المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تركيا في ضوء الحقائق

غير معروف

صفحة ١٨ من ٣٧

230 فيجتمعونا في مازْراعاتِهاا، أو ب ايْدارِهاا أو في أيِِ موقعٍ من مواقع أاشْغاالهِاا ... وينتهون من العمل خلالا ساعاتٍ قليلةٍ، بينما لم ي ات اياسَّرْ ذلك للأُسرةِ لو قامتْ هي وحدها بهذا العملِ ربما لفترةِ شهر .. هكذا يدور العملُ التعاونُِّّ في مازارعِ القرياةِ وب اياادِرِهاا وباسااتِينِهاا وغابااتِِاا وبيوتَاتِِاا وماشااريعِهاا المشتراكا ةِ ومسجِدِهاا .. فينتهون من أعمالِ الْصادِ مثلاً في أيامٍِ قليلةٍ، فيستفيدون جميعًا من الوقتِ، كما يزدادون بذلك محبَّ ةً فيما بينهم، وتلاحًُْا، بفضل الإجتماعِ والْوارِ والاستِئ ْنااِِ، وما يتبادلون من الْديثِ والفُكاهةِ والمزاحِ والسباقِ في إظهار الجهودِ، والمنافسةِ في الإنتاجِ أثناءا هذه النشاطاتِ التعاونيَّةِ . كانت هذه العادةُ جاريةً بين الأتراكِ والأكرادِ على السواءِ إلى الماضي القر يبِ . إلاَّ أنَّ التطوُّراتِ السياسيَّ ةا والإجتماعيِةا التي اجتاحتِ العالماا بمساويها وتعدَّتْ إلى الساحةِ ا لت ُّرْكِيَّة، أسفرتْ عن نِزاعاتٍ وصراعاتٍ إيديولوجيَّةٍ وحزبيَّةٍ ومذهبيَّةٍ وطائفيَّةٍ بدوافعِ الأنانيَّةِ والمصالح الشخصِيَّةِ .. وما جرتْ في السنين الأخيّةِ من القتالِ والتناحُرِ والهِْجْرااتِ .. غي َّراتِ الأوضاعا والأخلاقا وجاعالات ْهاا رأسًا على عاقِبٍ، وقضتْ أخيًّا على هذه العادةِ وعلى مُعْظامِ العاداتِ الإيجابيَّ ةِ والسلوكيَّاتِ الإجتماعيَّةِ الطَّيِِباةِ . *** كلماتٌ حولا الطابعِ المتميِِزِ للإن سانِ الت ُّرْكِيَّ الرَّاسِخِ فيِ كيانه . ت ان اب َّهاتِ الأذهانُ إلى التحوُّلات الجذريَّة التي شهدتِْا الساحةُ الت ُّرْكِيَّة، وما حدثا من انفتاحٍ في سياستِها منذ صعودِ حزبِ العدالةِ والتنميةِ إلى سُدَّةِ الُْكمِ عام 4114م.؛ والتفتتْ الأنظارُ إلى هذا الْزبِ ال ذي استطاعا أن يفوزا للمرَّةِ الثالثةِ في الإنتخابات الْب ارْلاماانيَّ ةِ عام 4112م. فاختلفتْ وجهاتُ النظرِ وتضاربتْ الآراءُ خاصَّ ةً في العالما العربيِِِ حولا دورِ تركيا، وازدحْتْ الأقلامُ في تفسيّه، وتسابقتْ الألسنةُ في المدحِ والذمِِ حِ يا الا مواقِ فِ ها على م دا ى موسمِ "الربيعِ العربي"، وكثُرت التساؤلاتُ عمَّا إذا اخترقتْ الدولةُ الت ُّرْكِيَّة حواجزا طابِعِهاا العالْماانِِِّ المتعاراف؛ وهل رجعتْ إلى حظيّةِ الإسلامِ؛ أو هل عادتْ تتشوَّف للوصايةِ العثمانيَّةِ على العالما العربيِِ بسياستِها الجديدةِ الْماسِيَّةِ ضدَّ إسرائيلا لكسبِ الشارع العربيِِِ والإسلاميٍِ؛ أو هل تبحثُ عن مجرَّ دِ مصالِِْ ها الخاصَّةِ وتستغلُّ أزماتِ المنطقةِ لترسيخِ نفوذِ ها و...و...إلخ.

عدد الصفحات ٢٣٠

231 إنَّ الإجابةا على أيٍِ من هذه التساؤلاتِ والاستفساراتِ المتباينةِ تتوقَّف أصلاً على مجرَّ دِ المعرفةِ بالطابعِ الأساسيِِ المتميِِ زِ الخاصِِ بالإنسانِ الت ُّرْكِيِِ وتفكِيِّهِ الذي لم يتغيَّّ منذ القديم إلى اليوم. هذه المعرفةُ ضروريةٌ لتفسيِّ المستجدَّاتِ على الساحةِ الت ُّرْكِيَّة . وهذا الطابعُ المتأصِِلُ في خلاياه، بل في جِينااتِهِ، يستمدُّ وجوداهُ من شيئين امْت ازاجاا في كيانِهِ امتزاجا الملحِ بالماءِ . وهَا: الدِِينُ، والقوميَّةُ . فالدِِينُ عنده وجدانٌّّ أكثرا منه عملِيًّا، ولا يعنِ هذا بالضرورةِ أنْ يكونا الدِِينُ هو الإسلاما دون غيّه، بل أيُّ معتقدٍ يستيقنُهُ، لا بدَّ من مدِِ الصلةِ بينهُ وبين القوميَّ ةِ الت ُّرْكِيَّة. وهَا مصدرُ فخرِهِ واعتزازِهِ الذي لا يشارِ كُهُ فيها أحدٌ من غيِّ بنِِ جِلْداتِهِ . ولهذا أجرا ى على الإسلامِ تعديلاً لطيفًا وكساهُ خلعةً من قوميَّتِهِ (وإن شئتا قل : حارَّفاهُ ) فسماه (الْمُسْلُماانِيَّةا Müslümanlık )منذ أوَّلِ يومٍ عارافاهُ ! وأمَّ ا القوميَّةُ فهي بمِانْزِلاةِ ماءِ الْياةِ في جسدِ هِ . ولعلَّ مانْ اكتشفا لأوَّ لِ مرَّ ةٍ هذه الطبيعةا التي جُبِلا عليها الإنسانُ التركِيُّ، هو مصطفى كمال (أتَتورك)، فتعرَّفا الرجلُ على كُنْهِهاا بِذاكاائِهِ، فاستغلَّها بمهاراةٍ والابااقاةٍ في كلِِ مواقِفِهِ وانطلاقاتِهِ وسياساتِهِ الداخليَّ ةِ، لذلك حقَّ ق ناحًا باهِرًا للعقول، وأصبحا بفضلِ هذا النجاحِ أن يُتلَّ ضميّا قطاعٍ واسعٍ من الأتراك بص فةِ إلهٍ، كما حلَّ نظامُهُ محلَّ دينٍ ت اقاب َّلاهُ المجتمعُ التركيُّ وارتضاه لِ نفسِ هِ ، فاتسعا صدرُ هذا المجتمعِ لاحتضانِ ديانتين اثنتين : ( الْمُسْلُماانِيَّة والأتَتوركيَّ ة)، كما اتسعا لعبادةِ إلهين اثنين: (تَانْرِي Tanrı، ومصطفى كمال ). إذنْ لا يُكنُ ف اهْمُ أيِِ شيءٍ تماُتُّ بصلةٍ إلى تركيا، إلاَّ بعد كمالِ الوقوفِ والمعرفةِ التامَّ ةِ الراسخةِ بهذهِ الطبيعةِ المتميِِ زةِ والخاصَّ ةِ بالعنصرِ التركيِِ . ولهذا قالَّ مانْ نحا من المحلِِلين السياسيِِين، والصحفيِِين، والأكاديُيِِين والمثقَّفين العربِ في تقييماتِِ م وتَليلاتِِ م للسياسةِ الت ُّرْكِيَّة ومواقفِ الدولةِ الت ُّرْكِيَّةِ من المنطقةِ العربيَّ ةِ ، أو ما ا يتعلَّ قُ بالْياةِ الدينيَّ ةِ والإجتماعيَّ ةِ في تركيا. هذا، رغما كثافةِ الإتصالات بين الطرفين خاصَّ ةً منذ العقدِ الأوَّ لِ من القرنِ الْادِ ي والعشرين الذي شهدتْ الساحتان الت ُّرْكِيَّةُ والعربيِِ ةُ خلالاهُ تطوُّ راتٍ وتَوُّ لاتٍ وثوراتٍ هائلة . *** نبذةٌ مِنْ حاقاائِقا تمُاهِِدُ السَّبِيلا لِلْماعْرِفاةِ بِطابِيعاةِ الدَّوْلاةِ الت ُّرْكِيَّة واالْمُجْتاماعِ الت ُّرْكِيِِ

عدد الصفحات ٢٣١

232 أحد مشاهيّ الكُتَّابِ الأتراك (نيب فاضل 0212-0215م.)، قد تناولا أوضاعا تركيا عام 0201م. في عملٍ له نُشِرا تَتا عنوان (صورةُ تركيا)177 .على رغم تَفُّظِهِ الشديدِ وأسلوبِهِ الرمزيِِ المتقبِِضِ، ونصِِهِ الذي حصره ضمنا أبعادٍ متدانيةٍ محدودةٍ ، لا تتخفَّ ى الظلمةُ القاتمةُ التي خيَّ مت على هذهِ الصورةِ الْمُلْت اقاطاةِ لتلك المرحلةِ . إنَِّ ا – لا نبالغُ – إذا قلنا ظلمةٌ وراثيَّ ةٌ تركها تَريخُ هذا الشعبِ . ذلك لأنَّ اليوما وليدُ أمسِ . ولهذا، لو استطعنا أنْ نربطا الأياَّ ما بعضاها ببعضٍ بكُلِِ أحداثِها، لأاخْراجْناا جميعا أسرارِ الماضِ ي القريبِ والبعيدِ بحذاف يّهاا. ولكن هيهات ذلك!. لا شكَّ في أنَّ لكلِِ حُقْباةٍ زمنيَّ ةٍ خصائصاها ومفاهيما ها وملابساتِِ ا الَّتي أفرزتِْ ا ظروفُ تلك الْقبة ، ولها أيضً ا "منطقُ ت ا با دُّ لاا تِِا ا وأسبابُ تَاا وُّ لاا تِِا ا المرهونةِ بمواطنِ القوَّ ةِ وتوازناتِِ ا.." وكلُّ ما يجري عبر حُقبةٍ متجانسةِ الظروفِ، من أحداثٍ وتطوراتٍ وتَااوُّلااتٍ، لا يُكن أن تُ قرأ إلاَّ في سياقِ حرك اتِِ ا وأدوارِ ها المرحليَّةِ الخاضعةِ لظروفِها الزمنيَّة المحددَّة. ولهذا لا يجوزُ الْكمُ عليها إلاَّ بقسطاٍِ لا يتركُ المجالا للغفلةِ عن تلك الظروف وخصائِ صِ ها. يتنكَّ ر التاريخُ في بعضِ مراحلِهِ ويتوارا ى بثوبٍ يأبى أن تتعرَّ فا على لونه العيونُ لِِْكْماةٍ، ربما اقتضتْ أن يفسح المجالا لِنِزاعِ البشرِ كما كُتِبا في الأزل؛ وأحياناً يتراءا ى التاريخ في صورةٍ برَّ اقةٍ ولكن يواريهِ الإنسانُ هذه المرَّ ةا في ثوبٍ من التجاهُلِ، أ و الكتمانِ أو النسيانِ، أو التحريفِ والتشويه .. فلا يختلف الأمرُ، فيبقى النِِزاعُ عليه مستمرًّا، تتلاطمُ حوله الآراءُ بالنقاشِ والتأويلِ والتقييمِ والطعنِ ، وأحياناً باللَّ عنِ والاستهزاءِ على حسب المواقفِ المتباينةِ من الاستحسانِ والاستبشاعِ . تنطبقُ هذه الْالةُ على مرحلةٍ مضتْ من مسيّةِ تركيا ودخلتْ في نفقِ التاريخ، فظلَّ تْ قلَّ ةٌ تبكي اليوما عليها تَسُّرًا وإشفاقًا واشتياقًا، تارى أنَِّا "كانتْ مرحلةً زاهرةً تملؤُها السعادةُ، كانتْ أياَّ مًا نيِِّ ةً أشرقتْ عليها شمسُ (الزعيم الماجد)، فانقشعتْ بفضلِ ب طولاتِهِ وإصلاحاتِهِ السُّحُبُ السوداءُ من آفاقِها، كانتِ الناُِ تتنعَّ مُ يومئذٍ بحملِ القُب ُّعاةِ على رؤوسهم . القُب ُّعاةِ الَّتي تمُ ثِِ ل رمزًا للحضارةِ والرُّقِيِِ والعصرناةِ .. تَرَّرتْ المراةُ فاستطاعتْ أن تخرُ جا إلى الشارِعِ سافرةا الجسمِ مطليَّ ةا الوجهِ ، تستعرضُ جمالهاا وأنوثتاها بُِِرأةٍ وسخاءٍ وهي آمنةٌ على نفسِها .. أُلغِياتْ الأبِديَّ ةُ العربيَّ ة والأذانُ العربيُّ، وتََّ تطهيّ اللُّغةِ الت ُّرْكِيَّة من ألفاظٍ عربيَّ ةٍ .. كلُّ ذلكا كانت من رموز الرجعية والتخلُّفِ !" هذه الخلاصة 177 Türkiye’nin Manzarası. Toker Publishing, Istanbul-1968

عدد الصفحات ٢٣٢

233 تتمثل فيها رثاءُ قلةٍ على تركيا، وقد أوشكا أنْ تنفلتا زمامُ الْكمِ من يدِ هذه الشرذمةِ مع بدايةِ العهد الأردوغانّ. بينما تبتسم أكثريِةُ المجتمع التركيِِ اليوما لأنَِّ ا تتمتَّعُ بحريَّ ةِ التعبيّ، وتتحدَّ ثُ بِيِِ لغةٍ شاءتْ، وتتعاملُ بِيِِ عُملةٍ أجنبيَّ ةٍ دون مُافةٍ أنْ تتعرَّ ضا لأيِِ عقوبة ... كتب عددٌ كبيٌّ من الكُتَّابِ عن تركيا بِسهابٍ ، كُلٌّ منهم تناولا الموضوعا من وجهةِ نظرِهِ بالطبع . وبعضُهم حدَّدا موضوعاه باختيارِ جبهةٍ معي َّناةٍ من صورةِ هذا البلدِ . منهم الأستاذ الدكتور : أمْراه كونغار Emre Kongar، عان ْوانا كتاباه ب (ترك يا في القرن الواحدِ والعشرين )، شرحا فيه البناءا الإجتماعيَّ للشعبِ التركيِِ؛ ومنهم الأستاذ الدكتور شريف ماردين Şerif Mardin، ألفا كتاباً سمَّ اهُ (الدين والسياسة في تركيا )، صدرتْ طبعتُهُ السابعة عشرة عام 4104م. ومن هؤلاءِ الكُتَّابِ الأستاذ الدكتور ماتاه تونايْ Mete Tuncay، نُشِرا له كتابٌ بعنوان (التيارات اليساريَّ ة في تركيا ). ومن أهمِِ ما كُتِبا عن هذا البلدِ كتابٌ اسمه : ( وجهُ تركيا المخفي) للكاتبة: نشه دوزيل Neşe Düzel .طارا لهذا الكتابِ صيتٌ وحدثتْ له انعكاساتٌ وردودٌ دفعتِ القضاءا إلى التحقيق مع المؤ لِِفةِ . غيّ أنَّ أروع وأنفس ما كُتِبا حولا القضايا الفكريَّ ةِ والإجتماعيَّ ةِ والسياسيَّ ة للدولةِ الت ُّرْكِيَّةِ والمجتمعِ الت ُّ رْ كِ يِِ هو الكتابُ الشهيُّ الذي ألَّ فه الكاتبُ الأرمنُِِّ سيفان نيشانيان Sevan Nişanyan واهُ (الجمهوريَّ ة الخطأ)"178 إنالذين كتبوا عن تركيا هم أضعافُ هذا العددِ ، وليس من السهلِ حصرُ هم179 .ومن الكُتَّابِ الأجانبِ ريتشارد تَبر Richard Tapper جمعا عددًا من مقالاتِ كُتَّابِ الأتراك، ونشرا ها بعنوان (الإسلام في تركيا المعاصرة )؛ تتناولُ هذه المقالاتُ قضايا اجتماعيَّ ةً ذاتا إشكاليَّ اتٍ معقَّداةٍ، مثل : الدِِ ين والسياسة والأدب والعالْماانِيَّةِ . وإنَّ المكتبةا الت ُّرْكِيَّة زاخرةٌ بِمثالِ هذه المؤلَّ فاتِ، ولكنَّ أغلب اهاا تتَّسِمُ بهبوطِ المستوا ى وسذاجةِ المحتوا ى، قاصرةٌ عن تفسيِّ قضايا المجتمعِ ، بعيدةٌ خاصَّ ةً عن ربطِ أسبابهِ ا المعرو فةِ بالمجهولةِ منها التي 178 Everest Publishing, 7. Edition, İstanbul-2012 179 وهذا عدد آخر من الكُتَّابِ المعروفين الذين تناولوا قضايا الدولة الت ُّرْكِيَّة والمجتمع التركي : Şevket Süreyya Aydemir: İnkılap ve Kadro, Bilgi Publishing. İst-1968 Ahmet Taner Kışlalı: Kemalizm, Lâiklik ve demokrasi, İmge Publishing. İst.- 2007 Can Dündar: Yükselen bir deniz. İmge Publishing, İst. - 2002 Soner Yalçın: Siz kimi kandırıyorsunuz. Dogan Publishing İst. – 2008 Niyazi Berkes: Türkiye’de Çağdaşlaşma: Yapı Kredi Kültür Sanat Y.Tic. AŞ. İst. – 2002.

عدد الصفحات ٢٣٣

234 دخلتْ في نفقِ الماضِ ي، وهي غيُّ مجهولةٍ في الواقعِ ، بل هي مضبوطةٌ في سجلِِ التاريخِ ، تَتاجُ إلى مانْ يقرئ ُهاا فحسب. ب ايْدا أنَّ كُتَّ ابا اليومِ (من العنصرِ الت ُّرْكِيِِ ) جميعاهُمْ يجهلون اللُّغةا العربيَّةا واللَّ هجةا العثمانيَّ ة. يجهلون قراءاةا جميعِ الكتبِ المدوَّنةِ بالْروفِ العربيَّةِ . فقد كبَّلهم العجزُ اللُّغوِيُّ، وحاباساهامُ الفقرُ الثقافيُِّ عن قراءاةِ أيِِ كتابٍ مؤلَّفٍ باللُّغةِ العربيَّة أو بالْروفِ العربيَّة حتََّّ وإنْ كانتِ العبارةُ تُركيَّةً . هؤلاء الكُتَّاب هم حيارا ى بين المكتباتِ المكتظَّةِ بالكتبِ العربيَّة والعثمانيَّة (في إسطنبول) وبين أحداثِ اليومِ وتطوراتِهِ . إنَِّ م عالةٌ على المترجمين، ولا يُعقالُ أن يتمَّ ترجمةُ هذا الكمِ العظيمِ من المصادرِ في أامادٍ قصيٍّ، وقد يستحيلُ نقلُها في المستقبلِ المجهولِ . هذا مع انتفاءِ الكفاءةِ في معظمِ المترجمين، وما يسودُ أعمالهام من أخطاءٍ جسيمةٍ وقصورٍ بالغٍ وتَريفٍ لا حدَّ له . لذا، لا يكادُ الكُتَّابُ الأتراكُ يستطيعون ربطا أحداثِ اليومِ بِسبابهِا القريبا ةِ فضلاً عن البعيدةِ منها.. هناك عقباتٌ كبيّةٌ ت ُعارْقِلُهُم وتسُدُّ طريقاهم وتمنعُ هم عن الإطِِلاعِ بوفرةٍ، وعن توسيعِ نطاقِ البحثِ وإثرائِهِ بغزارةِ الفكر؛ آفاقُهم ضيِِقةٌ، وتَليلااتُِم سقيمةٌ، وارُؤااهُمْ ضعيفةٌ ... خاصَّةً تَليلاتُِم السياسيَّةُ والإجتماعيَّ ةُ هزيلةٌ وإستدلاالااتُِم مبتورةُ الجذورِ، وعباراتُِم رُكامٌ مِنا الْشوِ والفضولِ . هؤلاءِ الكُتَّابُ يكادُ جميعُهم يجهلون حتََّّ اللاَّحِقاةا (يَّهْ ) في نِايةِ كلمةِ (الت ُّرْكِيَّة)، ويجهلون لُبَّ النقاشِ الذي دارا حول هذه الكلمةِ في الْب ارْلاماان الت ُّ رْ كِ يِِ أياما مصطفى كمال، ولماذا سمُِِياتِ الدولةُ (الجمهوريَّ ةا الت ُّرْكِيَّةا Türkiye Cumhuriyeti )وليس(جمهوريَّ ةا ت ُ رْ كْ يا اTürkya Cumhuriyeti )على غرار(ليبيا) و (سوريا) و (بلغاريا) و (روسيا) و (بولونيا) و(بلجيكا) وغيِّ ها وهي كثيّة ! إنَّ كلمة (الت ُّ رْكِيَّة) في مصطلح اللُّغة: اسمٌ منسوبٌ إلى (الت ُّرْكِ ) واللاَّحِقاةُ التي في آخرها عربيَّةٌ، إلاَّ أنَّ هذه الكلمةا لم تارِدْ ضمنا اسمِ أيِِ دولةٍ أقاما ها الأتراك عاب ْرا تَريخِهم، بعكسِ ما يزعمُهُ بعضُ الْمُن ْتاحِلِينا من الكُتَّابِ . بل كانتْ كلُّ دولةٍ لهم تَمِلُ أسماءا السُّلالاتِ الَّتي حاكامات ْهاا، مثل الغزنويَّةِ، والسلجوقيَّةِ والعثمانيَّة...كان هذا شأنُ كلِِ دولةٍ؛ كالأمويَّةِ والعبَّاسيَّةِ وغيِّها من الدُّولِ العربيَّة . غيّ أنَّ حَُّْ ى القوميَّ اتِ لامَّا تفاقمتْ في كلِِ أرجاءِ المعمورةِ ، خاصَّ ةً الن َّزاعاتِ العروبيَّ ةِ والفارسيَّ ةِ والطورانيَّ ةِ لامَّا أثارتْ عاطفةا الشعوبِ في الشرفِ الأوسطِ نْوا التَّماايُزِ - قُبيلا الْربِ العالميَّ ةِ الأولى -، أصبحتْ ظروفُ المرحلةِ ذريعةً مواتيةً حْلتْ الزعيما (أاتَاتُرك) على هذه التسميةِ للدَّ ولةِ الجديدةِ ، فسمَّ اها »الجمهوريةا الت ُّرْكِيَّةا «Türkiye Cumhuriyeti ربما لْاجةٍ في نفسهِ ! مَِِّ ا يجعلنا ن ُراكِِزُ على المماثلة بين هذه الكلمةِ وبين استعمالِ كلمةِ (العربيَّ ةِ ) ضمنا أسماء بعض الدول في المنطقة.

عدد الصفحات ٢٣٤

235 في الْقيقة ليس هناك ما يثيّا الاستغرابا لهذه التسميةِ ما دامتْ القوميةُ أو العصبيةُ هي الَّتي تدفعُ عجلةا كلِِ حركةٍ سياسيَّ ةٍ وتَُادِِدُ كلَّ موقفٍ إديولوجي في عصرِ ناا ، غيّ أنَّ لهذه التسميةِ سرًّا ي ُنْبِئُ عن تباحثٍ وتساؤلٍ يادُباَّنِ في ضميِّ كلِِ إنسانٍ يؤمنُ بِنَّ هُ تركيُّ الأصلِ . وهذا أهمُّ ما يستحقُّ البحثُ عن خلفيَّ اتِ هِ . نعم، لا ينبغي أنْ نشكَّ في أنَّ الإنسانا التركيَّ المثقَّفا بالتحديد، ينشدُ اليوما ضالَّتاهُ من وراءِ هذه التسميةِ ، ي اتاماثَّلُ ذلك في تساؤلاتٍ عِدَّةٍ تجولُ في خالادِهِ، وهذه نبذةٌ يسيّةٌ منها: 0) لماذا أتعبدُ بلغةٍ غيّا لُغاتيِ؟ 4) كيف تسلَّلتْ آلافٌ كلماتٍ عربيَّةٍ وفارسيَّةٍ وغيِّهَا مِنا الألسنةِ فاانْْاشاداتْ إلى لُغاتيِ؟ 180 5) لماذا استعملا علماءُ الت ُّرْكِ القدماءُ (من أمثالِ التافتازانِِِّ، واالنَّسافِيِِ والفاخْرِ الرازيِِ، والْمااتُرِدِيِِ، والزَّمُاْشارِيِِ، وابنِ سيناءا وغيِّ هم...)، لماذا استعملوا اللُّغةا العربيَّةا في مؤلَّفاتِِم ونشاطاتِِم العلميَّةِ ومارااسلاتِِم، ولم يستعملوا ماكاان اهاا اللُّغةا الت ُّرْكِيَّةا؟ 2) ماذا تعنِ كلمةُ(أناضول)، الَّتي هي الإسم الأساسيُّ التاريخيُّ لهذا الوطن الذي أعيشُ اليوما على أرضِ هِ ؟ هل هي محُا رَّفاةٌ من (Anatolia )اليونانيةِ ، أم هي بمعنَ »تاكْث ُرُ فِيهاا الأُمَّهااتُ« (في اللُّغة الت ُّرْكِيَّة) كما اعتمدهُ (أتَترك) وعالَّماهُ ملايينا المدرسين قهرًا وبطريقِ غسلِ الأدمغةِ منذ ثَانين عامًا؟ ! 2) لماذا تختلفُ لُغاتيِ عن لُغاتِ بانِِ جِلْداتيِ في الوطنِ الأمِِ (في ت ُرْكِسْتاان)، ولماذا تختلفُ الأبِديةُ الَّتي نستعمِلُها في تركيا عن أبِدياتِم، (بخلافِ العربِ )، ولماذا لا أفهمُ مُعْظاماهُمْ إذ يُدِِ ثوننِ بلغاتِم؟ 0) لماذا أالْغاي ْناا الأبِديةا العربيَّ ة واعتمدنا الأبِديَّ ةا اللاَّتينيَّ ةا بعد ألفِ سنةٍ من اعْتِنااقِناا للإسلام، أليس لنا أبِديَّ ةٌ خاصَّ ةٌ؟ 180 سجِل الكاتبُ الأرمِنُِِّ الأصلِ سيفان نيشانيان Sevan Nişanyan على غلاف قاموٍِ ألفه وسمِاه SÖZLERİN SOYAĞACI (أي شجرة أنساب الكلمات)، سجل تعريفًا ملخِصًا واضَّحا فيه المناهلا التي استقتْ منها اللُّغاةُ الت ُّرْكِيَّة فتكوناتْ من الألفاظِ الم أخوذةِ منها عبر 5111 سنة. جاءا في هذا التعريف أنَّ عددا اللُّغاتِ التي استعارتْ منها اللُّغةُ الت ُّرْكِيَّة : يبلغ 041 لغةً؛ وأنَّ عددا الكلماتِ المأخوذةِ من هذه اللغات : يبلغ 04111، كلمة . كما ادِعاى المؤلِِفُ في ثنايا مقدِِماتِهِ : أنِ نسبةا الألفاظِ ذات الأ وصول الت ُّرْكِيَّة لا تعدو عن 02 أو41 %من مجموعِ الكلماتِ الِتي تتألِفُ منها اللُّغة الت ُّرْكِيَّة. أثار هذا الإدعاءُ ضجةً واسعة النطاقِ واستنكارًا شديدًا في أوساط المثقفين الأتراك ضد المؤلف .

عدد الصفحات ٢٣٥

236 إن هذا القدرا يكفي أن يؤكِِ دا لنا بِنَّ هذه التساؤلاتِ ، قد تمتدُّ وتتسلسلُ إلى حدٍِ يضيقُ عنها الصدرُ، ويُاالُّ من ت اعْداادِهاا الباحثُ والقارئُ . مع هذا يجبُ علينا حتمًا أن لا ننسى: أنَّ قِلَّةً مِنْ أبناءِ المجتمعِ الت ُّرْكِيِِ لا ت اهْتامُّ بهذه التساؤلاتِ ، ولا تعتدُّ بها أبدًا (لو لاا أنْ تعرَّ ضتْ لِمُضااي اقاةِ فريقينِ خطيّينِ يتنافسانِ على المسرحِ السياسيِِ )! وسنعرضُ لهذا الواقعِ عبرا تَليلٍ وجيزٍ بالمناسبةِ فيما بعد. تركيا وطن اناا الذي ورثناهُ من آبائِنا، وُلِدْناا على أرضِهِ، ونشأنا وترب َّي ْناا بين أحضانِهِ الدافئاةِ . من حقِِناا أنْ نُِْبَّ هذا الوطنا الذي عاشتْ عليه أجيالٌ من أسلافِناا بينهم رجالٌ صالْو ن، مضتْ على أرضِهِ حياتُِم، وأثَرتْ فوقا ساحاتِهِ جه ودُهم وأحلامُهم. نقلوا إلينا القِياما الساميةا على قلَّتهم، واحْلوا رسالةا الإسلامِ الخالدةا عبر قرون، واتركوا لنا تَريخًا خافلاً بِحداثٍ تقدِِمُ لنا دروسًا نعتبرُ بها اليوما في مواجهةِ ت اقالُّبااتِ الْياةِ ومشاكِلِهاا . ما أغلى الوطنا وما أحلاهُ إذا استطاعا أبناؤُهُ أنْ يتعارفوا ويتفاهَوا على أرضهِ مترابطين فيما بينهم متعاونين على البرِِِ والتقوى، متَّفقين ومتلاحْين في جميعِ المواقفِ خاصَّةً لأجلِ الْفاظِ على الوِفاقِ والإخاءِ والسلامِ الدائمِ .. ما أحلا ى الوطنا إذا انقشعا ظلامُ الجهلِ عن أجوائِهِ وأضاءتْ على آفاقِ ها شمسُ المعرفةِ .. ولكنَّ هذا الوطنا، هل يتمتَّعُ سكَّانُهُ اليوما في الْقيقةِ بما نْلُ مُهُ من التفاهُمِ والتسامُحِ والتئازُر؟ هل يُظا ى المواطنُ ما يستحقُّ من حُرِِيَّةِ التعبيِّ وفُرصةِ العملِ وحقوقِ الإنسان؟ هل اختفتْ الطبقيَّةُ والمحسوبيَّ ةُ والارتشاءُ والاستغلالُ والطُّغيانُ الرأسماليُِّ؟ هل قُضِياتْ على الاتجِِارِ بالدِِينِ واستغلالِ الضميِّ وغسلِ الدماغِ وسباقِ الإديولوجيات؟ هل يغبطنا الأجنبُِّ على ما نْن فيه من وحدةٍ في العقيدةِ وقوَّ ةٍ في الشكيمةِ ورحْةٍ بالضعفاءِ ونصرةٍ للمنكوبين، و هل يُترمُ بعضُناا البعض؟ هل نأخذُ بِسبابِ التطوُّ رِ العلمِ يِِ ، و نبذلُ جهوداناا في استخدامِ الوسائلِ الم باحةِ للرُّ قِ يِِ والتقدُّ م؟ هل نْذرُ ونترفَّع عما يخُِ لُّ باِلمروءاةِ و الأدبِ ، ويخدشُ الْياءا ... سوف نعثرُ على الإجاباةِ الصحيةِ على كل سؤالٍ من هذهِ الأ سئلةِ عبر سطورٍ هذا الكتابٍ إنْ صاب ارْناا على قرائتِها مع تركيزٍ وتأمُّلٍ وتفقُّهٍ وتعقُّل وتادابُّرٍ وااعْتِبار...

عدد الصفحات ٢٣٦

237 تركيا -في الْقيقة - بلدٌ غريبٌ ، مليءٌ بالعجائبِ والغرائب ، والتناقضات ؛ "بلدٌ ديُقراطيٌّ، حُرٌّ، مُ زْ دا هارٌ " بمنظرهِ الخارجيِِ ! شعبُهُ حريصٌ على النظافةِ ، مطيعٌ لمن يتولاًّ ه ما دامً مُعت ازًّا بالقوميًّ ةِ الت ُّرْكِيَّة (ولو كانا يهودياً !) ولكن تتلاطمُ في بطنٍ هذا البلدِ تيَّ اراتٌ عِرقيَّ ةٌ، ومنظماتٌ سرِِ يةٌ، وجماعاتٌ صوفيَّ ةٌ متطرِِ فةٌ، وعاداتٌ ومعتقداتٌ رهيبةٌ من الإشراكِ باللهِ ، وخُراافِيَّاتٌ، ودجليَّاتٌ، وأساطيُّ، وبِداعٌ، وأباطيلُ لاحصرا لها... تَكُ مُ ها شا رِ كا اتٌ عميلةٌ للحلفِ المسيحيِِ -الصهيونِِّ ؛ تتناوبُ في احتكارِ سلطتِ ها – من مرحلةٍ إلى أخرى- حكوماتٌ تختلفُ سياسةُ بعضِها عن بعضٍ اختلافا الماءِ والنارِ ، وهذا ما ي ُرْبِكُ المث قَّ فا العربيَّ وهو متشوِِ شُ الفكرِ أماما كلِِ ما يشاهدُ في هذا البلدِ ولا يدرِ ي كيفا يُبدِي رأياهُ عمَّ ا ي اراى ويسمعُ من أمورٍ متناقضةٍ، وأفكارٍ متعارضةٍ، ومعتقداتٍ متشاكسةٍ ... كما ينبهرُ السائحُ العربيُِّ المسلمُ أماما المعالمِِ التاريخيَّ ةِ الَّتي تسحرُ العيونا في أنْاءِ إسطنبول بخاصَّ ةٍ ، وهو خالي الذهن من كلِِ ما قد جرا ى خلالا الثمانين سنةً الأخيّةِ من ت اغاي ُّرااتٍ وات ابادُّلااتٍ جاذْرِيَّةٍ في هذا البلد. تركيا بلدٌ شعبُهُ مُسلمٌ (هكذا يعرفُهُ الإنسانُ العربيُّ !)، تنتشرُ في أرجاءِها مدارُِ دينيَّ ةٌ، وشعائرُ إسلاميَّ ةٌ وصلواتٌ ومساجدُ يُذْكارُ فيها اسْمُ اللهِ صباحا مساءا ... غيّ أنَّ ك لا تجدُ شخصًا (إذا ساأالْتاهُ عن دِ ينِ هِ ، أنْ يجُِيباكا : " أاناا مُسْلِم ")، إلاَّ أجابا ك "الْمد للهِ أاناا مُسْ لُ ماانْ elhamdülillah ben müslümanım ."ولا تُسالِِمُ على أاحادٍ منهم (أانْ ي ارُدَّ عليك: عالايْكُمُ السَّلاام)، إلاَّ ردَّ عليك بلهجتِ هِ الخاصَّ ةِ : " عالايْكِمْ سالاامْ aleyküm selam ."ربما لم يستطعْ أحدٌ من العلماءِ حتََّّ الإمامُ الجْازارِيُّ 181(إمامُ ق ُرَّاءِ الأمةِ ) الَّ ذي أقاما في تركيا سنين، لم يستطعْ أنْ ي ُقاوِِ ما هاذاا اللِِساانا الَّذِي يُنبئُ عن حقائقا كثيّةٍ، قد ي ُلاخِِصُهاا لِساانُ حاالهِِمْ : "أاب اي ْناا إِلاَّ أانْ ي ات ْب اعاناا الإِسْلاامُ، والاا ن ات ْب اعُهُ !" يبرهنُ على ذلك ما ألصقوهُ بالدِِينِ الإسلامِيِِ من الطرائقِ الصوفيَّةِ، وتأليهِ المشائِخِ، وعباداةِ الأضرحةِ، واحتفالاتِ المولدِ النبويِِ حتََّّ في داخلا المساجدِ، وتَويلِ المذهبِ الْنفيِِ إلى (الْنفانيَّةِ hanefism)، وحبسِ القرآنِ بين جدرانِ المساجدِ وأسوارِ المقابرِ، ونذرِ الأضاحي للموتاى، وغ ذلك مَِّا يصعُ بُ حصرُهاا... هذه الْالةُ من المشهدِ الدينِِِ والإعتقاديِِ، يصحبُ ها جوٌّ مشحونٌ بالنِِزاعِ الفكريِِ والعراكِ السياسيِِ . 181 الإمام الجزري: هو محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الجزر ي الدمشقي العمري الشيّازي الشافعي، وكنيته أبو الخيّ، وأطلق على نفسه لقب "السلفي"، ولكن يبدو من ترجمته أنه لم يكن سلفيًّا، بل كانا صوفِيًّا! ولد عام 020 ه الموافق0521م. و توفي سنة 155 ه. الموافق 0242م. اتجهت نفسهإلى علوم القراءات فبرع فيها . طاف مدناً كثيّ ةً في العالم الإسلامي. كان غزير الإنتاج في ميدان التأليف، تجاوز عدد مصنفاته التسعين كتاباً . سافر إلى المملكة العثمانية فارًّا من بطش قُطْلُ باك أي ْتامُش، فاستقبله السلطان العثمانّ يلدرم بايزيد (0501-0215م.) بن مراد الأوِل، فإكرمه وعظمة، فإقام الجزريُّ سنين في مدينة بورسا، يدرُِِ التجويد والقراءات . ولكن لم يثبت أن تخرِج عليه أحد من تلامذته الأتراك، يدل على هذه الْقيقة أسماءُ تلامذته المشهورين في كتب التراجم.

عدد الصفحات ٢٣٧

238 إن اختلافا الأرضيَّ ةِ الفكريَّ ةِ في المجتمعِ الت ُّ رْ كِ يِِ تتمي َّ زُ بِ ت ا ن ا وُّ عِ ها ا المتزايدِ وتضارُ بهِ ا الشديدِ ربما أكثر منها في أيِِ مجتمعٍ آخر . وقد أدَّى هذا الاختلافُ إلى حدوثِ فجواتٍ عميقةٍ وخطيّةٍ بين الانتماءاتِ الأيديولوجيَّ ةِ والجماعاتِ الدينيَّ ةِ والت َّ يَّ اراتِ الثقافيَّ ةِ والأحزابِ السياسيَّ ةِ في التركيب الاجتماعيِِ . ومن أبرزِ ما تمخَّ ضا عن هذه الفا جا وا اتِ : اختلافُ مواقفِ النا ِِ من التطوُّراتِ السياسيَّةِ وتبِ عاتِِا التي شاهِدات ْهاا المرحلةُ الأخيّةُ للدولةِ العثمانيَّةِ . من هذا المنطا لا قِ اعتادتْ ألْسِناةُ آلافِ المثقَّفِين من القطاعِ العلمانِِِّ على الذَّمِِ الشديدِ وإلقاءِ اللاَّئماةِ على حُكَّامِ المرحلةِ الأخيّةِ للدولةِ العثمانيَّةِ بِنَّ أياَّماهُمْ كانتْ عهدا استبدادٍ بالُْْكمِ، وأياما بؤٍِ وشقاءٍ انتشرتْ فيها الفتنُ والفسادُ، وسادا الفوضاى على جميعِ أرجاءِ المملكةِ العثمانيَّةِ .. يأتي هذا الوصفُ من الاستبشاعِ والتقبيحِ على غرارِ ما وارادا بقلمِ الكاتبِ العربيِِِ انيس ا لمقدسي، حيث يقول: "إنَِّا كانت مرحلةً ظلَّتْ بنجوةٍ من الت َّيَّارِ الْضاريِِ المندفعِ إلى الأمام . وهكذا تسرَّبتْ إليها عواملُ الضعفِ، فقدتْ مع الزمانِ ساطْواتِاا الْربيَّةا ومكان اتاها السياسيَّةا . ولم ي اب ْزُغْ فجرُ القرنِ التاسع عشر حتََّّ كانتْ قد أصبحتْ و اهنةا الْقُواى، يسودُها الإضطرابُ ويهدِِدها الإنْلالُ "182. بينما يختلفُ الكاتبُ الأرمِ نُِِّ سِ يفا ان نِ يشا ان ْ يا ان Sevan Nişanyan مع جميعِ الْكُتَّابِ العلمانيِِ ين الأتراك المناهضِ ين للإسلامِ (رغم أنَّ هُ علمانٌِّّ شديدُ العلمنةِ ، ومُلْحِدٌ جرِيءٌ استطاعا أن يُ علِ نُ إِ لْْا اداهُ على رؤوِِ الأشهادِ في ربوعِ المجتمعِ الْمُسْلُماانِِِّ الْمُت ازامِِتِ !) يختلفُ نيشانيان مع (أشباهِ أنيسِ المقدسي) بخاصَّةٍ من صنوانِ هِ الكماليِِين الأتراكِ في تقييمهِ للمرحلةِ الأخيّة من الْكم العثمانّ، فيقول: "كُلُّناا نشأنا في مناخٍ فكريٍِ يتبنََّ التعريفا بالقرنِ الأخيِّ من الْكمِ العثمانِِّ بِنَّه كانا عهدا تخلُّفٍ وانْلال . لكنَّنِِ كُلَّماا وجدتُ فرصةا التِِجْوالِ في أنْاءِ أناضول فترةً من الزمن، اضطررتُ أنْ ألتقيا في كلِِ خطوةٍ عدما الِكِفااياةِ في هذا الموديل (أي في الخُْطَّةِ الجديدةِ للعهدِ الجمهوريِِ، بعكسِ فترةِ ما ق اب ْلاهاا). إنَّ القرنا الذي سبقا العهدا الجمهورِيَّ، قد انعكس – في الْقيقة – على المناطق النائية للساحة الت ُّرْكِيَّة كعصرِ ازدهارٍ وتقدُّمٍ لا يُسْت اهاانُ به. إنَّ ماشاهِدا تلك المرحلةِ بآثارِها الباقيةِ إلى يومنا، كانتْ تشيّ إلى مِسحةٍ واضحةٍ من التقدُّمِ والتفاؤلِ بدءًا من معالمها العمرانيَّةِ، إلى وسائلها الخاصَّةِ بالْياةِ اليوميَّةِ وإلى مؤسَّساتِِا ... أمَّا بالنسبة للعقودِ الثلاثةِ الأولى من العهدِ 182 أنيس المقدسي، الفنون الأدبية وأعلامها في النهضة العربية الْديثة. ص: 04 .دار العلم للملايين، الطبعة الرابع. بيّوت-0212م.

عدد الصفحات ٢٣٨

239 الجمهورِيِِ، فإنَِّا لم تأتِ بشيءٍ إلى المناطقِ النائياةِ غيّ الركودِ، بل غيّ الإنِيارِ والإنْلالِ من الناحية الإقتصاديَّةِ والثقافية." إنَّ هذه المشاهدة التي نبتت كارتيابٍ غامضٍ في البدايةِ، تَوَّلتْ مع الزمانِ في ذهنِِ إلى يقين تَم. بدأتُ بعد ذلك أفكِِرُ في أسبابِ بعضِ الجبهاتِ لِعاصفةِ التطوُّرات التي عاشتْها تركيا منذ 0221م.، فأيقنتُ أنَّ هُ لا ينبغي التباحثُ عن صلةِ هذه التطوُّ را اتِ بما بعد 0221م.، ولا بما قبل 0202م. بل يجبُ ربطُ ها بالفترةِ التي بينهما"183 . *** مُقاوِِمااتُ الْعاقْلِيَّةِ الت ُّرْكِية وابواعِثُ التَّطارُّفِ فيِ الْمُجْتاماعِ الت ُّرْكِيِِ . إنَّ لكلِِ فردٍ أو مجتمعٍ سلبيَّاتٍ وإيجابيَّاتٍ، تكادُ تستحيلُ المقارنةُ بينهما بقصدِ الُْْكْمِ له أو عليه . وقد تطغاى صفةٌ من صفاتِه على كلِِ ما يُعراف عنه من محاْماداةٍ أو ماذامَّةٍ، وهذا أمرٌ نسبٌّ لا يكون حُجَّةً له أو عليه أبدًا، إلاَّ إذا اشتهرا بصفةٍ أجمْاعا أغلبُ أهلِ الإختصاصِ على أنَِّا تمُايِِزُهُ من بقيةِ الْمِلالِ والنحلِ . فلم نسمعْ حتََّّ اليوم أنْ اتَّفقا العلماءُ والباحثون على إشْتِهاارِ مجتمعٍ عن بكرة أبيهِ بفضيلةٍ أو قبيحةٍ أثبتُ وها بالْجج العلميَّ ةِ القاطعة، إلاَّ إقوامًا وردت أخبارهم في القرآن الكريم كقوم لوط وعاد وثَود، أهلكهم اللهُ بالعاصفةِ والصيحةِ والخسف. غيّ أنَّ الأعرافا والتقاليدا وأنماطا السلوكِ والتعاملِ، قد تادُلَّ على أهامِِ خصائصِ المجتمعِ وتمُايِِزُهُ بحِالٍ عن بقيَّةِ الشعوبِ؛ كما ليس هناك ما يُنعُ الباحثا المحنَّكا من التعرُّفِ على حقيقةِ أيِِ مجتمعٍ بمجرَّدِ حصولِهِ على مُعْطايااتٍ من خلالِ الْياةِ الإجتماعيَّةِ العلنيَّة الَّتي يُارسُهاا ذلك المجتمعُ بصورةٍ طبيعيَّةٍ 183 هذا نص(كلماتِهِ باللُّغةِ الت ُّرْكِيَّة)، الذي عاراب ْنااهُ فيما سبق: Hepimiz, Osmanlı imparatorluğunun son yüz yılını bir ge rileme ve çöküş dönemi olarak tanımlayan bir düşünce ikliminde yetiştik. Yıllar içinde Anadolu'yu gezmek ve tanımak fırsatını buldukça, bu modelin yetersizliğiyle adım adım yüzleşmek zorunda kaldım. Cumhuriyetten önceki yüz yıl, gerçekte Türkiye'nin taşras ına, hiç yabana atılmayacak bir kalkınma ve ilerleme çağı olarak yansımıştı. Dönemin mimarisinden, günlük yaşama ait nesnelerinden, kurumlardan ve anılardan bugüne kalanlar, belirgin bir yükselme ve iyimserlik dönemine işaret etmekteydiler. Cumhuriyetin il k yirmi-otuz yılı ise, taşraya ekonomik ve kültürel bir duraklamadan, hatta çöküş ve çözülüşten başka bir şey getirmemişti. Önce belirsiz bir kuşku olarak filizlenen bu gözlem, zamanla zihnimde kesinlik kazandı. Türkiye'nin 1950'den bu yana yaşadığı fırtınalı gelişmede aksak ve yanlış olan bazı yönlerin kaynağını, ne 1950 sonrasında, ne 1914 öncesinde, fakat ikisi arasındaki karanlık dönemde aramak gerektiğini düşünmeye başladım. سِيفاانْ نِيشاان ْياانْ Sevan Nişanyan، الجمهورية الخطأ، دار إيفيّيست، مقدمة الطبعة السابعة، إسطنبول- 4104م.

عدد الصفحات ٢٣٩

240 في الشارعِ،والسوقِ، والمجلسِ، والْماعْبادِ ، والمدرسةِ، والْمالْعابِ، والْمالْهاى، والمكتب ... ولا حاجةا له في ذلك أنْ يراقبا أو يتجسَّسا من وراءِ ما تُكِنُّه الصدورُ والضمائرُ من العواطفِ والهواجس . كما لو كانا معظمُ أفرادِ شعبٍ يكره الأجنبَّ مُافةا أنْ يكونا وطنُهُ يومًا عُرْضاةً لاستيلاءِ الأج انبِ . وأغربُ من ذلك : أنْ ترى السوادا الأعظما للمجتمعِ نفسِهِ – مع هذا التحفُّ ظِ الشديدِ -، يضربُ مثلاً رائِعًا في الكا را مِ والجودِ، واستقبالِ الضيفِ بحفاوةٍ، وإنْ كان هذا الضيفُ من مواطنِِ دولةٍ عادُوَّةٍ . إنَّ هذا الموقفا المتشاكسا، تكاد أنتا تشهدُهُ في كُلِِ إنسانٍ -تقريبًا- يعيشُ على أرض أناضول، ويؤمن بِنَّه ت ُرْكِيُّ الأصل . وإذا تيسَّرا لك أن تَاوراهُ في ظروفٍ تسمحُ له أنْ ياصُبَّ أماماكا ما في صدرِهِ بدونِ تَفُّظٍ، تراه يُعدِِدُ لك أعداءا الوطنِ التركيِِ واحدًا واحدًا، من الأرمن واليونان والعرب...إلخ. ويفتحُ لك باباً من الفتوحاتِ العثمانيَّةِ وبطولاتِِا، ويقصُّ لك ما قد جراى من الْروبِ الدفاعيَّةِ عن الوطنِ في بدايةِ العهدِ الجمهوريِِ، وعن حربِ الإستقلالِ Kurtuluş savaşı ...يبرهن على هذه الْقيقةِ أسماءُ بعضِ المدن الَّتي إضيفتْ إلى كلٍِ منها كلمةٌ لتدل على بطولاتِ سُكَّانِِا ضدَّ عزو الدُّوالِ المتحالفة (إنلترا وفرانسا وإيطاليا) أياَّما الْربِ العالميَّةِ الأولى . وهذه الْمُدُنُ، هي بالتحديد: 0 )مدينةُ أورْفااUrfa :مُنِحاتْ صفةا المجدِ ، فأضيفتْ إلي اسمِْهاا كلمةُ (شاانْلِي şanlı )تُدعاى»شانلي أورفا« أي أورفا المجيدة. 4 )مدينةُ عاينْتابAntep :مُنِحاتْ صفةا المجاهِداةِ، فأضيفتْ إلي اسمِْهاا كلمةُ (غاازِي gazi )تُدعاى»غازي عينتاب« أي عينتاب المجاهدة. 5 ) مدينةُ مارْعاشMaraş :مُنِحاتْ صفةا البسالةِ، فأضيفتْ إلي اسمِْهاا كلمةُ (قهرمان kahraman )تُدعاى »قهرمان مارْعاش « أي مرعش الباسلة . وإطلاقُ هذه الألقابِ على المدن الَّتي تقعُ على الْدودِ السورية-الت ُّرْكِيَّة خاصَّةً، لا شكَّ في أنَّه ي ُنْبِئُ عن تَدٍِ وتباهٍ يعلنانٍ عن اعتزازِ الدولةِ الت ُّرْكِيَّة بنفسِ ها؛ أنَِّا لم تاسْتاسْلِمْ للمُ حْ ت ا لِِين كما استسلمتْ لهم جميعُ الدولِ العربيَّة ! إذًا يجوز في ضوءِ هذا الاستدلالِ الموثَّق أنْ نقولا : إنَّ الخوفا من الأجنبِِ هاجسٌ راسخٌ في كيانِ الإنسانِ الت ُّرْكِيِِ، غالِبٌ على عقليَّتِهِ، ياسْتاحْوِذُ عليه ويُشْغِلُهُ ليلا نِارا على ماداى حياتِهِ، مع أنَّه كريمٌ يستقبلُ ضاي ْفاهُ بحِافااواةٍ ولو كان أجنبيًّا، وفي تعامُلِهِ معه لطيفٌ، إذ لا شكَّ في أنَّ الجودا والكرما وحُسْنا الاستقبالِ للضيوفِ مِنْ أبرزِ خِصاالِ الأتراك . ولكنَّ الذُّعْرا الذي يستولي على كيانِِِمْ تجاها جيّانِِم يجعلهم يعيشون في قلقٍ مستمرٍِ، ظنًّا منهم، أن بلدا هُمْ هو دومًا على حافةِ الهاويةِ، واأنَّ

عدد الصفحات ٢٤٠

241 الدوا لا المجاوِراةا لأرْضِهِمْ تتربَّص بهم الدوائرا في كلِِ لْظةٍ، وتنتهزُ أدنى فرصةٍ لتنقضَّ على الوطن الت ُّرْكِيِِ وتُبِيدا العنصرا التركيَّ عن بكرةِ أبيهِ من دون رحْة! يبدو أنَّ هذا الخوفا متأصِِلا في كيانِ الإنسانِ التركيِِ منذُ القديمِ، يبرهن على ذلك دلائلُ ناجمةٌ من هذا الخوف184: 0) تأليهُ الزعيم، والاستسلامُ للنُّخْباةِ. 4) الرُّوحُ العسكريَّةُ. 5) استهانةُ كلِِ شيءٍ يخلو من تمجيدِ الأتراك . إنَّ هذه الملامحا سائدةٌ على نفسيةِ أغلبِ الأتراكِ، وهي من الْوافزِ الرئيسةِ الَّتي تستمدُّ منها العقليَّةُ الت ُّرْكِيَّة منذ القديمِ ، وتظهرُ ماعاالِمُهاا إلى العيان لاداى كلِِ مناسبةٍ؛ فتتبدَّى واضحًا من خلالِ 184 إنَّ الأتراك- بسبب هذه الهاجسة– قلما يندمجون مع غيّ بنِ جِلدتِِم من الأجانبِ وحتَّ مع المسلمين الذين يختلفون معهم في اللُّغةِ والأعرافِ والثقافة . يبرهن على ذلك المشاكلُ التي تعانّ منها أقلِِيَّات ُهُمْ في بعض البلاد، مثل تركمان العراقِ، كذلك جالياات ُهُمْ في المهجر . ويشهد على ذلك ما ورد في بعض أجهزة الإعلام من تصريُاتٍ لرئيس وزراء آلمانيا هلموت كوهل، وهذا ناصُّهاا : Germany's Helmut Kohl 'wanted half of Turks sent back'02.08.2013 17:11 9 hour(s) 3 minute(s) ago AA Former Chancellor Helmut Kohl wanted to halve the number of Turks living in West Germany in the early 1980s, British official papers cited by a German magazine reveal. According to BBC, he discussed the idea with then UK PM Margaret Thatcher at a meeting in Bonn in 1982, Spiegel Online reported. Mr Kohl said that Turks "did not integrate well", minutes of the meeting said. He told Mrs Thatcher he wanted their numbers cut by half within four years. Speigel Online said the minutes were marked "secret" but have now been released as the period of confidentiality has ended. "Chancellor Kohl said... that it would be necessary over the next four years to reduce the number of Turks by 50% - but he could not say that publicly," notes from the meeting said, according to the Spiegel Online report. "Germany had no problems with the Portuguese, the Italians, even the south -east Asians, because these communities integrated well," the notes read. "But the Turks came from a very distinctive culture and did not integrate well." The author of the report was said to be Mrs Thatcher's then private secretary, AJ Coles. Turkish migration to Germany stems from October 1961 when a labour recruitment agreement was signed between the two countries. Many so-called "guest workers" also came from Italy, Greece, Portugal, Tunisia and the then Yugoslavia. Mr Kohl, who was chancellor until 1998 and a leader of the conservative Christian Democrats (CDU), often spoke out against immigration during his time in office. However, numbers of immigrants continued to rise steadily. His office has so far not commented on the Spiegel Online report. http://www.topnews.az/en/news/77637/Germany39s-Helmut-Kohl-39wanted-half-of-Turks-sent-back39.html

عدد الصفحات ٢٤١

242 العلاقاتِ السياسيَّةِ والاجتماعيَّةِ . والأشدُّ خطورةً؛ انعكاُِ هذه العقليَّةِ على مفهومِ الدِِين مَِِّا جعلا العقيدةا في تركيا عُرْضاةً للاستغلالِ بِبشعِ أشكالِهِ، وسيأتي تفصيلُهُ فيما يلي إن شاء الله تعالى . ولا يفوتنا بالمناسبةِ أنْ نشيّا إلى أنَّ العقيدةا أو ما يقومُ مقاماها هو الركيزةُ الأساسيَّةُ في توجيهِ الْياةِ الإجتماعيَّةِ والسياسيَّة وتَدي دِ الأعرافِ والتقاليدِ، وتكوينِ العقليَّةِ الْماحالِِيَّةِ عند كافةِ المجتمعاتِ الإنسانِيَّةِ على السواء ... فيعودا الأثرُ بهذا الدورِ مثلاً : إلى اليهوديَّ ةِ في المجتمعِ اليهودِيِِ، وإلى المسيحيَّ ةِ في المجتمعِ المسيحِيِِ، وإلى الإسلامِ في المجتمعِ الإسلامِ يِِ، وإلى الشيوعِيَّةِ في المجتمعِ الشيوعِيِِ، وإلى الإباحِيَّةِ في المجتمعِ الإباحِيِِ ... إلخ. وقد يتعرَّضُ الدِِ ينُ أو الفلسفةُ للتشويهِ مع الزمانِ، فيكون هذا الدِِينُ المحرَّفُ أو الفلسفةُ المشوَّهةُ أيضًا أساسًا لنظامِ المجتمعِ الذي اعْ ت ا ن ا قا هُ ألبتَّة. كما تَوَّل الإسلامُ في تركيا إلى شكلٍ آخر يُسامِِيهِ الناُِ منذُ الفِ سنةٍ (الْمُسْلُماانِيَّةا Müslümanlık)، يتناغمون معها في حياتِِِمْ. إنَّ مِنْ أهمِِ ميِِزاتِ الأتراك : أنَِّم ي الْت افُّونا حولا أيِِ حاكمٍ عليهم ماا دااماتْ قادامُهُ على رِ قابهِِمْ، ويؤايِِدُوناهُ، ويدافعونا عنه، بل ويفتدون في سبِيلِهِ بِموالهِم وأرواحِهِم، وحتََّّ بِدِينِهْمْ، إذا وجدوا فيه خصلتين: 0) الإعتزازُ الدائمُ بالكيانِ الت ُّرْكِيِِ وأمجادِهِ وقوميَّتِهِ . 4) الاستخفافُ بكلِِ ما يخلو مِنْ تفضيل الأمَّةِ الت ُّرْكِيَّةِ على العالمين. إنَّ هذه الْمايِِزاةا في المجتمعِ التركيِِ، تُثِيُّ كُلَّ مانْ يطمعُ في الظفرِ بمنصبِ الزعامةِ، تُثِيُّهُ على مُناافِسِيهِ بِخطرِ أساليبِ النِِزاعِ والخلافِ، وات ُعازِِزُ ماوْقِفاهُ وتُكسِبُهُ مناعةً بعد ت اغالُّبِهِ على غيّه ... بحيث يستحيلُ على مانْ يستعدُّ للقبضِ على زِمامِ أمرِهِم، إلاَّ ما نْ تمتَّعا بالقوةِ، والبطشِ الشديدِ، والمالِ الكثيِّ، والرجالِ والسلاحِ والِْيال ... وهي "هوايةُ انتهازِ الفُ را صِ ، وحُ بُّ اقتطافِ ثَارِ التغييِّ الاجتماعِ يِِ ، وجا نُِْ ثَارِ التحوُّ لاتِ الْضاريَّ ةِ ، و عادةُ القفزِ على الثورات"... لذا يستحيلُ منازعةُ الزعيمِ القائمِ عليهم في حُكمِهِ، أو معارضةُ النُّخْباةِ من وُرَّاثِهِ وأنصارِهِ حتَّ بعد موتِهِ، أو حتََّّ انتقادُهُمْ بِدنى كلمةٍ . فمانْ سوَّلتْ له نفسُهُ أن يقارِعا الزعيما، أو يعارِضاهُ، فأقداما على مواجهتِهِ، سرعان ما زحفا وانقضَّ عليه المجتمعُ التركيُّ عن بكرةِ أبيهِ وسحقوه تَت أقدامِهِمْ .

عدد الصفحات ٢٤٢

243 يعانّ المجتمعُ الترُّكيُّ من الغُلُوِِ في كُلِِ مجالااتِ الْياةِ تقريبًا، لأنَّ الفئاتِ الَّتي تُسيطرُ على مرافقِ الدولةِ الت ُّرْكِيَّةِ (خاصَّةً منها التعليميِِةِ والدينيِِةِ )، تُسايُِِّ نشاطاتِِاا على أساٍِ من استِغلالِ العاطفةِ واالدِِينِ، واحتكارِ القِيامِ السامِياةِ والْمُقادَّسااتِ . لذلك قد أصبح الاستغلالُ ظاهرةً منتشِراةً وجهازًا لا تتحرَّكُ عجلةُ الْياةِ على الساحة الت ُّرْكِيَّةِ إلاَّ بهِاا، ومن أخطرِ نتائِجِهاا : التَّطارُّف. إنَّ التطرُّفا الذي تتَّسِمُ بِهِ العقليَّةُ ال ت ُّرْكِيَّةُ الساذاجاةُ، يُكن حصرُهُ في ثلاثة أاضْرُبٍ : 0 )تاطرُّفٌ دينٌِّ، مانْشاؤُهُ : الفكرُ الصوفيُِّ المتمثِِلُ في الطريقةِ الن َّقْشاب انْدِيَّةِ المتطوَّرِ من الدِِياناتِ الهنديَّةِ؛ 4 )تطرُّفٌ إِلْْاادِيٌّ، مانْشاؤُهُ : الوثنيَّةُ المتمثِِلةُ في الديان ةِ الأاتَاتُورْكِيَّةِ (الكمالِيَّة Kamalism)، وهي صنيعةُ السَّباطاائِيِِينا، اختلقوها لإرباكِ المجتمعِ الت ُّرْكِيِِ، وإقْصائِهِ عن (الإسلامِ الت ُّرْكِيِِ الْمُشاوَّهِ )، تَسُّبًا لتحوُّلِهِ إلى الإسلامِ الصحيح يومًا مَّا . 5 )تاطارُّفٌ عاصابٌِّ، يتمثَّلُ الْمُفااخاراةِ واالْمُبااهااةِ واستعراضِ بُطولاتِ الأجدادِ وفتوحاتِِِمْ، والانشغالِ الدائمِ بحكاياتِ الملاحمِ، والاعتزازِ بالأمجاد . هذا الشعورُ يُلأُ اليوما صدورا ملايينِ الأتراكِ المصابين بِنونِ العظمةِ وهالْواساةِ الكبرياءِ تَتا دافعِ الأيديولوجيَّةِ الكمالِيَّةِ . يفورُ التعبيُّ عن هذا الشعورِ من أفواهِ هم بِدنىا ذريعةٍ ولا دا ى أيِِ مناسبةٍ على سبيلِ الشماتاةِ بِكلِِ مانْ لا يعتنقُ هذهِ الأيديولوجيَّةا، علمًا بِنَّ مقاليدا الُْْكْمِ والسلطةِ لا تزالُ بِيدِي هذا القطاع، على رغم "الإسلاماوِيِِين" الذين يستع دُّون منذُ بداياةِ القرنِ الواحدِ والعشرين للإنقضاضِ على الُْْكَّامِ السبطائِيِِين. والجالبُ للانتباهِ ؛ أنَّ الساحاةا الت ُّرْكِيَّة خالِياةٌ اليوما تماامًا مِنْ كُلِِ حركةٍ إصلاحِيَّةٍ ت ات اب انََّ مكافحةا هذه الأاشْكالِ الخطيّةِ من الاستغلالِ وال تطرُّفِ . ذلك؛ أنَّ هذهِ المُهِمَّةا تكادُ تكونُ مستحيلةً، لأنَّ كُلاًّ مِنا التطرُّفِ الدِِينِِِِ والإلْادِيِِ والعصبِِِ، يسدُّ بابا الْوارِ على الإطلاق، ويقابلُ كلَّ دعوةٍ إصلاحيَّةٍ بِشدِِ اشكالٍ العنفِ ! لذا، أايُّ إنسانٍ يتطوَّعُ لمكافحةِ التطرُّفِ على الساحةِ الت ُّرْكِيَّةِ، ي ُوارِِطُ نفساهُ في خطرٍ ولو اختارا أفضلا أسلوبٍ لأداءِ مهمَّتِهِ . إنَّ التطرُّفا قد أالهْاى قطاعًا كبيًّا في هذا البلدِ عن كُلِِ شيءٍ، وجعلا هم يتخلَّونا عن جميعِ ماا لهاُمْ مِنْ الرصيدِ العلمِيِِ والْضارِيِِ، لأنَّ التطرُّفا أصلاً مصدرٌ من أهمِِ مصادر القدرةِ الَّتي أضمنتْ لهذا المجتمعِ البقاءا على مسرحِ التاريخ عاب ْرا القرونِ؛ فالْماجْدُ عندهم محصورٌ في الفتوحاتِ، والاستيلاءِ

عدد الصفحات ٢٤٣

244 على البلادِ، وا عتزازِ بالسيادةِ والقيادةِ ورموزِهاا من الأعلامِ وتماثِيلِ الزعماءِ وأضرحةِ الشيوخِ والملوكِ والسلاطين، وأساطيِّ كاراامااتِِِمْ ... فالدولة الت ُّرْكِيَّة، دولةٌ مقدَّسةٌ "أبادِيَّةٌ " في ضميّ كلِِ عنصرٍ ت ُرْكِيٍِ استحوذتْ عليه فكرةُ الاعتزازِ بالأمجادِ، إذ تغمره بحرٌ من دعاياتِ التعظيم والتفْخيم والتأليه لِزُعماءِ الأمَّةِ الت ُّرْكِيَّةِ وأبطالهِاا ووطنِها... لا تُفارِقُهُ هذه الفكرةُ حتََّّ عند تناحُرِهِ فيما بيناهُ وبين أخيهِ الت ُّرْكِيِِ، تجدُ كلاًّ منهما يفاخر خصماهُ ببطولاتِ آبائه ! تبرهن على هذه الْقيقةِ عباراتٌ وردتْ في مستهلِِ التوطِئاةِ لِدُسْتُورِ الدولةِ الت ُّرْكِيَّة لِعام 0214م.، وهذا نصُّها: "إنَّهُ في الآوِناةِ الَّتي أوشكا أنْ ت انْشابا حربٌ أهليَّةٌ دامياةٌ مدمِِرةٌ، فتَّاكةٌ بالدولةِ الت ُّرْكِيَّةِ المقدَّسةِ لم يسبِقْ لها مثيلٌ، وكاداتْ أنْ تُشاتِِتا وحدةا الشعبِ التركيِِ واتمُازِِقا واطاناهُ الخالدا الأبديَّ : تَاَّ تشريعُ هذا الدستورِ بفضلِ الْركةِ الَّتي قامتْ بها القواتُ المسلَّحةُ الت ُّرْكِيَّةُ، واهي جزءٌ لا يتجزَّأُ من الشعبِ الت ُّرْكِيِِ، وذلك يوم 04 أيلول0211م. بناءً على الدعوةِ الَّ تي ت الاقَّت ْهاا من الشعب... إلخ"185 وامِنْ أبرزِ ما يُعبرُِِ عن المفاخرةِ بالعصبيَّةِ الت ُّرْكِيَّةِ كلماتٌ للشاعر الت ُّرْكِيِِ محمد أمين يورداكولMehmet Emin Yurdakul 186 (0102-0222م.)، يقول فيِ مُسْت اهالِِ شِعْرٍ له، كما عارَّب ْنااهُ فيما يلى : "أاناا ت ُرْكِ ي، دِينِِ واجِنْسِي جالِيل صادْرِي واكِياانِّ ماليئٌ باِلنَّارِ إِنمَّاا الإنسانُ : مانْ كان عبدًا لِواطانِهِ لاا يجاُوزُ لأاوْلاادِ الت ُّرْكِ الرُّكُونُ إِلىا الْمُقامِ، فاأاناا مُنْطالِقٌ !"187 185 هذا نصُّ العبارات آنفة الذكر، التي وردت في مستهلِ التوطِئاةِ لِدُسْتُورِ الدولة الت ُّرْكِيَّة لِعام0214م. «Ebedî Türk vatan ve milletinin bütünlüğüne ve kutsal Türk Devletinin varlığına karşı, Cumhuriyet devrinde benzeri görülmemiş bölücü ve yıkıcı kanlı bir iç savaşın gerçekleşme noktasına yaklaştığı sırada; Türk Milletinin ayrılmaz parçası olan Silahlı Kuvvetlerinin, milletin çağrısıyla gerçekleştirdiği 12 Eylul 1980 harekâtı sonucunda…». T.C. Anayasası 1982. 186 كلمة(يُورْدااكُولْ yurdakul :)معناها: عبد الوطن، وهي لقبُ الشاعر، ي ُلاخِِصُّ للمتأمِِلِ ما يُلأُ صدرا الرجلِ من أحاسيس غريبة ومثيّة ! 187 وهذا نصُّ كلمات الشاعر محمد أمين يورداكول: Ben bir Türk'üm; dinim, cinsim uludur; Sinem, özüm ateş ile doludur. İnsan olan vatanının kuludur. Türk evladı evde durmaz giderim.

عدد الصفحات ٢٤٤

245 تتلاطم بهم اليوما أمواجُ هذه العقليَّةِ : بسببِ غفلتِهِمْ عن ما ضيهم وجهلِهِمْ بِنازاتِ عُلاماائِهِمْ واشُعاراائِهِمْ واف انَّانِيهِمْ ... فعلى سبيل المثال : لا يكادُ يوجدُ شخصٌ من الأتراكِ اليوما يعرفُ حرفًا واحدًا من أبِديَّتهِم (الأبِدية الأورخونية ) الَّتي يزعمون أنَّ آباءاهُم كانوا يستخدمونِا في ماضيهم البعيد، ولا يكادُ أحدٌ منهم يعرِفُ أسماءا المهندسين من آبائهم الذين قاموا بتخطيط مشاريع عظيمة من القصورِ والجسورِ والْمَّاماتِ وبيوت الضيافة والمساجد، وأشرفوا عليها، وقد أصبحت اليوما معالمِا أثريةً في كثيّ من مُدُنِِِمْ مثل : بخُاراى وسمرقند، وطاشقند، وأارْض الرُّوم، وأم اسيا، وقونيا، وإسطنبول وأخلاط وغيّها... ومَِّا يبرهن على هذه الْقيقة: أنَّ آلافًا من الأتراك (الْمُسْلُماان)، يدخلون المساجدا العملاقةا في إسطنبول كلَّ يومٍ، وهي مزي َّناةٌ بالآياتِ القرآنيَّةِ والأحاديثِ النبويَّةِ، كُتِباتْ بِروع الخطوطِ العربيَّة، وبِجملِ أساليبِ الفنِِ، كُلُّها بِقلامِ فنَّانِيهم (ليس لرجلٍ عربيٍِِ فيها أثر )، يرمقونِاا بنظراتٍ فارغاةٍ، ولا يكادُ أحدٌ منهم يقرأ ويفهم كلمةً واحدةً منها إلاَّ قلة من المتعلِِمين والدارسين. يغلب أنَّ ذلك ناشئٌ من هلوسةِ الاعتزازِ بالأمجادِ، وتأليهِ الفاتَين من سلاطينِهم وتقدِيسِ أضرحةِ شيوخِهِم .. ومِن جملةِ ما يدلُّ على هذا الاضطرابِ الذي يتقلَّبُ فيه المجتمعُ التركيُّ – على سبيل المثال -: أنَّه لا يكادُ اليوما يوجدُ منهم شخصٌ يعلمُ شيئًا حولا حياةِ العبقريِِ المُبدِعِ من أبناءِ هذا القومِ، أحْد شلب هازاارْفانْ Hezarfen Ahmet Çelebi (0012-0021م.)، الذي صنع جناحين طارا بهما من (ب ُرْجِ جالاتاا Galata )حتََّّ هبطا في ساحةٍ م ن منطقةِ أُسكودار بمدينة إسطنبول عام 0054م.، بعد أنْ مرَّ فوقا المضيقِ وقطعا مسافةً تُقدَّرُ ب 5521 مترًا. ولا أحدٌ من الأتراك يعرفُ اليوما أدنى شيءٍ عن الجهازِ الذي صنعه أحْد شلب واستطاعا أنْ ياطِيّا به فوقا مضيقِ إسطنبول، كما لا يعلمُ أحدٌ منهم أين ماتا هذا الرجلُ وأين قبرُهُ . على رغم هذه الْقيقةِ يُطلقون اليوم إسمْاهُ على ماطاارااتِِِمْ لِي ُعابرُِِوا به عن اعْتِزاازِاهِمْ : أنَّ عاالِمًا كهذا نبغ في الْفانِِ بين ظهرانِم! أمَّا عاقبةُ هذا العالمِِ الجليل، وما تعرَّض له من الإهانة والْمِحانِ، جزاءً بم ا كسبت يداهُ من الإبداعِ وعجيبِ الفنِِ، بادالا أنْ ينالا بهِ ما يستحقُّ من التشجيع والتقدير والاحترام؛ لهي مِنْ أكبر الدلاائلِ على أنَّ الأتراكا ليسوا مجتمعا علمٍ ولم يُظوا هذه الصفةا يومًا من الأياَّمِ . لأنَّ السلطان مراد الرابع العثمانّ المعاصر لهذا العالمِِ، الذي شاهده من قصره في حاي ْراةِ بالغةٍ واستغرابٍ ودهشةٍ وانبهارٍ، وهو

عدد الصفحات ٢٤٥