85 اهتمام الصحابة بإقراء القرآن الكريم لي: >كف ــ أو أمسك ــ< فرأيت عينيه تذرفان<(1). وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله ‘ لأبي موسى: >لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارً ا من مزامير آل داود<(2). وكانت تلاوة القرآن، ومجالس السماع القرآني من هدي أصحاب النبي ‘، فقد كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: >ذكرنا ربنا يا أبا موسى< فيقرأ عنده(3). >وهذا كان سماع سلف الأمة، وأكابر مشايخها وأئمتها، كالصحابة والتابعين ومن بعدهم من المشايخ : كإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي ويوسف بن أسباط وحذيفة المرعشي وأمثال هؤلاء. وكان عمر بن الخطاب يقول لأبي موسى الأشعري يا أبا موسى: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) رواه البخاري5055)، ومسلم800)، ولفظه: >قال لي رسول ا‘: >اقرأ علي القرآن< قال: فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك؟ وعليك أنزل؟ قال: >إني أشتهي أن أسمعه من غيري<، فقرأت النساء حتى إذا بلغتﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ} [: 41] جنبي، فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل (2) رواه البخاري 5048)، ومسلم 793)، واللفظ له، وفي لفظ ابن حبان (7197): عن أبي موسى الأشعري قال: >استمع رسول ا‘ قراءتي من الليل فلما أصبحت قال: >يا أبا موسى استمعت قراءتك الليلة لقد أوتيت مزمارً ا من مزامير آل داود<، قلت: يا رسول الله لو علمت مكانك لحبرت لك تحبيرً ا<. (3) مصنف عبدالرزاق2/486)، وفضائل القرآن، لأبي عبيد163 .)
عدد الصفحات ٨٦86 اهتمام الصحابة بإقراء القرآن الكريم ذكرنا ربنا! فيقرأ، وهم يسمعون ويبكون. وكان أص حاب محمد إ ذا اج تمعوا، أمروا واحدًا منهم أن يقرأ القرآن، والباقي يستمعون. وقد ثبت في الصحيح أن النبي ‘ مر بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ، فجعل يستمع لقراءته، وقال: لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود، وقال: مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك، فقال: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرً ا، أي لحسنته لك تحسينًا.... و ل ه ذ ا السماع من المواجيد ال ع ظ يم ة، والأذواق ال ك ر يم ة، ومزيد المعارف و الأ ح و ال الجسيمة= م الا ي سعه خطاب ، و لا يحويه كتاب ، ك م ا أ ن ف ي تدبر ال ق ر آن وتفهمه من مز يد ال علم و الإ يم ان م الا ي ح يط ب ه ب ي ان<(1). ولم تكن قراءة أبي موسى إلا قراءة عالم لعلماء يتفهمون عن طريق هذا السماع كلام ربهم سبحانه، وينزلونه على أدوائهم فتحدث الأثر المطلوب. لقد كان حث النبي ‘ لأصحابه على تعليم القرآن باعثًا لهم، وحاديًا لهممهم للسعي وراء تحقيق الخيرية التي وعد بها معلم القرآن، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) المجموع10/81 .)
عدد الصفحات ٨٧87 اهتمام الصحابة بإقراء القرآن الكريم فعن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن عثمان ،عن النبي ‘ قال: >خيركم من تعلم القرآن وعلمه<، قال: وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان، حتى كان الحجاج قال: وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا(1). وقد ذكر جماعة أن أبا عبدالرحمن >أخبرهم أنه قرأ على عثمان عامة القرآن ، وكان يسأله عن القرآن، فيقول: إنك تشغلني عن أمر الناس، فعليك بزيد بن ثابت، فإنه يجلس للناس، ويتفرغ لهم، ولست أخالفه في شيء من القرآن<(2). وقد كان الصحابة يحرصون على تعليم القرآن للناس، عن أنس قال: >بعثني الأشعري إلى عمر، فقال لي: كيف تركت الأشعري؟ قلت: تركته يعلم الناس القرآن، فقال: أما إنه كيس! ولا تسمعها إياه<(3). وعن الأعمش، قال: مر أعرابي بعبد الله بن مسعود، وهو يقرئ قومً ا القرآن ، أو قال : وعنده قوم يتعلمون القرآن ، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقال ابن مسعود: >يقتسمون ميراث محمد ‘<(4). وكانوا يوصون بتعليم الأبناء القرآن، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: > عليكم بالقرآن فتعلموه ، وعلموه أبناءكم ، فإنكم عنه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) رواه البخاري: (5072 .) (2) سير أعلام النبلاء4/270 .) (3) طبقات ابن سعد2/345)، وسير أعلام النبلاء2/390 .) (4) فضائل القرآن، لأبي عبيد51)، وجامع بيان العلم2/972 .)
عدد الصفحات ٨٨88 اهتمام الصحابة بإقراء القرآن الكريم تسألون، وبه تجزون، وكفى به واعظً ا لمن عقل<(1). وكان تعليم القرآن مقدمًا على غيره للمهاجر، عن عبادة بن الصامت قال: >كان رسول الله ‘ يشغل، فإذا قدم رجل مهاجر على رسول الله ‘ دفعه إلى رجل منا يعلمه القرآن، فدفع إلي رسول الله ‘ رجلاً ، فكان معي في البيت أعشيه عشاء أهل البيت، فكنت أقرئه القرآن<(2)، وفي رواية عنه : > عن عبادة بن الصامت، قال: علمت ناسً ا من أهل الصفة الكتابة والقرآن<(3). وكان الصحابة رضوان الله عليهم ، يستخدمون عدة أساليب في رفع همم طلابهم، فقد كان ابن مسعود إذا أصبح خرج أتاه الناس إلى داره فيقول: >على مكانكم<، ثم يمر بالذين يقرئهم القرآن، فيقول: >يا فلان بأي سورة أنت؟< فيخبرونه، فيقول: >بأي آية فيفتح عليه الآية التي تليها، ثم يقول تعلمها فإنها خير لك مما بين السماء والأرض<، قال: فيظن الرجل أنها ليست في القرآن آية خير منها، ثم يمر بالآخر فيقول له مثل ذلك حتى يقول لذلك كلهم(4). ومن شواهد الإقراء أيضًا، ما ذكره محمد بن كعب القرظي، قال: >جمع القرآن في زمان النبي ‘ خمسة من الأنصار : معاذ بن جبل، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) فضائل القرآن52)، المحرر الوجيز1/38 .) (2) رواه أحمد في المسند22766)، وأبي نعيم في معرفة الصحابة: (4833 .) (3) رواه ابن أبي شيبة في المصنف4/341)،20843 .) (4) أخرج عبد الزاق في المصنف: (3/365)، والطبراني في الكبير9/153 .)
عدد الصفحات ٨٩89 اهتمام الصحابة بإقراء القرآن الكريم وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، وأبو أيوب، وأبو الدرداء، فلما كان زمن عمر بن الخطاب كتب إليه يزيد بن أبي سفيان: إن أهل الشام قد كثروا وربلوا ومل ؤوا المدائن ، واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم، فأعني يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم، فدعا عمر أولئك الخمسة فقال لهم : إن إخوانكم من أهل الشام قد استعانوني بمن يعلمهم القرآن ويفقههم في الدين، فأعينوني رحمكم الله بثلاثة منكم، إن أجبتم فاستهموا، وإن انتدب ثلاثة منكم فليخرجوا، فقالوا: ما كنا لنتساهم، هذا شيخ كبير لأبي أيوب، وأما هذا فسقيم لأبي بن كعب، فخرج معاذ وعبادة وأبو الدرداء، فقال عمر: ابدؤوا بحمص فإنكم ستجدون الناس على وجوه مختلفة، منهم من يلقن فإذا رأيتم ذلك فوجهوا إليه طائفة من الناس ، فإذا رضيتم منهم فليقم بها واحد ، وليخرج واحد إلى دمشق، والآخر إلى فلسطين. وقدموا حمص فكانوا بها حتى إذا رضوا من الناس أقام بها عبادة ، وخرج أبو الدرداء إلى دمشق ، ومعاذ إلى فلسطين، وأما معاذ فمات عام طاعون عمواس، وأما عبادة فصار بعد إلى فلسطين فمات بها، وأما أبو الدرداء فلم يزل بدمشق حتى مات<(1). وكانوا يرشدون طلابهم إلى الطريقة المثلى لحفظ القرآن الكريم ومراجعته ومعاهدته، وهذا من نتائج تجاربهم وثمار تحصيلهم واجتهادهم: ومن ذلك قول أبي العالية رفيع بن مهران الرياحي: >تعلموا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) ابن سعد، الطبقات الكبرى2/356 .)
عدد الصفحات ٩٠90 اهتمام الصحابة بإقراء القرآن الكريم القرآن خمس آيات خمس آيات؛ فإنه أحفظ لكم<(1). وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي : > حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: كعثمان بن عفان و عبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ‘ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعً ا<(2). وعن ابن مسعود، قال: >كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات، لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن<(3). فهذا هديهم رضوان الله عليهم في إقراء القرآن، وإرشادهم لطلابهم، وعملهم بهديه ‘ في ذلك، ولذلك حازوا الخيرية التي وعدوا بها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) حلية الأولياء2/219 .) (2) ابن تيمية، مجموع الفتاوى: (13/331 .) (3) تفسير الطبري1/74). تفسير ابن كثير1/8 .)
عدد الصفحات ٩١91 تعظيم الآل والأصحاب للقرآن تعظيم الآل والأصحاب للقرآن لقد كان تعظيم الصحابة رضوان الله عليهم للقرآن من الوضوح بمكان كبير، وآثارهم خير شاهد على ذلك، فالكتاب هو >كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه، وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير واستدلال عليه؛ لأنه معلوم من دين الأمة، وإذا كان كذلك؛ لزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات الشريعة وطمع في إدراك مقاصدها ، واللحاق بأهلها ، أن يتخذه سميره وأنيسه ، وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي؛ نظرً ا وعملاً ، لا اقتصارً ا على أحدهما؛ فيوشك أن يفوز بالبغية، وأن يظفر بالطلبة، ويجد نفسه من السابقين في الرعيل الأول<(1). ويمكننا تقسيم الآثار الواردة في تعظيم القرآن عند الصحابة إلى عدة أنواع: أولاً : ثناؤهم على القرآن، وحث الناس على الإقبال عليه، والتحذير ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الموافقات، للشاطبي4/144 .)
عدد الصفحات ٩٢92 تعظيم الآل والأصحاب للقرآن من هجره. ثانيًا: تكريمهم لأهل القرآن، ومعرفة قدرهم. ثالثًا: حسن استماعهم للقرآن. رابعًا: عملهم بالقرآن.
عدد الصفحات ٩٣93 ثناؤهم على القرآن وحث الناس على الإقبال عليه أولاً : ثناؤهم على القرآن، وحث الناس على الإقبال عليه ، والتحذير من هجره لقد كان أصحاب النبي ‘ أكثر الناس حرصًا على القرآن، وأكثرهم حثًا لغيرهم على الإقبال عليه، والآثار عنهم في هذا الأمر كثيرة، ومنها ما ثبت عن عبد الله بن مسعود في الحث على الإقبال على القرآن ، قال: >إن هذا القرآن مأدبة الله، فمن دخل فيه فهو آمن<(1)،وثبت عنه: >إن هذا القرآن مأدبة الله، فمن استطاع أن يتعلم منه شيئً ا فليفعل، فإن أصفر البيوت من الخير البيت الذي ليس فيه من كتاب الله تعالى شيء، وإن البيت الذي ليس فيه من كتاب الله شيء خرب كخراب البيت الذي لا عامر له، وإن الشيطان يخرج من البيت يسمع سورة البقرة تقرأ فيه<(2)،وقال: >إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن هو حبل الله الذي أمر به ، وهو النور المبين والشفاء النافع، عصمة لمن اعتصم به، ونجاة لمن تمسك به، لا يعوج فيقوم، ولا يزوغ فيشعب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن رد، اتلوه فإن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أخرجه ابن المبارك في الزهد787)، والدارمي في السنن3365 .) (2) أخرجه عبدالرزاق في المصنف5998)، والدارمي3350 .)
عدد الصفحات ٩٤94 ثناؤهم على القرآن وحث الناس على الإقبال عليه الله يأجركم لكل حرف عشر حسنات<(1). وقالعبد الله: > لا تهذوا القرآن ، كهذ الشعر ، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب<(2)،وقال أيضًا: >إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بغيره<(3). وقد كان الصحابة كثيرًا ما يوصون أتباعهم ، وسائليهم بالقرآن ، فعن عقيل بن مدرك، يرفعه إلى أبي سعيد الخدري أن رجلاً أتاه، وقال: أوصني يا أبا سعيد، فقال له أبو سعيد: سألت عما سألت عنه من قبلك، قال: >أوصيك بتقوى الله، فإنها رأس كل شيء، وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله، وتلاوة القرآن، فإنه روحك في أهل السماء، وذكرك في أهل الأرض، وعليك بالصمت إلا في حق، فإنك به تغلب الشيطان<(4). وقد طلب قوم من جندب بن عبدالله أن يوصيهم، فأوصاهم قائلاً : > أوصيكم بتقوى الله ، وأوصيكم بالقرآن ، نور الليل المظلم، وهدى النهار، فاعملوا به على ما كان فيه من جهد وفاقة، فإن عرض ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أخرجه عبدالرزاق في المصنف6017)، وأبي عبيد القاسم بن سلام، في فضائل القرآن: (49)، وسعيد بن منصور في سننه: (7)، وابن أبي شيبة30008)، والآجري في أخلاق أهل القرآن: (11 .) (2) رواه ابن أبي شيبة2/256 .) (3) فضائل القرآن، لأبي عبيد73)، وابن أبي شيبة30011 .) (4) أخرجه ابن المبارك في الزهد840)، وأحمد في المسند11774)، وغيرهما
عدد الصفحات ٩٥95 ثناؤهم على القرآن وحث الناس على الإقبال عليه بلاء فقدم مالك دون نفسك، فإن تجاوزهما البلاء فقدم نفسك ومالك دون دينك، واعلم أن المحروب من حرب دينه ، وأن المسلوب من سلب دينه، وأنه لا فقر بعد الجنة، ولا غنى بعد النار، وأن النار لا يفك أسيرها، ولا يستغني فقيرها<(1). ومن الآثار التي تجلب الاهتمام بالقرآن ما ثبت عن معاذ،أنه قال: >سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب، فيتهافت، يقرءونه لا يجدون له شهوة ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف، إن قصروا، قالوا: سنبلغ، وإن أساءوا، قالوا: سيغفر لنا، إنا لا نشرك بالله شيئً ا<(2). إن القرآن كان بمثابة القبس الذي نزل على قلوب تلك الثلة فأشعل نور الإيمان فيها ، حتى إنهم بكوا حين انقطع الوحي ، فعن أنس، قال: قال أبو بكر بعد وفاة رسول ا‘ لعمر: >انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها، كما كان رسول الله ‘ يزورها، فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله ‘؟ فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ‘، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء. فجعلا يبكيان معها<(3). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني4/294)، والمروزي في مختصر قيام الليل: (173)، وانظر: سير أعلام النبلاء3/174 .) (2) أخرجه الدارمي في السنن4/2107)، وانظر: تفسير القرطبي7/312 .) (3) رواه مسلم2454 .)
عدد الصفحات ٩٦96 ثناؤهم على القرآن وحث الناس على الإقبال عليه وكانوا يحذرون أهل القرآن من الانشغال عنه ، فقد جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال: >يا معشر القراء ارفعوا رؤوسكم فقد وضح لكم الطريق فاستبقوا الخيرات لا تكونوا عيالاً على الناس<(1). وعن حذيفة بن اليمان ،قال: > يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقً ا بعيدً ا، فإن أخذتم يمينً ا وشمالاً ، لقد ضللتم ضلالاً بعيدً ا<(2). وقالعبد الله بن عباس > :لو أن حملة القرآن أخذوه وما ينبغي له لأحبهم الله، ولكن طلبوا به الدنيا فأبغضهم الله وهانوا على الناس<(3). إن القرآن أعظم ما تقرب به العبد إلى ا،عن فروة بن نوفل الأشجعي، قال: كان خباب بن الأرت لي جارً ا، فقال لي يومً ا: >يا هناه، تقرب إلى الله تعالى ما استطعت، واعلم أنك لست تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه<(4). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) النووي،التبيان في آداب حملة القرآن: (1/54 .) (2) البخاري7282 .) (3) تفسير القرطبي1/20 .) (4) فضائل القرآن77 .)
عدد الصفحات ٩٧97 تكريمهم لأهل القرآن، ومعرفة قدرهم ثانيًا : تكريمهم لأهل القرآن، ومعرفة قدرهم من مظاهر تعظيم الصحابة والآل للقرآن، تعظيمهم لأهل القرآن، فعن عامر بن واثلة، أن نافع بن عبد الحارث، لقي عمر بعسفان، وكان عمر يستعمله على مكة ، فقال: من استعملت على أهل الوادي ؟، فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله ،وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم ‘ قد قال : > إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامً ا، ويضع به آخرين<(1). ومن تقديرهم لأهل القرآن، أن عمر كان يدخل ابن عباس مع أشياخ بدر لعلمه، فعن ابن عباس، قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله، فقال عمر: إنه من قد علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: {ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ}[النصر: 1]؟فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا، وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئً ا، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) رواه مسلم817 .)
عدد الصفحات ٩٨98 تكريمهم لأهل القرآن، ومعرفة قدرهم فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: >هو أجل رسول الله ‘ أعلمه له<، قال: {ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ} [النصر: 1] >وذلك علامة أجلك <، {ﱯ ﱰ ﱱ ﱲﱳ ﱴ ﱵ ﱶ} [النصر: 3]،فقال عمر: >ما أعلم منها إلا ما تقول<(1). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) رواه البخاري4970 .)
عدد الصفحات ٩٩99 حسن تلاوتهم واستماعهم للقرآن ثالثًا : حسن تلاوتهم واستماعهم للقرآن كان الصحابة والآل رضوان الله عليهم أحرص الناس على أورادهم القرآنية، فعن أبي بردة، قال: بعث رسول الله ‘ أبا موسى، ومعاذ بن جبل إلى اليمن ، قال: وبعث كل واحد منهما على مخلاف ، قال: واليمن مخلافان، ثم قال: >يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا<، فانطلق كل واحد منهما إلى عمله، وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه كان قريبً ا من صاحبه أحدث به عهدً ا، فسلم عليه، فسار معاذ في أرضه قريبً ا من صاحبه أبي موسى، فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه، وإذا هو جالس، وقد اجتمع إليه الناس وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه، فقال له معاذ : يا عبد الله بن قيس أيم هذا ؟ قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه، قال: لا أنزل حتى يقتل، قال: إنما جيء به لذلك فانزل، قال: ما أنزل حتى يقتل، فأمر به فقتل، ثم نزل فقال: يا عبد الله، كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفوقه تفوقً ا، قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي(1). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) رواه البخاري4341 .)
عدد الصفحات ١٠٠100 حسن تلاوتهم واستماعهم للقرآن وعن عائشة، قالت: >إني لأقرأ حزبي، أو عامة حزبي وأنا مضطجعة على فراشي<(1). وكان لهم اهتمام عظيم بهذا الورد حال القراءة، ولا يقطعهم عنه ــ غالبًا ــ إلا ما كان في شأنه، عن نافع، قال: كان ابن عمر > :إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه ، فأخذت عليه يومً ا، فقرأ سورة البقرة، حتى انتهى إلى مكان، قال: تدري فيم أنزلت؟ قلت: لا، قال: أنزلت في كذا وكذا، ثم مضى(2). وكان إذا فاتهم الحزب قضوه: يقول عبد الرحمن بن عبد القاري: استأذنت على عمر بالهاجرة، فحبسني طويلاً ، ثم أذن لي، وقال: >إني كنت في قضاء وردي<(3)،وعن خيثمة بن عبد الرحمن الجعفي، قال: دخلت على عبد الله بن عمرو وهو يقرأ في المصحف، فقلت له، فقال: >هذا جزئي الذي أقرأ به الليلة<(4). وكانوا يرشدون طلابهم لتعاهد القرآن ، قال عبد الله: > تعاهدوا هذه المصاحف<، وربما قال: >القرآن فلهو أشد تفصيً ا من قلوب الرجال من النعم من عقلها<(5). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) رواه ابن أبي شيبة في المصنف8571)،30182 .) (2) رواه البخاري4526 .) (3) فضائل القرآن185 .) (4) السابق (5) رواه مسلم790 .)
عدد الصفحات ١٠١