16 اللهِ وخاصَّتُهُ ، ولهم العصمةُ من الذنوبِ والخطايا، قد تبوَّؤوا أعلى المقاماتِ في الجنان، تُرجاى شفاعت ُهُم، ولا ي ُرادُّ دُعاءٌ لِمتضرِِعٍ يتوسَّلُ بِاهِهم، أو يقفُ على أعتابِ أضرحتِهم المباركة !" هذه خُلااصاةُ الطابِعِ الْعاقادِيِِ للقِطاعِ السُّنِِِِِ "الْمُتادايِِنِ " المحافِظِ في المجتمعِ الت ُّرْكِيِِ . هذا القطاعُ يهتفُ بالإسلامِ ويعتزُّ بهِ ، و أغلبُهُ يقفُ موقفا الشقيقِ الْ مُحبِِ للعربِ والمسلمين في العالماِ ، ما عدا النقشبنديِِين الأتراك، فإنَِّم (وإنْ لم نقل كلَّهم) يكرهون العربا، إلاَّ أنَّ النقشبنديِِين الأكراد لم يُ سْماعْ كارااهِي َّت ُهُمْ للعربِ والمسلمين . وقد تاشُذُّ قِلَّةٌ مِن الجيلِ الجديدِ لهذا القطاعِ في بعض المواقفِ ف ا ت ا نْ حا ازُ إلى المارقين. *** الأقلِِياةُ الكُرْدِيَّةُ إنِ مسألةا أصل الأكرادِ وتَريخاهم معضلةٌ خاضا فيها عشراتٌ المؤرِخين والباحثين منذُ قرونٍ، بدايةً من هيّودوتس وزنيفون وانتهاءً باِلْعاالمِِ الأنثروبولوجِ يِِ الأميّكِيِِ هنري فيلد Henry Field، والباحثِ المترجم ب . حاجي عبدِي ليّخ5، فلم يخرجْ من هذه المُعضلةِ أحدٌ منهم بالقولِ الفصل . بل اختلفوا في إثباتِ أصلِ الأكرادِ اختلافًا لم يتَّفِقْ حتََّّ اثنانِ منهم على رأيٍ واحد . هذا، بالإضافةِ إلى أنَّ هناكا قلقٌ ينتابُ رجالا العلمِ والباحثين، ويجعلُهم يتجنَّبون عن تناولِ هذه القضيةِ مُافةا اعتداءٍ ينالهُُمْ من بعضِ تيَّاراتٍ إرهابيَّةٍ تنتحلُ صفةا الدفاعِ عن القوميَّةِ الكرديَّةِ، كما حدثا مع الباحثِ الكردِيِِ العراقِيِِ الدكتور عمر ميّان ! لذا، لا مساغا للإدلاءِ بقولٍ – تَت الظروفِ الراهنةِ - في هذه المسألةِ ! والأكراد، مهما تواراى تَريخُهم بالغموضِ، فإنَِّم اليوما من أهمِِ القوميَّاتِ القاطنةِ في غربِ آسيا وشمالِ الشرقِ الأوسطِ . يعيشونا في منطقةٍ تُسمَّى "كُرْدِسْتاان"، وهي موزَّعاةٌ على الأراضي الت ُّرْكِيَّةِ والإيرانيَّةِ والعراقِيَّةِ والسوريَّةِ . يبلغُ عددُهم اليوما في تركيا 45 مليون نسمة، وفي العراقِ قرابةا 01 ملايين، وفي سور 2 ملايين، وفي إيران 01 ملايين، وفي ألمانيا مليونان، ولهم جالياتٌ في بلادٍ أخرى. 5 راجع: "دراساتٌ حولا الاكرادِ واسلافِ هِ مْ الخالديِِ ين الشماليِِ ين". مكتبة خانّ دمشق- 0222م.
عدد الصفحات ١٦17 هذا التشتُّتُ السائِدُ على المنطقة الكرديَّةِ أسفرتْ عنه مشاكِلُ سياسيَّةٌ واجتماعيةٌ مُعقَّداةٌ يعانّ منها الأكرادُ في هذه الدول الأربع خاصَّةً منذ قرنٍ تقريبًا. لا شكَّ في أنْ الْكوماتِ الغربيةا هي التي قامت بتقسيما المنطقةِ بعد الْربا العالميَّةِ الأولى على هذا الشكلِ المشوَّةِ بهدفٍ مقصودٍ، تمهيدًا لإثارةِ خلافاتٍ واضطراباتٍ وصراعاتٍ وحروبٍ وثوراتٍ يعمُّ الساحةا بعداها الفوضاى (في الموعد المت َّفاقِ عليه !)، بُغيةا استغلالهِا واستعمارِها على حسابِ سُكَّانِِا ! هذه المنطقةُ هي الموطنُ الأصلِيُّ للأكرادِ، كانوا يسكنونِاا مع الفُرِِ والأرمانِ قبلا أنْ يُتلَّها العربُ المسلمون في عهدِ عمر بن الخطَّابِ . ثَُّ دخلها السلاجقةُ الأتراكُ (الْ مُسْلُماانُ ) بعدا فتحِ مالاازْكِيّْد عام 0100م. يُلاحظُ أنَّ هذه المنطقةا كانت ساحةا نزاعٍ بين الساسانيِِين والبيزنطيِِين قبل الإسلام . ثَُّ ضمَّها الإمبراطوريَّةُ الإسلامِيَّةُ، فاعتنقا أهلُها الْمُسلُمانِيَّةا (مع الفُرِِْ )، بخلافِ الأرمنِ والصابئةِ وا لأقلِِياتِ المسيحيَّةِ من السريانِ والآشورِ والكلدان . لأنَّ الأكرادا كانوا مجوسًا زرادشتِيِِين مِنْ أهلِ الْفُرِِْ، فاختاروا الْمُسلُمانِيَّةا (بادالا الإسلامِ ) بالانسياقِ معهم . لذا ذهب بعضُ المؤرِِخين إلى أنَّ الأكرادا كانوا قديًُا جالياتٍ من المجتمع الفا رسِيِِ . مارِا الأكرادُ حرِي اتاهم بالقدر الذي كان يتمتَّعُ بها العربُ والترُّكُ والبربرُ وسائِرُ القوميَّاتِ العرقيَّةِ والدينيَّةِ على ماداى حُكمِ الأمويِِين والعبَّاسِيِِين والسلاجقةِ والعثمانيِِين إلى أواخرِ أياِمِ الدولةِ العثمانِيَّةِ . إذ لم يكنْ ثُاَّ إحساٌِ بالقوميَّةِ في كلِِ تلك المراحلِ، ولم ي انْبِضْ بعدُ في قلبِ أحدٍ شعورٌ بالتمييزِ العنصرِيِِ . بل كانتْ الهُوِيَّةُ الإسلامِيَّةُ (المشوَّهاةُ ) هي القاسِما المشتركا عمومًا بين أفرادِ الأمَّةِ تماشيًا (بحكم التقليدِ ) مع قوله تعالى. "إِنمَّاا الْمُؤْ مِنُونا إِخْواةٌ "6 بدأتْ المشكلةُ الكرديَّةُ تتناماى مع بدايةِ انِيارِ الدولةِ العثمانيَّةِ، ولها أسبابٌ يأتي على رأسِها دبيبُ الشعورِ بالقوميَّةِ بين الجماعاتِ العرقِيَّةِ، وانتشارُ هذا الشعورِ بين أعيانِ الأكرادِ خاصَّةً في تلكا المرحلة . ولكنَّ الأزمةا الكرديَّةا إنمَّا تفاقمتْ وازدادتْ حِدَّةً تَت الظروف التي أفرزتِْا الْربُ العالمِيَّةُ الأولى. ذلك أنَّ الدولةا العثمانيَّةا لمَّا تعرَّضتْ لْملاتِ التدميِّ في هذه الْربِ من قِبالِ الدولِ 6 الْجرات/01
عدد الصفحات ١٧18 الأوروبيَّةِ بالتعاون مع روسيا اتِِباعًا لسياسةِ"فرِقْ تاسُدْ "، وتَاَّ تقسيمُ أراضِيها بشكلٍ غيِّ طبيعِيٍِ، أدَّى ذلك إلى تجزئاةِ بعضِ أقاليمِها التي كان كُلٌّ منها أصلاً منطقةً واحدةً متكامِلةً ذاتا خصوصيَّاتٍ جغرافِيَّةِ وديُوغرافِيَّةٍ واجتماعيَّةٍ متجانسة. كانت المنطقةُ الكرديِةُ من أبرزِ هذه الأقاليمِ . ولامَّا أُقِ يماتْ حدودٌ عفويَّةٌ بين أجزاءِ هذه المنطقةِ من قِبالِ المُحت الِِينا الغربيِِين، وغدى سُكَّانُ كُلِِ جُزءٍ منها أجنبيًّا عن الأجزاءِ المفصولةِ من الوطنِ الواحدِ قديًُا، أسفرا هذا التمزيقُ والتشتيتُ عن مشاكلا سياسيَّةٍ معقَّدةٍ، كما كانتْ لها نتائجُ متناقضةٌ متعدِِدةُ الوجوه. من أهمِِ نتائجِ هذا التشتيتِ والتمزيقِ : أنَّ الأكرادا استيقظوا من سُبااتِِِمِ العميقِ بعد قرونٍ، وأحسُّوا ربما لأوَّلِ مرَّةٍ بالْاجةِ إلى ما لا بدَّ منه من مُقاوِِماتٍ لتكوينِ مجتماعٍ يستحقُّ أنْ يتمتَّعا باستقلاليَّةٍ في إطارِ ثقافةٍ مشتركةٍ على أرضِ وطنٍ مواحَّد . لكنَّ هذه الصحوةا حدثتْ بعد فواتِ الأوان . لأنَّ ماضِياهم الغامضا اعترضا سبيلاهم وأحبطا جهوداهم التي بذلوها لتوحيدِ صفوفِهم ونيلِ حرِِياتِم ! اشتدَّتْ معاناةُ الأكرادِ وهم يناضلون لأجلِ الْصولِ على استقلالهِم، فاصطدموا بخيباةِ الأملِ وباءتْ جهودُهم بالفشلِ كلَّما حاولوا لِكايْ يجدوا لأنفسِهمِ مُعْتامادًا تَريخيًّا (كآثارِ دولةٍ أقاموها، أو حضارةٍ صنعوها، أو مكتباتٍ ملئوها بمؤلَّفلتِهم وبحوثِهم ودراساتِِِم ). إلاَّ أنَِّم خرجوا بعد كلِِ محاولةٍ صفرا اليدين، فلم يعثروا على شيءٍ من هذهِ الركائزِ (ليتمكَّنوا من بناءِ دعواهم عليها )، غيّا الدولةِ الأيُّوبيَّةِ . إلاَّ أنَّ هذا الإدِِعاءا يُتاجُ إلى نقاشٍ ودراسةٍ علميَّةٍ يتَّفقُ على نتائجِها هيئاتٌ مؤلَّفةٌ من أهلِ الإختصاصِ، بقرارٍ حاسمٍ . من الْقائق التي لا شكَّ فيها : أنَّ الظر وفا الجغرافِيَّةا والمناخيَّةا لها تأثيٌّ بالِغٌ في تغييِّ طبائع الإنسانِ، وتَديدِ قدراتِهِ وكفاءاتِهِ، وإنتاجِهِ ... يتبلورُ الواقعُ في هذا الأمرِ بعدا مقارنةٍ بين شخصين يعيشُ أحدُهَُا في منطقةٍ فسيحةٍ سهلةِ المسالِكِ، لاا ت اراى فِيهاا عِواجًا والاا أامْتً ا، يسودُهاا مناخٌ معتدِلٌ؛ والآخرُ يعيشُ في منطقةٍ جبليَّةٍ وعرةِ المسالِكِ، يسودُهاا مناخٌ باردٌ . فالأوَّلُ يتمتَّعُ بسهولةِ الإمكانِ في التحكُّمِ على ما يُلِكُهُ من أرضٍ، أو آلةٍ، أو حياوانٍ .. لأنَّ الأرضا السهلةا الممتدَّةا، والمناخا الدافئا المعتدِلا ي سمحانِ له بالعملِ الدؤوبِ، وهو مستفيدٌ من الظروفِ الْمُتااحاةِ له بفضلِ هذين العاملينِ، فيحظاى من العطاءِ على حسبِ خبرتِهِ وكدِِهِ وجهودِهِ، وماقْداراتِهِ المالِيَّةِ، فيعيشُ مُراف َّهًا في الأغلب .
عدد الصفحات ١٨19 أمِا الآخر؛ فإنَّه مهما كانا عازِمًا وجادًّا وذ ا خبرةٍ في استثمارِ الأرضِ والمالِ، تعترضُ سبيلاهُ تِلْكُماا العقبتانِ أينما يتوجَّه: وُعُوراةُ الأرضِ، والسَّقاعُ . اصطدما الإنسانُ الكردِيُّ بهاتين العقبتين، فكانتا مصيبتين عليه في كُلِِ حياتِهِ طوالا القرونِ . حاباساهُ الشتاءُ القارُِِ في سفوحِ الجبالِ الشامُاتِ، وكبَّله البردُ في الوديانِ العميقةِ، هطلتْ عليهِ الثلوجُ والأمطارُ، ولدغتْهُ الهوامُّ، وجرفتِ السيولُ كُوخاهُ ومواشِياهُ . هكذا هجمتْ عليهِ الأرضُ والسماءُ طوالا عمرِهِ . لكنَّه مع كلِِ ذلك لم يبخلْ بما لديه في إسعافِ مانْ نزلاتْ به نائبةٌ من نوائ بِ الزمانِ . كان الإنسانُ الكردِيُّ دائمًا سخيًّا، كريًُا، مستجيًّا لمن احتماى به، مطيعًا لكبيِّهِ، شفيقًا على صغيِّهِ، رحيمًا بالمنكوبِ والمحتاجِ .. إلاَّ أنَّه أهَلا نفساهُ وحرَّمها عادةً من القراءاةِ والكتاباةِ طوالا قرونٍ . لعلَّ الجبالا والوديانا والجليدا والثلوجا حالتْ بيناهُ وبين عاالماِ المعرفةِ، فتركتْه يتسلَّى بالأساطيِّ والخرافِيَّاتِ، وقصص الكراماتِ المزعومةِ بغرضِ الدعايةِ للشيوخ النقشبنديِِين الذين عاشوا ولا يزالون يعيشون على حسابِهِ، يستغلُّونه في بثِِ أباطيلهم وتوسيعِ نطاقِ شُهرتِِِم، مع ذلك يس تخِفُّونا به، ويتهاونون بكرامتِهِ . هذا، وليس من القليلِ ما يجرِ ي على لسانِ كثيٍّ من شيوخِ النقشبنديَّ ةِ من ألفاظٍ نابيةٍ يعبرِِ ون بها عن كراهيَّ تِ هِ مْ واحتقارِهِم للأكرادِ رغم أنَّ أكثراهم أيضًا من أصولٍ كرديَّةٍ ! يصفون الأكرادا بالجهل والْماقةِ، يتناجونا بنحو ذلك في مجالسهم الخاصَّ ةِ المغلَّ قةِ على مريديِ هم، كقولهم (باللُّ غا ةِ الكرديَّ ةِ ): "كُورْماانْج ﭘِيسِ ن"، يعنِ: "الأكرادُ أقذارٌ "، "كُورْماانْج دِزِِ نْ "، يعنِ: "الأكراد لصوصٌ ". ولكنَّ ملايينا الأكرادِ الغافلين عن هذه الفرياةِ مازالوا يتواضعونا لهؤلاءِ الشيوخِ، واي ُعاظِِمُون اهُمْ، بل ويعبدونِم، ويشركونِم مع الله !7. 7 للأكرادِ النقشبنديِِين الفاظٌ غريبةٌ على الإسلامِ، يخاطبون بها شيُوخاهُمْ على سبيلِ الإحترامِ والتوقيِّ لهم، كقولهم : "ق ُرْباان". وهي في اللغةِ الكرديِةِ بمعنَ (الأضحيِة). يعنِ القائلُ بذلك: "أنا فداكا ". يُكثِرُ المريدُ الكردِيُّ من هذا اللفظِ في أثناءِ تخ اطُبِهِ مع شيخه. وقولهم: "أزْ قُربااناا لِنْﮕِي تمااه"، معناه: "أنا فِداءٌ لِقادامِكا ". وقولهم: "أزْ ﭘِي تاه را ادْ مُ وسِمْ "، أي "أُق ابِِلُ رِجْلاكا ". وقولهم: "أزْ كالْبِ دارْ ﮔااهِ تمااه"، أي "أنا كلبٌ بِبابِكا ". وقولهم: "ماالاا مِنْ ت اوْلاا هاسْبِ ت اياها "، أي "منزِلي حظيّةُ خيلِكا ". ولهم ألفاظٌ خطيّةٌ يُطلِقونِا للقاسامِ بالشيوخ . وهي لا شكَّ من الإفراطِ في جنبِ اللهِ، والإشراكِ به دونه خرطُ القتاد!. يقولون في قاسامِهِم: "بِسارِي شيخْ "، أي "أُقسِمُ برأِِ الشيخ ". وقولهم: "بُِِوجااخاا شيخ"، أي "أقسمُ بمِدْفائِ ةِ الشيخ". وقولهم: "بِِادِِي شيخ"، أي "أقسم بآباءِ الشيخ". وقولهم: "بمِارقاداا شيخ"، أي "أقسمُ بضريح الشيخ"...
عدد الصفحات ١٩20 إنَّ هذا القدرا البالغا من التَّخالُّفِ في العقليَّةِ والعقيدةِ أوقع الأكرادا في حبالِ تنظيماتٍ خطيّةٍ تلعبُ بهم وتستغلُّهم في أغراضِها وهي ثلاثُ شبكاتٍ رئيسةٍ : شبكةُ شيوخِ الطريقةِ النقشبنديَّةِ وآغاواتِ العشائرِ؛ وشبكةُ الأحزابِ السياسيَّةِ؛ وشبكةُ التيَّاراتِ الإرهابيَّةِ والمافيا . إنَّ المنطقةا الكرديِةا رهينةٌ - منذ قرن - في يدِ هذه الشبكاتِ المتواطئاةِ فيم ا بينها، خاصَّةً وأنَّ الْمُجْتاماعا الكُرْدِيَّ في تركيا ي ُعادُّ متاعًا ثَينًا في سوقِ هذه الشبكاتِ الثلاثِ، يتَّجِرُ به السياسيُّونا، وشيوخُ النقشبنديَّةِ، والتيَّاراتُ الإرهابِيَّةُ . يتفاوضون على استغلالِهِ من وراءِ أبوابٍ مغلَّقةٍ، فضلاً عمَّا يتعرَّضُ له الأكرادُ من الضغوطِ والسحقِ والتعذيبِ على يدِ الفاشيِِين المنتحلين للقوميَّةِ الت ُّرْكِيَّةِ الذين لهم أيضًا شبكاتٌ سرِِيَّةٌ في قلب الدولة الت ُّرْكِيَّةِ . أمَّا استغلالُ شيوخِ النقشبنديَّةِ للأكرادِ، فإنَّ له قصَّةٌ لا يسعُ المقامُ لشرحِها . وهي باختصارِ شديد: أنَّ الأكرادا دخلوا في أسرِ الطريقةِ النقشبنديَّةِ بعد عودةِ خالِدِ البغداديِِ من الديارِ الهنديَّةِ عام 0100م. وهو رجلٌ كردِيٌّ من ضواحي مدينة السليمانيَّةِ العراقِيَّةِ . له قصَّةٌ طويلةٌ وشخصيَّةٌ غريبةٌ 8، يقول الشيخ معروفُ الب ارْزانِْيُّ عنه : "إنَّ الأكرادا كلَّ هم قد اتَّ بعوه. وملأا ببدعتِ هِ الآفاقا ، و إنَّ ه يدَّ عِ ي التصرُّ فا في الكائناتِ ، ويدَّ عِ ي علما الغيبِ ، و إنَّ ه ذهبا إلى الهِ نْ دِ فتعلَّ ما من السحرةِ الجُ وكِ يَّ ةِ ومِ نْ نصارا ى الإنليز دينًا ظهرا عندهم!"9 كان خالدٌ البغدادِيُّ قد عقدا العزما على دحرِ شيوخِ الطريقةِ القادريَّةِ من الساحةِ لما يراهم حجرا عاث ْراةٍ في طريقه، وحتَّ لا ينافساهُ أحدٌ في زعامةِ الصوفيَّةِ وهو يُلك الْجةا (في مُصْطالحِهِمْ ) كما كان يدَّعِي "أنَّهُ يُملُ إجازاتٍ لِعِدَّةِ طرائقا، منها القادرية !". ومعنَ ذلك : " أنَّهُ ماداما يتمتَّعُ بمنصبِ المشيخةِ لقبولِ المريدين إلى الطريقةِ القادريَّةِ بِانب الطريقة النقشبنديَّةِ في الوقتِ ذاتهِ، فالناُِ إذنْ ليسوا في حاجةٍ إلى شيوخِ القادريَّةِ !" فتصدَّى بنفسِهِ للضغطِ على الأسرةِ الْب ارْزانِْيَّةِ التي كانت زعامةُ الفرقةِ القادريَّةِ بِيادِهاا في الساحةِ العراقِيَّةِ (طوال النصف الثانّ من القرن الثامن عشر الميلادي)، كما وجد خالدٌ ضالَّتاهُ المنشودةا في رجلٍ اسمه طه النهرِيًّ، فااسْتاماالاهُ بدهائِهِ، و ق ارَّباهُ إليه لِ ياسْتاخْدِماهُ 8 لمزيد من المعرفة حول هذا التيِارِ الصوفيِِِ الخطيّ، راجع : "فريد صلاح الهاشمي، الطريقة النقشبندية بين ماضيها وحاضرِها"، النسخة الألكترونية المجَّانيَّة (على الشبكة العنكبوتية). 9 محمِد أمين السويدي،"دفع الظلوم عن الوقوع في عرض هذا المظلوم " (ديباجة)؛ مكتبة السليمانية، خزانة أسعد افندي رقم/0212 .إسطنبول.
عدد الصفحات ٢٠21 في بسطِ هيمنتِهِ، طمعًا في احتواءِ الجماهيّ الملتفَّةِ حوله بشمالِ المنطقةِ الكردِيَّةِ ، وحتَّ لا يطغى طه بِشُهْراتِهِ الواسعةِ عليه!. فلابدَّ هنا من التعريف بشخصية خالد ال بغدادِيِِ كرجلٍ من مشاهيّ الأكرادِ، وذكرِ شيءٍ من مُغاامارااتِهِ ونشاطااتِهِ ومعتقداتِهِ وتأثيّاتِهِ على المرحلة التي عاش فيها. خالدُ البغداديُّ من أواخرِ مشاهيِّ الروحانيِِين للطريقةِ النقشبنديَّةِ . وُلدا في قصبةِ (قره طاغ ) بضواحِي مدينةِ زُور الواقعةِ شمالا بغداد سنة 0001م. كُرْدِيُّ الأصلِ، ينتمي إلى العشيّةِ الميكائيليَّةِ . درِ اللغةا العربيَّةا والعلوما الإسلاميَّةا وعددًا من العلوم العقليَّةِ، تعلَّما اللغةا الفارسيَّةا، بدأ يُدارِِبٌ نفساهُ على المناظرةِ منذ كان مراهقًا، استعدادًا لمناقشةِ العلماءِ، وحبًّا للمغالبةِ والظهورِ، إذ نشأا في عصرٍ تتلاطمُ فيه الأفكارُ وتشتعلُ فيه الْروبُ بين العقلياتِ والاتجَّاهاتِ والمذاهبِ والطوائفِ الدينيَّةِ والعرقيَّةِ، والأمَّةُ في حيصا بيصا ... فوسوستْ له نفسُهُ الطَّمُوحاةُ أن يغيبا عن وطنِهِ فترةً من الزمن حتَّ يأتيِا بفكرةٍ جديدةٍ ليتمكَّنا بسحرِهاا من الاستحواذِ على النفوِِ، ومن الُْظْواةِ والشهرةِ والمكانةِ عند الناِ. يقصُّ خالدٌ حكايةً تُنبئُ عن هذه الخطراتِ التي كانتْ تتراقصُ في ذهنِهِ . يبدو في كلِِ كلمةٍ منها أنَّه نسجا بعضاها في الخيالِ بمنتهى الإتقانِ والابداعِ . وقد يكونُ صادقًا في بعضِهاا الذي يفضحُ عقيداتاهُ ويرمزُ -في الوقت ذاته- إلى سببِ رحلتِهِ إلى الهند أنَِّا كانت مُناسَّقاةً من ذي قبلٍ . يقول: "وكنتُ أفتِش على أحد من الصالْين10 لأتك ببعضِ نصائِ حِ هِ لعلِِ ي أعمل بها كل حينٍ، فلقيتُ شيخًا يُنيًّا متريِِ ضًا عالمًا عامِ لاً صاحبا استقامةٍ وارتضاءٍ ، فاستنصحتُهُ استنصاحا الجاهلِ المقصِِ رِ من العالمِ المتبصِِ ر فنصحنِِ بِمورٍ منها: "لا تبادرْ في مكَّ ةا بالإنكارِ على ما ترا ى ظاهرا هُ يخالفُ الشريعةا 11 .فلما وصلتُ إلى الْرا مِ وأنا مُ صِ رٌّ على العملِ بتلكا النصيحةِ البديعةِ ، بكَّ رْ تُ يوما الجمعةِ إلى الْرم لأكونا 10 إنَّ الصالْين في الْقيقة: هم الذين صا لُ حا تْ المعاملا ةُ بينهم وبين اللهِ وبين الناِ، على قدر الإمكان، فتعلَّ موا ما أمر اللهُ بِ ت ا عا لُّ مِ هِ وعملوا به، ودعوا إليه وصبروا على طريق الْق، فالذي ت ا عا لَّ ما ما أمر اللهُ بِ ت ا عا لُّ مِ هِ ثُ عمل به في خاصَّ ةِ نفسِ هِ ، ثُ دعا إليه ثُ صبر على ما يلقاه من الأذى في سبيله، هذا هو الصالح. وهم أولياء الله، وقد قال الله تعالى: {أالاا إِنَّ أاوْلِيااءا اللهِ لاا خاوْفٌ عالايْهِمْ والاا هُمْ يُاْزانُونا * الَّذِينا آمانُوا واكاانُوا ي ات َّقُونا * لهاُمُ الْبُشْراى فيِ الْْايااةِ الدُّن ْياا وافيِ الآْخِراةِ }[يونس: 04 - 02] .وأمَّا عند الصوفيةِ: فإنَّ الأولياءا هم شخصياتٌ عظامٌ لهم بِِ شديد، لا تبلغ العُقولُ إلى الاحاطةِ بهم لعلوِِ مقاماتِم، ي ا رْ زُ قُ ون ويُُْ يُ ون ويُُِ يتُ ون ويُ دا بِِ رُ ون الخْا لْ قا ما عا اللهِ ! وهذا هو معتقادُ خالد البغدادِيِِ، وقصدُهُ من الصالْين . يدلُّ على ذلك كثيٌّ من كلماتِهِ، تجدهُ إن تتب َّعْتا رسائلاهُ . 11 هذه المقولةُ مردوداةٌ على صاحبها، وهي ضربٌ من الهذيان وباب من التضليل، إذ لا حجيةا ولا مبرِِرا لها من الكتابِ والسنة؛ كما فيه ا تسهيلٌ بل تشجيعٌ لكلِِ مانْ تُساوِِلُ له نفسُهُ أنْ يتَّبِعا هواهُ متَّ شاءا، فيقعا في الْرامِ ثَُّ يدَّعِيا "أنَّ فعلاهُ موافِقٌ للشرعِ أصلاً وإن كان يبدو محظورًا "، فكيفا إذنْ يُكن الضبطُ إذا تطوَّرا الأمرُ وتفاقما بهذه الذريعة؟ ! ولا شكَّ في أنَّ معظما البدعِ والشركيَّاتِ إنما تسرَّبتْ إلى عقائد المسلمين بهذه الطريقة .
عدد الصفحات ٢١22 كمن قرَّبا بدنةً من النعم، فجلستُ إلى الكعبةِ الشريفة لأقرأ الدلائل12، إذ رأيتُ رجلاً ذا لْيةٍ سوداءا عليه زا يُّ العوامِِ قد أسندا ظهرا هُ إلى الشاذروانِ ووجْ هُ هُ إلىَّ من غيّ حائلٍ فحدَّث اتْنِِ نفسي أنَّ هذا الرجلا لا يتأدَّ بُ مع الكعبةِ ولم أُ ظهِ رْ عيبا هُ فقال لي: أما عرفتا أنَّ حُ رْ ما ةا المؤمنِ عند اللهِ أعظمُ من حُ رْ ما ةِ الكعبة! فلماذا تعترِ ضُ على استدبارِ ي الكعبةا وتوجُّ هِ ي إليك؟ أما سمعتا نصيحةا ما نْ في المدينةِ وتأكيدا هُ عليك؟! فلم أا شُ كَّ أنَّ هُ من أكابرِ الأولياءِ وقد تست َّ را بِمثالِ هذه الأطوارِ عن الخلقِ ، فانكببتُ على يديهِ وسألتُ هُ العفوا ، وأنْ ي ُ رْ شِ دا نِّ بدلالتِ هِ إلى الْقِِ ، فقال لي: ف ُ تُ وحُ كا لا يكون في هذه الدِِ ياا رِ . وأشارا إلى الديار الهنديَّ ةِ ، وقال : تأتيكا إشارةٌ من هناكا فيكونُ ف ُ تُ وحُ كا في تلك الأقطار. فأيستُ من تَصيلِ شيخٍ في الْرمين يرشدنّ إلى المرامِ ، ورجعتُ بعد قضاءِ النسكِ إلى الشام"13 سافر خالدٌ إلى الهندِ عام0140م. وله يومئذ 54 عامًا من العمر. قام بهذه المغامرةِ بدون سببٍ ملحٍِ . كانت رحلتُهُ -في الْقيقةِ - مغامرةً مليئةً باِلأخطارِ، لأنَّه سلكا طريقًا طويلةً في الغاية، مهدَّداةً باللُّصوصِ وقُطَّاعِ الطُّرُقِ والمجرمين . وصل الهندا بعد 0 أشهرٍ قضاها في السفرِ بشقِِ النفسِ، وأقاما عامًا في هذا البلد، لا يعلمُ أحدٌ إلى اليومِ ماذا عملا خالدٌ هناكا طوالا هذه الفترةِ، وابمِانْ كان هو يتَّصلُ، وما هو مصدرُ العونِ والدعمِ الذي استمدَّ منه – بعد عودتِهِ - تلك المقدرةا التي تغلَّبا بها على كُلِِ مانْ عااراضاهُ ! مازالتْ الإجابةُ على هذه التساؤلاتِ وغيِّها طيَّ الكتمانِ، كما ظلَّتْ علاقاتُهُ مع الأشخاصِ والجمعياتِ والمنظَّماتِ هناك، وأسرارٌ رحلتِهِ مجهولةً حتََّّ هذه الساعةِ . ومَِِّا يدلُّ على أنَّ رحلتاهُ كانتْ مُب ارْمجااةً بالتنسيقِ مع أشخاصٍ أو منظماتٍ في الهندِ : مجيئُ رجلٍ من تلك الديارِ والتقاؤُهَُاا في السليمانيةِ . يقصُّ الناقلُ عن هذا اللقاءِ فيقول : وكان (أي خالدٌ ) متشوِِ قًا بعد رجوعِ هِ من الشامِ إلى مرشدٍ من فحولِ الرجالِ حتََّّ جاءا إلى السليمانيةِ رجلٌ هنديٌّ يُ سا مَّ ى 12 يشيّ إلى كتاب (دلائل الخيّات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النب المختار) وهو كتاب من تأليف محمد بن سليمان الجزولي المتوفى سنة 101 ه ، جمع فيه صِي ا غً ا من الصلاة على النب صلى الله عليه وسلم، ي ُ عا دُّ من أشهرِ كُ تُ بِ الأذكارِ بين أهلِ البِداعِ، مَِّ ا جعله محطَّ اهتمامِ كثيٍّ من جاهالةِ النُّسَّاكِ ، خاصةً الصوفية منهم، فجعلوه جزءاً من أورادهم التي يقرأونِا صباحاً ومساءً . وقد أفتَّ غيُّ واحدٍ من علماءِ الإسلامِ : أنِ القراءةا في هذا الكتابِ بدعةٌ لما فيه من شركيَّ اتٍ وتوسُّ لاتٍ بِ دعِ يَّ ةٍ وصلواتٍ غيِّ جائزةٍ ومكلَّ فا ةٍ . وإليك نصِ فتوى لِعلماء الخرمين، فيه إجابةٌ على سؤالٍ، تقول اللَّجنةُ : "إذا كان الواقع ما ذكرتا من اشتمالِ أورادِ وأحزابِ هذا الكتابِ على التوسلِ بالنب صلى الله عليه وسلم والاستشفاعِ به إلى اللهِ تعالى في قضاءِ حاجتِ هِ ، فلا تجوز لك القراءة فيه؛ لِ قولهِ تعالى: {قُلْ للهِ الشَّ فا اعا ةُ جماِ يعً ا} وقولِهِ تعالى: {مانْ ذاا الَّذِي ياشْفاعُ عِنْداهُ إِلاَّ بِِِذْنِه }[البقرة: 422]؛ وقولِ هِ : {أامِ اتخَّاذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفاعااءا قُلْ أاوالاوْ كاانُوا لاا يُاْلِكُونا شاي ْئًا والاا ي اعْقِلُونا * قُلْ للهِ الشَّفااعاةُ جماِيعًا لاهُ مُلْكُ السَّمااوااتِ واالأْارْضِ ثَُُّ إِلايْهِ ت ُرْجاعُونا }[الزمر: 25،22 .
عدد الصفحات ٢٢ْ أاوالاوْ كاانُوا لاا يُاْلِكُونا شاي ْئًا والاا ي اعْقِلُونا * قُلْ للهِ الشَّفااعاةُ جماِيعًا لاهُ مُلْكُ السَّمااوااتِ واالأْارْضِ ثَُُّ إِلايْهِ ت ُرْجاعُونا }[الزمر: 25،22 .]وفي التمسكِ بكتابِ اللهِ تعالى وتلاوتِ هِ وبالأذكارِ النبويَّ ةِ الصحيحةِ غُ ن ْ يا ةٌ لك عن قراءةِ الأورادِ والأحزابِ التي بكتاب (دلائل الخيّات) وأشباهِ ها ا وهي كثيّةٌ تجدها في كتاب (رياضِ الصالْين) وكتاب (الأذكارِ الن َّ وا وِ يَّ ةِ ) كِ لاا هَا للإمام النووي، وكتابِ (الكلم الطيب) لابن تيمية، و(الوابل الصيب) للعلاَّ مة ابن القيم رحْة الله على الجميع، وغيّها من كتب أهل السنَّ ةِ . وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد, وآله وصحبه وسلم. اللَّ جنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. رقم الفتوى: 1102" 13 يفتضح خالدٌ بهذه الكلماتِ التي تدلُّ دلالةً واضحةً لا تدع مجالاً للشكِِ في أنِ هذه القصَّةا كذبٌ محضٌ قد اخْت الاقاهاا من تلقا ءِ نفسِهِ وهو يعزو عبرا كلماتِهِ علما الغيبِ إلى "رجلٍ ذي لْيةٍ سوداءا عليه زيُّ العوامِِ ...إلخ"، كل هذه العبارات التي صاغها في خيالِهِ إنما تدلُّ على امراضٍ نفسِيَّةٍ خطيّةٍ ابتلى بها خالدٌ .
عدد الصفحات ٢٢23 »مِرْزاا رحيم الله بِكْ « المعروف بمحمد درويش العظيم آبادي.14 أحد خلفاءِ (غُ لاا مْ علي عبد الله الدهلويِِ )، فاجتمعا به وعرضا عليه مطلبا هُ . فقال له: »إن لي شيخًا كاملاً مرشدًا عالمًا عارفًا بمنازلِ السائرين إلى ملكِ الملوكِ ، خبيًّا بدقائقِ الإرشادِ والسلوكِ ، نقشبنديَّ الطريقةِ ، محمديَّ الأخلاقِ ، عا لا مًا في علمِ الْقيقةِ . فاسِرْ ما عِ يا حتََّّ نرحلا إلى خدمتِ هِ في جِ ها انْ آباا دْ ، وقد سمعتُ منه إشارةً بوصولِ مثلكا ثُ إلى المراد«.15 هنا يتبادر إلى الذهن سؤال آخر. وهو أنَّ غُ لاا مْ علي عبد الله الدهلويِِ كيف عالِما بوجودِ خالدٍ (وهو في الهند، وخالدٌ في العراق؟!) حتََّّ "أشارا بوصولِ هِ "، كما نفهم من كلام رسولِ هِ مرزا رحيم الله بِ كْ . لا شكَّ في أنَّ هناكا حقائقُ ما زالتْ متخفِِياةً وراءا هذه الكلماتِ، سوفا تظهر أسرارُ هذا اللُّغزِ إلى العيانِ إن شاء اللهُ تعالى يومًا من الأياَّم. فللَّهِ تدبيٌّ يغنِ عن الِْيالِ ! *** فلمَّا عادا خالدٌ إلى السليمانيَّةِ استطاعا أن يكاوِِنا حولاهُ درعًا من البشرِ بسرعةِ البرقِ، مَِِّا يبرهن على أنَّه لما ي ُت ْراكْ وحيدًا بعد عودتِهِ، بل كان يُسنِدُ ظهراهُ إلى قوَّةٍ عملاقةٍ ذاتِ بٍِِ شديدٍ لم يُكْشا فْ عنها بعدُ ! سرعان ما بدأ خالدٌ بدعوتِهِ، ونحا في تبشيِّ عقيدتِهِ التي جاءا بها من الديارِ الهنديَّةِ، فانتشرتْ على مُستواى المملكةِ العثمانيَّةِ في مدَّةٍ وجيزةٍ . لقد كان ساب اقاهُ قبل قرونٍ في القيامِ بهذه المهمَّةِ روحانٌِّّ آخر يُدعاى عبدا اللهِ الإلهي16، وذلك في عهدِ السلطان سليمان القانونّ، إلاَّ أنَّ دعوتاهُ انتهتْ بالفشل. لكنَّ خالدًا استطاعا أن يُلقِيا هيبتاهُ في قلوبِ مئاتِ الآلافِ من مُتلفِ طبقاتِ المجتامعِ العثمانِِِّ وينشُرا عقيداتاهُ على ساحةٍ شاسعةٍ من سواحلِ الخليجِ العربيِِِ جنوياً، إلى سواحلِ البحرِ الأسودِ شماالاً، ومن جبالِ القوقازِ شرقًا إلى أواسطِ جزيرةِ ب الْقاانا غرباً ... 14 هذه القصَّةا نقلها عدةُ رجالٍ من النقشبنديِين الِذين تصدِوا لترجمة خالد البغداديِ، منهم قسيم الكُفْراويِ في تركيا . سجل هذه الْكاية في الصفحة الثالثة بعد المائة من كتابه:Nakşibendiliğin Kuruluşu ve Yayılışı. حصل المؤلِف بهذا الكتاب على شهادة الدكتوراه من جامعة إسطنبول-كلية الآداب عام 0222م. وهذا الكتاب المدوَّن باللِغة التركيِة، أعدِه المؤلِفُ على الآلة الكاتبة. وهي نسخة واحدة لا ثانية لها حتَِّ الآن، مودعة في خزانة معهد التركيات بمدينة إسطنبول، ومسجِلة تَت رقم /550 15 عبد المجيد بن محمِد بن محمِد الخانِّ، الْدائق الورديِة في حقائق أجلاء النقشبنديِة ص/440. 16 عبد الله الإلهي: من صوفيةِ عصرِ السلطان محمد الفاتح، تركِيُّ الأصلِ، وُلِدا في مدينة كُدااهِيَّةا بغربِ أناضول، سافر إلى سماارْق انْد وسلك هناكا التصوفا واعتنقا عقيدةا وحدةِ الوجو دِ، ثُ رجع إلى بلدِهِ لنشرِ الطريقةِ النقشبنديَّةِ، إلاَّ أنه لم ينجحْ في بثِِها. لم يردْ في المصادرِ تَريخُ ولادتِ هِ ، مات سنة 0220م. من أقواله: "إنَّ الغرضا من تغييّ الأخلاقِ : أن يتخلَّصا الإنسانُ من الصفاتِ البشرِيَّةِ ". يقصدُ : "إنَّ الإنسانا، يجب عليه أنْ ي ُغايِِّا أخلاقاهُ (بطريقِ المجاهدةِ المتعارفةِ في التصوُّفِ ) ليتخلَّصا من الصفات البشريَّةِ فيّتقِيا إلى مقام الألوهِيَّةِ "، تعالى الله عما يُشْرِك به الفاسقون. المصدر: http://tr.wikipedia.org/wiki/Abdullah-%C4%B1_%C4%B0lahi
عدد الصفحات ٢٣24 إنَّ هذه الشهرةا الفائِقةا التي نالهاا خالدٌ البغدادِيُّ بصورةٍ غيِّ مسبوقةٍ، لها سببانِ رئيسان، قضتْ المشيئةُ الإلهيَّةُ أنْ يجتمِعا في مرحلةٍ واحدةٍ . ولولا هذه الموافقةُ في القادارِ لما كان خالدٌ لِياحْظيا بهذه الشهرةِ أبدًا. والاكِنْ لِي اقْضِيا اللهُ أامْرًا كاانا مافْعُولاً ، لِي اهْلِكا مانْ هالاكا عانْ ب ايِِناةٍ وايُاْيَا مانْ حايَّ عانْ ب ايِِناةٍ ... وربما ليبلوا عباداهُ أيُّهم يثبتُ على توحيدِهِ تعالى أماما عواصفِ الشركِ النقشبندِيِِ التي هبَّتْ من الديارِ الهنديَّةِ إلى الشرقِ الأوسطِ وفي تلك المرحلةِ العصيبةِ التي كانت الدنيا تغلِي أياَّماها غليانا الماءِ على النار، والأمَّةُ تتقلَّبُ بين أمواجِ الفِتناِ، وتُداكُّ واتُسحاقُ تَتا ضرباتِ الْروبِ الطاحنة . ظروفُ هذه المرحلةِ ت ُعادُّ هو السببا الرئيسا لتمهيدِ السبيلِ أما ما خالد. ذلك أنَّ الدولةا العثمانيةا كانت على شفيِّ الإنِيارِ، تتعرَّضُ لضرباتٍ من الخارج . ولم يكنْ ما يجرِي يومئذٍ في الداخلِ من شاغابٍ وفِتناٍ وعصياناتٍ أقلَّ خطورةً منها . فكانتِ الدولةُ بحاجةٍ إلى من يُسْعِفُها في مواجهةِ الثورةِ الوهَّابِيَّةِ، وإحباطِ ا لت َّيَّارااتِ التمرُّدِ الكردِيِِ بتهدئاةِ نفوِِ الأكرادِ في المناطقِ الجنوبِيَّةِ . واإذا بخالد البغدادِيَّ يبشِِرُ بِعقِيدةٍ قُبوريَّةٍ جديدةٍ ت ُقارِِبُ مفهوما الإلهِ إلى العقولِ البسيطةِ في شكلٍ من العبادةِ لذاتِ (شيخِ الطريقةِ ) تتمثَّلُ في "صلاةِ الرابطةِ "، وهي ضربٌ من طقوِِ مجوِِ الهند، فلم يلبثْ أنْ أعطتْ ثَِااراها فحوَّلتْ جماهيّا الناِِ إلى قطعانٍ من دراويشا خاملين فاقدي الوعي وجماعاتٍ من الكسالى، فقطعتْ شهوتِام عن ملذَّاتِ الْياةِ في أمدٍ قصيّ . فارتَحتْ الدولةُ بعض الشيءِ، ففسحتْ المجالا لخالد على س بيل المكافأة له والتشجيع في نشاطاته.. كان هذا أحدُ السببين؛ وأمَّا السببُ الثانّ: فإنَّه يتمثَّلُ في شخصيَّةِ خالد البغدادِيِِ الذي امتازا بكلِِ خصلةٍ سحريَّةٍ، بحيث لم يلتقِ بهِ أيُّ إنسانٍ إلاَّ واستولىا خالدٌ غلى كيانِهِ، ونفذا إلى أعماقِ نفسِهِ، فتحوَّ لا إلى عبدٍ ذليلٍ بين يديهِ، ونسِيا حصيلةا ما سعاى ورائاهُ في كلِِ حياتِهِ من علومٍ وفنونٍ ومهارات... من أبرزِ ما كانا يتَّسِمُ بهِ خالدٌ، إذلالُ أيِِ إنسانٍ يقابلُهُ بِلقاءِ الهيبةِ عليه في الوهلةِ الأُولىا . لم يكنْ يتسامحُ مع مانْ يخالفُهُ قيدا نملةٍ، ولم يهادِنْ مانْ شمَّ فيهِ رائحةا شكٍِ، أو منافسةٍ، أو كراهيةً يُضمِرُهاا له... سعاى في كلِِ حياتِهِ لإلقاءِ ظِلِِهِ على الناِِ وترسيخِ محبَّتِهِ في قلوبهِِم، مستعملاً في ذلك مهاراتِهِ التي نذر أياَّما شبابِهِ في سبيلِ إتقانِِِا، وروَّضا نفساهُ الْريصاةا ا لْسَّاساةا على اكتسابِ فنونِِا .
عدد الصفحات ٢٤25 لا يخفى على الباحثِ المحترفِ إذا تأمَّلا بدقةٍ وإمعانٍ فيما كتبا خالدٌ بيمينِهِ مِنْ كلِِ كلمةٍ أفادا بها عن حالاتِهِ النفسِيَّةِ والعاطفِيَّةِ : أنَّهُ كان منذُ أياَّمِ شبابِهِ يتطلَّعُ إلى آفاقٍ لم يُلُمْ بها إلاَّ عِظامُ الملوكِ، ولم يطمعْ فيها إلاَّ أصحابُ الهمم العاليةِ . وما من شكٍِ في أنَّ خالدًا كان ذا طموحاتٍ في الاشتهارِ والظهورِ والغلبةِ، وقد ثبتا بالاستقراءِ أنه كان حريصًا كلَّ الْرصِ على الفوزِ بالرئاساةِ والتفوُّقِ والاستيلاءِ على النفوِِ، والهيمنةِ على العقولِ، ومنافسةِ أصحابِ المناصِبِ من الُْكَّامِ والزعماءِ والعلماءِ . تبدو هذه الْقيقةُ بوضوحٍ من كُلِِ لفظٍ نطقا به خالدٌ أو كات اباهُ في حكاياتِهِ عن نفسِهِ، وفي خطاباتِهِ، وتنبيهاتِهِ، وتوجيهاتِهِ، وتِديداتِهِ ... وإليكم نبذةً من شواهد هذه الْقيقةِ : أجرى تعديلاً جذرِياًّ على تعاليمِ الطريقةِ النقشبندِيَّةِ فورا عودتِهِ من الهند، وكساها ثوباً جديدًا فحوَّلهااا إلى دينٍ متكامل. ابتدعا لِ لطريقةِ النقشبنديَّةِ ركنً ا جديدًا سمَّ اهُ »الرابطةا«، بعد أن لم تكنْ شيئًا معهودً ا ولا مسموعًا في الطر ائق الصوفيَّ ة. وهي لا شكَّ من الشركِ البواحِ والكفرِ الصراحِ مَِّا يدلُّ على فسادِ عقيدتِهِ، وسوءِ طويتِهِ، وخطورةِ نيتِهِ .17 كان خالدٌ مسخًا من ميّزا غلام أحْد القاديانِِِّ الهندِيِِ . حاذاى حاذْواهُ وانتهجا منهجا هُ لاصطيادِ الناِِ وإيقاعِ هِ مْ في حِ بالِهِ، وتغرِ يرِ هِ مْ بِباطيلِهِ . نسج خيوطاهُ وأعدَّ خُطَّتاهُ بدهائِهِ وصرامتِهِ وحِذْقِهِ في إِلْبااِِ الْقِِ بالباطِلِ، ومهارتِهِ في المزجِ بين تعاليم البوذيَّةِ والإسلام . أوَّلُ ما بدأ به، أنَّه ت ارااءاى للناِ في لباِِ الزهد والتقوى، وكثرةِ النوافلِ ... تسلَّلا إلى قلوبِ جماعةٍ من الملا ليِ والخواجوات المتطرِِفين بمِا كان يُتاز به من سرعةِ البداهةِ، وقوَّةِ العارضةِ، والقدرةِ على الجدلِ ... فألقاى هيبتاهُ على شرذمةٍ منهم إلى أن اجْتاذاب اهُمْ بِسلوبِهِ المزخرافِ، واغاسالا أادْمِغات اهُمْ ببريقِ خطاباتِهِ الزائفة، فعااراضاهُ وهاجمهُ جمعٌ من العلماءِ، لكنَّهم لم يُفلِحوا في التغلُّبِ عليه، ولم ينجحوا في منعِهِ من التدميّ للقيم السامية . لأنَّ البغداديَّ كان قد تمكَّنا من السيطرةِ على نفسية جمهورٍ من الأُمراءِ الإنِازيِِين والشخصيات الهشَّ ة ذوي العقول المظلمة حتَّ انِمكوا في التعلُّقِ به، وغدوا م ستعدِِ ين للافتداءِ في سبيله. 17 يهاجم البغدادِيُّ المعارضين لهذه الهرطقة، فيقول: إنِ بعض الغافلين عن أسرار حق اليقين يعدِون الرابطة بدعة في الطريق ويزعمون أنِِا شيء ليس لها أصل ولا حقيقة. كلاِ ! إنِا أصل من أصول طريقتنا العليِة النقشبنديِة. بل هي أعظم أسباب الوصول بعد التمسِك التامِ بالكتاب العزيز وسنِة الرسول« .جاءت هذه الكلمات في مستهلِ رسالةٍ بعثها إمحمِد أسعد أفندي الإسطنبولي. فقد عبث البغداديُّ في هذه الرسالة بالمفاهيم، فجمع فيها بين كلماتٍ ومصطلحاتٍ شتَِّ؛ وآرءٍ متباينةٍ ومتناقضةٍ وهو يُاو ل أن يجعل بين طريقتِ هِ وبين الإسلام صِلاةً . وذلك من أساليب الباطنية. لأنِم يتعرِضون في كلِ عصرٍ لهجماتٍ عنيفةٍ م ن علماء المسلمين، فإذا عجزوا عن مقاومتهم لجاا أو ا إلى مدِِ الجسور بين مذاهبهم وبين الإسلام ليبرِروا بها حجِ تهم. (هذه الْاشية منقولةٌ من كتاب "الطريقة النقشبندية بين ماضيها وحاضرها" للمؤلف).
عدد الصفحات ٢٥26 ذلك أن البغداديَّ كانا حازقًا في فنونِ الاستيلاءِ على النفوِِ وإرغام الخصومِ على مجاراتِهِ والإنصياعِ له؛ ماهرًا في أخذ الْيطةِ قبل أيِِ مقابلةٍ يستحسُّ أن يسطدما في أثنائِها بمعارضةٍ؛ منقطعا النظيّ في الإقدامِ على منازلةِ مانْ يقصِدُهُ بِدنى شيءٍ من العداوةِ، مع ذلك هادئاً، رابطا الجأشِ عند المواجهةِ . استطاعا دائمًا ان يُسالِِطا عظمتاهُ على قلبِ أي إنسانٍ لمسا فيه أنَّهُ قد يأبى أن يستسلِما له. فجنَّدا طائفةً مَِِّن حاوْلاهُ من الْوازااوِزاةِ المقلِِدين، فقاموا بِطرائِهِ و تفخِيمِ شأنِهِ، والدفاعِ عنه إذا عارضاهُ أحدٌ من ذوي العقولِ النيِِّةِ والضمائرِ الْرَّةِ النقيَّةِ . فشمَّروا عن ساقِ الجدِِ وعكفوا على إعدادِ رسائلا ومقالاتٍ للردِِ على العلماءِ الذين تفطنوا إلى خطورةِ ما اختلقه البغدادِيُّ من هرطقاتٍ هنديَّةٍ بدأت ت ُهادِِ دُ الإسلاما . ثَُّ حرَّضاهُمْ خالدٌ على مقارعة أهل اليقظة الذين لم يسكتوا على داجالِيَّاتِهِ وأعمالِهِ التضليلية وبِداعِه. فانبرى عددٌ من الملالي الطُّفايْلِيِِين18 لهذه المهمة، يأتي على رأسهم: الإمَّعةُ ابن عابدين (الفقيه!)، ومحمود شهاب الدين الآلوسي (علاَّ مة العراق!)19، وعبيدُ الله الْيدري، ومحمد أمين (مفتي الْلة)، و يُيَ المزوري، ومحمد أمين السويدِ ي، و محمود الكيلانّ، وأحْد الخطيب، ومحمد رفيع بن حسين، و عمر الآمدي، و صالح أبو فتح زاده وغيّهم...20 18 وردت ترجمة عدد من هؤلاءِ الطفيليين في شبه كتابٍ مجهولٍ، ألَّفاهُ رجل يُدْعاى عبد الرزاق البيطار، يشتملُ على ركامٍ من الْشوِ والفضولِ والتلفيقِ والمبالغاتِ ... لا يسمن ولا يغنِ من جوع . تنطَّعا المؤلِِفُ في مدحِهم وإطرائِهم وخلغِ الصفات الجليلةِ عليهم، بينما لم يعتدَّ بهم عالماُ المعرفةِ كما سيمحوهم الدهر من ذاكرة الت اريخ وقد محاهم. 19 إنَّ الآلوسِي "الكبيّا؛ محمود شهاب الدين أبو الثناء" المعروف ب "علامة العراق"، على لسانِ بعضِ مانْ ت ارْجاما له؛ فهو رجلٌ غابتْ حقيقتُهُ على كثيٍّ مِنْ أهلِ العلمِ وأختلفتْ آراؤُهم حولا شخصيتِهِ ومعتقداته؛ منهم من امتدحه وأطراه فوق ما يستحقه، ومنهم من لمس فيه نزعاتٍ متناقضةً حار في تقييمها كا بِ لاا ل عا لِ ي الْ عا سا لِ ي، يقول فيه: »بالنسبةِ للإمامِ الالوسيِِ صاحبِ كتاب "روح المعانّ " فمن خلالِ اطِِ لاعِ ي على الكم الاكبرِ من تفسيِّ هِ المسطورِ في ثلاثين جزءً في ستة عشر مجلداً، (ط. دار الفكر)، خرجتُ بنتيجةِ : أنَّ الرجلا كان موسوعةً علميَّ ةً في كثيٍّ من مواضيعِ الدِِ يِ ن واللُّ غةِ من فقهٍ وقراءاتٍ ونْوٍ وصرفِ وبلاغةٍ ..، وقد كان عالماً باختلافِ المذاهبِ ، مطَّ لِ عاً على المِ لا لِ والنِِ حلِ ، سلفيَّ الاعتقادِ ، ولهذا نراه كثيًّ ا ما ي ُفانِِد آراءا المعتزلةِ والشيعةِ ، وغيِّ هم من أصحابِ المذاهبِ المخالفةِ لمذهبهِ واعتقادِ هِ ، إلاَّ أنَّ هنَّاتِ هِ تُلاحا ظُ من خلالِ تناولهِ لتفسيِّ الآياتِ تفسيًّ ا باطنيًّ ا عجيبً ا، وهو ما يعرف ب "التفسيّ الاشارِ يِِ "، وكذلك امتداحُ هُ كثيًّ ا للمذهبِ الصوفيِِِ وائمتِ هِ . والله تعالى أعلم". (مقتباسٌ مِنْ موقعِ ملتقى أهل الْديث ). نعم، للآلوسي ميولٌ متناقضةٌ في التفكيّ، ومواقفُ متعارضةٌ في التفسيِّ، يبدو بوضوحٍ أنِهُ مريضُ الغرائز؛ مضطربُ الفكر؛ خُ را افيُِّ المعتقد... يظهر سلفيًّا خالصًا حين ي ُفانِِد عقائدا بعضِ الْفِراقِ الضالَّةِ، ولكنِه يعودُ صوفيًا مُعْجبًا برأِ الضلالِ (خالدِ البغدادِيِِ الن َّقْشاب انْدِيِِ ) حين ي ُراثِِيهِ بقوله: "إذ حظيتُ بقصيدةٍ كالقمرِ ليلةا تمامِهِ، وكالزهرِ المخب ُوِِ في
عدد الصفحات ٢٦الَّةِ، ولكنِه يعودُ صوفيًا مُعْجبًا برأِ الضلالِ (خالدِ البغدادِيِِ الن َّقْشاب انْدِيِِ ) حين ي ُراثِِيهِ بقوله: "إذ حظيتُ بقصيدةٍ كالقمرِ ليلةا تمامِهِ، وكالزهرِ المخب ُوِِ في أكمامهِ، قد حوتْ دقائقا التصوُّفِ والعلومِ، وجم عتْ من الفصاحةِ والبلاغةِ ما فاقتْ بِهِ على قصائدِ امرئِ القيسِ وعمرِ بن كلثوم، أنشأها أديبُ عصرِهِ، وأريب مصره، الفاضلُ الذي له في الأدبِ زانْدٌ وارِىٌّ، ومن مورد العذبِ شُربٌ وارايٌّ، السيد النجيب، والْبيب النسيب، نسل السادة الأمجاد، السيد محمد الشهيّ با لجواد، كان الله تعالى لنا وله، وأصلح لكلٍِ مِنَّا عملاهُ، راثِيًا بها حضرة قطبِ دائرة الإرشادِ، ودليل السيّ والسلوك إلى ملك الملوك ربِِ العباد، العالمِ الذي عملا بما علم فجمع إلى العلم زهدًا، وزاد على الزُّبْدِ شاهْدًا. فلي منه أستاذٌ ولي منه مرشدٌ * ولي منه قطبٌ ذو اتِِصالٍ ولي ولي . فهو الجائزُ للحكمتين العلميَّةِ والعمليَّةِ، والفائزُ بالرياستين الظاهريَّةِ والباطنيَّةِ، فلا ترى مكرمة إلاَّ ومصيّها إليه، ولا منقبة إلاَّ ورواقها مِدود وهي مقصورة عليه..« تمتدُّ مدائح الآلوسِيِِ لخِالدٍ البغدادِيِِ على هذا النمط من التعظيم والإجلالِ، ويتفجَّعُ الآلوسِيُّ على موته ويتألم، بينما ظهرا بعد البحوث والدراسات المُعامَّقاةِ حول حياةِ البغدادِيِِ ومغامراتِهِ ورحلته إلى الديار الهندية، وصراعه مع عبد الوهاب السوسي، وتماالُّقِهِ إلى السلطانِ العثمانّ، وهجماته على ال وهابيين... ظهر أنه كان من أهم رموز الْكومة الإنليزية على غرار أحْد القاديانّ . أراد تشويه الإسلام ببثِِ عقائد البوذية في ربوع الأمة عند أوسوء ظروف المسلمين أيام إنِيار الدولة العثمانية . جميع مكاتيبه والوثائق التي جاء ضمن عديد من الكتب شاهدة على هذه الْقيقة ، منها كتاب"الْديقة الوردية، لموؤلفه عبد المجيد بن محمد الخانّ"، وكِتااباا "ب ُغْية الواجد" و"نور الهداية والعرفان" لمؤلِفهما أسعد الصاحب. 20 قصة هذا العِراك وردتْ في عدَّةِ مصادرا للنقشبنديِِين، منها : (بغية الواجد في مكتوبات حضرة مولانا خالد)، من تأليف: محمِد أسعد الصاحب؛ و(الْدائق الوردية في حقائق اجلاء النقشبندية) من تأليف: عبد المجيد بن محمِد بن محمِد الخانِِِّ . لقد نقل الرجلُ في ثنايا كتابه أفْ ظا عا ما يُكن أنْ يتصوَّ را ه الإنسانُ من أساطيّا اختلقها النقشبنديُّ ون عاب ْرا تَريخهم..
عدد الصفحات ٢٦27 وقعا الأكرادُ في حبالِ هذه الطائفةِ الضالَّةِ فنزحوا عن ساحة الإسلامِ إلى ظلماتِ الطريقةِ النقشبنديَّةِ منذ 0100م. ولا يزالون يعانون من تبعاتِِا، حيثُ أ نَّ هذه الطريقةا تَوَّلاتْ إلى آ ليةٍ خطيّةٍ في العهد الجمهورِيِِ بِ يا دِ الدولةِ العميقةِ تستخدِمُها منذ خمسين عامًا في توجيهِ أكرادِ تركيا خاصةً، لأجلِ صهرِهم في بوتقة الوثنيَّةِ الأتَتوركيَّةِ، والقضاءِ على لغتِهم، وصدِِهم عن سبيل الله؛ ولا تبرحُ هذه الشبكةُ مستغلَّةً شخصيَّةا خالدِ البغدادِيِِ في ترويضِ الأكرادِ مَِِّا يُُا تِِمُ الكشفا عن هذه الشخصيةِ بالقدر الميسَّر. تبدو أصلاً طبيعةُ خالدِ البغداديِِ ومستواه الأخلاقِيِِ من خلالِ تِديداتِهِ التي وجَّهاهاا إلى بعضِ خُلافاائِهِ . يقولُ في رسالةٍ له بعث بها إلى أحد مريدِيهِ في إسطنبول، وهو يُذِِرُ من مُالطةِ رجلٍ اسمُْه (عبد الوهَّابِ السوسي ) الذي كان ينافسُهُ على الزعامة. يقول البغداديُّ "فالآن أُ خبرُِ كم بِنِِّ وجميعا رجالِ السلسلةِ ت ا ب ا رَّ أْ ناا من عبدِ الوهَّ اب. فهو مطرودٌ عن الطريقةِ . فكلُّ ما نْ تصادق معه لأجلِ الطريقةِ ف ا لْ ي ا ت ْ رُ كْ مُ صا ادا ق ا تا هُ وا مُ كا ات ا ب ا تا هُ ، وإلاَّ فهو برِ ئٌ من إمدادِ هذا الفقيِّ ، وإمدادِ الساداتِ الكرام. ولا أا رْ ضا ى أن يُ كاتِ با نِِ ؛ ولا أنْ يستمِ دَّ هََِّ تيِ بعدا وصولِ هذا المكتوب إليه. وأنتا مأمورٌ بِيصالِ هِ إلى كلِِ مُُلصٍ . فمن كان مريدا الطريقةِ فليُظْ هِرِ الْ ب ا را اءا ةا منه، ومن كان مريدا نفسِ هِ فلا يلومنَّ إلاَّ نفساهُ إذا هلك مع الهالكين"21 يفتضح البغدادِيُّ حين يرمزُ إ "مكانتِهِ الرفيعة عند الله؛ بذكرِهِ أنَّه يُلكُ قدرةا (الإمدادِ ) و(الهِمَّةِ ) لمريدِيهِ " في كلماتِهِ الآنفةِ الذِِكرِ ؛ وهَا مصطلحان من مصطلحات الصوفية! (وكلماتُهُ تُكِنُّ حيلةً ، وا هي فِرْياةٌ على الله كما ستتَّضِحُ لمن يجهلُ أساليبا المكرِ والخديعةِ في الطريقةِ النقشبنديَّةِ )؛ ثُ يعودُ يتظاهرُ بمنتهى درجات التواضُعِ في آخر كلماتِهِ التي تبدأ بِقولِهِ : "فالآن أخبركم بِنِِّ وجميعا رجالِ السلسلةِ ت ا ب ا رَّ أْ ناا من عبدِ الوهَّ اب. فهو مطرودٌ عن الطريقةِ . فكلُّ ما نْ تصادق معه لأجل الطريقة ف ا لْ ي ا ت ْ رُ كْ مُ صا ادا ق ا تا هُ وا مُ كا ات ا ب ا تا هُ ، وإلاَّ فهو برِ ئٌ من إمدادِ هذا الفقيِّ ، وإمدادِ الساداتِ الكرام". يتنطعُ البغدادِيُّ بعدَّةِ أكاذِيبا عاب ْرا هذه الكلمات، وهي : يدَّعِي أنَّهُ وجميعا ساداتِهِ (وهم عشراتٌ من الزنادِقاةِ المشعوذين من أمثالِهِ الذين ماتوا قبله بقرورن!)، "قد ت اب ارَّءُوا مِنْ عبدِ الوهَّابِ السوسِيِِ ". وهذا يعنِ: أنَّ البغداديَّ "اتِصلا بساداتِهِ وهم في قبورِهم. 21 عبدالمجيد بن محمِد بن محمِد الخانِّ، الْدائق الورديِة في حقائق أجلاء النقشبنديِة ص/ 454.
عدد الصفحات ٢٧28 (يقصِدُ"رجالا السلسلةِ " كما يزعمُ )، وأنَّه حصلا على مُوااف اقا تِهِمْ : بِِانَّ السوسِيَّ مطرودٌ مِنْ طرِيقتِهِ، وأنَّه مع ساداتِهِ المقبورين جميعًا غاضبون عليه ". ذلك أنَّ "من كانا مغضوباً عليه في الطريقةِ النقشبنديَّةِ، فهو أيضًا مطرودٌ من بابِ الله وبابِ رسولِهِ؛ ومغضوبٌ عليه عند الله !". هذا هو معنَ الطردِ عند النقشب نديَّةِ ! ومن كان قد غضِبا عليه البغدادِيُّ وساداتُهُ المقبورون، فإنَّهُ يُُْرامُ من إمدادِهم وهََِّتِهِمْ عندما يُضُرُهُ الموتُ، فلا يستطيعُ النطقا بكلمةِ التوحيدِ أو بالشهادتين، فيموت كافرًا (على حدِِ زعمهم )! وأمَّا الإمدادُ واالهِْمَّةُ عند النقشبنديِِين: فله معنًَ خاصٌّ . وهو: أنَّ شيخا الطريقةِ له سُلْطاةٌ واسعةٌ وقدرةٌ عظيمةٌ ماناحاهُ الله إياَّهَُاا، يتصرَّفُ بهما في مُلْكِهِ (تعالى الله عن هذه الفرية علوًّا كبيًّا!)، يتجلَّى الشيخُ باستخدامِ هذه السلطةِ والقدرةِ فيُساعِدُ مريدِيهِ، وي ُنْقِذُهُمْ من الآفاتِ والمهالِكِ، ويُنعُ عنهم المصائِبا، وينصرُهُمْ على أعدائِهم كلَّماا تضرَّعوا إليه وطلبو المددا والهمَّةا منه، ولو حال بينهم وبين شيخهم مسافاتٌ شاسعةٌ !"؛ كما يُسعِفُهُم في حالِ السكراتِ، يُبعِدُ عنهم الشيطانا ويُُاكِِن ُهُم من النطقِ بالشهادتين قبل أنْ يلفظوا أنفاساهم الأخيّةا ... وبذلك يُنقِذُهُم من "سوءِ الخاتمِاةِ !"، فيدخلون الجنَّةا بمساعدةِ الشيخِ الْمُراخَّضِ من عند الله ! هذا هو معنَ الإمدادِ والهمَّةِ عند النقشبنديَّةِ . إنَّ معظاما الأكرادِ يعتقدونا بهذا الرجلِ الْمُشاعْوِذِ وخُلفائه الذين استغلَّ هم بمثل هذه الأكاذيبِ، ولاا يزالون منذ قرنين تقريبًا ي اب ُثُّونا أباطيلاهم في المنطقةِ الكرديَّةِ بِشكالٍ غريبةٍ من الِْيال، يُسايْطِرُونا على ضمائرِ الأكرادِ وعواطِفِهم، ويستخدمونِم في تَقيقِ أغراضِهم ومصالِِْهِمْ، ويُسخِِرونِم في مُتلف أعمالهِِمْ وأشغالهِِ مْ . تِافتا الأكرادُ حولا هذه الشباكةِ الخطيّةِ منذُ وصولِ البغداديِِ من الهند عام 0100م. فالتفُّوا حولا دُعاتِهِ من شيوخِ النقشبنديَّةِ وغدوا رهنا إشاراتِِِم، وافتدوا لهم بِموالهم وأنفسِهم، وخدموهم بالطاعةِ العمياء مقابِلا سعادةٍ خياليَّةٍ "بِب اراكاةِ هؤلاءِ الشيوخِ وإمدادِهم وهََِّتِهِم " المزعومةِ، ووعودِهم التي ما أنزل الله بها من سلطان. طار صيتُ خالد البغدادِيِِ واتَّسع نفوذُهُ بسرعةِ البرقِ في المنطقة الكرديةِ وكث ُرا أنصارُهُ رغما ردود العلماءِ عليه، وكاد تطغاىا شهرتُهُ على شهرةِ حاكم زمانِهِ السلطا ن محمودِ الثانّ . فتهيَّبا معارضاتاهُ وحاسابا له حساباهُ، فرآى أنْ يستغلَّهُ في تَقيقِ أهدافِهِ بدلا أن يُاولا تصفِي اتاهُ نظرًا للحشودِ الملتفَّةِ حولاهُ . وكانت الدولةُ يومئذٍ تعانّ من فِتناٍ وثوراتٍ في مُتلفِ أنْاءِ المملكةِ على رأسِها ثورةُ الوهَّابِيِِينا
عدد الصفحات ٢٨29 في الجزيرةِ العربيَّةِ . ولامَّا كان خالدُ البغدادِيُّ خاصَّةً والصوفِيةُ عامَّةً يكرهونا الوهَّابِيِِين، تودَّدتِ الْكومةُ العثمانيةُ إلى البغدادِيِِ وشجَّعتْهُ لمهاجمة الوهَّابِيِِين . فوجد البغدادِيُّ بهذه الوسيلةِ ف ُرْصاةً سانِْاةً لنشرِ تعاليمِهِ الهندوسِيَّةِ بين الأكرادِ، فانتشرتِ الطريقةُ النقشبنديَّةُ في المنطقةِ الكرديَّةِ انتشارا النارِ في الهشيم . فلم تخاْلُ قريةٌ من قُرى المنطقة (فضلاً عن الْمُدُنِ ) إلاَّ وفيها داعيةٌ يقوم بمهمَّةِ التبشيّ على غرار المبشرين النصارى، يدعو الناِا للانخراطِ في سلك النقشبنديَّةِ . فاعتنقاها عامَّةُ الأكرادِ في فترةٍ قصيّةٍ . ولم ي انْجُ من هذه العاصفةِ إلاَّ عددًا قليلاً عاشوا غُرابااءا مُضْطاهِدِين في واطانِهم، أو آثروا الهجرةا إلى منطقةٍ أخرى طلبًا للحرِِيَّةِ . إنَّ شيوخا الطريقةِ النقشبنديَّةِ (الذين عاشوا قبل قرون في المناطقِ الهنديَّةِ وبلادِ ما وراءِ النهرِ ) لم يكنْ لهم شأنٌ ي ُعْتادُّ بِهِ . وإنمَّا كانوا شرذمةً من الدراويشِ والبُساطااءِ المتسوِِلينا، يطوفون بين القبائلِ وعليهم ثيابٌ رثَّةٌ رديئاةٌ يتصدَّقُ عليهم الناُِّ . منهم من كان يشتغلُ بصناعةِ الخْازافِ ، ومنهم مانْ كان بقَّالاً، وبعضُهُم كانوا يسكنونا الأماكن الخالِياةا والبيوتا المهجورةا، يبيتون في المقابِرِ والخْارِباةِ الموحشاتِ . ولم يكن لهم نصيبٌ من العلمِ والمعرفةِ، كما لم يكن لأحدهم شهرةٌ . كانتْ هذه حالةُ شيوخِ النقشبنديَّةِ قبلا خالدِ البغدادِيِِ . لذا يشكو أديب ُهُمْ عبدُ المجيدُ بْنُ محمدٍ الخانُِّّ الذي شماَّرا عن ساعد الجدِِ ليجمعا تراجمُاهم، يشكو مِنْ مشكلةِ العثورِ على أسمائِهِمْ بين تراجُمِ علماءِ الإسلامِ . ولا شكَّ في أنَّ علماءا الإسلامِ كانوا شخصِيَّاتٍ بارزاةً بِعلومِهم واتِِزاانِِِمْ وأخ لاقِهِم وأادابهِِمْ وسُلُوكِهِمْ الرفيعِ، قد ملؤوا الآفاقا بمعارفِهم ومُؤالَّفاتِِم وشُهْراتِِِمْ التي استحقُّوها ... أمَّا شيوخُ النقشبنديَّةِ، فلم يكن يُفلُ بهم إلاَّ قِطعانٌ من الجهلةِ الأوغادِ والدراويش. لذا، كانوا يُسدونا العلماءا ويبغُضُونِم، ويُطلِقو نا عليهم صِفاةا "عُلماءِ الرسومِ " استحقارًا. فلمَّا ظهر البغدادِيُّ وأصبحا رمزًا بين أفرادِ هذه الطائِفةِ، وكانا قد درِا اللغةا العربيَّةا والعلوما الإسلاميَّةا انقلبا الأمرُ والتبس شيخُ الصوفِيَّةِ على الناِِ بالعالمِِ خاصَّةً بعدا مناوراتِ البغدادِيِِ وأالااعِيبِهِ في تسحيِّ العيونِ وتسخيّ العقولِ، وباِنْتِحاالِهِ صفةا العالمِ والصوفيِِِ معًا، بينما ذلك مستحيل! فبدأ باستغلالِ الضمائرِ وغسلِ الأدمغةِ وإنشاءِ جيلٍ من الشيوخِ اجتاحوا المنطقةا الكردِيَّةا ثُ انتشروا بين الأتراك يتبعونا أثراهُ في الاستغلالِ والاستخدامِ والتسخيِّ حتََّّ ضاعت صفةُ العلمِ في هذه المنطقة وأصبح في خبر كان.
عدد الصفحات ٢٩