ ضدَّ أكبرِ شخصيَّةٍ من مشائخِ الن َّقْشاب انْدِيَّةِ في المنطقةِ الكرديَّةِ، وهو الشيخ سعيدُ الْباالاوِيُّ 25 .فكلَّفا جهازا مُابراتِهِ بحياكةِ هذه المؤامرةِ لاصطيادِ الشيخِ سعيد بواسطةِ 25 الشيخ سعيد الْباالاوِيُّ بْنُ الشيخ محمود بْنِ الشيخ علي السَّبْتيِِِ بْنِ الشيخ قااسمِ بْنِ الشيخ حيدرِ بْنِ الشيخ حسينِ بن الشيخ هاشم: أحدُ ر موزِ الطريقةِ الن َّقْشاب انْدِيَّةِ في تركيا. هاجرا جادُّهُ الشيخ هاشم من إيران إلى المنطقةِ الشرقيَّةِ من الأراضِي العثمانِيَّةِ قبل قرونٍ واستقرَّ في مدينةِ ديار بكر. طلبهُ السلطان مراد الرابع بعد الفراغ من فتحِ بغدادا أثناءا عودتِهِ، طلبه لِيأخُذا منه ال بيعةا، إلاَّ أنَّه تأخَّرا عنِ الْضورِ . قيل رفضا أنْ يبايِعاهُ لِكاوْنِهِ يشربُ الخْامْرا، رغما اشتدادِهِ على مانْ يتناوالُهُ مِنا الرعيَّةِ . فأمر به فقُتِلا سنة 0052م.. وُلِدا الشيخ سعيد الْباالاوِيُّ بالمنطقةِ الكرديَّةِ في قريةِ (باالُوPalo )التابعةِ لمدينةِ (معمورةِ العزيزِ ). يزعمُ أبناءُ الأسرةِ الباالاوِيَّةِ أنَِّم من الأشرافِ، والطبيعةُ الإجتماعيَّةُ لا تكادُ تُصادِِق ُهُمْ . لأنَِّم يجهلون اللُّغةا العربيَّةا ولا يتكلَّمونا إلاَّ باللُّغت اينِْ الكرديَّةِ والت ُّرْكِيَّةِ . رُزِقا خمسةا بنين وخمسا بنات. برزا منهم الشيخ علي الرضا بسعةِ عِلْمِهِ، وثقافتِهِ، واجُرْأتِهِ . درِا ساعِيدٌ الباالاوِيُّ اللُّغاةا العربيَّةا والعلوما الإسلامِيَّةا في المدارِِ التابعةِ لأُسْراتِهِ، فحظِيا نصيبًا منها، ل كنَّهُ ناشاأا نشأةً مُسْلُمُانِيَّةً تقليديَّةً كأمثالهِ من الشيوخ والملالي، بعيدًا عن روحِ الإسلامِ النقيَّةِ . أحسَّ -رغم ذلك- بآلامِ الإضطهادِ الذي تعرَّضا له المجتمعُ، وما أصابا الإسلاما من الإهاناةِ على يدِ مصطفى كمال وأعوانِهِ من السبطائيِِين . فثارتْ حفيظتُهُ من المظالمِِ التي ارتكبتْها الطُّغْماةُ الكما ليَّةُ الْاكمةُ، فبدأ يستعدُّ للانتفاضاةِ في وجْهِهاا، إلاَّ أنَّهُ تورَّطا في خطأٍ جسيمٍ حين أقداما على مُناازالاةِ النظامِ السبطائِ يِِ في غيِّ وقْتِهِ، فضلاً عن أنَّهُ كان يجهلُ فنونا القتالِ . وهذهِ قصتُهُ بالاختصار: كان الشيخ سعيد الْباالاوِيُّ يتمتَّعُ بشهرةٍ واسعةٍ في المنطقةِ الكرديَّةِ، يُسدهُ معظمُ شيوخِ الأكرادِ (وعلى رأسهم شيوخُ الأسرتاين التاغيَّةِ والكفرويَّةِ ). كان له اثنَ عشر ألفًا من المريدين. والمريدُ في عرف الصوفِيَّة: صفةٌ تُطْلاقُ على مانْ بااياعا شيخًا على السمعِ والطاعةِ مطلقًا في كل ما يأمره، لا يعصيه في شيءٍ مَِِّا يكلِِفُهُ ولو كان محرَّمًا!
عدد الصفحات ٣٧ًا من المريدين. والمريدُ في عرف الصوفِيَّة: صفةٌ تُطْلاقُ على مانْ بااياعا شيخًا على السمعِ والطاعةِ مطلقًا في كل ما يأمره، لا يعصيه في شيءٍ مَِِّا يكلِِفُهُ ولو كان محرَّمًا! تاسالَّلا جواسيسُ مصطفى كمال إلى جوارِ الشيخ سعيدِ الباالاوِيِِ وانْداسُّوا في صفوفِ مريدِيهِ منذ بدايةِ إعلانِ الجمهوريَّةِ عام 0245م. وات ارااءاوْا له في قناعِ أهلِ الإخلاصِ، فإغراوْهُ بالثورةِ على النظامِ الكماليِِِ، لتكونا ذريعةً لضربِهِ . كان بين هؤلاءِ شخصٌ من أقاربِ الشيخ سعيد، يُدْعاى (قااسُويِ أحْْاد )، يُمل رُت ْباةا رائِدٍ في الجيوشِ الْميديَّةِ الْمُكاوَّناةِ من الأكرادِ واسمُْهُ في السجلاَّتِ العسكريَّةِ (قاسم آتَجKasım Ataç .) أوَّلُ خ طواةٍ بدأ بها الشيخ سعيد؛ مراسلةُ شيوخِ الطريقةِ الن َّقْشاب انْدِياةِ في المنطقةِ الكرديَّةِ، دعاهم للالتحاقِ به ومشاركتِهِ في الثورةِ على النظامِ العلمانِِِّ -الوثانِِِِ . فاستجابا له عددٌ قليلٌ مَِِّنْ لا شهرةا لهم . ورفضا المشهورون مساندتاهُ . خرجا في ربيعِ سنةِ 0242م. يطوفُ في المنطقةِ للاستطلاعِ واختِباارِ ما إذا كانت الظروفُ مواتيةً للانطلاقِ، لكنَّهُ لم يكنْ قد أكملا خطواتِهِ لتفجيِّ الثو رةِ بعدُ . في غضونِ ذلكا ات َّفاقا له أنْ نزلا ضيفًا في قريةٍ من ق ُراى قضاءِ (ديجله) تُسامَّى (ﭘِ يّاانْ Piran )يوما الثالث عشر من شهرِ فبراير عام0242م. فبينما هو جالسٌ في جماعةٍ من مريدِيهِ دااهَااتْ مُفْرازاةٌ عاسْكارِيَّةٌ القريةا للقبضِ على خمسةِ أشخاصٍ مطلوبين كانوا قد اعتصموا في أحدِ البيوتِ، فلم يظفرْ بهم الجنودُ . فطلبا قائدُ المفرزةِ وساطةا الشيخ سعيد لإق ناعِ المطلوبين لِياسْتاسْلِمُوا. لكنَّ هذه المحاولةا – في الْقيقة- كانتْ لُعْباةً واكامِينًا يريدُ بهِاا النظامُ ساحْبا الشيخ سعيد إلى معت اراكِ الصراعِ قبلا أنْ ي افْراغا من استعدادااتِهِ ويُكمِ لا تعبئاةا ق ُوَّاتِهِ . وكانت أخبارُهُ تصلُ إلى أنقره يوميًّا بواسطةِ عيونِ النظامِ المندسِِين في صفوفه . كلَّما الشيخ سعيدٌ قائِدا المفرزةِ برفقٍ، وأوضحا له أنَّ الموقِفا محُْرِجٌ وغيُّ صالِحٍ للحوارِ مع المطلوبين، ثَُُّ الْماتاما سا منه أنْ يُُْهِلاهُ حتَّ يغادرا القرياةا، فيقوما هو بعد ذلك باعتقالِ المطلوبين . ناصاحاهُ بمِِثْلِ هذا الأسلوبِ إشعارًا له "أنْ يتحسَّبا للظروفِ، لأنَّ أهلا المنطقةِ قد يُملونا ذلكا إسائةً بكرامتِهِ، لمكانتِهِ في نفوسِهم، فيقومون بردِِ فعلٍ، فيتفاقمُ الأمرُ !".
عدد الصفحات ٣٧38 عادِيلِهِ(أي زوجِ أختِ امرأةِ الشيخ )، الرائد قاسم آتَجKasım Ataç .فما لبثا حتََّّ تمكَّنا هذا الرجلُ من إقناعِ الشيخ سعيد للقيامِ مع جماهيِّ مريدِيهِ بعصيانٍ ضدَّ نظامِ مصطفى كمال، بذريعةِ "أنَّه ناصابا الدِِينا عدااءً وألغاى أحكاماهُ "! من الغريب أنَّ الن َّقْشاب انْ دِيِِينا كانوا ولا يزالون أفسدا من مصطفى كمال للإسلامِ، وأشدَّ خطورةً عليه. إلاَّ أنَّ الخُْطَّةا كانتْ مُعادَّةً من ذي قبلٍ على أساِِ إثارةِ الشيخ سعيد، و دفعِهِ إلى ميدانِ الصراعِ . فما لبثا حتَّ هجما الجنودُ على المنْزلِ الذي فيه المطلوبون، واندلعتْ مناوشاتٌ بين الطرفين، فأثاراتْ هذه المحاولةُ حفيظةا سُكَّانِ القريةِ، فعدُّوها إهانةً شنيعةً وغطرسةً ارتكاب اهاا الجنودُ تجاها شخصيَّةِ الشيخ سعيد . فما لبث حتَّ احتدما القتالُ بين الجنودِ وبين سُكَّانِ القريَّةِ . ثَُُّ اجتاحا المنطقةا . فاضطرَّ الشيخ سعيد أن يخوضا غمارا القتالِ قبلا أنْ ي اعُدَّ أدنى شيءٍ من ت ارْتِيبااتِهِ . هكذا وجد الشيخ سعيد البالويُّ ن افْساهُ في وسطِ نيّانِ الْربِ دونا أنْ يتوقَّعا الاصطداما بمثلِ هذهِ المفاجأةِ الرهيباةِ . أجْب اراتْهُ الظروفُ إلى جمعِ ما تيسَّرا له مِنا الْمادادِ والأعوانِ . غيّ أنَّ أنصاراه كانوا كلُّهم فلاَّحين ورعاةا المواشِي من أهلِ الريفِ، غيّا ذوِي الخبرةِ والكفائةِ القتاليَّةِ . ولم يكنْ بينهم مانْ تلقَّى تدريبًا عسكرِياًّ ولا مانْ ي ُتْقِنُ فنونا الْربِ . فخرجوا بمُِجارَّدِ ب ُنْدُقِيَّاتِِِمْ القديُةِ التي أكلها الصدأُ، فضلاً عن أنَّ أكثراهُمْ كانوا مِنا الرعااعِ والهمجِ، انطلقوا جِيااعًا، واحُفااةً، واضِيااعًا في ظلماتِ الجهلِ، انْساحابُوا وراءاهُ دونا روِيَّةٍ وعلى غيِّ بصيّةٍ ، فتخاذالاتْ عنه جماعاتٌ منهم، وتَوَّلتْ جماعاتٌ إخرى إلى قِطْعاانٍ من الْب الْطاجِيَّةِ، كلَّماا اسْت اوْلاوْا على مدينةٍ ساطاوْا على أهِلِهاا واسالابُوا أمْواالهاُمْ، وان اهابُوا أث ُث ا هُمْ ومِتلكاتِِِمْ . استفادا النظامُ من هذه الْالةِ فأطلقا سراحا جماعاتٍ من المجرمين وأرسلاهُمْ لِيفعلُوا مثلا ما فعلا جنودُ الشيخ سعيد، لإثارةِ المجتمعِ ضدَّه بِشاعةِ الإخبارِ : "أنَّ الذين معه عصابةٌ من المرتزقةِ والبلطجيةِ، وأنه على الرعيَّةِ التزامُ جانبِ الْكوماةِ في الْربِ ضِدَّهُمْ ". فلم يلبثْ طويلاً حتَِّ انفضَّ جنود الشيخ سعيد مِنْ حاوْلِهِ وتركوه وحيدًا في ميدان المعركةِ . استيقظ الشيخ سعيد من نومته بعد فوات الأوان، فأراد أن يُنقِذا بنفسِهِ، فخرجا يوم 02 من شهر أبريل عام0242م. من ضواحي مدينة ديار بكر قاصِدًا جهةا الشرقِ . سلك مع شلَّةٍ من رجاله طريقًا وعرًا في خفاءٍ ومعهم الرائدُ قاسم أتَج. كانوا يشقُّونا طريقهم عاب ْرا الغاباتِ والأدغالِ في ظلماتِ الليلِ، وي اتاخافَّوْنا في الكهوفِ وفجواتِ الصخورِ نِارًا . غيّ أنَّ الرائدا قاسم أتَج لم يزل على اتصالٍ مع القواتِ المسلَّحاةِ الت ُّرْكِيَّةِ بِوااسِطاةِ أفرادٍ من بِطااناتِهِ سرًّا، ي ُزاوِِدُ القادةا العسكريِِين بِخبارِ الشيخ سعيدِ ويُشيُّ لهم في رسائِلِهِ إلى الخطِِ الذي يسلكوناهُ والنقاطِ التي يُاِ لُّونا بهِاا، حتََّّ إذاا وصلو إلى جسرِ عبدِ الرحْن باشا بِقُرْبِ مديناةِ فارتو Varto حيثُ بهِاا الكمينُ الذي أعدَّهُ الرائِدُ قاسم أتَج، لأيقاعِ الشيخ سعيد فيهِ بالتنسيق مع جهازِ الإستخباراتِ التركية . فلمَّا اجتازا الشيخ سعيد ورفاقُهُ الجسرا إلى ناحيةِ فاارْتُو فاجْرا يومِ 02 أبريل من عام0242م،- وقد كان الرائدُ فاسم أتَج أشعرا قائدا الكتائبِ الخاصَّةِ عثمان نوري باشا بالموقعِ ال ذي حلَّ فيهِ الشيخ سعيد- فإذا بالجنود قد أحاطو بهم فورًا من ناحيةٍ، والمليشياتُ من الشراكِساةِ مِنْ ناحيةٍ أخرى .
عدد الصفحات ٣٨م أتَج أشعرا قائدا الكتائبِ الخاصَّةِ عثمان نوري باشا بالموقعِ ال ذي حلَّ فيهِ الشيخ سعيد- فإذا بالجنود قد أحاطو بهم فورًا من ناحيةٍ، والمليشياتُ من الشراكِساةِ مِنْ ناحيةٍ أخرى . فاستسلموا دون مقاومةٍ، وتَاَّ تسييّهم إلى مدينة دياربكر حيث جرت فيها محاكماتِم فترةً من الزمن. ثُ ن ُفِِذا فيهم حكمُ الإعدامِ شنقًا فاجْرا يوم 42 حزيران/يونيو سنة 0242م. في موقع (طااغْ كاابيِ ). وهكذا طُوِياتْ صحِيفةُ الشيخ سعيد البالاوِيِِ . حاولتْ اجهزةُ نظامِ مصطفى كمال دائِمًا إرباكا العقولِ، وتضليلا الرأيِ العامِِ، وتعطيلا ملكةِ التفكيِّ حتَِّ أصبحا الناُِ يرونا الْقَّ في صورةِ الباطلِ، والباطِ لا في صورةِ الْقِِ، كما فقد المجتمعُ ذاكرتاهُ بحيث لا يكادُ اليوما أحدٌ (من الأكرادِ ) يذكرُ شيئًا من أحداثِ ثورة الشيخ سعيد البالاوِيِِ الرهيباةِ التي ذهبتْ ضحي َّت اهاا 15 ألفا شخصٍ (تقريبًا). ولا أحدٌ يعبأُ بما جرتْ في تلك المرحلةِ من الجناياتِ والقمعِ والتشريدِ على يدِ الوحشِ المتمثِِلِ في (محاكم الإستقلال)، ولا أحدٌ يفكِِرُ حتَّ في الجناياتِ التي ارتكب ات ْهاا عصابُة جيتيم Jitem الدمويَّةُ بالأمسِ في المنطقة الكرديَّةِ . لذا لا ندُ أحدًا بين مثقفِي الأكرادِ وباحثِيهم قام بضبطِ المعلوماتِ الخاصَّةِ بثورةِ الش يخ سعيدِ البالاوِيِِ بصورةٍ دقيقةٍ وبِسلوبٍ علمِيٍِ موضوعِيٍِ يشملُ تفاصيلا هذا الْدثِ العظيم . اختلفتْ الآراءُ في شخصيةِ الشيخ سعيد البالاوِيِِ؛ فئةٌ من الباحثين أطلقوا ألسن ات اهُمْ في ذكر ماثاالِبِهِ، وادَّعوا أنَّهُ كان عميلاً للانليز، ووصفوه بالخياناةِ العظمى، وبالغوا في تشنِيعِهِ ... أكثرُ هؤلاءِ عنصريُّون من الأتراكِ، واثانِيُّونا، يعبدون رموزا التاريخِ المزوَّرِ، ومنهم مانْ هو عميلٌ للنظامِ الأاتَاتُورْكِيِِ . هذه الفئةُ شرذمةٍ من عبيدِ البطونِ ي ارْتازِقُونا بِقلامِهِمْ لينالو لُقاماةا العيشِ المغموساةِ في أعراضِ كلِِ مانْ يريدُ العدلا أو يُاربا الجْوْرا . لا تتَّصِفُ مقالاتُ هؤلاءِ بِدنى شيءٍ من العلميَّةِ والموضوعيَّةِ، وإنمَّاا ت انُمُّ عن غلٍِ وضغينةٍ وحقدٍ دفينٍ وكراهيةٍ للعن صرِ الكردِيِِ، تاضُمُّ أشكالاً غريباةً من الكذِبِ والفريةِ، كما فيها قصصٌ خياليَّةٌ متضافرةً لا أساِا لها من الصحة. هناك فئةٌ أخرى، تناولوا شخصيةا الشيخ سعيد البالوِيِِ لمجرَّدِ أنْ يجعلوا منه بطلاً من أبطالِ الإسلامِ، "عبقرياًّ، عملاقًا مُن ْقاطِعا النظيِّ، افْتداى بحياتِهِ لِتكونا كلمةُ الله هي العليا!". بالغوا في إطرائِهِ و تفخيمِ شأنِهِ إلى حدودِ التقديسِ بِنَّهُ من أكابِرِ شهداء الإسلامِ ! مثل حسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. يظهر من أسلوبِ كلا الْفِئ ات اينِْ : أنَّ فريقًا منهما أفرطوا فيه بالتقبيحِ والترزيلِ؛ وفريقًا ف ارَّطُوا فيه بالاجلالِ والتعظيمِ . لكنَّه لم يكنْ طرفٌ منهما على حقٍِ في واقعِ الأمرِ . بل كان الشيخ سعيد رجلاً صوفِيًّا ن اقْشاب انْدِياًّ فااسِدا العقيداةِ، قليلا المعرفةِ بحقائِقِ الإسلامِ، عديما المعرفة بالأمورِ السياسِيَّةِ؛ ولا كانت له خبرةٌ بالظروفِ الإجتماعيَّةِ . لذا لم يستطعْ أنْ يقدِِرا الموقفا، كم ا لم يستطعْ أنْ يُُايِِزا بين مانْ كانا يخُلِصُ له، وبين مانْ يتربَّصُ به ليوقِعاهُ في حبالِ النظامِ السبطائِيِِ، ويادْف اعاهُ إلى المشنقة ! وما أدلَّ على غفلةِ هذا الرجلِ أنَّهُ سمااحا لِعادِيلِهِ الرائد قاسم أتَج (الذي كان عادُوَّهُ اللَّدُودا )، أن يصاحِبا هُ، وهو يتعرَّفُ على جميعِ أسرارِهِ وي ان ْقُلُهاا بحِاذاافِيِّهاا إلى أعدائِه. وقد كان سعيدٌ يشكُّ في أمر هذا الرجلِ من قبلُ، حتَِّ أبعداهُ من جوارِهِ . لأنه كان يُاْذارُ شارَّهُ !
عدد الصفحات ٣٨و يتعرَّفُ على جميعِ أسرارِهِ وي ان ْقُلُهاا بحِاذاافِيِّهاا إلى أعدائِه. وقد كان سعيدٌ يشكُّ في أمر هذا الرجلِ من قبلُ، حتَِّ أبعداهُ من جوارِهِ . لأنه كان يُاْذارُ شارَّهُ ! هنا يتبادر إلى الذِِهْنِ : أنَّ رجلاً صوفِيًّا خاملا الذِِهْنِ، جامدا العقلِ، لا ثقافةا له، ولم يُظا شيئًا من العلمِ بالكونِ والْياةِ، وقد أفنَ جميعا عمرِهِ في حفظِ متون الصرفِ والنحوِ والفقهِ المتجمِِدِ وخُراافِيَّاتِ شيوخِ الطريقةِ الن َّقْشاب انْدِيَّةِ، حيث تماارَّغا معهم في أوحالِ الشركِ الصوفيِِِ، يجهلُ الْقائقا التاريخيَّةا والع الماا الخارِجِيَّ واللُّغاتِ الأجنبيةا، ولم يسبق له أنْ سافرا إلى بلدٍ من بلادِ الغربِ، ولم ياطَّلِعْ على شيءٍ من حضارةِ العصر، كما يجهلا فنونا الْربِ واستراتيجياتِ القتالِ، يعيشُ في عالماٍ موهومٍ ... فما لِمِثْلِ هذا الرجل يتحمَّلُ المسؤولِيَّة ليتلاعبا بح ياةِ الملايين العُزَّلِ من الفلاَّحين ورُعااةِ المواشي الذين كانوا يعيشون في بيوت أشباه الكهوفِ؟ ما لهِاذاا الرجل ي ُعْلِنُ الْربا على دولةٍ لها جيشٌ عارمٌ مدرَّبٌ ومجُاهَّزٌ بِنواعٍ من السلاح والعتادِ؟! إنَّ الإجابةا الصحيحةا الوافيةا على هذا التساؤل – لا ريب – تكفي للكشفِ عن أسرارِ مغامراةِ الشيخ سعيدِ البالاوِيِِ بتفاصيلِهاا .
عدد الصفحات ٣٨39 فلمَّا انطلقا الشيخ سعيد بُِِيُوشِهِ المؤلَّفاةِ من الْبُساطااءِ الهمج في أمواجٍ من الفوضاى نْو مدينةِ ديار بكر يوم الثالث عشر من شهرِ فبراير سنة 0242م. دااهَاات ْهُمْ جيوشُ الن ظامِ وأنزلتْ بهِِمْ ضربةً قاصمةً، فقبضوا على الشيخ سعيد وكبارِ رجالهِ يوم 02 أبريل0242م. ق ُرْبا مدينةِ فاارْتُو Varto، ثُ نُقِلُوا إلى مدينةِ ديار بكر ومُثِلُوا أماما محكمةٍ استثنائيَّةٍ سمُِِياتْ في تلك المرحلةِ بِ "محكمةِ الإستقلالِ "، فتمَّتْ محُاكامات ُ هُمْ على عاجالٍ وبصورةٍ شكليَّةٍ وا ن ُفِِذاتْ فيهم هناك حكمُ الإعدامِ يوم 42 يونيو/حزيران 0242م. ولكي تخلوا الساحةُ لمصطفى كمال من جبهةِ المعارضةِ الكرديَّةِ بصورةٍ نِِاائِيَّةٍ، استغلَّ هذه الفرصةا فكلَّفا قادةا جيوشِ المنطقةِ الشرقِيَّةِ أن يقوموا بِعمالِ القمعِ والتنكيلِ في جميعِ أنْاءِ المنطقةِ باسمِ "تأديب الْعُصااةِ "! وذلك ب ُغْياةا كسبِ الشرعيَّةِ لأعمالِ الإجرامِ التي سوف تخوضُها ق ُوَّاتُهُ ضدَّ الأكرادِ . فبلغا إجمالي عدد القتلاى من الأكرادِ الْعُزَّلِ خلال 04 سنةً: 001 ألفا شخصٍ (تقريبًا)، وذلك في ثلاثةِ مواقعا : 0) في مدينة ديار بكر، وبِينْكُولْ، وموش، وبِتليس، وأرض الروم، ومعمورة العزيز وضواحيها عام 0242م. وكان عددُ الضحايا في هذه المناطق: 15 ألفا شخصٍ (تقريبًا). 4) في مدينة آغريAğrı وضواحيها عام0251م. وكان عددُ الضحايا في هذه المنطقة: 00 ألفا شخصٍ (تقريبًا).. 5) في مدينة دارْسِيم Dersim وضواحيها عام0251م. وكان عددُ الضحايا في هذه المنطقة: 04 ألفا شخصٍ (تقريبًا).. إنَّ ضميّا المجتمعِ الكردِيِِ تعرَّضا لأاسْرِ الشيوخِ واحتكارِهم منذ أ ياَّمِ خالد البغدادِيِِ حتََّّ اليومِ بحكمِ الدعاياتِ المتواصلةِ التي يقومُ بهِاا شبكاتٌ مجنَّدةٌ لِباثِِ شُهرتِِِم، وإضفاءِ القداسةِ عليهم، وتأليهِهِمْ بضروبٍ من المكرِ والِْيالِ، وبطريقِ غسلِ الدماغِ . لم ينجُ من تأثيِّها إلاَّ مانْ رحِما ربيِِ .
عدد الصفحات ٣٩40 فلمَّاكِدتِ الْكوماتُ الت ُّرْكِيَّةُ من هذه الْقيقةِ بعد موتِ مصطفى كمال وبخاصَّةٍ في السنين الأخيّةِ، ويائِستْ من قدرتِِا على قمع الأكرادِ وإزلالهِم بِطُرُقٍ قسريَّةٍ وبصورةٍ نِِاائيَّةٍ، اختارتْ سبيلاً أسهلا وأقربا منه إلى تَقيقِ الأهدافِ بعد كلِِ التجارُبِ ا لتي لجأتْ إليها فيما سبق، وباءت محاوالاتُِا بالفشل. كان الهدفُ هذه الْمارَّةا صهرُ الأكرادِ في البوتقةِ الت ُّرْكِيَّةِ بدلا الإقدامِ على سحقِهم – خشيةا أنْ يكلِِفاهم ذلك ثَنًا باهظًا-، وقد كانت الْكومةُ عجزتْ عن ذلك فوجدتْ ضالَّتاها المنشودةا في استغلالِ الشيوخِ، فجنَّدتْ لهذه المهمَّةِ شبكةً مؤلَّفةً من رجالِ المخابراتِ وشارِكاةً عملاقةً للن َّقْشاب انْدِيِِين الأتراكِ الفاشِيِِين، فاكافااهاا ذلك مؤنةا الخوضِ في متاهاتٍ وتضحيَّاتٍ كبيّةٍ إنْ عااداتْ إلى الأساليبِ العسكريَّةِ واستخدامِ الْعُنْفِ . فبدأت الأح زابُ السياسيَّةُ تتملَّقُ إلى الشيوخِ وتصرِفُ هََِّتاها لتعزيزِ مكانتِهم، وصارا السياسيُّون يزورونِم، ويراؤونِم بالتواضُعٍ والخشوعٍ؛ يتمسَّحون بِعتابهِم، ويركعون بين أيديهم، ويتقرَّبون إليهم بمختلف أشكال الرياءِ والمداهنة والنفاق... كلٌّ منهم يريدُ من الشيخ الذي يزوره أن يؤيِِداهُ ويأمرا مريدِيهِ بالتصويتِ لِْزبِهِ في موسم الإنتخابات. هكذا بدأتْ مرحلةٌ جديدةٌ في حياةِ شيوخ الن َّقْشاب انْدِيَّةِ بدايةً من عام 0222م. كانت مرحلةا تصالحٍُ ووِفاقٍ مع النظامِ لأوَّلِ مرَّةٍ في العهدِ الجمهورِيِِ . فاسْت اعاراتْ المنافسةُ بين الشيوخ تبعًا للمنافسةِ القائمةِ بين الأحزابِ السياسِيَّةِ . بدأتْ تجرِي الإتِِصالاتُ بكثافةٍ بين رؤساءِ الأحزابِ السياسيَّةِ وبين شيوخِ الطريقةِ الن َّقْشاب انْدِيَّةِ كلَّما اقتربا موسمُ الإنتخاباتِ الْب ارْلاماانيَّةِ في تركيا . اهتمَّ خاصَّةً من بين هؤلاءِ : رئيسُ الْزبِ الديُقراطِيِِ عدنان مندريس بشيوخِ الأكرادِ، وحصلا على دعمٍ كبيٍّ منهم . ثَُّ كانا مَِِّن استغلَّ العاطفةا الدينيَّةا في المنطقةِ الكرديَّةِ ونحا في استمالةِ قلوبِ الأكرادِ هو نم الدين أارْباكاان Necmettin Erbakan الذي خاضا في م عركةٍ خطيّةٍ ضدَّ النظامِ الكماليِِِ، فاستطاعا بدهائِهِ، وصبرِهِ، وتظاهُرِهِ للناِِ في لباِِ "الرجُلِ الْمُتادايِِنِ "، وخاصةًّ بلباقتِهِ القبوريَّةِ، استطاعا أن يكسِبا ثقةا الن َّقْشاب انْدِيِِينا في المنطقة الكرديَّةِ بقدرِ ما نالا منها في محيطِ الأتراك، وقد كان هو – في الوقت ذاتِهِ - ن اقْشاب انْدِيَّ الْماشْرابِ . كما لا شكَّ في أنَّ النجاحا الذي ناله كلٌّ من رئيسِ الوطنِ الأمِِ، ت ُ رْ غُ وتْ أوزال Turgut Özal، ورئيسِ حزبِ العدالةِ والتنميةِ، رجب
عدد الصفحات ٤٠41 طيِب أردوغانRecep Tayyip Erdoğan ، كان أيضًا وراءاهُ دعمُ الأكرادِالنقشبنديِِين بنسبةٍ عالِياةٍ . أمَّا الأكرادُ العلويُّون، فإنَِّم كانوا دائمًا عا جالاةا الْْارااكِ لْزبِ العمال الكردستانّ المتمثل في تنظيم (بي كا كا الإرهابي ). هكذا انسحبا أكرادُ تركيا سُنِِيُّوهُمْ واعالاوِيُّوهُمْ وراءا الأحزابِ السيااسِيَّةِ طوالا 01 عامًا والهويَّةُ الكرديَّةُ مكتومةٌ، والمجتمعُ الكردِيُّ مقهورٌ، والنظامُ يُاوِلُ صهراهم في البوتقةِ الت ُّرْكِيَّةِ بكلِِ حيلةٍ . استطاعا الأكرادُ أن يُافظوا على كيانِِِم ولغتِهِم طوالا قرونٍ . وقد كانت الدولةُ العثمانيَّةُ تركتْهم لشأنِِم، لم تمنعْهم من الت حديثِ بها . وكان للمدارِِ الدينيَّةِ المنتشرةِ في المنطقةِ دورٌ كبيٌّ في الْفاظِ على اللُّغةِ الكردِيَّةِ وإثرائِها. غيّ أنَّ الأمرا اختلفا بعد قيام الجمهوريَّةِ الت ُّرْكِيَّةِ . إذ أصبحتْ هذه المدارُِ غيّا قانونِيَّةٍ بعد صدورِ تشريعاتٍ جديدةٍ، منها "قانون التَّدْرِيسِ الْمُواحَّد ". إنِ المدارِا الدينيَّةا في المنطقة الكرديَّةِ – بالرغم من سلبيَّاتِِا وخطوراتِِا على اللُّغة العربيَّةِ والعقيدةِ الْنيفةِ – كانت بمِانْزِلاةِ الضمانِ لشخصيَّةِ الإنسانِ الكردِيِِ (الْمُسْلُماانِ )، ونظامِ حياتِهِ الْماحالِِيَّةِ . ذلك أنَّ الأكرادا كانوا يتحاكمون في نزاعِهِمْ وخصامِهِمْ إلى عُمادااءِ هذه المدارِِِ من الملالي والشيوخِ، ويستشيّونِم في أمورِهِم، كراهيَّةا اللجوءِ إلى المحاكمِ الرسميَّةِ وأجهزةِ الدولةِ، إلاَّ لضرورةٍ . فظلَّتْ لُغتُهم وعاداتُِم وتقاليدُهم بفضلِ هذه ال تحفُّظِ في مناعةٍ ضدَّ تأثيِّ الثقافةِ الت ُّرْكِيَّةِ . أما السلطةُ الت ُّرْكِيَّةُ، فإنَِّا كانتْ على علمٍ بذلكا رغم عاجْزِهاا عن القضاءِ على هذه المؤسَّساتِ، وهي تبحثُ عن سُبُلِ الْيلولةِ دون هذه المناعةِ بُغيةا إذابةِ الشعبِ الكردِيِِ ودمجِهِ في صفوفِ المج تمع الت ُّرْكِيِِ . إنَّ أوَّلا مان فكَّرا في صهرِ الأكرادِ والقضاءا على اللُّغاةِ الْكُرْدِيَّةِ بصورةٍ منهجيَّةٍ لا تُثِيُّ القلاقا في المنطقةِ، هو رئيسُ الْزبِ الديُقراطِيِِ ورئيسُ الوزراءِ عدنان مندريس الذي باداأا النظامُ التعادُّدِيُّ في أياَّمِهِ، وظلَّ هو في سُدَّةِ الْكمِ مدَّةا عشرِ سنين. جنَّدا مندريس شبكةً استخباراتِيَّةً لجمعِ شملِ الن َّقْشاب انْدِيِِينا في المنطقةِ الكرديَّةِ أوَّلاً، فنظَّمهم تَتا مظلَّةٍ واحدةٍ لِتاسْهُلا مراقبةُ نشاطاتِِم؛ ثُ استخدمهم في تعزيزِ مركزِهِ، واستفادا من دعمِهِم على الصعيدِ السياسِيِِ، فلمَّا ارتَحتْ له نفو ُِ الأكرادِ بواسطةِ شيوخِ الطريقة النقشبنديَّةِ أعدَّ مشروعًا
عدد الصفحات ٤١42 باسمِ"مكافحةِ الأُمِِيَّةِ "، يتبنََّ إقامةا مدارِا رسميَّةٍ تَبعةٍ لوزارةِ التعليمِ في كلِِ أنْاءِ المنطقة . فبُنِياتْ في كلِِ قريةٍ من هذه المنطقةِ مدرسةٌ ابتدائيَّةٌ لأوَّلِ مرَّةٍ في تَريخِ ا لمجتمعِ الكرديِِ . كانت المقرَّراتُ التعليميِةُ منصوصةً باللُّغة الت ُّرْكِيَّة وفقًا ل ِ "قانون التدريس المُواحَّد "، وهي اللُّغةُ الرسميَّةُ . والغريبُ في هذا الأمرِ : أنَّ الأكرادا كانوا يجهلون اللُّغةا الت ُّرْكِيَّةا قبلا ذلكا ولم يألفوها . إلاَّ أنَّ هذه المفاجأةا ما أقلقتْهم، فلم يعترضْ أحدٌ منهم على هذه المبادرةِ . والسِِرُّ يكمُنُ في الموافقةِ بين شيوخ الطريقةِ النقشبنديَّةِ وبين الشبكةِ المكلَّفاةِ مِنْ قِبالِ عدنان مندريس . ولا شكَّ في أنَّ هذه الموافقةا قد تماَّتْ وراءا أبوابٍ مغلَّقة .. إلاَّ أنَّ المشرو عا أسفرا عن نتائجا لم يتوقعْها الطرفان! فلمَّا انتهى بناءُ المدارِِ الإبتدائِيَّةِ في مُعظامِ القُرى بالمنطقةِ وبدأتْ أعمالُ التدريسِ باللُّغةِ الت ُّرْكِيَّةِ، لم يلبث حتََّّ تعلَّما الناشئةُ اللغةا الت ُّرْكِيَّةا، فاتَّساعاتْ آفاق ُهُم، وأخذوا ي ُفاكِِرون في الأمورِ بعُمْقٍ . فأسفرا ذلك عن تطوُّراتٍ سياسيَّةٍ واجتماعيَّةٍ وثقافِيَّةٍ ظهرتْ في المنطقةِ بعد فترةٍ قصيّة؛ يُكن اختصارُها فيما يلي: 0) تسرَّبتْ آلافُ كلماتٍ ت ُرْكِيَّةٍ إلى اللُّغةِ الكردِيَّةِ، فما لبثا حتَّ تشوَّهاتْ ولم ت اعُدْ صالْةً للاستعمالِ كلغةٍ أصليَّةٍ . وسادا العجزُ في التعبيِّ بهِاا، فعدلا الإنسانُ الكردِيُّ عن لغتِهِ، وصارا يتحدَّثُ باللُّغةِ الت ُّرْكِيَّةِ، فاندرستِ الكرديَّةُ في بعضِ المناطقِ بعد فترةٍ قصيّة وحلَّ محلاها اللغةُ الت ُّرْكِيَّةُ . 4) تفطَّنا قِلَّةٌ من الأكرادِ المثقَّفين لهذه ا يلةِ، فبدؤوا بِيقاظِ بنِ جِلدتِِِم لأجلِ إحياءِ اللُّغةِ الكرديَّةِ من جديد . فأدَّى ذلك إلى انتشارِ صحوةٍ في صفوفِهم . ولكنَّ السلطةا ما لبثاتْ حتَّ استعدَّتْ لخنقِ هذه الصحوةِ في مهدِها . فبدأتْ بالضغوطِ على السياسيِِين والمثقَّفين الأكرادِ بكلِِ ذريعةٍ، فاشتدَّتِ الأزمةُ إلى حدٍِ عُوقِبا كُلُّ مانْ تورَّطا فقال : "أنا كُرْدِيٌّ "، وذلك من غيّ تمييزٍ بين مواطنٍ عادِيٍ ونائبٍ في الْب ارْلاماان الت ُّرْكِيِِ من أصلٍ كردِيٍِ . وعلى سبيل المثال: حُكِما على الوزير الكردِيِِ (شرف الدين ألجيŞerafettin Elçi )بالسجنِ مدةا ثلاثةِ أعوامٍ وشهرايْن لمجرَّدِ أنَّه قال في أثناء خطابٍ له أماما الن ُّوَّاب : "أنا كُردِي"!
عدد الصفحات ٤٢