271 الباب الخامس عشر الماتريدية وفيه المطالب الآتية: 1 - التعريف بمؤسس الماتريدية تنتسب هذه الطائفة إلى أحد علماء القرن الثالث الهجري وهو محمد بن محمد بن محمود المعروف بأي منصور الماتريدي، ولد في ما تريد وهى من بلدان سمرقند فيما وراء النهر، ولا يعرف على وجه اليقين سنة مولده، وقد توفى سنة 333 ها على أرجح القوال (1) . تلقى علوم الفقه الحنفي والكلام على أحد كبار علماء ذلك العصر وهو نصر بن يحيى البلخي المتوفى سنة 368 ها، وغيره من كبار علماء الأحناف، كأبي نصر العياض وأبي بكر أحمد الجوزجاني وأبي سليمان الجوزجاني، حتى أصبح من كبار علماء الأحناف وقد تتلمذ عليه بعض المشاهير في علم الكلام. لقد كان لأبي منصور مناظرات ومجادلات عديدة مع المعتزلة في الأمور التي خالفهم فيها، وقد اتحد في الهدف مع الأشعر ي في محاربة المعتزلة وكان معاصرا له، وأما في العقائد فكان على اتفاق مع ما قرره أبو حنيفة في الجملة، مع الفته في أمور وله مؤلفات كثيرة في تلف الفنون، منها: بيان وهم المعتزلة تأ ويلات أهل السنة – الدرر في أصول الدين – الرد على تهذيب الكعبي في الجدل – عقيدة الماتريدية – كتاب التوحيد و إثبات الصفات – كتاب الجدل – مأخذ الشرائع في أصول الفقه – المقالات. وكان يلقب فيما وراء النهر بإمام السنة وبإمام الهد ى (2)، وقد وقف في وجه المعتزلة الذين كانوا فيما وراء ال نهر إلا أنه كان قريبا منهم في النظر إلى العقل، ولم يغل فيه غلوهم، بل اعتبره مصدرا أخر إضافة إلى المصدر الأساسي وهو النقل، مع تقدم النقل على العقل عند الخلاف (2) أنظر ااتريدية للشمس الأفغاني جا1 ص214 . (2) انظر : تاريخ المذاهب الإسلامية 1/197 بل هو إمام من أئمة الكلام والتأويل
عدد الصفحات ٢٧١272 بينهما(3) إلا أنه يعتبر معرفة الله واجبة بالعقل قبل ورود السمع وإن الله يعاقبه على عدم هذه المعرفة . وقد أوجز الشيخ أحمد عصام الكاتب عقيدة الماتريدي، من خلال كتاب الماتريدي في التوحيد المسمى "كتاب التوحيد " الذي حققه الدكتور فتح الله خلف عن نسخة طوطة يتيمة في مكتبة جامعة كمبردج بإنجلترا، وقد عرضه الدكتور المذكور في مجلة تراث الإنسانية المجلد 9 العدد 2، كما أن تحققه لكتاب التوحيد نشر في بيروت سنة 1970م ثم قال أحمد عصام عن كتاب التوحيد للماتريدي بتحقيق الدكتور فتح الله خلف: " وسنعتمد عليه في كلامنا على عقائد الماتريدية، لأنه أفضل مصدر لهذه العقائد و أصدقها وأقربها، ولا عبرة بما فعله المتأخرون منهم وم ن خطط الحابل بالنابل ". وأنا بدوري سوف أختصر أيضا ما ذكره الشيخ أحمد عصام بقصد الاختصار والإشارة إلى عقيدة الماتريدي، ومن أراد التوسع في هذا فليرجع إلى كتاب التوحيد المذكور أو لمجلة تراث الإنسانية. 2 - أهم آراء الماتريدي إجما 1- لا يرى الماتريدي مسو غا للتقليد، بل ذمة وأورد الأدلة العقلية والشرعية على فساده وعلى وجوب النظر والاستدلال. 2- يذهب في نظرية المعرفة إلى لزوم النظر والاستدلال، وأنه لا سبيل إلى العلم إلا بالنظر، وهو قريب من آراء المعتزلة والفلاسفة في هذا، ثم يذكر أدلة كثيرة على وجود الله، مست خدما أدلة المعتزلة والفلاسفة في حدوث الأجسام وأنها دليل على وجود الله. 3- يوافق في الاعتقاد في أسماء الله السلف، ويرى أن أسماء الله توقيفية، فلا نطلق على الله أي اسم إلا ما جاء به السمع، إلا أنه يؤخذ على الماتريدية أنهم لم يفرقوا بين باب الإخبار عن الله و بين باب التسمية فأدخلوا في أسمائه ما ليس منها كالصانع والقديم والش يء، والسلف يخالفونهم في هذا وقد عطل الماتريدية كثير من أسماء الله تعالى وأولوها. (3) هذا من باب الإخبار عن مذهب الماتريدي، وإلا فإن العقل السليم لا يعارض النقل الصحيح
عدد الصفحات ٢٧٢273 4- يرى أن المؤمنين يرون ربهم والكفار لا يرونه، ويخالف ا شعري هنا في أن الماتريدي يرى أن الأدلة على إمكان رؤية الله تعالى عقلا غير ممكنة، بينما يستدل عليها أبو الحسن الأشعري بالعقل، إلا أنهم خالفوا السلف فنفوا المقابلة والجهة مطلقا، وذلك بسبب نفيهم عن الله علو الذات كما أن إثباتهم للرؤية ونفى الجهة والمقابلة فيه تناقض فإن الله تعالى يرى في جهة العلو. 5- هو أقرب ما يكون إلى السلف في سائر الصفات، فهو يثبت الاستواء على العرش وبقية الصفات دون تأويل لها ولا تشبيه، أي في الصفات التي تثبت عند الماتريدية بالعقل لكنهم يؤولون ما عداها، كما أنهم يعتقدون أن صفات الله لا هي هو ولا غيره وهو تناقض منهم. 6- في القضاء والقدر هووسط بين الجبر والاختيار، فالإنسان فاعل تار على الحقيقة لما يفعله ومكتسب له وهو خلق لله، حيث يخلق للإنسان عندما يريد الفعل قدرة يتم بها، ومن هنا يستحق الإنسان المدح أو الذم على هذا القصد، وهذه القدرة يقسمها إلى قسمين: قدرة ممكنة: وهى ما يسميها: لسلامة الآ لات وصحة الأسباب. وقدرة ميسرة، زائدة على القدرة الممكنة: وهى التي يقدر الإنسان بها على الفعل المكلف به مع يسر، تفضلا من الله تعالى. يقول الماتريدي بخلق أفعال العباد، وهو يفرق بين تقدير المعاصي والشرور والقضاء بها وبين فعل المعاصي، فالأول من الله والثاني من العبد بقدرته واختياره وقصده. ويمنع أبو منصور من إضافة الشر إلى الله فلا يقال: رب في الأوراث والخبائث ولو أنه خالق كل شيء، وهذا الشق الأخير معروف عن السلف، أما تقسيمه القدرة وجعل العبد فاعلا باختياره وقصده وقدرته من وجه، ولو كان الله هو الفاعل من وجه آخ ر، فيه حيد عن مذهب السلف في ذلك، ونسبة الماتريدية الفعل إلى العبد يقصدون به أن الله لا يخلق فعل العبد إلا بعبد أن يريده العبد ويختاره فيصبح ذلك العمل كسبا له يجازي به حسب اختياره له وإرادته المستقلة له. فى مسائل الإيمان: لا يقول بالمنزلة بين المنزلتين، ولا يقول بخروج مرتكب الكبيرة عن الإسلام. ويرى أن الإيمان هو التصديق بالقلب، دون الإقرار باللسان، ومن هنا يفترق الماتريدي عن السلف. وعنده لا يجوز الاستثناء في الإيمان، لأن الاستثناء يستعمل في موضع الشكوك والظنون.
عدد الصفحات ٢٧٣274 وهو كفر، وأهل السنة قالوا بجواز الاستثناء في ا لإيمان لأنه يقع على ا لأعمال لا على أصل الإيمان أو الشك في و جود الإيمان. وبين الماتريدي والأشعري مسائل كثيرة اتفقوا فيها وأخرى اختلفوا فيها، فمما اختلفوا فيه (1) : مسألة القضاء والقدر: فقال الماتريدية: إن القدر هو تحديد الله أزلا كل شيء بحده الذي سيوجد به من نفع، وما يحيط به من زمان ومكان، والقضاء: الفعل عند التنفيذ. وقال الأشاعرة: إن القضاء هو الإرادة الأزلية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدر: تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها المخصوصة أي أن الأشاعرة يرون أن المحبة والرضى والإرادة بمعني وا حد، بينما يرى الماتريدية أن الإرادة لا تستلزم الرضى والمحبة. واختلفوا في أصل الإيمان، فذهب الماتريدية إلى أنه يجب على الناس معرفة ربهم، ولو لم يبعث فيهم رسولا بينما ذهب الأشعرية إلى أن هذه المعرفة واجبة بالشرع لا بالفعل كما تعتقد الماتريدية. و ذهب الأشاعر ة إلى عدم وجوب الإيمان وعدم تحريم الكفر قبل بعثه الرسل. اختلفوا في صفة الكلام، فترى الماتريدية أن كلام الله لا يسمع وإنما يسمع ما هو عبارة عنه بينما يرى الأ شاعرة جواز سماع كلام الله تعالى. كما اختلفوا في زيادة الإيمان ونقصانه وشرطه.. الخ. واختلفوا في المتشابهات كما أسلفنا. كما اختلفوا في النبوة هل يشترط فيها الذكورة؟ فجعلها الماتريدية شرطا، ونفى ذلك الأشاعرة عنها، واحتج هذا الفريق بقوله تعالي: وأوحينا إلى أم موسى (2)، ورد الفريق الأول بأن الإيحاء هنا بمعناه الواسع وهو الإلهام. وهذه المسألة الأخيرة و هى نبوة النساء وعدمها مما وقع فيه الخلاف بين العلماء إلا أن الحق أن النبوة تصة بالرجال، وليس هنا موضع بحث هذه القضية بالتفضيل، وأرجو أن يتم الله ما قمت (1) لم يكن بين الماتريدي والأشعري أى تقارب بل وحتى مجرد المعرفة، وقد أرجاع بعاض البااحثين تقاارب الماذهب الأشاعري ماع الماتريادي إلى أخاذ الجمياع عان ابان كلاب لأن الأشعري كان كلابيا قبل أن يدخل مذهب السلف. (2) سورة القصص 7
عدد الصفحات ٢٧٤275 به من دراسة حول المتنبئين وبيان خطرهم في الفكر والمجتمع، حيث بينت فيما يتعلق بنبوة النساء وعدمها أقوال العلماء والراجح منها. اختلفوا في التكليف بما لا يطاق، فمنعه الماتريدية وجوزه الأشاعرة. اختلفوا في الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالي فأثبتتها الماتريدية ونفتها الأشاعرة. اختلفوا في التحسين والتقبيح، فقال به الماتريدية وأن العقل يدركهما، ومنع الأشاعرة ذلك، قالوا: إنما يتم التحسين والتقبيح بالشرع لا بالعقل. اختلفوا في إيمان المقلد، فجوزته الماتريدية بينما منعه الأشاعرة واشترطوا أن يعرف المكلف كل مسألة بدليل قطعي عقلي (3) . اختلفوا في معنى كسب العباد لأفعالهم، بعد اتفاقهم جميعا على أن أفعال العباد كلها لوقة لله تعالى، فعند الماتريدية يجب التفريق بين المؤثر في أصل الفعل والمؤثر في صفة الفعل فا لمؤثر في صفة الفعل قدرة الله تعالى والمؤثر في صفة الفعل قدرة العبد وهو كسبه واختياره. وعند الأشاعرة: إن أفعال العبد الاختيارية واقعة بقدرة الله وحدها وليس للعبد تأ ثير فيها، بل أن الله يوجد في العبد قدرة واختيارا يفعل بهما إذا لم يوجد مانع فالفعل لوق لله والعبد مكتسب له. وأما الاختلاف بين الماتريدية والمعتزلة فهو: اختلفوا في مصدر التلقي هل هو العقل أو النقل؟ فذهب المعتزل إلى أنه العقل، وتوسط الماتريدية فقالوا با لعقل فيما يتعلق بالإلهيات والنبوات وأما فيما يتعلق باليوم الآخر فمصدره السمع، كذا سموا هذه المسائل ونحوها بالسمعيات. الأسماء: أسماء الله عند المعتزلة ثابتة، ولكن بلا دلالة على الصفات، فقالوا: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر.. إلى آخره. وعند الماتريدية هي ثابت ة بدلالاتها على الصفات الثابتة عندهم إلا اسم "الله" فليس له دلالة على شيء من الصفات. وقولهم باطل لا معنى له. (3) أنظر : عقيدة التوحيد في فتح الباري شرح صحيح البخاري ص 98،101، وانظر " الماتريدية دراسة وتقويما " ص 498 – 501 .
عدد الصفحات ٢٧٥276 الصفات: نفي المعتزلة جميع الصفات القائمة بذات الله تعا بينما أثبت الماتريدية ثمان صفات: العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام والتكوين. القرآن: يعتقد المعتزلة أنه كلام الله محدث لوق. ويعتقد الماتريدية أنه كلام الله النفسي و أنه قديم أزلي غير لوق. أفعال العباد. نفت المعتزلة خلق الله لها وإرادته لها، وإنما هي من العباد، وأثبتت الماتريدية أنها خلق لله تعالى. وكسب من الع باد لها. الاستطاعة: نفي المعتزلة أن تكون مع الفعل بل هي قبلة، بينما أثبتتها الماتريدية قبل الفعل ومع الفعل. الرؤية: نفتها المعتزلة وأثبتتها الماتريدية. الجنة والنار: غير لوقتين ولا موجودتين الآن عند المعتزلة، بل تنش أ في يوم القيامة، وقالت الماتريدية بخلقهما الآن. ينفي المعتزلة نعيم القبر وعذابه والميزان والصراط والحوض والشفاعة لأهل الكبائر. وأثبتت الماتريدية كل ذلك لورود السمع به. نفت المعتزلة كرامات الأولياء وأثبتتها الماتريدية. الإيمان عند المعتزلة قول واعتقاد وعمل، وعند الماتريدية هو التصديق بالقلب، ومنهم من زاد الإقرار باللسان. مرتكب الكبيرة في منزله بين المنزلتين عند المعتزلة في الدنيا، وأما في الآخرة فهو في النار ، وعند الماتريدية هو مؤمن كامل الإيمان مع أنه فاسق بمعاصية ، وفي الآخر هو تحت المشيئة. لا يصح إيمان المقلد عند المعتزلة، وذهب الماتريد ية إلى صحته مع الإثم على ترك الاستدلال. عند المعتزلة الإيمان يزيد وينقص، لإدخالهم الأعمال في مس مى الإيمان، وأما المسائل التي وافقت فيها الماتريدية المعتزلة فهى كما يلي: القول بوجوب معرفة الله تعالى بالعقل. الاستدلال على وجود الله بدليل الأعراض وحدوث الأجسام. الاستدلال على وحدانية الله تعالى بدليل التمانع.
عدد الصفحات ٢٧٦277 القول بعدم حجية خبر الآحاد في العقائد نفي الصفات الخبرية والاختيارية. القول بعدم إمكان سماع كلام الله. القول بالحكمة والتعليل في أفعال الله تعالي. القول بالتحسين والتقبيح العقليين. عدم جواز التكليف بما لا يطاق. منع الاستثناء في الإيمان. القول بأن معنى الإيمان والإسلام واحد (1) وفيما سبق يتضح أن فرقة الماتريدية لم تنهج منهج السلف فيما يتعلق بالأمور الاعتقادية، وأن من وصفهم بأهل السنة أو العقدية السلفية فقد بالغ في ذلك وجانب الحكم الصحيح. ولكى تتضح المقارنة بين عقيدة الماتريد ية وبين العقيد ة السلفية أحب أن تطلع أخي القارئ على هذا الملخص المفيد الذي تتضح به الفوارق بين عقيدة الماتريدية وبين عقيدة السلف بإيجاز، أكتفى به عن إطالة الردود لإيفائه بالغرض لموافقته القصد من تقديم هذه العجالة عن الماتريدية. وقبل إيراد هذا الملخص إليك بيان الأسس والقواعد التي قام عليها مذهب الماتريدية: مصدرهم في التلقي في الإلهيات والنبوات هو العقل. معرفة الله واجبة بالعقل قبل ورود السمع. القول بالتحسين والتقبيح العقليين. القول بالمجاز في اللغة والقرآن والحديث. التأويل والتفويض. القول بعدم حجية أحاديث الآحاد في العقائد. وأما بالنسبة لآرائهم التي خالفوا فيها السلف فمن أهمها ما يلي: (1) أنظاار : " الماتريديااة دراسااة وتقويمااا " ص 503 – 508، ولمزيااد ماان التفصاايل عاان الماتريديااة أنظاار كتاااب " عااداء الماتريديااة للعقياادة الساالفية " تأليااف الشاامس الأفغاني.
عدد الصفحات ٢٧٧278 خلاف الماتريدية في مفهوم توحيد الألوهية، إذ هو عندهم بمعنى أن الله واحد في ذاته لا قسم له ولا جزء له، واحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شري ك له. وأهل السنة يخالفونهم في هذا المفهوم لتوحيد الألوهية. اعتمدت الماتريدية في إثبات وجود الله تعالي على دليل حدوث الأعراض والأجسام، وهى طريقة باطلة لا اعتبار لها عند السلف، وإنما هي طريقة غلاة الفلاسفة و أهل الكلام المذموم. يستدل الماتريدية على وحدانية الله تعالى بقوله عز وجل: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسد تا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (2) وهو ما يسميه البعض بدليل التمانع، وقد خطأهم السلف في هذا المفهوم، مع إقرار السلف بأن دليل التمانع صحيح في دلالته على امتناع صدور العالم عن إلهين، لكن ليس هذا هو المقصود من الآية الكريمة. تثبت الماتريدية جميع الأسماء الحسنى لدلالة السمع عليها، إلا أنهم غلوا في الإثبات ومدلول السماء لعدم تفريقهم بين ما جاء في باب التسمية وبين ما جاء في باب الإخبار عن الله، فمدلول الاسم عندهم هو الذات وهذا خاص في اسم "الله" فقط، وأما ما عداه فمدلوله يؤخذ عندهم من الصفات التي أثبتوها فلم يقفوا على ما ثبت بالسمع فقط. وقف الماتريديون في باب الصفات على إثبات بعض الصفات دون غ ير ها، فأثبتوا من الصفات: القدرة، العلم، الحياة، الإرادة، السمع، الب صر، الكلام، التكوين، وذلك لدلالة العقل عليها عندهم، وهم تحكم باطل، وقد ألزمهم السلف بإثبات ما نفوه بنفس الدليل الذي أثبتوا به تلك الصفات الثمانية. نفت الماتريدية جميع الصفات الخبرية الثابتة بالكتاب والسنة، لأن في إثباتها – بزعمهم – الفة للعقل الذي يرى في إثباتها ما يدعو إلى وصف الله تعالي بالتشبي ه والتجسيم. ولقد دحض السلف هذا المفهوم الباطل والاعتقاد الخاطئ، وكذلك نفوا ثبوت الصفات الاختيارية لله تعالى التي هي صفات الفعل اللازمة لله تعالي، لأنها كذلك تؤدي إلى التشبيه والتجسيم، وقد أبطل السلف هذا المفهوم وفندوا شبههم. (2) سورة الأنبياء 22 .
عدد الصفحات ٢٧٨279 يعتقد الماتريديون أن كلام تعالي معنى واحد قديم أزلي، ليس له تعلق بمشيئة الله تعالي وقدرته، وأنه ليس بحرف ولا صوت، بل هو كلام نفسي لا يسمع، بل المسموع منه إنما هو عبارة عنه، وهو اعتقاد باطل الف للكتاب والسنة ولما عليه السلف. حصر الماتريديون الدليل على صدق الأنبياء في ظهور المعج زات على أيديهم، لأنها تفيد العلم اليقيني وحدها بزعمهم. والسلف لا يختلفون في أن المعجزات دليل صحيح معتبر لصدق الأنبياء، ولكنهم يخالفونهم في حصر أدلة صدق الأنبياء في المعجزات فقط دون النظر إلى الأدلة الأخرى. يرى الماتريديون أن كل المسائل المتعلقة باليوم الآ خر لا تعلم إلا بالسمع، والسلف يخالفونهم في هذا، ويقولون: إن تلك المسائل علمت بالسمع ودل عليها العقل أيضا. أثبت الماتريديون رؤية الله تعالي، ولكنهم نفوا الجهة والمقابلة، وخالفهم السلف واعتبروا قول الماتريدية تناقضا واضطرابا في مفهومهم للرؤية، ويؤدي إلى إثبات ما لا يمكن رؤيته، وإلى نفي جهة العلو المطلق الثابت لله تعالي. اعتبر السلف ما ذهب إليه الماتريديون في خلق أفعال العباد اعتقادا خاطئا لما فيه من إثبات إرادة للعباد مستقلة – عن مشيئة الله تعالى، وأن خلق الله لأفعالهم إنما هو تبع لإرادتهم غير المخلوقة، والسلف يعتقدون أن لله تعالى وحده المشيئة وأن للعباد مشيئة لا تخرج عن مشيئة الله تعالى. ذهبت الماتريدية إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، وقال بعضهم: إنه التصديق بالقلب والإقرار باللسان ومنعوا زيادته ونقصانه وحرموا الاستثناء فيه ومنعوا التفريق بين مفهو م الإيمان والإسلام. وخالفهم السلف في كل ذلك فإن الإيمان عندهم هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان والعمل بالأركان وأنه يزيد وينقص ويجوز الاستثناء فيه لعدم جواز تزكية النفس. وأما الإسلام والإيمان فإنهما متلازمان، إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا كما هو الحال في مفهوم الفقير والمسكين ونحو ذلك.
عدد الصفحات ٢٧٩280 13- يرى الماتريديون أن الفاسق مؤمن كامل الإيمان، بينما يرى السلف أنه مؤمن بإيمان فاسق بكبيرته، فلا يسلبون منه الإيمان ولا يثبتون له الكمال فيه. (1) * * * * *** * * * * * * * * * * * (1) لقد اهتمت كتب العقيدة ببيان تفاصيل كل تلك المسائل، وهى مسائل طويلة تحتاج إلى دراسة مطولة وما أثبته هنا يكفي إذ الغرض هو الإشا رة والإيجاز. أنظر : " الماتريدية دراسة وتقويما" ص 514 – 517 وتفصيل ذلك في هذا الكتاب الذي تخصص في دراسة الماتريدية بالإضافة إلى المراجع التي ذكرناها سابقا.
عدد الصفحات ٢٨٠281 الباب السادس عشر دراسة أهم المسائل التي اتفق عليها أهل الكلام من الأشعرية والماتريدية و المعت لة والجهمية وتشمل: 1- تقديم العقل على النقل 2- معنى التأويل عندهم 3- جهل أولئك بمعنى توحيد الألوهية 4- تعطيل النصوص عن مدلولاتها
عدد الصفحات ٢٨١282 الباب السادس عشر دراسة أهم المسائل التي اتفق عليها أهل الكلام من الأشعرية والماتريدية والمعت لة والجهمية 1 - تقديم العقل على النقل من المساوئ التي ابتلى بها بعض المنتسبين إلى الإسلام تقديس العقل واعتماده مصدرا أعلى من كلام خالق العقل. وقد لبس عليهم إبليس فرأوا أنهم على صواب، وق ويت في نفوسهم شبه الملاحدة أعداء الدين، فارتكبوا هذا الجرم الشنيع، ورأوا أنه إذا تعارض النقل والعقل في شيء فإن العقل هو المقدم، وذلك عند الجمهية والمعتزلة وجمهور الأشعارة المتأخرين، ظانين أنه يوجد بالفعل تعارض بين العقل السليم والنص الصحيح – حسب زعمهم – ولهم حجج في تقديم العقل على النقل وهى شبه لا تسلم لهم، ومنها: أن العقل هو الأصل والأساس للنقل و إلا لم يرد النقل. أن الدلالة العقلية قطعية بينما الدلالة النقلية ظنية. أن معرفة الله تعالى لا تنال إلا بحجة العقل وهى أصل وما عداها فرع، وهذا الأصل إنما قام على العقل، فلو قدمنا النقل لكان من باب تقديم الفرع على الأصل فالعقل هو الأساس، فلو حكم باستحالة الشيء وحكم السمع بخلاف ه فيجب تأويل السمع، ليتوافق مع العقل، فإن هو الذي شهد بصدق الشرع ولم يعر ف الشرع إلا بالعقل، فمن كذب العقل فقد كذب الشرع والعقل معا سواء كان في الصفات أو في غيرها من الأخبار، وما ورد من آيات الصفات في القرآن الكريم ينبغ ي عرضها على العقل، فإذا عارضها وجب تأويلها لتوافق العقل أو تفويض عملها إلى الله. إن صدق الأنبياء في إخبارهم عن الله لا يتوقف على النقل بل يتوقف على العقل، لأن النقل لا يقبل إلا أن يكون عن الأنبياء فلو توقف صدق الأنبياء على النقل للزم الدور. ما ثبت بالتواتر وخالفه العقل إما أن يؤول أو يفوض، وما ثبت بأخبار الآحاد فإنه لا يقبل بأي حال في العقائد
عدد الصفحات ٢٨٢283 الرد عليهم مهما حاول دعاة تقديم العقل على النقل من سرد المبررات لقبول ذلك، فإن تلك المحاولات والاحتجاجات والجداول والخصومة، غير مقبولة عند من وفقه الله لمعرفة دينة، وابتعد عن الوساوس التي جاء بها علم الكلام، وهذه المسألة على بساطة الرد عليها قد أخذت حيزا واسعا من الجدال والخصومة بين المثبتين والنافين، إلا أنه يمكن إيجاز الرد عليهم فيم ا يلى: هل يوجد بالفعل تعارض بين العقل السليم والنقل الصحيح؟ الجواب: لا يوجد تعارض بين العقل والنقل، فإن النقل وهى النصوص الشرعية إذا صحت من كتاب الله عز وجل أو من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، لا يمكن أن يعارضها العقل السليم الخالي عن الشهوات والبدع، فإنه لا يمكن أن يحصل التعارض بين دليل عقلي قطعي وآخر نقلى قطعي، أما إذا كان الدليلا ن ظنيين فإنه يقدم الراجح منهما سواء كان عقليا أو نقليا ، إن كان أحدهما ظنيا والآخر قطعيا ، فإنه يقدم الدليل القطعي بغض النظر عن كونه نقليا أو عقليا ، إذا القطعي هو الذي يمكن الاعتماد علية حتى وإن كان عقليا ، فالمزية إنما هي لكونه قطعيا لا لأجل لأنه عقلي. وأما ما ذهبوا إليه من إسقاطهم أخبار الآحاد في العقد، فهو من المساوئ التي وقع فيها هؤلاء، كما زعموا أن المتواتر حتى وإن كان قطع ي السند فهو غير قطعي الدلالة، وذلك لأن الدلالة اللفظية لا تفيد اليقين حسب مفهومهم (1) . وأخبار الآحاد– حسب زعمهم – لا تفيد العلم وهو من جملة أقوالهم البدعية العارية عن الأدلة الشرعية، لا من الكتاب ولا من السنة ولا من أقوال علماء الأمة الذين يعتبر كلامهم في هذه القضية، ذلك أن الحق هو قبول خبر الآحاد في باب الاعتقاد وفى غيره مادام ثابتا (2) . قال تعايا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبي نوا (3). ولولا أن خبر الواحد مقبول، لما توجه ا مر بالتثبت فيما يخبر به مما يحتاج إلى تثبيت خصوصا إذا جاء من فاسق، ومعناه أنه إذا كان غير فاسق فإن خبره يقبل.
عدد الصفحات ٢٨٣284 ولقد كان ال نبي صلى الله عليه وسلم يكتفي بخبر الواحد ويأمر بالاكتفاء به، حيث كان يرسل الشخص الواحد إلى مجموعة من الناس ويأمره بتبليغ ما يأمره به، ويطلب إلى الناس قبول ما يأمرهم به والانتهاء عما ينهاهم عنه. وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم أرسل معاذا إلى اليمن وأمره بتعليمهم الدين وسائر شعائر الإسلام، وكان يرسل من أصحابه الواحد والا ثنين أو الثلاثة أو أكثر – حسب ما يتيسر له – بغض النظر عن قضية خبر الآحاد التي ابتدعها أهل الكلام، وقد حصل ذلك منه في وقائع كثيرة، وعلى قبول خبر الآحاد جميع الأمة خلفا وأعرض عن النصوص الشرعية من الجهمية والمعتزلة والرافضة والخوارج ومن سار عليهم طريقتهم. وكان السلف من الصحابة فمن بعدهم، لا يشترطون لقبول رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والعمل به، سوى عدالة الراو ي وثقته وتقواه، وكانوا إذا روى الثقة حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم تلقوه بالقبول والعمل، ولم يخطر في أذهانهم أنه خبر آحاد، وأن أخبار الآحاد غير مقبولة كما هي حجة من أراد رد النصوص وتعطيلها والتشويش على عقول عامة المسلمين. وهنا أمر جدير بالذكر، وهو أن السلف حينما يقدمون النقل على العقل، ليس مقصودهم احتقار العقل و أنه لا يستفاد به المعرفة، بل يقدرون دور العقل في المعرفة والاهتداء به إلى الحق، ولكنهم لا يوصلونه إلى درجة التقديس التام وتقديمه على كلام الله عز وجل وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم. فكل ما في القرآن الكريم وكل ما صح في السنة النبوية، لا يستجيز مسلم ي ؤمن بالله ربا ، وبحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ، وبالإسلام دينا ، أن يعارضه بعقلة أو باجتهادات العلماء، وهو يعلم ثبوت النص، اللهم إلا أن يكون من باب الاجتهاد وتنوع المفاهيم في معاني النصوص وتوجيهها، فإن الشخص حينئذ إن اجتهد فأصاب له أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر اجتهاده ونيته. أما إذا قدم عقله فلاسفة اليونان، فعلية حينئذ إثمه وإثم من عمل بقوله، وحسن رد ما جاءت به الأنبياء واستبدال مفاهيم الفلاسفة السقيمة بها، التي يسميها بالأدلة والبراهين اليقينية، تهويلا
عدد الصفحات ٢٨٤285 لأمرها ورفعا لشأنها، ليتم له ما يريد من رد النصوص الشعرية وتأويلها – فعلية حينئذ إثمه وإثم من عمل بقوله. إن الهداية لم تأتنا إلا عن طريق الوح ي وعلى أيدي رسل الله الكرام، فبأ ي مسوغ نترك طريق الهداية ونرجع إلى تقديم العقل، فلو كان العقل يكفى للوصول إلى الحق مجردا عن النقل، لما عاش هؤلاء المعرضون عن الله في متاهات الكفر والضلال، ولما احتجنا إلى الأنبياء، فمن الإجرام أن نترك طريق الهداية واضحا مشرقا ، ثم نتعلل بتقديس العقل في مقابل نصوص الكتاب والسنة، فالعقل حد إذا تجاوزه صاحب ه انقلب إلى الجهل والخزعبلات. فمثلا المشبهة حينما أبوة الوقف عند حدود الشرع، بحثوا وتعمقوا في الصفات إلى أن وصلوا دإلى تشبيه الله بخلقة تماما ، ووصفوه إنسانا واقفا أمامهم، وظنوا أن عقولهم أوصلتهم إلى علم غزير، فهل ذلك صحيح؟ كلا. وقابل هؤلاء نفاة الصفات فقد أوصلتهم عقولهم حينما تجاوزت الوقوف عند النصوص الشرعية إلى حد أن وصفوا ربهم ب صفات، نتيجتها أن الله لا وجود له حتى وإن لم يصرحوا بنف ي وجود الله لكن تلك الأوصاف السلبية لا نتيجة لها إلا هذه النتيجة، وظنوا أنهم اهتدوا بعقولهم إلى الوصول إلى الحق وزين لهم الشيطان ذلك. فقارن بين مواقف هؤلاء ومواقف أهل الحق أهل السنة والجماعة، الذين يسير ون وراء النصوص مستعملين عقولهم إلى الحد الذي تنتهي عنده، وبالتالي فالقائد هو النص إلى أن يصلوا إلى غاية ما يريدون أو يطلب منهم. فأمنوا العثار واهتدوا إلى سواء السبيل، ورضوا بما جاء به كتاب ربهم وسنة نبيهم، وما كان علية سلفهم الكرام من الصحابة والتابعين له م بإحسان، وعلموا أن العقل الصحيح لا يعارض النقل الصحيح، فأراحوا أنفسهم عناء التأويلات والتكلفات التي ابتلى بها غيرهم، حين بحثوا كثيرا وأتبعوا أنفسهم طويلا وخرجوا عن الحق الذي طلبوه بتلك التأويلات والتكلفات وهم لا يشعرون. لأن السلف يعلمون أن النقل حينما جاء اطبا للعقل ومبينا له الطريق الصحيح يعلمون أن بينهما توافقا تاما ، فالخطاب إنما جاء لأهل العقول لا للمجانين ولا للحيوانات البهيمية، فكيف يتصور بعد ذلك أن العقل أعلى من النقل بحجة أن العقل هو الأصل وإلا لم يرد النص، فالنقل
عدد الصفحات ٢٨٥286 هو الموجه لمحل قابل للتوجي ه وهو العقل، ولم تأت العقول لتوجه النقول في أي زمن من عمر البشر. وزعمهم أن الدلالة النقلية ظنية بينما الدلالة العقلية قطعية (1)، هذا كلام اخترعوه وأرادوا أن يؤصلوه، وإلا فإن السلف من الصحابة فمن بعدهم لا يعرفون هذه المسالك، بل كانوا يعتبرونها من وساوس الشيطان ومن نقص الإيمان وزعمهم هذا هو مثل زعمهم أن صدق الأنبياء إنما يتوقف على العقل، ولو كان هذا صحيحا لآمن قوم نوح وسائر أمم الأنبياء، إذا إن لهم عقولا ، ولما احتاجوا إلى سماع النقل منهم عن الله تعالى والواقع خلاف ذلك فإن كلام الأنبياء وإخبارهم عن الله تعا لى هو في حد ذاته الطريق إلى الإيمان بالأنبياء، فكل رسول كان يأتي لقومه ويقول لهم: إني رسول الله إليكم (2)، ثم يخبرهم عن الله تعالى ويقول لهم في أنفسهم قولا بليغا ، دون التركيز على الأدلة العقلية، فه ي تأتى عرضا ويستفاد منها كثيرا ، لكن ليست هي الدليل الوحيد على صدق الأنبياء، فدلائل صدقهم كثيرة جدا . 2-التأويل في مفاهيم الفرق المصالفة لأهل السنة والجماعة لقد جرت التأويلات الفاسدة فتنا عظيمة على الإسلام والمسلمين، وأخرجت الكثير منهم عن عقيدتهم السليمة إلى عقائد ما أنزل الله بها من سلطان، ولقد عبر عن بعض مضار التأويلات الفاسدة العلامة ابن أبى العز، في معرض رده على الذين يؤولون رؤية الله تعالى في قوله عز وجل: وجوه يومئذ ناضرة 22) إلى ربها ناظرة (1) فقال: ((وهى من أظهر الأدلة، وأما من أبى تحريفها بما يسميه تأويلا ، فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والحساب أسهل من تأويلها على أرباب التأويل، ولا يشاء مبطل أن يتأول النصوص ويحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه النصوص. وهذا الذي أفسد الدنيا والدين، وهكذا فعلت اليهود والنصارى في نصوص التوراة والإنجيل، وحذرنا الله أن نفعل مثلهم، وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد على الدين ( 1 ) سورة القيامة 22 – 23 .
عدد الصفحات ٢٨٦