287 وأهله من جناية! فهل قتل عثمان رض ي الله عنه إلا بالتأويل الفاسد؟، وكذا ما جرى في يوم الجمل وصفين ومقتل الحسين والحرة. وهل خرجت الخوارج، واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض، وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إلا بالتأويل الفاسد)) (2) لقد كثر الجدال والخصام بين أهل السنة من جانب، وبين ا خالفين لهم ممن تأثر بعلم الكلام والفلسفات من جانب آخر في قضية التأويل. فما هو التأويل، وما المراد به عند هؤلاء الفرق من الأ شعرية والماتريدية والمعتزلة وغيرهم ممن اقتحم التأويلات الفاسدة حقيقة التأويل في أساس إطلاقه يشمل أمرين: الأمر الأول: تطلق كلمة التأويل ويراد بها ما تؤول إليه حقيقة ذلك الش يء ومصيره وعاقبته. الأمر الثاني: تطلق هذه الكلمة ويراد بها معرفة ذلك الش يء ومفهم تفسيره وبيانه، سواء وافق ظاهره الصواب أو خالف ه، وكثير من المفسرين يستعمل كلمة التأويل بمعنى التفسير فيقول: تأويل هذه الآية كذا أي تفسيرها، فإن وافق الحق فهو مقبول وصحيح، وإن خالفه فهو باطل. وقد ورد ذكر كلمة التأويل في القرآن الكريم في عدة آيات، قال تعالى: ذلك خير وأحسن تأوي (3) أي عاقبة التحاكمإلى الله ورسوله عند التنازع هو أحسن مآلا وعاقبة، ومنه قوله تعالى: هل ينظرون إلا تأويله (4)، أي عاقبة تأويله، وجميع ما ورد القرآن الكريم من معاني التأويل فهي تطلق بهذا المعنى. وورد في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى (5) حيث روى سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم من تحت أرجلكم (6)، فقال ((أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد))، أي لم يأت وقت ظهور حقيقة العذاب ومصير المخاطبين وما تؤول إليه عاقبتهم. وورد في السنة النبوية أيضا استعمال التأويل بمعنى التفسير والمعرفة كما في دعائه صلى الله عليه وسلم لابن عباس بقولة: ((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)) (7)، أي فهمه معرفة الدين
عدد الصفحات ٢٨٧288 وهذه المعا للتأويل هي التي كانت معروفة عند السلف قبل ظهور أهل الكلام و الفلسفات العقيمة، وقبل ظهور الخصام والجدال في معاني التأويل. قال ابن القيم: ((وأما المعتزلة والجهمية وغيرهم من فرق المتكلمين فمرادهم بالتأويل: صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه وما يخالف ظاهره، وهذا هو الشائع في عرف المتأخرين من أهل الأصول والفقه، وله ذا يقولون: التأويل على خلاف الأصل والتأويل. وهذا التأويل هو الذي صنف في تسويغه و إبطاله من الجانبين، فصنف جماعة في تأويل آيات الصفات وأخبارها، كأبي بكر بن فورك وابن مهدى الطبر ي وغيرهما، وعارضهم آخرون فصنفوا في إبطال ذلك التأويل، كالقاض ي أبى يعلى والشيخ موفق الدين بن قدامة، وهو الذي حكى عن غير واحد، إجماع السلف على عدم القول به)) (1) وقد بين ابن القيم رحمه الله انقسام التأويل إلى صحيح وباطل وأنه ينحصر في هذين القسم فقال: ((وعلى هذا يبنى الكلام في الفصل الثاني، وهو انقسام التأويل إلى صحيح وباطل. وذكر أن كل ما ورد من الروايات عن الصحابة وفيها ذكر التأويل، أن المراد به حقيقة المعنى وما يئول إليه في الخارج أو المراد به التفسير، وذكر أمثلة كثيرة على هذا، وأن تأويلهم من جنس التأويل الذي يوافق الكتاب والسنة أو أن لهم وجهة نظر قوية لا تخرج عن الحق ( 1 ) وأما التأويل الباطل فقد ذكر له عدة أنواع منها: أحدها: ما لم يحتمله اللفظ بوضعه، كتأويل قوله صلى الله عليه وسلم: ((حتى يضع رب العزة عليها رجله)) (2) بأن الرجل جماعة من النا س، فإن هذا لا يعرف في شيء من لغة العرب ألبته. الثاني: ما لم يحتمله اللفظ ببنيته الخاصة من تثنية أو جمع، وإن احتمله مفردا كتأويل قول لما خلقت بيدي (3) بالقدرة الثالث: ما لم يحتمله سياقه وتركيبة وإن احتمله في غير ذلك الس ياق، كتأويل قوله: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك (4) بأن إتيان بعض آياته التي هي أمره، وهذا يأباه السياق كل الإباء.
عدد الصفحات ٢٨٨289 الرابع: ما لم يؤلف استعماله في ذلك المعنى في لغة المخاطب وإن ألف في الاصطلاح الحادث، وذكر أن هذا النوع لم يؤلف استعماله في لغة العرب وإن كان معهوداٍَ في اصطلاح المتأخرين، ومثل لهذا بتأويل الجهمية والفلاسفة والمعتزلة لقول الله تعالى: ثم استوى على العرش (5) بأن المعنى أقبل على خلق العرش، فإن هذا لا يعرف في لغة العرب، بل ولا غيرها من الأمم، أن من أقبل على الشيء يقال: قد استوى عليه، فلا يقال لمن أقبل على الرجل: قد استوى عليه ولا لمن أقبل على الأكل: قد استوى على الطعام. الخامس: ما ألف استعماله في ذلك المعنى لكن في غير التركيب الذي ورد به النص، فيحمله المتأول في هذا التركيب الذي لا يحتمله على مجيئه في تركيب آخر يحتمله، وهذا من أقبح الغلط والتلبيس، و مثل لهذا بتأويل اليد بالنعمة، والنظر إلى الله بانتظار الثواب. السادس: كل تأ ويل يعود على أصل النص بالإبطال فهو باطل، كتأويل قوله صلى الله عليه وسلم: ((أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل)) (1)، بحمله على الأمة، فإن هذا التأويل مع شدة الفته لظاهر اللفظ يرجع على أصل النص بالإبطال وهو قولة: ((فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها)) ومهر الأمة إنما هو للسيد، فقالوا: نحمله على المكاتبة، وهذا يرجع على أصل النص بالإبطال من وجه آخر، فإنه أتى بأي الشرطية التي هي من أدوات العموم، وأكدها بما المقتضية تأكيد العموم، وأتى بالنكرة في سياق الشرط وهى تقتض ي العموم، وعلق بطلان النكاح بالوصف المناسب له المقتضى لوجود الحكم بوجوده وهو نكاحها نفسها، ونبه على العلة المقتضية للبطلان وه ي افتياتها على وليها، وأكد الحكم بالبطلان مرة بعد مرة ثلاث مرات، فحمله على صورة لا تقع في العالم إلا نادرا يرجع على مقصود النص بالإبطال (2) إلى آخر الأوجه التي ذ كرها للتأويل الباطل. وكان السلف يدركون الفرق بين التأويل بمعنى التفسير وفهم المراد من الكلام الذي هو باستطاعة الإنسان الوصول إليه – وهذا هو التأويل المقبول عند السلف – وبين التأويل بمعنى معرفة ما يؤول إليه المراد من الكلام سواء كان في الدنيا أو في الآخرة م ن الأمور الغيبية، الذي ليس باستطاعة الشخص معرفته إلا بعد ظهوره ووضوح حقيقته.
عدد الصفحات ٢٨٩290 وأمثلة هذا النوع كثيرة يمثلها الإخبار بالمغيبات التي ستحدث في الدنيا أو في الآخرة، ويمثلها كذلك معرفة صفات الله عز وجل حقيقتها وكيفياتها. وأهل السنة لا يتعدون هذه المفاهيم الواض حة المشرقة البعيدة عن التكليفات والتأويلات الباطلة. ولو وقف الخلف عند المكان الذي وقف فيه السلف لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ولكنهم تجاوزوا النصوص وقدموا عليها عقولهم ومفاهيمهم القاصرة وتأويلاتهم الباطلة، فجاءت خليطا مشوها . والتأويل في عرف هؤلاء المتأخري ن يراد به: ((صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك، فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاهرة تأويلا على اصطلاح هؤلاء، وظنوا أن مراد الله تعالى بلفظ التأويل ذلك، وأن للنصوص تأويلا يخالف مدلولها لا يعلمه إلا الله ولا يعلمه المت أولون)) (3). فالمتأخرون يريدون بالتأويل عدم إجراء النص على ظاهره والإتيان له بمعنى يحتمله، ليتوافق مع تأويلهم الذي حرفوه عن معناه الصحيح، وهذا هو التأويل الباطل. وقد رفض السلف تأويل الخلف بالمعنى الذي قرره هؤلاء، لأنه تحريف للنصوص وإبعاد للمراد منها، خصوصا وأن تلك النصوص ظاهرة الدلالة لا خفاء فيها ولا احتمال، فإن كل ما جاء في القرآن والسنة من الوضوح وتحديد المراد ما لا يحتمل التلاعب به ولا بمعاينة، لأنه نزل على قوم أدركوا المراد به وآمنوا به وأطمأنت قلوبهم، ولم يحتاجوا إلى التأويلات التي اخترعها زعماء الت عطيل. فإنه على حسب مفهومهم ما من نص إلا وهو يحتمل التأويل، وبالتالي فلا تتم الثقة بأي نص على ظاهره، فإذا ورد النص بقول: وجاء ربك (1) قالوا: جاء أمره، وإذا ورد النص إن سميع بصير (2)، قالوا: سميع بلا سمع، بصير ب بصر بل بذاته ورحمة الله إرادة ا لثواب، واليد النعمة.. إلى غير ذلك من تلك التأويلات التي ملئوا بها كتبهم، استنادا إلى أن العقل هو الفاصل والمقدم على النقل، فلا حرج بعد ذلك أن تؤول نصوص الكتاب والسنة وأقوال السلف الذين يقتدي بهم
عدد الصفحات ٢٩٠291 على حسب ما تراه العقول، فصار هؤلاء المؤولة أشر من المعطلة، قال ابن القيم رحمة الله: ((فصل في بيان أن التأويل شر من التعطيل)). وتحت هذا العنوان قال عن التأويل: ((فإنه يتضمن التشبيه والتعطيل والتلاعب بالنصوص وإساءة الظن بها، فإن المعطل والمؤول قد اشتركا في نفى حقائق الأسماء والصفات، وامتاز المؤول بتلاعبه بالنصوص و إساءة الظن بها، ونسبة قائلها إلى التكلم بما ظاهرة الضلال والإضلال)) (3) . وقال ابن أبى العز ((فإنه قد صار اصطلاح المتأخرين في معنى التأويل أنه صرف اللفظ عن ظاهرة، وبهذا تسلط المحرفون على النصوص وقالوا: نحن نتأول ما يخالف قولنا فسموا التحريف تأويلا ، تزيينا له وزخرفة ليقبل)) إلى أن قال: ((فمن التأويلات الفاسدة تأويل أدله الرؤية وأدلة العلو، و أنه لم يكلم موسى تكليما ولم يتخذ إبراهيم خليلا )) (4) . وما زعمه المؤولة من أن نصوص الصفات في القرآن والسنة لا تعرف إلا بالتأويل زعم مردود، إذا أريد أن معاني تلك الصفات معروفة، أما إذا أريد بأنها لا تعرف بمعنى أننا لا نعرف كيفيتها فهذا حق، ولكنهم لا يريدو نه. وعموما فكل تأويل يوافق دلالة الكتاب والسنة فهو مقبول وصحيح، وكل تأويل يخالفهما فهو تأويل فاسد فاتح لباب الزندقة، مهيئ للتفلت من قبول الشرع، ومسبب للحيرة والاضطراب، ويمثل علماء السلف للتأويل الصحيح بمسألة شفعة الجار في حديث ((الجار أحق بسقبه)) (5)، أي من حق الجار أن يشفع حق جاره ويكون أحق بشرائه من غيره، ولفظ الجار يشمل الجار الملاصق ويشمل أيضا الشريك المقاسم على احتمال مرجوح. لكن هذا الاحتمال المرجوح هو الصحي ح المقبول، وذلك لموافقة السنة النبوية في الحديث الثابت وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة)) (6) فثبت من الحديث أن المعنى المرجوع هو المراد، لنسخة ظاهر المعنى الراجح وهو الجار عموما ، وهذا ليس من التأويل المذموم في شيء بل هو من باب الجمع والترجيح.
عدد الصفحات ٢٩١292 ومما ينبغى ملاحظته أن التأويل المذموم وإنما وجد حين ظهرت الفرق من خوارج ومعتزلة وشيعة وجهمية وباطنية وصوفية، حيث أراد هؤلاء أن يوجدوا لأفكارهم غطاء مقبولا ، فلم يجدوا أفضل من التستر بالتأويل، وإظهار أنه علم غزير توصلوا إليه، وهو في حقيقته نقلة إلى القول بأن للنصوص ظاهرا وباطنا وأن الظاهر غير مراد وأن الباطن هو المراد وهو بمنزلة اللب وتشويش مفاهيمهم بما أدخلوه من تلك المصطلحات الجوفاء، التي نرجو من الله عز وجل أن يبطلها ويعيد ذلك الصفاء الذي كان عليه سلف هذه الأمة الإسلامية فإنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها وإذا رجع القارئ إلى ما كتبة الإمام ابن القيم في موضوع التأويل في كتابه الصواعق المنزلة على الطائفة الجهمية والمعطلة، فسيجد فيه من أنواع الجدال لأصحاب التأويلات الفاسدة ومن الفوائد ما لا يتسع البحث هنا لذكره. فلير جع من أحب التوسع في دراسة قضية التأويل إلى هذا الكتاب والمكون من جزئين بعد تحقيقه (1)فلقد أزاح كل الش بهات التي يتعلق بها دعاة التأويل، وبين المضار التي جلبها على الإسلام والمسلمين، مع سعة المناقشة وعمقها وإفحام الخصوم ودخص كل ما يتعلقون به. 3 – جهل أهل الكلام من الجهمية والمعت لة والأشعرية والماتريدية بمعق توحيد الألوهية: التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية ، وتوحيد الأسماء والصفات. هذا هو تقسيم – أهل السنة والجماعة – لأنواع التوحيد، وهذه الأنواع كانت معروفة بالبداهة عند السلف الصالح من الصحابة ومن تبعهم بإحسان حتى ولو لم يفصلوا هذا التفص يل في وقتهم. فإنهم كانوا يعلمون أن توحيد الألوهية يتعلق بإفراد الله عز وجل بالعبادة والخضوع والإنابة وحده جل وعلا، والابتعاد عن ا لاشتراك مع الله آلهة أخرى. وأما توحيد الربوبية فهم يعل مون أن الله هو رب كل شيء وملكية، وهو خالق الخلق ورازقهم ومدبر أمورهم كلها، وان هذا النوع من التوحيد داخل في مضمون توحيد الألوهية إلا عند الخلف من المتكلمين الذين عكسوا الحقائق.
عدد الصفحات ٢٩٢293 وأما توحيد ا سماء والصفات فلقد كانوا على معرفة بأن الله عز وجل من الصفات ما أخبر به عز وجل في كتابه الكريم وما أخبر به نبيه العظيم، يؤمنون أن الله تعالى له ذات لا تشبه الذوات وله صفات الخلق إلا مجرد الاشتراك في التسمية. ودراسة هذه الأقسام وتفصيلها تفصيلا كاملا يحتاج إلى مجلدات، بل هو الحاصل بالفعل، فإن كتب علماء السنة تبلغ المئات في بيان هذه الأنواع والواجب على الناس تجاهها، وكيفية الإيمان بها، وغير ذلك مما لا يكاد يحصر إلا بالكلفة وليس الغرض هنا هو الخوض في ذكر كل تلك التفاصيل، وإنما الغرض هو بيان خطأ أهل الكلام في مفاهيمهم لتوحيد الألوهية الذي كان أكثر النزاع بين الأنبياء وأممهم فيه، بل وبين علماء السنة وغيرهم من علماء الطوائف الضالة. فمن حقق توحيد الألوهية قولا واعتقادا فاز، ومن حاد عن الحق الواجب فيه كان ذلك أكبر دليل على خسارته وضلاله. والمتكلمون حينما يقررون الكلام في التوحيد يقسمونه إلى ثلاثة أقسام، فيقولون: ((هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له))، و أشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث وهو توحيد الفعال وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو معنى قولنا: لا إله إلا الله، حتى يجع لوا معنى الإلهية القدرة على الاختراع)) (2) . هكذا يقرر المتكلمون أنواع التوحيد، فيجعلون توحيد الربوبية – الذي لم يوجد فيه نزاع بين الأنبياء وأممهم – هو أهم أقسام التوحيد وأوجبها معرفة، مع أن الله تعالى أخبر في كتابة الكريم أن كفار قريش وغيرهم عند بعثة المص طفى صلى الله عليه وسلم، كانوا يعرفون توحيد الربوبية ويعتقدون أن الله هو الخالق لكل شيء، فإذا وجه لأحدهم سؤال: من خلق السموات والأرض؟ فإنه على الفور يجيب: الله هو الذي خلقهما. وكانوا يعرفون أن معنى لا إله إلا الله نفى ألوهية أي كائن كان، لا أصنامهم ولا غيره ا مع الله تعالى، ولهذا وقفوا في وجوه رسلهم شعارهم: أجعل الآلهة إلها واحدا (1)، فكانوا في فهمهم وهم على شركهم أحسن من فهم علماء الكلام – وهم يدعون الإسلام – حينما قرروا أن معنى لا إله إلا الله: لا قادر على الاختراع
عدد الصفحات ٢٩٣294 والخلق والإيجاد إلا الله، وهو معطل يرده كتاب الله وما جاء في سنة رسول الله عليه عامة أهل الحق، فإن معنى لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله وحده. وهذه هي دعوة الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم كما قال تعالى: وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (2) وقال تعالى حاكيا عن دعوة الرسل لأممهم: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوح ي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (3) . فالإله هو الذي يستحق العبادة والخضوع له وهذا هو التفسير الحق، وأما تفسير الإله بأنه القادر على الخلق فهو باطل، و أول ما يدل على بطلانه: أنه لو حقق شخص مفهوم هذا التوحيد، فأقر بأن الله هوالخالق الرازق المدبر لك ي يشهد الشهادتين، معترفا بأن الله هو الإله المستحق للعبادة لا يشرك به أحدا . والبشر كلهم يقرون بأ ن الله هو الرب الخالق، حتى الذين عاندوا وجحدوا الربوبية يعترفون في قرارة أنفسهم با نفراد الرب بخلق كل شيء، وما تق وله نفاة الصفاة، من أن الله واحد لا قسيم له، يريدون من وراء هذه العبارة إثبات ذات مج ردة عن كل الصفات، التي يسمونها انقساما للبارئ وتركيبا في ذاته، وبالتالي يلزم من ذلك – حسب أكاذيبهم – تعدد الآلهة، فتكون العين والسمع واليد وغير ذلك من الصفات آلهة معه وحي نما تصوروا وقوع هذا المفهوم وشبهوا الله تعالى، ثم عطلوه عن صفاته بتلك الحجة الباطلة. وحينما جعلوا توحيد الأ لوهية نفس توحيد الربوبية استدلوا على ذلك بدليل التمانع فقالوا في تقريره: لو كان للعالم صانعان فعند اختلافهما مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم وآخر يريد س كونه، أو كان أحدهما يريد أن يكون ذلك الجسم حيا والآخر يريد أن يكون ميتا ، أو غير ذلك من الأمور المتضادة، فإنه حينئذ إما أن تتحقق إر ادتهما معا ، وهو مستحيل، إذ لا يمكن الجمع بين النقيضين لأمر واحد. أو يتحقق إر ادة واحد منهما ويمتنع تحقيق إر ادة الآخر، فيكون هذا الآخر عاجزا ليس بإله. أو لا يمكن أن تتحقق إرادتهما معا لعجز كل واحد عن قهر الآخر، فتسقط ألوهيتهما معا . وبهذا التقرير نتج عندهم أن الله هو وحده الخالق لكل شيء، و أنه رب كل شيء.
عدد الصفحات ٢٩٤295 وهذا وإن كان حقا أن الله هو رب كل شيء وخالقه، لكنه ليس هو مضمون توحيدالألوهية الذي هو بمعنى إفراد الله بالألوهية وحده لا شريك له، وإفراده أيضا بالعبودية التي هي معنى الألوهية. وليس هو مضمون جحد أسماء الله وصفاته كما يزعمون حين يؤكدون نفيها وتعطيلها عن الله، ويسمون ذلك توحيدا، ويزعمون أن من أثبت لله الأسماء والصفات الواردة في كتاب الله وفى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم أنه مشبه ومجسم، وهم على حد قول القائل: ((رمتنى بدائها وانسلت))، فهم أهل التشبيه والتجسيم، كما هي سمة أهل التعطيل والإلحاد، وهم يسترون باطلهم بأوصاف لله تعالى مجملة، مثل قولهم: إن الله واحد في ذاته لا قسيم له، و لا جزء له، ولا بعض له … إلخ. فهو يحتمل معنى صوابا إذا كانوا يقصدون به أن الله واحد لا يجوز علية الانقسام ولا التجزؤ ولا التبعض، مع أنها ألفاظ ترعة لم ترد في أي نص شرع ي ويحتمل معنى باطلا وهو نفى صفات الله تعالى تحت هذه الأوصاف وقد اتضح من إنكارهم وتعطي لهم لأسماء الله وصفاته، أنههم لا يريدون إلا هذا المعنى الموافق لتأويلاتهم التي يسمونها توحيدا ، ويسمون من يردها مشبها ومجسما وحشويا .. الخ لأنه لم يقر بأن توحيد الربوبية هو غاية التوحيد ويستدل المؤولون من الخلف على دليل التمانع من القرآن الكريم بقول الله عز وجل: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا (1) على اعتقادهم أن معنى الآية: لو كان في السموات والأرض إله يخلق غير الله عز وجل لفسدتا، فثبت أنه لا خالق إلا الله، وأن هذا هو توحيد الربوبية الذي بينه القرآن الكريم ودعا إلى تحقيقه و أنه هو دعوة الرسل. فهل أ صابوا في هذا الفهم؟ الجواب: لا، وقد بينه ابن أبى العز رحمة الله فقال: ((وكثير من أهل النظر يزعمون أن دليل التمانع هو معنى قوله تعالى: لو كان فيهما آلهة إ الله لفسدتا لاعتقادهم أن توحيد الربوبية الذي قرروه هو توحيد الإلهية الذي بينه القرآن ودعت إليه ا لرسل عليهم السلام وليس الأمر كذلك، بل التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب هو
عدد الصفحات ٢٩٥296 توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له (2) ثم قال: "فعلم أن التوحيد المطلوب هو توحيد الإلهية الذي يتضمن توحيد الر بوبية)) (3) فدليل التمانع قائم على أن الله هو خالق الخلق لا رب سواه، والخطأ إنما هو المتكلمين الذين جعلوه هو التوحيد الخالص، وقدموه على توحيد الألوهية استغناء به، مع إغفال توحيد الألوهية الذي خلق الله الجن والإنس لتحقيقه، وجعله احب شيء إليه،ة وبه يثيب وبه يعاقب. يقول الشيخ سليمان بن عبد الله عن هذا التوحيد: ((وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول: لا إله إلا الله، فإن الإله هو المألوه المعبود بالمحبة والخشية والتعظيم وجميع أنواع العبادة، ولآجل هذا التوحيد خلقت الخليقة وأرسلت و أنزلت الكت ب، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار وسعداء أهل الجنة وأشقياء أهل النار..)) إلى أن قال: ((وهذا التوحيد هو أول واجب على المكلف لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك في الله،كما هو أقوال من لم يدر ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم من معاني الكتاب والحكمة)) (4). ثم أورد السؤال ا وأجاب عنه وهو قوله: ((0 فإن قيل: قد بين معنى الإله والإلهية(5) فما الجواب عن قول من قال بأن معنى الإله: القادر على الاختراع، ونحو هذه العبارة؟ قيل: الجواب من وجهين: أحدهما: أن هذا قول مبتدع لا يعرف أحد قاله من العلماء ولا من أئمة اللغة وكلام العلماء وأئمة اللغة هو معنى ما ذكرنا كما تقدم فيكون هذا باطلا )). و إشار ته إلى ما تقدم، يريد ما ذكره من تفسير العلماء لمعنى الإله بالمعبود الذي يجب له وحده العبودية والذل والخضوع، ثم قال: ((وهذا كثير جدا في كلام العلماء، وهو إجماع منهم أن الإله هو المعبود خلافا لما يعتقده عباد القبور وأشباههم في معنى الإله، أنه الخالق أو القادر على الاختراع أو نحو هذه العبارات..))، إلى (3 ) سورة ص 21 .
عدد الصفحات ٢٩٦297 أن قال: ((ولو كان معناها ما زعمه هؤلاء الجهال لم يكن بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبينهم نزاع، بل كانوا يبادرون إلى إجابته ويلبون دعوته، إذا يقول لهم: قولوا لا إله إلا الله بمعنى أنه لا قادر على الاختراع إلا الله فكانوا يقولون: سمعنا و أطعنا، قال الله تعالى: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله (1) ))(2) . الثا: على تقدير تسليمه فهو تفسير باللازم للإله الحق، فإن اللاز م له أن يكون خالقا قادرا على الاختراع، ومتى لم يكن كذلك فليس بإ له حق و إن سمى إلها، وليس مراده أن من عرف أن الإله هو القادر على الاختراع فقد دخل في الإسلام، وأتى بتحقيق المرام من مفتاح دار السلام، فإن هذا لا يقوله أحد، لأنه يستلزم أن يكون كفار العرب مسلمين (3) . ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في رده على المفهوم الخاطئ هل تجاه المراد بالتوحيد: ((وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام والتصوف، ويظن هؤلاء أنهم إذا اثبتوا ذلك فقد أثبتوا غاية التوحيد، و أنهم إذا شهدوا هذا وفنوا فيه فقد فنوا في غاية التوحيد..)) إلى أن قال: ((فإذا فسر المفسر (الإله) بمعنى القادر على الاختراع، واعتقد أن هذا المعنى هو أخص وصف الإله، وجعل إثبات هذا هو الغاية في التوحيد – ما يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفاتية – وهو الذي يقولونه عن أبى الحسن وأتباعه لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله الله صلى الله عليه وسلم، فإن مشرك ي العرب كانوا مقرين بأ ن الله وحده خالق كل شيء، وكانوا مع ذلك مشركين)) (4) 4 – تعطيل النصوص عن مدلولاتها من الأمور الواضحة بعد عرض ما تقدم، أن كل الطوائف المخالفة لأهل السنة والجماعة لم يلتزموا بالمفاهيم الواضحة للنصوص، و إنما كان حالهم فيها مثل حال من يفسر الواضح حتى يجعله غامضا ، فهؤلاء تعمقوا – كما يظنون – في استخراج الحق الكامن خلف النصوص ثم خرجوا بعلم غزير لم يهتد إليه أحد قبلهم، لا الصحابة ولا من جاء بعدهم، بل لم يهتد إليه حتى الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه، وهم وإن لم يصرحوا بذلك، لكن عباراتهم ومواقفهم تدل على هذ 1
عدد الصفحات ٢٩٧298 دلالة لا تخفى على من عرف ألغازهم في كلامهم، والمصطلحات التي تستروا بها، لدس أفكارهم الضالة حيال التلاعب بالنصو ص، وإظهارها بالمظهر الذي يريدونه. وقد كانوا بحق أذكياء جدا في عرض شبهاتهم وتأويلاتهم، حيث جاءوا بزخرف من القول والدعاية، واختيار الأسماء المنفرة لما لا يريدونه، وإلقاء الأسماء التي ظاهرها يخدمهم ولها رونق وبريق، فانخدع بذلك كثير من عوام المسلمين، بل من طلا ب العلم، وسموا أنفسهم بأحسن الأسماء، مثل: أهل التوحيد، أهل العدل، أهل الاستقامة، الفرقة الناجية، أهل السنة، محققين، حكماء. إلى غير ذلك من الألقاب التي اصبغوها على أنفسهم واتباعهم. وبالتالي أطلقوا أسماء أخرى على أهل السنة والجماعة تنفر السمع عنهم وتجعله يم تلئ غيظا عليهم، كارها لمذهبهم وعقيدتهم الحنيفية، فأطلقوا عليهم ظلما وعدوانا: أهل التشبيه والتجسيم، الحشوية، خوارج، نوابت، وفى هذا يقول ابن القيم رحمه الله في نونيته، حكاية عن معطل يحذر أصحابه من مذهب أهل السنة: تسااااااااااااااااااامع مقاااااااااااااااااااال مجسااااااااااااااااااام حياااااااااااااااااااوان قااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااد دان بالآثار والقاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااار آن أخاااااااااااذوا الظاااااااااااواهر ماااااااااااا اهتااااااااااادوا لمعاااااااااااان قاااااااالوا مشااااااابهة مجسااااااامة فااااااالا قاااااااال أيضاااااااا وقال أيضا : ومااااااااااااان العجائاااااااااااااب أنهااااااااااااام قاااااااااااااالوا لمااااااااااااان أنااااااااااااااااتم بااااااااااااااااذا مثاااااااااااااااال الخااااااااااااااااوارج إنهاااااااااااااااام وقال أيضا في تسميتهم لأهل السنة حشوية، أي من حشو الناس وسقطهم: بالاااااااااااااااوحي نمااااااااااااااان اثااااااااااااااار ومااااااااااااااان قااااااااااااااارآن وفضاااااااااااااااااااااااااااااالة في أمااااااااااااااااااااااااااااااة الإنسااااااااااااااااااااااااااااااان رب الع باااااااااااااااااااااااااد بااااااااااااااااااااااااداخل الأكااااااااااااااااااااااااوان الااااااااااااااااااااارب ذو الملكاااااااااااااااااااااوت والسااااااااااااااااااااالطان حمااااااااااااااااااااان محاااااااااااااااااااااوي بظااااااااااااااااااااارف مكاااااااااااااااااااااان وماااااااااان العجائااااااااااب قااااااااااولهم لماااااااااان اقتاااااااااادى حشاااااااااااااوية يعناااااااااااااون حشاااااااااااااوا في الوجاااااااااااااود ويظاااااااااااااااااان جاااااااااااااااااااهلهم بأنهاااااااااااااااااام حشااااااااااااااااااوا إذ قااااااااااااولهم فااااااااااااوق العباااااااااااااد وفى الساااااااااااااماء ظااااااااااااان الحماااااااااااااير بأن في للظااااااااااااارف والااااااااااااار أي ظن هؤلاء أن أهل السنة يقولون: إن الله في ال سماء، أي هي ظرف له وتحويه، وهو كلام باطل لا يقوله أهل السنة
عدد الصفحات ٢٩٨299 وهناك اسم أخر يسمون بهأهل السنة وهو: " النوابت "، أي نبتوا في الإسلام بأقوال بدعية بعد اختلاطهم بالأعاجم، بل وسموا أهل السنة: عابدي أوثان، لأنهم يقولون: إن ربهم في السماء وفوق العرش بذاته، والرو افض أيضا يسمون أهل السنة – كذبا – " نواصب"، ومن الغرائب أنهم يسبون أهل السنة بما ينطبق عليهم هم، وفيهم يقول ابن القيم رحمه الله: أولى لياااااااااااااااااادفع عنااااااااااااااااااه فعاااااااااااااااااال الجاااااااااااااااااااني ولااااااااااااااااااااذاك عنااااااااااااااااااااد الغاااااااااااااااااااار يشااااااااااااااااااااتبهان ومجساااااااااااااااااااااااااااااااااااااامين وعاباااااااااااااااااااااااااااااااااااااادي أو ثان وهاااااااااااااااام الااااااااااااااااروافض أخبااااااااااااااااث الحيااااااااااااااااوان سمااااااااااااااوا بالنواصااااااااااااااب شاااااااااااااايعة الاااااااااااااارحمن (1) بالمعااااااااااااادوم فاجتمعااااااااااااات لاااااااااااااه الوصااااااااااااافان حااااااااااااااااااااااااااااتى نفاااااااااااااااااااااااااااااه وذان تشاااااااااااااااااااااااااااابيهان سمااااااااااااااااااااااااه تشااااااااااااااااااااااابيها فياااااااااااااااااااااااا إخاااااااااااااااااااااااوان هاااااااااااااااذا الخبياااااااااااااااث المخباااااااااااااااث الشااااااااااااااايطان أم مثباااااااااااااااااااااااات الأوصاااااااااااااااااااااااااف للاااااااااااااااااااااااارحمن فرماااااااااااااااااوهم بغياااااااااااااااااا بماااااااااااااااااا الراماااااااااااااااااي باااااااااااااااااه يرماااااااااااااااي الااااااااااااااابرئ بماااااااااااااااا جنااااااااااااااااه مباهتاااااااااااااااا سمااااااااااااااااااااااااااااااااوهم حشااااااااااااااااااااااااااااااااوية ونوابتااااااااااااااااااااااااااااااااا وكاااااااااااااااذاك أعاااااااااااااااداء الرساااااااااااااااول وصاااااااااااااااحبه نصااااااااااااااااااااااااابوا العاااااااااااااااااااااااااداوة للصاااااااااااااااااااااااااحابة ثم وكاااااااااااااااااااااذا المعطااااااااااااااااااااال شااااااااااااااااااااابه الااااااااااااااااااااارحمن وكااااااااااااااااااااااذا شااااااااااااااااااااااابه قولاااااااااااااااااااااااه بكلامناااااااااااااااااااااااا وأتي إلى وصااااااااااااااااااااااف الرسااااااااااااااااااااااول لربااااااااااااااااااااااه وبالله مااااااااااااااان أولى بهاااااااااااااااذا الاسااااااااااااااام مااااااااااااااان فمااااااااااااااااااااان المشااااااااااااااااااااابه بالحقيقاااااااااااااااااااااة أناااااااااااااااااااااتم والله عز وجل يعلم أن أهل السنة براء من تلك الألقاب الظالمة، فإن الذي يثبت لله ما أثبته لنفسه لا يجوز أن يسمي مشبها أو مجسما، والذي يقول: الله في السماء، أي في جهة العلو المطلق، وأن السماء ليست ظرفا له عز وجل، وإنما المقصود جهة العلو بغير تحديد مكان – لا يصح أن يسمى حشويا. والذي يأخذ بظواهر النصوص ويفهم معانيها فهما جيدا ويقول عن الكيفية: لا علم بها، لأن الله لم يخبرنا بذلك، لا يصح أن يسمي خارجيا يقف على ظواهر النصوص دون فهم لمعانيها. والذي نبت على معرفة الح ق وما جاء في كتاب الله وسنة نبيه لا يصح أن يسمي نابتا جديدا خارجا عن الحق. (1) وقد تقدم في درس الشيعة أنهم يسمون أهل السنة نواصب، وذكرنا الأدلة على هذا من كتبهم ومن كلام علمائهم، خل فهم عن سلفهم.
عدد الصفحات ٢٩٩300 والذى يحترم أهل البيت وينزلهم المنزلة التي تليق بهم فلا يرفعهم إلى مرتبة العصمة أو الألوهية، ولا ينزلهم عن قدرهم فيذم بعضهم ويمدح البعض الآخر، كالرافضة، لا يصح أن يسمى رافضيا. إن تلك الأسماء كلها في إطلاقها على أهل الحق ظلم وكذب وزور، فه ي في الحقيقة أسماء لأهل الباطل، لكن الجاني يسمى نفسه بريئا ويسمي البر يء مجرما، والله عز وجل يفصل بين عباده فيما ك انوا فيه يختلفون. إن تسلط علماء الخلف على النصوص وتحريفها عن معانيها الصحيحة لتوافق ما جاءوا به من عقائد ما أنزل الله بها من سلطان – أمر معلوم لطلاب العلم. فإن هؤلاء لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من تخبطات في فهم النصوص وبناء عقائدهم، إلا على لي أعناق النصوص وزخرف الأقاويل في تأويلها، وإيراد الشبهات الكثيرة تحت اسم الأدلة القاطعة والبراهين الواضحة، وهى أسماء تخفي وراءها خداعهم لمن يعرف ما يهدفون إليه، إحياء أفكار أساطين الملاحدة والفلاسفة من اليونانيين وغيرهم. وقد ذكرنا من خلال ما تقدم دراسته – بيان مذاهب الفرق الباطلة و أقوالهم المخالفة لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ابتداء بالخوارج وانتهاء بهذه الفرق الكلامية أتباع الفلاسفة. ومجمل الاعتقاد فيما تقدم في باب الأسماء والصفات، هو أن نثبت لله ما أثبته لنفسه أو أثبته رسوله صلى الله عليه وسلم له، وأن ننفي عن الله ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم على حسب ما يأتي: نثبت لله تعالى كل الأسماء الحسنى كما قال عز وجل: ولله الأسماء الحسنى فادعوه وذر وا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعم لون (1) نثبت له كل الصفات الواردة في القرآن الكريم. نثبت أن لله في كل صفة المثل الأعلى والأكمل. (1) سورة الأعراف 180 .
عدد الصفحات ٣٠٠301 الإيمان بكل ما جاء من صفات الله تعالي إلى التفصيل الذي ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية. أن نثبت معاني كل أسماء الله وصفاته، ونتوقف عن الخوض في كيفياتها، لأن الله لم يخبرنا بذلك. وأن نردد في كل صفة ع بارة السلف: " الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة ". * * * * * * * * * * * * * * * * **
عدد الصفحات ٣٠١302 5- جدول مختصر لبيان صفات الله تعا وتأويل الخلف لها (وما من صفة من الصفات إلا وللسلف دليل على ثبوتها لله تعالى) كما في الجدول الآتي الصفحة دليل ثبوتها تعطيل الخلف لها نفس الله كتب ربكم على نفسه الرحمة (1). ويحذركم الله نفسه (2). وقاااااال صااااالى الله علياااااه وسااااالم: " يقاااااول تعااالى: أنا عنااد ظاان عباادي بي وأنا معااه إذا ذكااارني، فاااإن ذكااارني في نفساااه ذكرتاااه في نفسااي فااإن ذكاارني في ماالأ خااير ماانهم " إلى آخااااااار الحاااااااديث (3) .فللاااااااه تعاااااااا نفس لا تعرف كيفيتها، وليسات كساائر النفس المركبة في أبدان المخلوقات. زعمااااااااااااوا أن الله لا يصااااااااااااح وصاااااااااااافه بذلك، وإنما أضاف النفس إليه مثل إضافة سائر الخلق إليه، وهو تعطيال لتلااك النصااوص وغيرهااا ممااا لم نااورده هنا. علم الله يعلخخم مخخا يلخخج في الأريخ ومخخا يخخخخرج منهخخا ومخخا ينخخ ل مخخن السخخماء ومخخا يعخخرج فيها (4). ألا يعلخخخم مخخخن خلخخخق وهخخخو اللطيخخخف الخبير (5) . وقال رسول الله صلى الله علياه وسالم لا يؤمنون بصفة العلم علاى أنهاا مان صاافات ذاتااه عااز وجاال مضااافة إليااه، وماااان الغريااااب أنهاااام يقولاااااون: إن الله هاااااااو العاااااااالم وينكااااااارون أن لله علماااااااا مضااااافا إليااااه ماااان صاااافات الااااذات " يعااااني أنهاااام يثبتااااون الاساااام وينكاااارون 1 ) )سورة الأنعام 54 . 2 ) )سورة آل عمران 28 . 3 ) )أخرجه البخاري 13 /384، ومسلم الذكر 5/542 . 4 ) )سورة سبأ 2 . 5 ) )سورة الملك 14 .
عدد الصفحات ٣٠٢