المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها ج 03

غالب بن علي عواجي

صفحة ٨ من ٢١

111 معناه أن العبد إذا لازم العبادة الظاهرة والباطنة حتى يصفى من الكدورات، أنه يصير في مع الحق – تعالى الله عن ذلك – وأنه يفنى عن نفسه جمله حتى يشهد أن الله هو الذاكر لنفسه الموحد لنفسه المحب لنفسه، وأن ه ذه الأسباب والرسوم تصير عدما صرفا في شهوده وإن لم تعدم في الخارج (1)،وينسى العبد نفسه في الله وأن الله يحل بجوارحهم، فهو في سمعهم وأبصارهم وأيديهم و أرجلهم قد اتحدت ذاته بذواتهم. فهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصد ما ذهب إليه زعماء الصوفية؟ والجواب سيكون بالنفي قطعا . وقد أجاب العلماء عن معنى هذا الحديث بعدة أجوبة ذكرها كلها ابن حجر رحمه الله، ومنها أن معناه أن العبد يحب طاعة الله ويؤثر خدمته ومحبته، وأنه لا يستعمل هذه الجوارح إلا وفق ما شرعه الله له فلا يستعملها إلا في ما أحبه الله ويبعدها عن كل ما يغضب الله تعالى(2)، لا أن الله يحل في تلك الجوارح، والرسول صلى الله عليه وسلم لعظم وأجل من أن يتصور ربه على هذه الصفات. وتلك المعاني الباطلة لمعنى الحديث موضحة في جمهرة الأولياء للمنوفي في ه مقال تحت عنوان "دور الكمال" ذكر فيه أن الصوفية قد تطورت فشاركت في أبحاث كثيرة فقهية وفلسفية إلى أن قال: "وقد خطى الجنيد في هذا السبيل الخطوات الأولى الفاصلة فانتقل من حال الفناء التي قال بها البسطامي إلى فكرة الاتحاد، وذهب إلى أن المتصوف قد يصل إلى درجة يتحد فيها الروح اتحادا تاما بخالقها عن طريق الشهود" (3 .) ثم ذكر بعد ذلك أنه ليس المراد من هذا الاتحاد ما هو معروف في البوذية والمسيحية، وإنما هو بمعنى أنه مجرد ملاحظة روحية، ولكن يبقى عليه أن الملاحظة الروحية لا يقال فيها بالاتحاد، وإنما هي زيادة تعلق القلب بخالقها فقط، ومن قال إن ملاحظاته جعلته متحدا مع الله فلا شك في خروجه عن الحق مهما حاول بعد ذلك تغطية معتقده بزخرف القول. (1) فتح الباري 11/ 344. (2) فتح الباري 11/ 344. (3) انظر1/ 275.

عدد الصفحات ١١١

112 لقد أصبحت وحدة الشهود عند المتصوفة هي أخص مظهر من مظاهر الحياة الصوفية وهي الحال التي يسمونها بالفناء وعين التوحيد وحال الجمع، وهي الاتصال بين العبد وبين ربه عن طريق الشهود الصريح فيما يزعمون. ويصل الإنسان إليها – بزعمهم – بكثرة الذكر حتى يقع الشهود القلبي ثم يستغني عن الذكر بمشاهدة المذكور – حسب تخيلاتهم السقيمة الإلحادية – فاتضح مما سبق أن الفوارق لا تكاد تعرف بين تلك التسميات، فهي داخلة في النهاية كلها في دائرة واحدة هي القول بالحلول مهما تعددت ص وره (1). وأما اعتقادهم في الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهو ضرب من الخيال والإلحاد، فهم يزعمون: 1- أن الله كان في عماء دون تعيين فأراد أن يتعين في صورة فتعين في صورة محمد صلى الله عليه وسلم، أي أنهم يعتقدون أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو الله سبحانه وتعالى ذاتا وصفة حيث تعينت فيه الذات الإلهية في صورة مادة كما قرر الكشخانلي ومحمد الدمرداش – والجيلي والبيطار والقاشاني والفوتي وعلي حرازم والشعراني (2 .) 2- وأن الذي هاجر من مكة إلى المدينة هو الذات الإلهية متجلية في صورة هو محمد صلى الله عليه وسلم كما قرر ابن عربي ذلك في قوله: "اللهم أفض صلة صلواتك وسلامة تسليماتك على أول التعيينات المفاضة من العماء الرباني وأخر التنزلات المضافة إلى النوع الإنساني المهاجر من مكة كان الله ولم يكن معه شيء ثان إلى المدينة … الجمع بين العبودية والربوبية الشامل للإمكانية والوجودية" (3). 3- أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يحضر كل مجلس أو مكان أراد بجسده وروحه، وأنه يتصرف ويسير حيث يشاء في أقطار الأرض إلى اليوم لم يتبدل بعد وفاته. 4- كل هذه الموجودات إنما وجدت من نور محمد صلى الله عليه وسلم ثم تفرقت في الكون(4)، وهكذا فقد أصبح من الأمور المسلمة عند الصوفية أن هذا الكون و كل ما يحصل فيه (1) انظر: ما كتبه د. صابر طعيمة في كتابه الصوفية معتقدا ومسلكا ص257. (2) انظر: النصوص عن هؤلاء في كتاب "هذه هي الصوفية" من ص 73 - 92. (3) فتح الباري 11/ 344. (4) هنا مربط الفرس في العقيدة الصوفية فقلما يخلو كتاب من كتبهم عن تقري ر هذه العقيدة.

عدد الصفحات ١١٢

113 من خير وفيض، إنما يتم عن طريق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وفيما قدمنا من النقل عن جواهر المعاني و رماح الفوتي ما يغني عن إعادته هنا،وهذا المعتقد مقرر في كتب الصوفية كلهم من التجانية أو من غيرهم؛ولهذا يقول المنوفي في بيان تلك القضية: لله در القائل: ماااااااااااان رحمااااااااااااة تصااااااااااااعد أو تناااااااااااازل مااااااااااااا أرساااااااااااال الاااااااااااارحمن أو يرساااااااااااال ماااااان كاااااال مااااااا يخااااااتص أو يشاااااامل في ملكاااااااااااااااااااااااااااااااوت الله وملكاااااااااااااااااااااااااااااااه نبيااااااااااااااااااااااااه المختااااااااااااااااااااااااار المرساااااااااااااااااااااااال إلا وطااااااااااااااااااه المصااااااااااااااااااطفى عبااااااااااااااااااده بعلاااااااام هااااااااذا كاااااااال ماااااااان يعقاااااااال (1) واسااااااااااااااااطة فيهااااااااااااااااا واصاااااااااااااااال لهااااااااااااااااا أي أن كل من يعقل ا و لو قال كل من يجهل لكان أصوب - يعرف تمام المعرفة أن هذا الكون وما فيه إنما هو مستمد لبقائه ووجوده من محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو الرب تعالى في تعيينه الثاني. ويقرر ابن عطاء الله السكندري ذلك بقوله:"جميع الأنبياء خلقوا من الرحمة ونبينا صلى الله عليه وسلم عين الرحمة" (2 ) ومما لا يجهله أي مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم عبد بشر مثل سائر البشر كرمه الله تفضلا ومنة بالرسالة مثل سائر الأنبياء والرسل. وهو عليه الصلاة والسلام غني عن مبالغات الصوفية وأكاذيبهم الحمقاء، فكل ما قرره أقطاب الصوفية من أولهم إلى آ خرهم حول الح قيقة المحمدية ونشوء الخلق عنها فإنه كلام خارج عن عقيدة المسلمين من دان فلا حظ له في الإسلام بل هو مجوسي وثني. يعتقدون كما قرره ابن عربي أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعرف القرآن قبل نزوله بل إنه على حسب زعمهم هو الذي يعلم جبريل الذي بدوره يو حيه إلى محمد صلى الله عليه وسلم ثانية(1.) (1) جمهرة الأولياء 2/ 10. (2) لطائف المنن ص55

عدد الصفحات ١١٣

114 ومن الصوفية مثل أبي يزيد البسطامي من يزعم أن الرسل كانوا أقل من مرتبتهم حيث قال:"خضنا بحرا وقف الأنبياء بساحله"(2 )وهذه الافتراءات كلها إلحاد وزندقة وشبهات مظلمة وإبطالها مما لا يشق على مسلم عرف شيئا عن تعاليم الإسلام، فإن القرآن منزل من عند الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام وهذه هي عقيدة كل مسلم، من لم يؤمن بها أو شك فيها فلا حظ له من الإسلام ولا صلة بينه وبين المسلمين. 6 - الولاية وبيان بعض المصطلحات الصوفية تطلق كلمة ولاية في اللغة العربية (3)، على عدة معان منها التابع، المحب والصديق والناصر أما معناها في مفهوم الصوفية فهي تنتهي أخيرا في مصب وحدة الوجود، فقد عرفها المنوفي(4 ) تحت عنوان "أولياء الله"بقوله: "اعلم أن الولاية عبارة عن تولي الحق سبحانه وتعالى عبده بظهور أسمائه وصفا ته عليه علما وعينا وحالا وأثر لذة وتصرفا "، ثم زاد الأمر وضوحا حينما بين التجليات الإلهية والفيوضات التي تقع على السالك وأفعاله وأفعال كل المخلوقات ثم "لا يرى في نظره غير فعل الفاعل الحقيقي وهو الله". وعرفها الجرجاني بقوله: الولي: هو العارف بالله وصفات ه بحسب ما يمكن، المواظب على الطاعات المجتنب عن المعاصي المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات. وقال أيضا : الولاية: هي قيام العبد بالحق عند الفناء عن نفسه(5.) وقد ذكر السهروردي الولاية وقسمها إلى أقسام باعتبارات تلفة ثم ذكر بعض الكرامات للأولياء التي لا يخلو من ذكرها كتاب صوفي، وأكثر تلك الكرامات التي يروونها محض خرافات وقصص باطلة. ثم خلص السهروردي إلى أن الصالحين الذين يتولاهم الله ويتولونه ليس المراد بهم: (1) هذه هي الصوفية ص89، ينقله عن كتاب الكبريت الأحمر للشعراني ص 6. (2) انظر: شطحات الصوفية ص31. (3) انظر: مادة ولي تهذيب اللغة الأزهري 15/447، ونزهة الأعين النواظر ص 614، والمختار من الصحاح ص583، وغير ذلك من كتب اللغة (4) جمهرة الأولياء 1/98 ،99. (5) كتاب التعريفات ص 254.

عدد الصفحات ١١٤

115 "الذي يقصده أهل الطريق عند تفصيل المراتب ويقولون: فلان صالح وشهيد وولي، بل الصلاح هنا المراد به: الذ ين صلحوا لحضرته بتحقيق الفناء عن خلي قته" (1.) وأما القطب الكبير عند الصوفية وهو القشيري فقد ذكر تعريفات كث ة للولاية، ونقل عن أكابر مشائخهم آراءهم في الولاية وأهميتها وعلاماتها وكيفية الحصول عليها ومسائل أخرى (2)، وهكذا فإن نظرة الصوفية إلى الولي والولاية ليست هي تلك المنزلة الطيبة في مفهوم الإسلام، لأن الولي الصوفي لا حد لصلاحياته في هذا الكون. وقد جاءت الولاية في القرآن الكريم مرادا بها المدح، وأحيانا مرادا بها الذم، فهي تستعمل في الخير وفي الشر حسب إطلاقها، لأن صاحبها إما أن يكون وليا لله تعالى أو وليا للشيطان، وبين الولايتين من البعد والانفصال ما يعرفه كل مسلم سليم الفطرة صافي العقيدة. وجاءت في السنة النبوية مرادا بها وصف من ساروا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتزموا طريق الخير ونصروا الدين ووالوه. ثم توسع الصوفية والشيعة في إطلاقها وخرجوا بها عن حقيقتها ومدلولها الصحيح، فأطلقت على الرجل المتصوف أو من ينتسب إلى آل البيت، ثم أسبغوا على أئمتهم وكبار دعاتهم هذه الكلمة وأنواعا أخرى من التهويلات لمطامع اجتماعية وسياسية. ثم أخذها الصوفيين بعد ذلك وأخرجوها في مذاهب الحلول والاتحاد وحدة الوجود، وه ناك صفة ثانية أضيفت إلى مفهوم الولاية عند الشيعة والصوفي، وهي صفة العلم اللدني الذي أخذه علي بن أبي طالب عن الرسول صلى الله عليه وسلم كما زعموا، ثم ورثة إياهم ببركة تلك الولاية، وبلغ الغلو بالصوفية في أوليائهم إلى أن اتخذوهم بين الله وبين خلقه وسطاء على طر يقة النصارى واليهود والمشركين تماما . فكما اتخذ هؤلاء المسيح وعزي ر ا والملائكة أربابا لهم من دون الله، اتخذ الصوفية وسطاء إلى الله عز وجل أسموهم القطب والغوث والولي ونسبوا إليهم النفع والضر، لأن الله بزعمهم جذبهم إليه واختصهم ثم ساووهم مع الله تعالى في كل صفاته، بل أصبح من شرط الولي أن يكون متصفا (1) عوارف المعارف ص 84. (2) الرسالة القشيرية 2/520.

عدد الصفحات ١١٥

116 بصفات-كما يزعمون - ومن هنا نشأ تنطعهم وتنقصهم للأنبياء على حد ما ورد عن أبي يزيد البسطامي في قوله: "خضنا بحرا وقف الأنبياء بساحله". ثم اخترعوا مفهوما كاذبا للولاية، فهي عندهم مجرد هبة من الله عز وجل لبعض خلقه دون أن يكون لها سبب، بل وبغض النظر عن صلاح الشخص أو فجوره، واستدلوا بقول الله عز وجل: { من يشاء(1)،أي دون سبب حسب مفهومهم. ومعنى هذا أنهم يجعلون مفهوم للولاية كمفهوم النبوة، الكل بلا سبب ظاهر، وهذا خلاف ما قرره الإسلام بالنسبة لولاية التي تنتج عن طاعة الله تعالى والمتابعة لنبيه صلى الله عليه وسلم. وقد قسموا الولاية والأولياء إلى أقسام يطول شر حها بدون فائدة فيها(2.) إلا ما نستثنيه مما ذكره المنوفي حين قسمهم إ 1- الملامتية وهم الذين لا يظهرون للخلق أعمالا وأسرارا ، بل يخفون أسرارهم لكمال ذوقهم وقوة شهودهم لربهم. 2- الغوث الأك وهو أكبر الأولياء والأقطاب، وهو ذات الحق باعتبار تجريدها من الاسم والصفة". 3- الأوتاد الأربعة وهم حفظة العلم كل واحد منهم في ركن من أركان العالم، وه م على قدم بدل من الأبدال، أي أقل رتبة من الأبدال، لأن الأبدا ل يكونون على قدم قطب من الأقطاب. 4- الأقطاب السبعة لحفظ القارات السبع، والقطب هو الواحد الذي هو موضع نظر الله من العالم في كل زمان. والقطبانية الكبرى هي مرتبة قطب الأقطاب، وهو باطن النبوة للرسول صلى الله عليه وسلم، (1) سورة آل عمران 74. (2) انظر: ما كتبه الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في كتاب الفكر الصوفي ص 219، وانظر: الصوفية معتقدا ومسلكا .

عدد الصفحات ١١٦

117 والأبدال زعموا أنهم أربعون وهم مكلفون فظ العالم والكون، وقد ع رفهم المنوفي بأنهم: "أبدال الأقطاب من الأولياء، فإن مات قطب أحل الله محله بدلا منه، ومنهم الخلفاء الأر بعة". 5- النجباء وهم الأربعون القائمون بإصلاح شئون السالكين. 6- الأفراد وهم المفردون والغرباء لتفردهم عن الخلق بشهود الحق، وغرب تهم في أهل زمانهم، وهم غير منحصرين في رتبة أو منزلة، ولهم كشف خاص وعلوم إلهية غريبة على الناس.. وهم على قدم النبي صلى الله عليه وسلم(1.) وأخيرا وصلوا بالولاية إلى أنها مثل النبوة تماما فلها ختم كما للنبوة ختم، فختم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم وخاتم الأولياء عند الصوفية مجموعة من الكذابين تلفون فيما بينهم على ادعائها. وأول من ادعى ختم الولاية به هو محمد بن علي بن الحسين، ويسمونه "الحكيم الترمذي"، وقد ظهر في القرن الثالث الهجري - في آخره - وهو غير الترمذي صاحب السنن. وحين صنف الحكيم الترمذي كتابه"ختم ا لولاية" مضاهيا بذلك القول بختم النبوة شهدوا عليه الكفر ثم نفي من ترمذ. ثم جاء ابن عربي المتوفي سنة 638 ها فادعى أنه خاتم الأولياء، ثم جاء محمد بن عثمان الميرغني السوداني المتوفي سنة 1268 ها فادعى أنه هو خاتم الأولياء، ثم جاء أحمد التجاني من فاس بالمغرب الم توفي سنة 1230 ها فادعى أنه هو خاتم الأولياء، وأن من سبقه أو يلحقه ممن يدعي ختم الولاية فإنه كاذب مفتر. وكل واحد ممن يدعيها له مزاعم وادعاءات وكرامات ومزايا لا يصدقها شخص له أد معرفة بالدين الإسلامي. (1) انظر: جمهرة الأولياء 1/121 ،306، 311.

عدد الصفحات ١١٧

118 وكلما جاء رجل منهم ادعى أنه هو خاتم الأولياء وأن غيره كاذب والكل -والله يشهد - كاذبون، ثم بلغ بهم الغلو أن فضلوا خاتم الأولياء المزعوم على خاتم النبيين لأمور لا فائدة من التطويل بذكرها، فإنهم مهما تفننوا في الاستدلال على ذلك ومهما زخرفوا القول فيه فه و مردود جملة وتفصيلا . * * * * * * * * * * * * * *

عدد الصفحات ١١٨

119 الفصل الثالث عشر الكشف الصوفي من أصول الدين الإسلامي وقواعد الإيمان في الشريعة الإسلامية أن الله تعالى وحده هو علام الغيوب، وأن الخلق مهما كانت منزلة أحدهم لا يصل إلى معرفة الغيب، إلا من شاء الله أن يطلعه على ما أراد من ذلك، سواء كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا . ولقد تعدى المتصوفة على هذه الصفة لله عز وجل فأقاموا أمرا سموه "الكشف الصوفى"، ويعنى عندهم رفع الحجب من أمام قلب الصوفي وبصره ليعلم بعد ذلك كل ما يجرى في هذا الكون. وبالغوا في هذا الإدعاء بما لا يجرؤ على القول به إلا عتاة الزنادقة، كما هو مسطر في كتبهم بأقلامهم، وكما تبين ذلك من خلال ما قدمنا من الإشارات الكثيرة إلى حقيقة الكشف من خلال نظرتهم إلى أقطابهم في حالة رفع الحجب عنهم واتحادهم بالله ورفع الأنية بينهم وبين الله، ويبدوا أنهم ترقوا في هذه الدعوى على النحو التالى: 1- ادعوا أن الصوفي يكشف له عن معان جديدة في القرآن والسنة والآثار والرسوم لا يعلمها علماء الشريعة، الذين سموهم علماء الظاهر والقراطيس؛ لأنهم أ ي علماء الشريعة إنما يعتمدون في نقل تلك المعاني من القرآن والسنة على موتى، وأما هم فإنهم يأخذونها عن الله تعالى مباشرة. ومن هنا تجد أقطاب التصوف حين يشر حون بعض الآيات والأحاديث يأتون فيها بمعان من نسج أخيلتهم ويزعمون فيها مزاعم هي عين الأ كاذيب التي لا يسندها أي دليل لا من الشرع، بل ولا من العقل في أكثر ما جاءوا به في شروحاتهم. 2- ثم ترقوا فقالوا: إن لهم علوما لا توجد في الكتاب ولا في السنة يأخذونها جديدة عن الخضر الذي هو على شريعة الباطن حسب زعمهم. وهذه الفرية هي التي استباحوا بموجبها كثيرا من الفواحش والمحرمات إذ أن النصوص التي يفيد ظاهرها التحريم قد يفيد باطنها الإباحة، والخضر يؤكد لهم ذلك، فإذا بتلك النصوص ظاهرها في واد وباطنها في واد آخر لا صلة بينها إلا تلك الروايات التي صدرت عن الخضر، أو بعض المنامات التي حدثت لأقطابهم الكبار الذين استباحوا كل محرم من الفواحش.

عدد الصفحات ١١٩

120 3- وهناك فرية أيضا اقترفوها، وهي قولهم: أنهم يتلقون علومهم عن ملك الإلهام كما تلقى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم علومه من ملك الوحي مباش رة. 4- وآخرون منهم يزعمون أنهم يتلقون علومهم عن الله رأسا وبلا واسطة؛ حيث تنطبع هذه العلوم في نفوسهم، وبموجبها يأتون ما يأتون من أمور. 5- وآخرون منهم يدَّعون أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يخبرهم بأذكارهم وعبادتهم يقظة لا مناما . 6- ثم زعموا أنهم يع لمون أسرار الحروف المقطعة من القرآن وقصص الأنبياء على حقيقتها، وأنهم يجتمعون بالأنبياء ويسألونهم عن تفاصيل قصصهم، وخرافات كثيرة ذكرها الجيلي في كتابه "الإنسان الكامل" يمجها السمع وينفر عنها الذوق. وكذا الغزالي حين دخل التصوف ولم يستطع الخروج منه رغم أنه كا ن من علماء الشريعة، فقد ذكر أشياء كثيرة عن الكشف الصوفي وخرافاتهم فيه مؤيدا له. وعتاة هذه الدعوى ابن عربي وعبد العزيز الدباغ والبسطامي والتجاني والمرسي وغيرهم (1)، لقد كانت دعوى الكشف هي المقدمة الأولى في نظري إلى الا دعاء بوحدة الوجود والحلول، فإن دعوى الكشف مبالغة فاحشة، ولكنها تعتبر من باب التمهيد لما هو أفحش منها، وهو ادعاء الاتصاف بالله والأخذ عنه مباشرة. ولذلك ترى كثيرا من المؤلفين من علماء التصوف زعموا أنهم لم يأتوا بما ذكروه في كتبهم إلا عن طريق الكشف الصريح يتلقونه عن الله مباشرة، رغم ما يحمل من كف ر وفجور وزندقة وإباحية. كما زعم ابن عربي في فصوصه، والجيلي في كتابه "الإنسان الكامل" الذي يقصد به الرسول صلى الله عليه وسلم الذي اتصف حسب تقرير الجيلي بصفات الله تعالى، وبصفات أقطاب التصوف أحيانا ؛ حيث يظهر في صورة أى شيخ منهم كالشبلي والجبرتي وغيرهما في ز منهم وفي غير زمنهم. (1) انظر : الفكر الصوفي ص143 الفصل التاسع

عدد الصفحات ١٢٠

121 وكتاب الجيلي "الإنسان الكامل" مملوء بالعبارات التي تؤدي إلى إحياء الخرافات والزندقة، فقراء ة عابرة له تجعلك لا تتوقف في هذا الحكم عليه ولا فيما كتبه ع تاة ال تصوف كالدباغ وتلميذه أحمد بن مبارك والشعراني وعلي حرازم، وغيرهم ممن لا يلتزم بالع قيدة الإسلامية الصحيحة. ثم دخلوا على عوام المسلمين عن طريق الكشف الإلهي والوصول إلى الحقيقة وصفاء القلب والولاية، وغير ذلك من أنواع الشبكات الصوفية التي يصطادون بها الناس عن طريق دعوى الكشف والتظاهر بالزهد، وإكرام الله لهم بمعرفة ما لم يعرفه غيرهم، وفى كل ذلك تساعدهم الشياطين، وأكثر هؤلاء الذين يخبرون بالمغيبات عن طريق الكشف إنما يستعينون بالسحر والطلاسم. * * * * * * * * * * * * * *

عدد الصفحات ١٢١

122 الفصل الرابع عشر الشطحات الصوفية لقد وصل الصوفية في شطحاتهم إلى حد لا يقدم عليه إلا من تزندق وألحد وخرج عن الدين، ولقد فاضت كتبهم بذلك وتواتر النقل عنهم، وهو أمر لا يدع مجالا للشك في إلحاد من يعمل ذلك منهم، وفي إعراضه عن الخلق الفاضل والعقل السليم، فضلا عن الدين. ومما يلحظه القارئ أنهم بعد أن أوردوا أنفسهم تلك الموارد الوخيمة أرادوا أن يجدوا رجا منها، فلم يجدوا لهم رجا فادعوا أنهم إنما قالوا تلك الكلمات الكفرية في حال سكرهم بالله تعالى وغيبوبة عقولهم عن الإحساس بأى شيء غير الله، وما أقبح هذا العذر وأسمجه فهل هم أحب لله من الأنبياء ومن كثير من أتباعهم الذين لا يقاس بهم غيرهم، ولم يعثر عن أحد منهم أن تلفظ بما تلفظ به هؤلاء الذين امتلأت نفوسهم زندقة وحقدا على الإسلام والمسلمين. ومما يدركه طالب العلم أن الشطحات الصوفية كثيرة جدا ، لا يمكن حصرها إلا بدراسة وافية(1)، غير أننا سنعرض هنا بعض الامثلة لتكون نموذجا لبقية شطحهم وغلوهم ومقدار جرأتهم على اقتحام الامور العظيمة في الإلحاد. ونبدأ ببعض ما ذكر عن أبي يزيد البسطامي: طيفور بن عيسى. 1- قال أبو يزيد عن الله تعالى: "رفعني مرة فأقامني بين يديه وقال لي: يا أبا يزيد إن خلقي يحبون أن يروك فقلت: زيني بوحدانيتك وألبسني أنانيتك وارفعنى إلى أحديتك حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك ولا أكون أنا هنا". ومعناه أنه يطلب أن يصوره الله على صورته عز وجل تماما ، فإذا شاهده الناس قالوا: شاهدنا الله. والرواية عنه هي كما تقدم إلا أني أرى أن هذه العبارة: "إن خلقي يحبون أن يروك" ليست هكذا – ولم أر أحد بين هذا – ولكن لعل الصواب فيها "إن خلقي يحبون أن يروني"، ولهذا بين (1) انظر : ما كتبه الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه "شطحات الصوفية" الجزء الأول "أبو يزيد البسطامي"؛ حيث نقل أقوالا كثيرة في شطحات الصوفية.

عدد الصفحات ١٢٢

123 أبو يزيد كيفية الطريقة التي يمكن أن يرى الخلق فيها ربهم، وذلك بأن يرقى البسطامي إلى حد النيابة التامة عن الله تعالى صفة وشكلا – تعالى الله. 2- وقال مرة: "سبحاني سبحا وقال: ضربت خيمتي بإزاء العرش أو عند العرش. 3- واجتازقبرة لليهود فقال:"معذورون" ومر بمقبرة للمسلمين فقال: "مغرورون". 4- وقال: يخاطب الله: كنت مرآة فصرت أنا المرآة. 5- وقال: لأن تراني مرة خير لك من أن ترى ربك ألف مرة 6- وقال: إلهي أن كان في سابق علمك أنك تعذب أحدا من خلقك بالنار فعظم خلقي فيه – أى النار – حتى لا يسع معي غيري. 7- وقال: ما النار؟ لاستندن إليها غدا وأقول: اجعلنى لأهلها فداء أو لأبلعنها. ما الجنة؟ لعبة صبيان. 8- تلك بعض شطحات البسطامي، وهناك الكثير يوردها علماء الصوفية عنه بين مستحسن لها وبين مراوغ في معانيها (1). أما الشبلي فهو الأخر له منالشطحات ما نذكر بعضه فيما يل ي: 1- أخذ من يد إنسان كسرة خبز فأكلها فقال: "إن نفسي هذه تطلب مني كسرة خبز، ولو التفت سري إلى العرش والكرسي لاحترق". 2- وقال لو خطر ببالي أن الجحيم نيرانها وسعيرها تحرق مني شعرة لكنت مشتركا . 3- وقال: أيش أعمل بلظى وسقر؟ عندي أن لظى وسقر فيها تسكن يعني في القطيعة والإعراض – لأنه من عذبه الله بالقطيعة فهو أشد عذابا ممن عذبه بلظى وسقر. 4- وسمع قارئا يقرأ هذه الآية: (قال اخسئو ا فيها ولا تكلمون) (2)، فقال الشبلي: ليت كنت واحدا منهم. (1) انظر : لتلك الشطحات وغيرها كتاب : شطحات الصوفية ص 28 – 32 نقلا عن اللمع السرَاج ص380 – 394، وعن ماسنيون في مجموع نصوص ابتداء من ص 27، وحلية الأولياء 1/41. (2) سورة المؤمنون 108.

عدد الصفحات ١٢٣

124 5- وقال: إن لله عبادا لو بزقوا على جهنم لأطفؤها فصعب ذلك على جماعة ممن كان يسمع ذلك. 6- وقيل له: لم تقول: "الله"، ولا تقول "لا إله إلا الله"؟ فقال استحى أن أواجه إثباتا بعد نفي.. أخشى أن أؤخذ في كلمة الجحود ولا أصل إلى كلمة الإقرار (1). وقال أبو الحسن النوري وقد سمع المؤذن طعنه وشم الموت وسمع نباح ك لب فقال: لبيك وسعديك. وسمع أبو حمزة الصوفي شاة مرغيا فقال:"لبيك يا سيدي". وقيل للتلمسا وقد أشاروا له إلى كلب أجرب ميت: هو ذات الله أيضا ؟ فقال: "وهل ثم شيء خارج عنها" (2). وهذه العبارات إنما هي أمثلة قليلة وهناك آلاف الشطحات في حال سكرهم بالله كما يزعمون، والحقيقة أنها صادرة عن أناس يدعون الحلول والاتحاد وهم في كامل وعيهم وشيطنتهم، وعندهم تمام الجرأة على الكذب على الله لجهلهم به عز وجل وهوانهم عليه. وإذا رجع القارئ إلى كتاب الطبقات الكبرى للشعراني فسيرى العجائب والغرائب مما ينقله الشعراني عن أسياده الذين ترجم لهم مبتدئا بقوله:"فقال سيدى.. رضي الله عنه – ثم ملأ كتابه بأخبار هؤلاء في شطحاتهم وفي تصرفاتهم بما يستحي الإنسان أن يقرأه أو ينظر فيه، شطحات تصل إلى عمق الكفر، وتصرفات من أولئك الأقطاب تصرخ بالعار والفجور، وقد ترجم لعدد كثير، فارجع إليه إن أحببت أن ت رى مهازل الصوفية وسقطاتهم التي لا تقال". وقد ترجم الشعراني لعدد كثير منهم، وزعم أنهم كلهم أقطاب التصوف، ولكن ينبغ ي الانتباه إلى أنه حشر خيرة الصحابة رضوان الله ع ليهم بل جعل الخليفة الأول للمسلمين أبا بكر رضي الله عنه هو أول هؤلاء الأقطاب ثم عمر، إلى أن ذكر أيضا كثيرا من خيار التابعين وعلماء الأمة الذين لا صلة لهم بخرافات الصوفية وخزعبلاتها، بل إن حشره لهؤلاء مع الحلاج والبسطامي والشاذلي والمرسي وغيرهم من عتاة التصوف يعتبر إهانة لهم. (1) انظر : المصادر السابقة (2) إلى التصوف يا عباد الله ص35.

عدد الصفحات ١٢٤

125 وقد سار على نفس المنهج كثير من مؤلفي الصوفية، كما فعل نفس المسلك الذي سلك ه الشعراني، المنوفي في جمهرة الأولياء، وقبلهم القشيري، وكل من جاء بعد هؤلاء سلك نفس ذلك المسلك الخاطئ. * * * * * * * * * * * * * *

عدد الصفحات ١٢٥

126 الفصل الخامس عشر التكاليف في نظر الصوفية يعتقد غلاة الصوفية أن الصلاة والصوم والحج والزكاة هي عبادات العوام، وأما هم فيسمون أنفسهم الخاصة أو خاصة الخاصة، ولذلك فإن لهم عبادات خاصة، ومناهج وطرق خاصة، ومفاهيم تختلف تماما عن مفاهيم العامة، خصوصا بعد وصول أحدهم درجة اليقين – كما يزعمون – وقد شرع كل قوم منهم شرائع خاصة بهم، في الذكر والخلوة والملابس المخصوصة والحلقات الخاصة. وقد يتفقون في بعضها وقد يختلفون، إلا أن كل صاحب طريقة يجعل على أتباعه أغلالا وحواجز شديدة، بحيث لا يستطيع أحدهم أن يغير طريقته بطريقة أخرى، وحتى مجرد الذكر إلا بإذن الشيخ وكل ذلك إنما يفعلونه كما يزعمون من أجل ربط القلب بالله للتلق ي عنه مباشرة، ولاستمداد العل وم والمعارف عن الله رأسا على يد شيخ خوله الله ومنحه القدرة على ذلك. وأما بالنسبة للتحريم والتحليل فأهل وحده الوجود منهم لا شيء يحرم عندهم؛ لأن الكل عين واحدة وفعل الخير وفعل الشر والقبيح والحسن إنما هي أفعال لا فروق بينها لاحتواء الذات لها كلها، ولذلك فقد حصل من بعض كبارهم وأئمتهم ما يستقبح الشخص مجرد ذكره؛ إذ كان منهم الزناة واللوطية والملاحدة، ثم لا يحق لأ ي شخص أن يعترض؛ لأن الشيخ لا يفعل شيئا إلا لحكمة. وأيضا لا يفعل هذه الأمور التي يعتبرها الناس فواحش بجسمه وروحه بل بجسمه فقط، وأما روحه فهي أجل من أن تتد إلى فعل هذه الأمور الجسيمة، وقد وجدوا من الناس الذين هم أضل من البهائم من يصدقهم في كل ما يصدر عنهم، فصدقوهم في التفرقة بين ما يفعلونه بأجسامهم لحكمة وبين ما في أرواحهم من السمو والتعالي عن ما يفعله سائر الناس، والعقل من أجل نعم الله على الإنسان. ثم اخترعوا مفهوما ضالا وهو أنه قد يصل الأمر أحيانا إلى حد أن للولي شريعته الخاصة، وللنبي محمد صلى الله عليه وسلم تلقي شريعته الخاصة فلا يمنع أن يحصل الخلاف بينهما ويكون

عدد الصفحات ١٢٦