المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها ج 03

غالب بن علي عواجي

صفحة ٩ من ٢١

127 الجميع على الصواب، فالو يتلقى شريعته عن الله مباشرة وهي شريعة للخاصة، ومحمد صلى الله عليه وسلم تلقى شريعته عن الله مباشرة و هي شريعة للعوام. ولذلك تجد في حلقات هؤلاء الصوفية الغلاة من الفواحش والخروج عن تعاليم الإسلام ما لا يمت إلى الإسلام بصلة؛ لأن هذه الأفعال من الاختلاط والحشيش وأنواع الفساد قد تكون مباحة في شريعة الولي مع حرمتها في شري عة النبي، ولكل شريعته. وما دام الشيخ الصوفي قد وصل إلى حد التلقي عن الله مباشرة واطلعه على كثير من أسرار هذا الكون وعرف الكثير من المغيبات فإنه والحال هذه ليس عنده طمع في جنة ولا خوف من النار، ومن هنا تنشأ الاستهانة التامة بجميع التكاليف الشرعية. وقد تبجح الكثير منهم بأنه لا يعبد الله طمعا في الجنة ولا خوفا من النار؛ لأن هذه العبادة معاوضة والصوفي قد اتحد بالله وفني فيه لأجله لا لغرض آخر، والخوف من النار أيضا طبع العبيد لا طبع الأحرار كما تبجح البسطامي بقوله السابق:"ما النار؟ لاستندن إليها غدا وأقول اجعلني لأهلها فداء أو لأبلعنها، ما الجنة؟ لعبة صبيان"، وقول الشبلي: "إن لله عبادا لو بزقوا على جهنم لأطفئوها". فهم يزعمون أنهم يعبدون الله حبا في الله لا كما يعبده الخائفون من النار الطامعون في الجنة فإن عبادتهم إنما هي على سبيل العوض لا حبا في الله – وعلى هذا فإن من سبقهم من صالحي المؤمنين والأولياء من الصحابة وغيرهم بل والأنبياء كانت همتهم قاصرة عن إدراك هذا المعنى الذي اهتدى إليه هؤلاء!! ومما يدل على تقدم ما نذكره فيما يلي من كلام الصوفية، حيث قسم المنوفي الناس بالنسبة لمراتبهم وقربهم وبعدهم عن الله تعالى ثلاثة أقسام تحت عنوان "حقيقة الطريق" فقال: "إن هذا الطريق وهو السيرة المختصة بالسا لكين إلى الله تعالى عند قطع المنازل والترقي في المقامات ينقسم بحسب اختلاف أحوالهم إلى ثلاثة أقسام لكل قسم منها طريقة: فالقسم الأول ذوو الامزجة الكثيفة والأفهام الضعيفة الذي ن يعسر عليهم محاولة التعلم من طريق التعليم ، فطريقهم يستقيم بالعبادة والتنسك والزهادة والصلاة والصوم وتلاوة القرآن والحج والجهاد وغيرها من الأعمال الظاهرة، لأن هذه الطائفة لصلابة أبدانها وقوة أركانها تتحمل مشاق

عدد الصفحات ١٢٧

128 العبادة… والسالكون بهذا الطريق لا يزالون على هذه المناهج حتى يرقوا لأرفع المعارج ويقربون من مواطن تنزلات المعارف – وإذا وصلوا إلى هذا الحد –"، فحينئذ يكشف لهم عن سبحات المحبوب ويرون عجائب الغيوب و يتلقون عرائس الأسرار، وهذه الطرق صعبة جدا والواصل بها على خطر عظيم. أما الثانية وهى طريقة أهل الخصوص وه م من ذوى الأفهام اللوذعية والأخلاق الرحبة والهياكل النورانية والنفوس الأبي، أولئك الذين قد لا يملكون نفوسهم في حال النزوات فطريقهم المجاهدات.. والسالكون بها لا يزالون يرتاضون في قلع ما انطبع في نفوسهم من الأخلاق الذميمة إلى أن تذهب تلك الطباع المكتسبة وترج ع إلى فطرتها السليمة. والقسم الثالث هم ذوو النفوس الرضية والعقول الزكية والفطرة الصديقية التي أبدان أصحابها في نهاية الاعتدال واللطافة، وطريقهم طريق المطلوبين إلى الله والطائرين إليه، وهي طريق المحبوبين المخطوبين من رب العالمين، وملاك السير بها صفاء القلب، وصدق الحب، والتحقق ظاهرا وباطنا جهرا وسرا بشعائر التصديق، فيخرج عن حوله وقوته وعقله وفطنته إلى حول الله وقوته"(1). وقال أيضا :"وبما أن التصوف هو زبدة الديانات ولبها وليس مجرد تقاليد وطقوس وقواعد ظاهرية كان لكل ديانة تصوفها" (2).وهذا الكلام فيه التصريح بأن التصوف لم يكن نبعه الإسلام فقط، وإنما هو زبدة الديانات أ ي أنه ملفق من ديانات شتى، وفيه أيضا التصريح بأنه ليس مجرد تقاليد وطقوس وقواعد ظاهرية. والإسلام كما هو معلوم فيه بيان شامل لكل ما يحتاجه المسلم وهو نظام كامل، ولا يجوز تسميته مجرد تقاليد وطقوس، عل ى أن القواعد الظاهرية نسبة إلى الظاهر يقصد بها قواعد الشريعة الذين يسميهم الصوفيون أهل الظاهر. وقد فرق أيضا بين الزاهد والصوفى: (1) انظر : جمهرة الأولياء 1/157، 158. (2) ص155.

عدد الصفحات ١٢٨

129 بأن الزاهد هو الذي ينصرف عن الملاذ ال دنيوية وينكر على نفسه جميع شهواته وإن أحلها الشرع، ويتحمل مرارة الجوع والعطش بصفة مستمرة و صوم دائم.. لا يفعل كل ذلك إلا طمعا في ربح الآخرة والمكافأة بجنات النعيم. وأما الصوفي فلا يرجو من ذلك شيئا وإنما همة الوقت الحاضر وهدفه أن زهد وأن عبد معرفة الله والاتصال برضوانه" (1). ومعنى هذا أن الجنة والنار لا قيمة لها في نظر الصو "لم يبلغ الأبدال ما بلغوا بصوم ولا صلاة، ولكن بالسخاء والشجاعة وذمهم أنفسهم عند أنفسهم"(2)، وهذا الكلام فيه الاستهانة بشرائع الإسلام حيث فضل السخاء والشجاعة وذم النفس على الصوم والصلاة. وقال أيضا : "إن الله يفتح للعارف وهو على فراشه ما لا يفتح لغيره وهو قائم يصلي"(3)، وهذه دعوى صريحة إلى التكاسل في الطاعات وتعريض بقلة فضل الصلاة. وتتضح منزل ة التكاليف عند بعض أولياء الصوفية عند الشعراني في تراجمه لكثير من أعلامهم بما لا يدع مجالا للشك في إلحاد وزندقة هؤلاء الذين يسميهم أولياء ويترضى عنهم أيضا . وكمثال على ذلك ما أورده في ترجم ته للشريف المجذوب حيث قال: "وكان أصله جمالا عند بعض الأمراء ثم حصل له الجذب … وكان له كشف ومثاقلات للناس الذين ينكرون عليه، وكان رضي الله عنه يأكل في نهار رمضان ويقول: أنا معتوق أعتقنى ربي، وكان كل من أنكر عليه يعطبه في الحال، وكان رضي الله عنه يتظاهر بب لع الحشيش فوجدوها حلاوة، وكان قد أعطاه الله تعالى التمييز بين الأشقياء والسعداء في هذه الدار" (4). ومن أولئك اولياء أيضا بركات الخياط رضى الله عنه، كان رضي الله عنه من الملامتية … وأخبرني الشيخ عبد الواحد رضي الله عنه أحد جماعة سيدي أبي السعود الجارحي رض ي الله عنه، (1) ص156. (2) جمهرة ا ولياء 2/175. (3) الرسالة القشيرية 2/606. (4) الطبقات الكبرى بتقديم بعض العبارات – انظر 2/150.

عدد الصفحات ١٢٩

130 قال: مدحته للشيخ جمال الدين الصائغ مفتى الجامع الأزهر وجماعة فقالوا: امضو بنا نزوره وكان يوم جمعة فسلم المؤذن على المنارة ، فقالوا له: نصلي الجمعة فقال: مالي عادة بذلك. فأنكروا عليه فقال: نصلى اليوم لأجلكم، فخرج إلى جامع المارداني فوجد في الطري ق مسقاة كلاب فتطهر منها، ثم وقع في مشخة حمير ففارقوه وصاروا يوبخون الشيخ الذي جاء بهم إلى هذا الرجل، وصار الشيخ بركات يوبخ عبد الواحد ويقول أيش هؤلاء الحجارة الذين أتيت بهم لا يعود لك بالعادة أبدا … وله وقائع مشهورة رضي الله عنه" (1). وأمثلة أخرى كثيرة يور دها الشعراني تدل على مدى استهتار هؤلاء الأولياء – حسب زعمه – بالأخلاق والدين والتكاليف، فقد ذكر عن علي وحيش ما يخجل القلم من كتابته ويتلعثم اللسان من النطق به(2)؛ من الأعمال الفاحشة والزنا وفعله بالبهائم وصاحبها قائم أمامه، وإن يرض تسمر في مكانه كما يذك ر الشعراني. ويبدو أن للكشف الصوفي علاقة قوية بترك التكاليف على حد ما أورده عنهم الشيخ سعيد حوى في قوله: "يربط بعض الصوفية بين الكشف وترك التكاليف، فيرون أن الإنسان متى كشف له شيء من أمر الغيب – وما أكثر ما يتوهون في هذا الشأن – سقط عنه التكليف، فلا صلاة و لا صيام ولا غير ذلك، ويستشهدون على ذلك بقوله تعالى:  وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتىَ يأَ تِّيَكَ الْيَقِّنُ  (3)"(4.) * * ** * * * * * * * * * * (1) الطبقات الكبرى2/144. (2) المصدر السابق2/149. (3) سورة الحجر 99. (4) تربيتنا الروحية ص 200.

عدد الصفحات ١٣٠

131 الفصل السادس عشر الأذكار الصوفية أم الأذكار الصوفية فحدث ولا حرج عن خرافتهم فيها، وقد قدمنا من الأمثلة ما يوضح حال هؤ لاء ومدى ما وصلوا إليه من الجهل بربهم والبعد عن هدى خير الأنام، هذا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا . لقد اخترعوا أذكارا وشرعوا أورادا ما أنزل الله بها من سلطان، بل اشتملت على الكفر والزندقة في كثير منها والكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، كما اشت ملت على كلمات سريانية غير معروفة المعنى وعلى رموز وحروف مقطعة لا يعرف المراد منها. وكل صاحب طريقة له أذكار هي أف ضل من كل ذكر، وأجرها أعظم من كل أجر، وما عداه باطل حسب تخرصاتهم في كل ذلك، ينطبق عليهم قول الله تعا النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيءٍ(1)، فهم متفرقون قد لا يجمعهم إلا الاتفاق على الرقص وادعاء الوصول إلى الله ومكالمته ورفع الغير والغيرية بينة وبينهم. مع أن كل صاحب طريقة يدعى أنه يأخذ تلك الأذكار مباشرة عن الله عز وجل أو عن نبيه صلى الله عليه وسلم، وأحيانا يقظة لا مناما كما يزعمون، وفضلوها تفضيلا عاليا ليرفعوا شأنها في نفوس أتباعهم ومريديهم على القرآن والسنة والأدعية المأثورة، ويطول البحث لو أردنا ذكر نماذج من تلك الطرق المختلفة والأذكار المتباينة فيما بينها. فمنها الأذكار التجانية التي سبق ذكرها، ومنها أذك ار البسطامي والرفاعي والجيلاني والشبلي وأبو العباس المرسي وآخرين كثيرين، ومنها أذكار الطريقة الشاذلية التي زعم أصحابها أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والخضر هما اللذان علما الشيخ أحمد الإدريسي، حيث ذكر تلميذه صالح محمد الجعفري ذلك في كتابه مفاتيح كنوز ا لسموات والأرض المخزونة التي أعطاها الرسول صلى الله عليه وسلم لشيخ الطريقة الإدريسية المصونة (2). (1) سورة البقرة 113. (2) انظر : الفكر الصوفي ص284.

عدد الصفحات ١٣١

132 وهي أذكار في غاية الركاكة والكذب على الله وعلى الرسول والاعتداء في الدعاء على حق ورسوله، ولم يكتف هؤلاء بادعائهم أنهم يأخذون أذكارهم عن الله ورسوله فقط، بل هناك كما يذكرون بعض الأولياء الذين قد ماتوا هم أيضا يلتقون ببعض المشائخ الأحياء ويعلمونهم أدعية وأورادا لا حد لأجر من يقولها. ولو كان الذكر كلاما لا معنى له في أي لغة من اللغات المعروفة من مثال ما ذكروه عن الدسوقي أنه علمهم هذا الدعاء: "بسم الله الخالق يلجمه بلجام قدرته أحمى حميثا أطمي طميثا وكان الله قويا عزيزا حم عسق حمايتنا كهيعص كفايتنا... "(1) إلى آخر الذكر الذي يدل على مدى ضحالة معرفتهم بالله ورسوله و عدم التفاهم إلى ما شرع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من الدعاء الواضح المثمر في قلب العبد إذا دعا ربه بإخلاص وتوجه. وقد ذكروا من الأجر لقائل أذكارهم الجوفاء ما لا يحد ولا يعد ولا يتصور في الذهن، وقد يبدو على تلك الأدعية حرارة الإيمان وصدق الالتجاء إلى الله تعالى، ولكنه في الحقيقة ليس موجها إلى الله فقط بل إلى أوليائهم الأحياء أو الأموات أيضا . و مدار أذكارهم على الإثبات كما يزعمون، فهم يقتصرون على لفظة "الله" بدلا عن لا إله إلا الله يعللون لهذا المسلك بما لا مقنع فيه حتى للجهال العامة فضلا عن أهل العلم، حيث يقولون: إن اقتصارهم على لفظة "الله" وتكرارها خوفا أن يموت الشخص عند ذلك النفي في قول "لا إله". ولا ندري كيف يقرءونها في القرآن الداخل في الإسلام عندما ينطق الشهادتين، وأمور أخرى لا يستطيع العقل أن يتصور مدى التخبط الذي حل بهؤلاء. ومن غريب أمر الصوفية في أذكارهم أنهم رتبوها على طريقة شي طانية من وحي شياطينهم، حيث جعلوا لكل اسم من أسماء الله تعالى ذكرا خاصا به، ولطبقة خاصة به، فمن ذلك زعمهم أن اسم الله العفو يليق بأذكار العوام، لأنه يصلحهم وليس من شأن السالكين إلى الله ذكره. (1) المصدر السابق : ص290. نقلا عن الإبريز للدباغ

عدد الصفحات ١٣٢

133 أما اسمه تعالى الباعث فإنه يذكره أهل الغفلة ولا يذكره أهل طلب ا لفناء، وأما اسمه الغافر فيلقن لعوام التلاميذ وهم الخائفون من عقوبة الذنب، وأما من يصلح للحضرة الإلهية فذكره مغفرة الذنب عندهم يورث الوحشة، وأما اسمه تعالى المتين فإن ذكره يضر أرباب الخلوة وينفع أهل الاستهزاء بالدين. وهكذا استمر السكندري في وصف أسماء الله و خواصها، وكأنما هو طبيب يصف العلاج ومنافعه، وقد تقدم ذكر الطريقة التجانية، ونضيف هنا ما استخلصه الشيخ عبد الرحمن الوكيل في بيانه لكيفيات الذكر الصوفي ومراحله، فنوجز ذلك فيما يلي (بتصرف): إذا جاء وقت المولد - الأعياد الوثنية - يجتمع الرجال والنساء أو الدراوي ش والدرويشات كما يحبون تسميتهم بذلك. بعد أن يتخموا بطونهم بأنواع المأكولات التي تقدم في هذه المناسبة يقوم الشيخ الكبير ويصفق بيديه اللامعتين من "دسم الحرام" إيذانا ببدأ الذكر. يخرج من شفتيه ومنخريه اسم الله ملحدا في حروفه وفي النطق به. يقوم المتغزلون بإن شاد قصائد غزلية تلهب المشاعر، ويصاحبهم المطبلون وأصحاب الآلات المطربة. ثم يهب الشيخ ويهب معه المريدون يتمايلون يمنة ويسرة في حركات مثيرة صاخبة كل ينوح على ليلاه(1)- هي الشعار العام لهم،وكل واحد من الحاضرين يبذل أ قصى جهده في إظهار أقوى الحركات والحماس ليلفت الأنظار إليه. على الحاضرين أن يستحضر كل واحد منهم صورة شيخه أمامه إن لم يكن موجودا ، أو يستمد منه العون في بدء قيامه بهذا الذكر قائلا : مددك يا أستاذي، ثم يستأذن أصحاب الطريق والقدم فيقول: دستور يا أصحاب الطريق والقدم. ينبغي على كل واحد أن يلتزم بطريقة الذكر، وهي كما يلي: أن يهتز من فوق رأسه إلى أصل قدميه. (1) حينما ذهبت في رحلة علمية إلى دولة عربية سنة 1397ها

عدد الصفحات ١٣٣

134 أن يبدأ با (لا) يمينا ويرجع با (إله) فيتوسط، ثم يختم (إلا الله) يسارا قبلة القلب. إذا ذكر اسما مفردا مثل الله، أو هو، أو حي لابد أن يضرب بذقنه على صدره. في كل ذلك يجب أن ينتع الكلمة من سرته إلى قلبه ثم يستمر هكذا في هذه الصور البهلوانية التي هي أقرب إلى الجنون والعربدة منها إلى أقل التفات إلى الله تعالى أو ثوابه وعقابه. يجب ملاحظة أن المريد لا يدعو بأي اسم لله إذا سمح له به الشيخ وإلا حصل عليه ضرر شديد. ثبت أن تلك الطريقة الصوفية في الدعاء أخذت بتمامها عن اليهود، حيث جاء ذلك في المزمور التاسع والأربعين بعد المائة في العهد القديم وهو: "ليبتهج بنو صهيون بملكهم ليسبحوا اسمه برقص، بدف وعود ليرنموا، هللوا يا، سبحوا الله في قدسه، سبحوه برباب وعود، سبحوه بدف ورقص، سبحوه بأوتار ومزمار، سبحوه بصنوع الهتاف"(1) ولقد ذكر ابن عطاء الله السكندري أدعية عن مشائخه وأسياده في الطريقة طويلة مملة ممجوجة، مملوءة بالتنطع والتعدي في الدعاء والإشعار بكبريائهم وعتوهم وطلبهم الحلول والاتحاد به، منه دعاء الشيخ أبو الحسن الشاذلي، وفيه: "يا عزيز يا رحيم... وأسقط البين بيني وبينك حتى لا يكون شيء أقرب إلي منك... اللهم هب لي النور الذي أرى به رسولك صلى الله عليه وسلم ما كان ويكون، اللهم ارزقني من كنز لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة، واضربني بها ضربا تمحق بها من قلبي كل قوة. باسم المهيمن العزيز القادر أجل كل شيء وهو ناصري ق.ج ن ص انصرني" (2). ونفس الدعاء السابق أيضا كان يدعو به القطب الكبير أبو العباس أحمد المرسي، بل وزاد عليه أشياء أخرى ومنه: (1) انظر : ما كتبه الشيخ عبد الرحمن الوكيل عفا الله عنه ص 141-145. وانظر العهد القديم المزامير ص641. (2) لطائف المنن ص342.

عدد الصفحات ١٣٤

135 "اللهم اهدني لنورك... وهب لي علما يوافق علمك... وارفع الحجاب فيما بيني وبينك، وأسقط البين عني حتى لا يكون شيء بيني وبينك، واكشف لي عن الحقيقة الأمر.."، إلى أن قال: "كيف يكون ذنبي عظيما مع عظمتك أم كيف تجيب من لم يسألك وتترك من سألك؟ إلهي جذبك لي أطمعني فيك...قاف جيم سران مع سرك هب لي من نورك ما أتحقق به حقائق ذاتك"(1) الخ. ثم أورد الس كندري دعاء حزب شيخه الشاذلي، وفيه: "لا إله إلا الله نور عرش الله، لا إله إلا الله نور لوح الله، لا إله إلا الله نور قلم الله، لا إله إلا الله نور رسول الله"، ثم كرر الدعاء على الصفة إلى أن قال: "وتالله لئن لم ترعني بعينيك وتحفظني بقدرتك لأهلكن نفسي ولأهلكن أمة من خلقك.. يا من به ومنه وإليه يعود كل شيء أسألك بحرمة الأستاذ، بل بحرمة النبي الهادي، بل بحرمة السبعين والثمانية.. اللهم صلني باسمك العظيم الذي لا يضر معه شيء في الأرض ولا في السماء، وهب لي من سرا لا تضر منه الذنوب شيئا .. واجعلني خزانة الأربعين"(2). إلى آخر ما ورد من أذكار لا تسمن ولا تغني من جوع، بل هي سراب يحسبه الظمآن ماء ومنهم من يدعو بهذا الدعاء بدلا عن سبحان الله وبحمده، لا إله إلا الله، بدلا عن ذلك يدعو بهذا الذي تقشعر منه الجلود وتشمئز منه النفوس وهو من أدعية الطريقة الشاذلية. "سقفاطيس، سقاطيم آمون قاف آدم حم هأ آمين كد كد كردد ده بها بهيا بهيا بهيهات لمقفنجل يا أرض خذيهم"(3)، نعم يا أرض خذيهم إنها مأساة حقيقية حين توجد تلك الأذكار الجوفاء ثم يتبعها الوجد والرقص والطبول والزغاريد كما نبينه فيما يلي: * * * * * * * * * * * * * * (1) لطائف المنن ص343-354. (2) المصدر السابق ص355-365. (3) انظر : الفكر الصو ص292، نقلا عن أبى الحسن الشاذلي لعبد الحليم محمود ص210.

عدد الصفحات ١٣٥

136 الفصل السابع عشر الوجد والرق عند الصوفية لقد ك ان للغرام العارم والرقص والتمايل عند الصوفية مكانه ثابتة بل هذا النوع صار من أقوى الشبكات التي يصطادون بها من قلت معرفتهم بالدين الإسلامي الحنيف، وحقا إنه نوع من الخلل في السلوك والاضطراب الذهني حين يعبدون الله بالرقص والحركات التي لا تمت إلى عبادة الله بأية صلة إلا كما تمت إليها عبادة اليهود من قبل حين حثتهم التوراة _ وعند الصوفية في أوقاتهم الخاصة مجالس يجتمعون فيها على الرقص والغنا ء والتصفيق والصياح بأصوات منكرة يمزقون فيها ثيابهم ويتمايلون حين يأخذ منهم الطرب مأخذه في حركات بهلوانية لا يفهم منها أي إشارة إلى الخوف من النار أو الرغبة في الجنة. وقد أصبح الرقص الصوفي الحديث عند معظم الطرق الصوفية في مناسبات الاحتفال بمولد بعض كبارهم أ و في أية مناسبة من مناسباتهم الكثيرة، يحضر عازفون وموسيقيون ويختلط بعضهم ببعض رجالا ونساء كبارا وصغارا ، ويجلس في هذه المناسبة كبار الأتباع يتناولون ألوانا من شرب الدخان، وكبار أئمتهم يقرءون عليهم بعض الخرافات المنسوبة لمقبوريهم (1). والغناء الذي يترنمون به يشتعل حبا وعشقا وغراما وقصائد وجد وحزن، فإذا سئلوا عن ذلك زعموا أنها من الطرق التي توصلهم إلى ربهم، أو هو الحب الإلهي كما يسمونه لترغيب الناس فيه. وهذه الصور البهلوانية الرعناء هي صورة الذكر. فهل كان الرسول صلى الله عليه وسلم أو أحد من الصحابة يفعل ون مثل هذا التنطع المذموم، وهل مثل تلك الحركات تشير إلى الخشوع لله تعالى والسكينة في العبادة من قريب أو من بعيد، وهل ذلك الاختلاط والتمايل يمكن أن يكون بعيدا عن الشيطان. إنها مهازل وسخرية بدينهم ومع ذلك فهم يتلمسون لهم الأدلة التي يجادلون بها مهما كان سقو طها. أدلتهم على جواز ذلك والرد عليها: (1) انظر : الصوفية معتقدا ومسلكا ص230

عدد الصفحات ١٣٦

137 وهكذا لم يكتف هؤلاء بتلك المسالك التي غلوا فيها إلى أن أخرجوا بعض عباداتهم في صور غنائية ورقص، بل حاولوا كذلك أن يجدوا لتلك الأفعال أدلة لمشروعيتها، ومن ذلك: زعمهم أن سلمان رضي الله عنه حين نزل قوله تعالى: (وإن جهنم لم وعدهم أجمعين)(1) صاح سلمان الفارسي صيحة ووقع على رأسه ثم خرج هاربا ثلاثة أيام. ومن ذلك أيضا احتجاجهم بقول الله تعالى لأيوب عليه السلام: (اركض برجلك)(2). ومنها قول الرسول  لعلي: "أنت مني وأنا منك" فحجل، وقال لجعفر: "أشبهت خلقي وخلقي" فحجل، وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا" فحجل. ومنها احتجاجهم لسماع الرسول  جاريتين تغنيان بحضرة الن صلى الله عليه وسلم وهو مسجى بثوبه، فجاء أبو بكر فانتهرهم، فن هاه الرسول  وقال: "دعهما فإنها أيام عيد ومنها أن الحبشة زفنت والنبي  ينظر إليهم واحتج أبو عبد الرحمن السلمي على جواز الرقص بما روي عن الشافع ي أن سعيد بن المسيب مر في بعض أزقة مكة فسمع الأخضر الحداء يتغنى في دار العاص بن وائل بهذين البيتين: تضوع مسكا بطن نعمان أن مشت به زينب في نسوة عطرات فلما رأت ركب النميري أعرضت وهن من أن يلقينه حذرات قال فضرب برجله الأرض زمانا وقال: هذا مما يلذ سماعه. ومنها أن عمر رضي الله عنه كان ربما مر بآية في وردة فتخنقه العبرة ويسقط ويلزم البيت اليوم واليومين حتى يعاد ويحسب مريضا . ومنها أن الرسول  قال في حق أبى موسى" لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود " ومنها استحسان الرسول شعر النابغ ة حتى قال له: "لا يفضض الله فاك"، ووضعه أيضا المنبر لحسان يقول عليه الشعر في هجاء المخالفين للرسول . ومنها أن بعض الصالحين رأى الخضر وسأله عن السماع الصوفي فقال له: ذلك هو الصفاء الزلال. (1) سورة الحجر 43. (2) سورة ص 42.

عدد الصفحات ١٣٧

138 ورأى أحدهم الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام فسأله عن سماع الصوفي ة فقال له الرسول: ما أنكره، ولكن قل لهم يفتتحون قبله بقراءة القرآن ويختتمون بعده بالقرآن.. ومنها أن الخضر تواجد حتى سقط على جبهته وصار الدم يقطر منها ولا يقع على الأرض، حين سمع أبياتا من الشعر قالها شخص بحضرته، ذكرها السهروردي. ومن أدلتهم أن بعض الصالحين رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وهو يقول له كلاما والنبي صلى الله عليه وسلم قد وضع يده على صدره كالمتواجد بذلك. ثم أورد السهروردي أدلة كثيرة عن بعض الصوفيين في حال تواجدهم؛ بعضهم مشى على الماء، وبعضهم لم يحترق بالنار، وبعضهم يرتفع أذرعا عن الأرض، إلى أن، ختم السهروردي أدلته – وهى كثيرة بزعمه – بهذه القصة، و هي أن أعرابيا أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد لسعت حية الهوى كبدى فلا طيب لها ولا راقي إلا الحبيب الذي شغفت به فعنده رقيتي وترياقي فتواجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتواجد الأصحاب معه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، ثم قسم رداءه بينهم، حيث مزقه إلى أربعمائة قطعة (1). تلك أهم الحجج التي يتمسك بها الصوفيون في مشروعية لهوهم وتواجدهم، فما مدى صحة استدلالهم، وهل ما ذكروه من تلك الروايات كلها صحيحة، أو هل كان فهمهم لها فهما صحيحا ؟ والجواب عن هذه الاحتجاجات يحتاج إلى دراسة ووقت، ولكن أكتفى هنا بإيجاز الرد عليهم في دفع حججهم وأدلتهم بأنها احتجاجات واهية وتلفيق غير مقبول ومزاعم لا صحة لها: *فأما ما رووه عن سلمان فإنه كذب، ومحال كذلك، فقد رويت هذه القصة بلا سند. ثم إن الآية نزلت بمكة بالاتفاق كما قال الق رطبي ، وسلمان إنما أسلم بالمدينة كما هو معلوم. ثم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينهي أشد النهي عن مثل هذه الأ مور المنافية للوقار والخشوع، فإنه كان صلى الله عليه وسلم يبغض الصياح أو إظهار التخشع عند سماع القرآن أو (1) انظر عوارف المعارف ص 124-147، وانظركتاب حزب الرحيم 1/179 (هامش جواهر المعا)، وانظر : الصوفية معتقدا ومسلكا ص 230. وانظر : الرسالة القشيرية 1/246 – 252.

عدد الصفحات ١٣٨

139 المواعظ إلا في الحدود المشروعة، ومن ذلك ما رواه أنس قال: "وعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فإذا برجل قد صعق فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من ذا الملبس علينا ديننا إن كان صادقا فقد شهر نفسه وإن كان كاذبا فمحقه الله"(1). وقد عرف عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم كانوا يخشعون تمام الخشوع، ف تذرف عيونهم وتخاف قلوبهم، ولم يصعق أحد منهم وهم أعرف بالله من غيرهم وأتقى له وأكثر انقيادا وقبولا للحق تمسكا به، ولو كان ذلك الوجد والهيام والصعق خير لما سبقهم أحد إليه. *واما احتجاجهم بقول الله تعالى لأيوب: (اركض برجلك) (2) فهذا احتجاج يدل على جهل صاحبه بحقيقة حال أيوب المبتلى بما لا يصبر عليه أحد إلا من أعانه الله وقوى يقينه، فإنه يقال لهذا المحتج: إن الله لم يأمر أيوبا بضرب رجله فرحا وطربا . وإنما أمر بضرب رجله من باب فعل الأسباب إكراما من الله تعالى له، ثم إنه لم يركض برجله ابتداء وإنما تنفيذا للأمر، وكذلك لإشعاره بتغير الحال، ولحكم أخرى لا يعلمها إلا الله تعالى ليس منها جواز الرقص، ولم يك حاله يستدعي أن يضرب برجله الأرض تواجدا وطربا إلا عند الجفاة. *وأما احتجاجهم بحجل على و جعفر وزيد، فإن الحجل هو نوع من المش ي يفعل عند الفرح وارتياح النفس أحيانا ليعبر الشخص به عن فرحه دون قصد الرقص والتمايل، والصحابة هؤلاء لم يكن منهم رقص ولا تمايل ولا إنشاد قصائد الغزل المهيجة، فليس فيه دلالة على ما يريد المتصوفة، وما فعله هؤلاء الصحابة إنما كانت حالة عارضة لا قصد لهم فيها لإظهار الطرب والتواجد. *وأما احتجاجهم بزفن الحبشة فإن الزفن أيضا نوع من المشي مع الرقص ويشير كذلك إلى الاعتداد بالنفس، وأكثر ما يفعل عند اللقاء في الحرب إظهارا للشجاعة وعدم المبالاة بالعدو، وليس المقصود منه الرقص والطرب كما يرى الصوفية. *وأما ما ذكروه عن سعيد بن المسيب – رحمه الله – فإنه مكذوب عليه، وليس هذا شعره، وهو أوقر من أن يصل إلى هذا الحد. (1) تلبيس إبليس ص252. (2) سورة ص 42

عدد الصفحات ١٣٩

140 *وهذه الأبيات فيما يذكره الأدباء قالها محمد بن عبد الله بن نمير الشاعر الثقفي، يتغزل فيها بزينب بنت يوسف الثقف ي أخت الحجاج. وقد هرب بعد ذلك إلى عبد الملك خوفا من الحجاج، فسأله عبد الملك بن مروان عن الركب ماذا كان؟ فقال له: كانت أحمرة عجافا حملت عليها قطرانا من الطائف، فضحك عبد الملك وأمر الحجاج أن لا يؤذيه. ثم لو قدرنا أن ابن المسيب ضرب برجله الأرض فليس في ذلك حجة على جواز الرقص، ولا أنه ضرب بها وهو يريد الرقص، فإن الإنسان قد يضرب برجله الأرض أو يدقها لشيء يسمعه ولا يسمى ذلك رقصا منه، بل إن الإنسان قد يضرب برجله الأرض إما فرحا وإما غضبا وإما غيظا (1). *وأما احتجاجهم بسماع الرسول للجاريتين فهو استدلال غريب منهم على جواز الرقص والتمايل والتواجد؛ ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مسجي بثوبه، وه م حينما يتواجدون لا يتدثرون بثيابهم، بل تعلو همتهم ويشتد عراكهم ويمزقون ثيابهم، فأين فعلهم من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم؟. *كذلك فإن الجاريتين كانتا تنشدان كلاما ليس فيه غزل أو تشبيب أو خروج عن حد الوقار والأدب، وكان الحال يستدعي الترويح عن النفس، خصوص ا وأنه يوم عيد وعائشة رضي الله عنها كانت جارية شابة. *وأما استدلالهم بما ينسبونه إلى عمر رضي الله عنه من أنه كان يلزم البيت اليوم واليومين حينما يسمع بعض الآيات في ورده؛ فإنه لم يعرف أن الصحابة كانت لهم أوراد يرددونها على طريقة الصوفية، بل ولم يعرف عنه أن ه يمرض اليوم واليومين بسبب ما يسمعه من بعض الآيات، لا هو ولا غيره من الصحابة. *وأما استدلالهم بحسن صوت أبى موسى فليس فيه دليل على الوجد الصوفي، وإنما هو إخبار من الرسول صلى الله عليه وسلم بتلك النعمة التي أعطيها أبو موسى، فهل كان الصحابة يرقصون على سماع قر اءته أو يصعقون أو يمزقون ثيابهم؟ كلا. (1) انظر : الصوفية معتقدا ومسلكا ص231.

عدد الصفحات ١٤٠

141 *وكذلك استحسان الرسول صلى الله عليه وسلم لبعض الكلام أو الشعر ليس فيه دلالة للصوفية، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستحسن أشياء ويستقبح أشياء، وهذا أمر طبيعي في النفوس. *وأما ما يحشده أقطاب التصوف من الأدلة بالرؤى المنامية أو بمقابلتهم للخضر، فإنها أدلة باطلة، حتى ولو كان الرائي ثقة، فإنه لا يتعبد برؤياه فما بالك وتلك الرؤى الصوفية عن مجهولين، إضافة إلى التكليف الظاهر في رواياتهم. *وزعمهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يطرب ويتواجد ويضرب بيده على صدره ويمزق ثيابه ويعطيها لأصحابه كله كلام يدل على عدم احترامهم للرسول صلى الله عليه وسلم وعدم معرفة قدرة العظيم. فهل كان يصل به التواجد إلى حد أن يسقط رداءه عن منكبيه من سماع تلك الأبيات الفارغة: قد لسعت حية الهوى كبدي …؟ *وما ذكره السهروردي من أن بعض أقطاب التصوف يكاد أن يطير أو يرتفع من الأرض أذرعا أو يدخل الشمعة في عينه أو يطأ النار ولا يحس بها أو يمشي على الماء أو غير ذلك من الحركات البهلوانية العشوائية التي يفعلها هؤلاء، فلا ريب أنها من أقوى الدلائل على تلاعب الشياطين بهم وإخراجهم عن حد الاعتدال الذي أقل ما يوصف به أن ه ينافي الخوف من الله تعالى والرغبة في المغفرة. * * * * * * * * * * * * * *

عدد الصفحات ١٤١

142 الفصل الثامن عشر الكرامات وخوارق العادات عند الصوفية للأولياء الحقيقيين كرامات لا ت نكر، وقد كان للصحابة رضي الله عنهم من الكرامات ما هو جدير بهم، وكان لغيرهم من الأولياء والعلماء كرامات كثيرة، وهدفنا هنا من ذكر الكرامات وخوارق العادات هو بيان تلك الكرامات والخوارق التي تتم على أيد ي أناس ليسوا من أولياء الله، وليس لهم صلاح يؤهلهم لذلك. وبيان أن ذلك من مكائد الشيطان وتلبيسه على الناس بأن يظهر لبعضهم أمورا غيبية تبدو كأنها كرامات من الله للشخص فيتخيل أنه بلغ منزلة عالية فاق فيها غيره من الناس، و أنه أصبح يماثل الأ نبياء في كراماتهم وقربه من الله. وهذه الحال كثيرة الوقوع لمن يدعون أنهم أولياء لله، وأكثرهم في الحقيقة أعداء له وموالين لشياطينهم. ومن تلاعب الشياطين بهؤلاء: أن يسمع أحدهم صو تا من حجر أو شجر أو صنم يأمره وينهاه بأمور في بعضها الشرك بالله فيظن المغرور أن الله خاطبه أ و ، الملائكة على سبيل الكرامة، ومعلوم أن الله لا يأمر بالفحشاء، والملائكة لا تأمر بالشرك بالله وإنما أولئك هم الشياطين يلبسون عليهم أمورهم كما كانوا يفعلون ذلك قبل الإسلام أيضا . وقد يظن هؤلاء أن ذلك وحى من الله عليهم كما حصل لكثير من الذين قلت معرفتهم بالله كالمختار بن أبى عبيد الذي أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كذاب ثقيف وغيره ممن استهوتهم الشياطين. ومنها: أن الشياطين قد تتمثل بصورة المستغاث به من الناس ف يظن المشرك بالله أن هذه الصورة هي الشيخ الفلاني أو الولي الفلاني، أو أن ملكا جاء على صورته، وإنما هو في الحقيقة شيطان تمثل له ليضله. ومنها: أن تخاطب الشياطين بعض العبَّاد الجهال، ويوهمونه أنه المهدي المنتظر وصاحب الزمان الذي بشر به الرسول صلى الله عليه وس لم، ويغرونه بزخرف القول وشتى الوساوس حتى يصدق نفسه فيدعي المهدية وغير ذلك.

عدد الصفحات ١٤٢