المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

القرآن الكريم في حياة الآل والأصحاب

عمرو الشرقاوي

صفحة ٥ من ٨

69 مختصر في تاريخ التفسير في عهد الصحابة فأما النوع الأول، فمن أمثلته ما ورد عن سعيد بن المسيّب، أنّ عمر بن الخطّاب أتى على هذه الآية : {ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ}[الأنعام: 82] فأتىأبيّ بن كعبٍ فسأله : أيّنا لم يظلم؟ فقال له: >يا أمير المؤمنين، إنّما ذاك الشّرك ، أما سمعت قول لقمان لابنه: {ﱜ ﱝ ﱞ ﱟﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ}[لقمان: 13]<(1). فإذا كان السؤال عن المشكل قد فعله عمر ، فهناك بحث عن مشكلات القرآن على جهة التعنت، ــ وهو النوع الثاني ــ وقصته مع صبيغ في ذلك مشهورة حيث كان يسأل عن متشابه القرآن تعنتً ا، فأدبه عمر حتى رجع عن ذلك. عن أبي عثمان ، أنّ رجلاً كان من بني يربوعٍ ، يقال له صبيغ ، سأل عمر بن الخطّاب  عن الذّاريات والنّازعات والمرسلات أو عن إحداهنّ ، فقال له عمر : > ضع عن رأسك < فوضع عن رأسه فإذا له وفيرة ، فقال: >لو وجدتك محلوقًا لضربت الّذي فيه عيناك< قال: ثمّ كتب إلى أهل البصرة >أن لا تجالسوه < أو قال : > كتب إلينا أن لا تجالسوه<، قال: >فلو جلس إلينا ونحن مائة لتفرّقنا عنه<(2). * سؤال عمر عن ما أشكل عليه: كما سبق أن السؤال عن المشكل قد وقع في عهد عمر ، وكان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أخرجه الحاكم3/345 .) (2) هذه القصة تروى مختصرة ومطولة، وهذا لفظ ابن عساكر23/413)، وقال ابن كثير في تفسيره: (7/414): إن قصة ص ب يغ بن عسل مشهورة مع عمر.

عدد الصفحات ٧٠

70 مختصر في تاريخ التفسير في عهد الصحابة عمر يتصدى لحل هذه الإشكالات، بل وقع الإشكال عند عمر  ــ نفسه ــ، فقد قال سعيد بن المسيّب: بينما عمر بن الخطّاب  على المنبر قال: >يا أيّها النّاس، ما تقولون في قول الله  :{ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ}[النحل: 47]؟فسكت النّاس، فقال شيخ من بني هذيلٍ : هي لغتنا يا أمير المؤمنين، التّخوّف التّنقّص. فخرج رجل ، فقال: يا فلان، ما فعل دينك ؟ قال: تخوّفته، أي تنقّصته ، فرجع فأخبر عمر ، فقال عمر: >أتعرف العرب ذلك في أشعارهم؟< قال: نعم. قال شاعرنا أبو كبيرٍ الهذليّ يصف ناقةً تنقّص السّير سنامها بعد تمكه واكتنازه : تخــوّف الرّحــل منهــا تامكًــا قــردًا كمــا تخــوّف عــود النبعــة الســفن فقال عمر: >يا أيّها النّاس، عليكم بديوانكم شعر الجاهليّة فإنّ فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم<(1). وعن ابن شهابٍ أنّ أنس بن مالكٍ حدّثه أنّه سمع عمر بن الخطّاب  يقول: قال الله: {ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ}[عبس: 28 ــ31] كلّ هذا قد علمناه ، فما الأبّ ؟ ثمّ ضرب بيده، ثمّ قال: لعمرك إنّ هذا لهو التّكلّف، واتّبعوا ما يتبيّن لكم في هذا الكتاب. قال عمر: وما يتبيّن فعليكم به، وما لا فدعوه(2). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الجامع لأحكام القرطبي: للقرطبي10/110،111)، والتحرير والتنوير: للطاهر ابن عاشور (1/22 .) (2) أخرجه الطبري24/123)، وصححه ابن كثير في تفسيره: (8/325 .)

عدد الصفحات ٧١

71 مختصر في تاريخ التفسير في عهد الصحابة 4 ــ تنزيل الآية على الواقع: ظهر أيضًا في عهد عمر ،نوع من تنزيل الآيات على أمور الواقع الموجود في هذا العهد، ومما يروى في ذلك أن عمر أبصر مع جابر بن عبد الله إنسانًا يحمل شيئًا ، فقال: > ما هذا ؟< فقال: لحم اشتريته بدرهمٍ ، فقال عمر : > ما يقرم أحدكم قرمةً إلاّ أخرج درهمًا فاشترى به لحمًا، أما سمعتم الله يقول: {ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ} [الأحقاف: 20]<(1). *ثالثًا : عهد عثمان  (23 ــ 35 هـ) بعد وفاة عمر ،تولى الخلافة عثمان بن عفان ،وكانت مدة خلافته (12 )سنة، وسنقدم بأهم أعماله ،لندخل إلى ملامح التفسير في عهده. وقد ظهرت أعمال جليلة تتعلق بكتاب الله تعالى، ومنها: 1 ــ نسخ المصاحف عام (25 )هـ. 2 ــ الإقراء. ولم يكن قد تصدى للتفسير، وأقواله في ذلك قليلة، وذلك لانشغاله ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تفسير عبد الرزاق: (3/196)، وانظر: الدر المنثور7/445 :447 .)

عدد الصفحات ٧٢

72 مختصر في تاريخ التفسير في عهد الصحابة بالإقراء ثم بالخلافة. ولكن ظهر في هذا العهد أئمة اشتهروا بالعلم، وبقي هنا أن نذكر بعض من اشتهر من الصحابة بالعلم في عهده وهم على سبيل المثال: ابن مسعود، وأبو الدرداء، وأبي بن كعب. ولعلنا نذكر شيئً ا مما ورد عنهم في بعض الروايات التفسيرية. * أبو الدرداء  (ت32 هـ): كان ممن تلا القرآن على رسول الله ‘، وكان  متصديًا للإقراء، وقد ورد في ترجمته: >قيل: الّذين في حلقة إقراء أبي الدّرداء كانوا أزيد من ألف رجلٍ ، ولكلّ عشرةٍ منهم ملقّن ، وكان أبو الدّرداء يطوف عليهم قائماً ، فإذا أحكم الرّجل منهم، تحوّل إلى أبي الدّرداء ــ يعني: يعرض عليه ــ<(1). ولم يتصد للتفسير، ولذا كان الوارد عنه في التفسير قليلاً ، ولا يعني ذلك أنه لا يعلم التفسير ، ومن أشهر ما ورد عنه مما يتعلق بالتفسير ما رواه أبو قلابة عنه، قال: >إنّك لن تفقه كلّ الفقه حتّى ترى للقرآن وجوهًا<(2)،ويعني بها الوجوه الصحيحة المحتملة للآية. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) سير أعلام النبلاء2/353 .) (2) أخرجه عبد الرزاق (1/211)، وأبو داود في الزهد242)، وروي مرفوعًا، ولا يصح، وقال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله: (2/101): هذا حديث =

عدد الصفحات ٧٣

73 مختصر في تاريخ التفسير في عهد الصحابة * أبي بن كعب  (ت32 هـ): اشتهر عنه قراءته بالمنسوخ، روى البخاري بسنده عن ابن عبّاسٍ ، قال: قال عمر > :أقرؤنا أبي ، وأقضانا علي ، وإنّا لندع من قول أبيٍّ ، وذاك أنّ أبي ا يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ‘<. وقد قال الله تعالى: {ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ}[البقرة: 106](1). وقد أمر الله نبيه‘ أن يقرأ القرآن على أبي، فعن أنس بن مالكٍ ، قال: قال رسول الله ‘ لأبي بن كعبٍ : >إن الله أمرني أن أقرأ عليك: {ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ} [البينة: 1] <قال: وسمّاني؟ قال: >نعم< قال: فبكى(2). وحاله في القراءة أشهر من حاله في التفسير، وإن كانت غير مستفيضة كالقراءة، وعن سعيد بن المسي ب أن عمر بن الخط اب أتى على هذه الآية: {ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ} [الأنعام: 82] فأتى أبي بن كعبٍ فسأله: أيّنا لم يظلم؟ فقال له: >يا أمير المؤمنين، إنّما ذاك الشّرك ، أما سمعت قول لقمان لابنه: {ﱜ ﱝ ﱞ ﱟﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ}[لقمان: 13]<(3). * ابن مسعود  (ت32 هـ): ومن الجوانب المتعلقة بتاريخ التفسير من حياته: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ = لا يصح مرفوعً ا، وإنما الصحيح فيه إنما هو من قول أبي الدرداء:. (1) أخرجه البخاري4481، وأطرافه فيه (2) أخرجه البخاري3809، وأطرافه فيه)، ومسلم799 .) (3) أخرجه الحاكم3/345 .)

عدد الصفحات ٧٤

74 مختصر في تاريخ التفسير في عهد الصحابة عن مسروقٍ ، قال: كان عبد الله >يقرأ علينا السّورة ، ثمّ يحدّثنا فيها، ويفسّرها عامّة النّهار <(1). وعن مسروقٍ، عن عبد الله، قال: >وال ذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلاّ أنا أعلم حيث نزلت ، وما من آيةٍ إلاّ أنا أعلم فيما أنزلت ، ولو أعلم أحدًا هو أعلم بكتاب الله منّي، تبلغه الإبل، لركبت إليه<(2). ولا شك في ذلك ، فهو من أعلم الصحابة بكتاب الله تعالى ، ولذلك لم يستشكل أحد مثل هذا الكلام كما وقع في بعض الروايات. وكان حريصً ا على إيصال معاني كلام الله، ويجتهد في تفسيره بطرائق عدة، ومنها ما رواه الطبري بسنده عن قتادة ، قال: > ذكر لنا أنّ ابن مسعودٍ ، أهديت إليه سقاية من ذهبٍ وفضّةٍ ، فأمر بأخدودٍ فخدّ في الأرض، ثمّ قذف فيه من جزل حطبٍ ، ثمّ قذف فيه تلك السّقاية ، حتّى إذا أزبدت وانماعت قال لغلامه: ادع من يحضرنا من أهل الكوفة، فدعا رهطًا، فلمّا دخلوا عليه قال: أترون هذا؟ قالوا: نعم، قال: ما رأينا في الدّنيا شبيهًا للمهل أدنى من هذا الذّهب والفضّة ، حين أزبد وانماع<(3). ولو وازنا بين أبي وابن مسعود ، لوجدنا أن الاثنين علمان في الإقراء، أما من جهة الروايات التفسيرية فالأغلب ابن مسعود. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) جامع البيان عن تأويل آي القرآن1/75 .) (2) أخرجه البخاري5002)، ومسلم2463)، واللفظ له (3) جامع البيان عن تأويل آي القرآن15/248 .)

عدد الصفحات ٧٥

75 مختصر في تاريخ التفسير في عهد الصحابة * رابعًا : عهد علي بن أبي طالب (35 ــ 40 هـ) يعتبر علي بن أبي طالب من المقرئين المتصدين للإقراء؛ فأسانيد الكوفيين ترجع إليه، وأحد المتصدين لتفسير كلام الله ،والسبب في ذلك أن الخلافة لم تشغله مبكرً ا، وكان متفرغً ا أكثر من غيره ممن سبقه من الخلفاء الكرام. وسنذكر بعض الروايات التفسيرية المرتبطة بعلي ،وقد كان ـ  ـ عالمًا بالقرآن، وبالتفسير ــ على وجه الخصوص ــ. عن أبي عبد الر حمن الس لمي ، قال: انتهى علي بن أبي طالبٍ  إلى رجلٍ يقصّ فقال : >أعلمت النّاسخ من المنسوخ؟< قال: لا قال: >هلكت وأهلكت<(1). والناسخعند علي  يشتمل على تخصيص العام، وتقييد المطلق، وبيان المجمل، ورفع الحكم الشرعي... الخ. وهذا تنبيه منه ـ  ـ على أهمية هذه الأنواع في بيان القرآن وتفسيره؛ لأن عدم معرفتها يؤثر على فهم المعنى(2). وقد كان علي يجيب عمن يسأله في القرآن تعنتًا بخلاف ما كان عليه الأمر في عهد عمر  والسبب في ذلك: اختلاف الأحوال والبيئة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أخرجه ابن أبي شيبة26716)، والبيهقي10/117 .) (2) النسخ منه ما يؤثر في المعنى، ومنه ما لا يؤثر، وإن كان يؤثر في الحكم قطعًا.

عدد الصفحات ٧٦

76 مختصر في تاريخ التفسير في عهد الصحابة وكان مما ورد عنه من التفسير تنزيل بعض الآيات على المعاصرين له. ومن ذلك ما كان يسأله عبد الله بن الكواء الخارجي، ومن أسئلته ما ذكره أبو الطفيل عامر بن واثلة قال : سمعت علي ا  قام فقال : >سلوني قبل أن تفقدوني ولن تسألوا بعدي مثلي< فقام ابن الكواء فقال: م ن {ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ}[إبراهيم: 28]؟ قال: > منافقو قريشٍ <، قال: فمن {ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ} [الكهف: 104]؟قال: >منهم أهل حروراء<(1). ــ وقد طب ق أسلوبًا من أساليب الترجيح ، وأظهر المخالفة لابن عباس، ما يدل على احتمال تعدد دلالة النص القرآني، وكان في ذلك بدايات لضوابط الترجيح أو قواعده أو قرائنه، وذلك ما ورد عن سعيد بن جبيرٍ ، عن ابن عب اسٍ ، حد ثه قال : بينما أنا في الحجر جالسٌ ، أتاني رجل يسأل عن {ﲡ ﲢ}[العاديات: 1] فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله ، ثمّ تأوي إلى اللّيل ، فيصنعون طعامهم ، ويورون نارهم . فانفتل عنّي ، فذهب إلى عليّ بن أبي طالبٍ  وهو تحت سقاية زمزم، فسأله عن {ﲡ ﲢ}فقال: سألت عنها أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت عنها ابن عبّاسٍ ، فقال: الخيل حين تغير في سبيل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أخرجه الحاكم (2/383) بهذا اللفظ، وصححه، و2/506) مطولاً بأسئلة أكثر من هذه، وصححه.

عدد الصفحات ٧٧

77 مختصر في تاريخ التفسير في عهد الصحابة الله. قال: اذهب فادعه لي؛ فلمّا وقفت على رأسه قال: تفتي النّاس بما لا علم لك به، والله لكانت أوّل غزوةٍ في الإسلام لبدر ، وما كان معنا إلاّ فرسان : فرس للزّبير ، وفرس للمقداد فكيف تكون العاديات ضبحًا؟! إنّما العاديات ضبحًا من عرفة إلى مزدلفة إلى منًى. قال ابن عبّاسٍ : فنزعت عن قولي، ورجعت إلى الّذي قال علي (1). ــ ومن أساليبه الدقيقة التي أثارها في تفسيره = التنبيه على ضابط قبول أخبار السابقين ، وقد ورد ذلك في سؤاله لحبر يهودي ، فعن سعيد بن المسيّب قال: قال علي  لرجلٍ من اليهود: >أين جهنّم؟< فقال: البحر، فقال: >ما أراه إلاّ صادقًا <، ثم تلا {ﲝ ﲞ} [الطور: 6]،{ﱝ ﱞ ﱟ} [التكوير: 6](2). وإنما قبل ما قاله اليهودي لما وجد له من شاهد من كتاب ا تعالى، وهذا الضابط في قبول هذه الأخبار مما وقع عليه الاتفاق. ومما ورد عنه من سؤال من له علم بكتب السابقين، سؤاله لهلال الهجري عن >الأحقاب<، فعن سالم بن أبي الجعد، قال: قال عليّ بن أبي طالبٍ  لهلالٍ الهجريّ : > ما تجدون الحقب في كتاب الله المنزّل؟< قال: نجده ثمانين سنةً كلّ سنةٍ اثنا عشر شهرًا ، كلّ شهرٍ ثلاثون يومًا، كلّ يومٍ ألف سنةٍ (3). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أخرجه الحاكم2/115)، وصححه (2) أخرجه الطبري21/567 .) (3) أخرجه الطبري24/24 .)

عدد الصفحات ٧٨

78 مختصر في تاريخ التفسير في عهد الصحابة ــ وبرز في وقته خطأ بعض المسلمين في فهم القرآن وتفسيره، وهم الخوارج، وقد أرسل لهم ابن عمه عبد الله بن العباس ليناظرهم، وقد بين لهم ابن عباس خطأهم في فهم القرآن(1). ــ وكان مما وقع من التفسير في عصره أنه لما أرسل ابن عمه عبد الله بن العباس ليكون أميرًا على الناس في الحج= ففسّر للناس شيئًا من القرآن، فعن الأعمش، عن أبي وائلٍ شقيق بن سلمة، قال: قرأ ابن عبّاسٍ سورة البقرة، فجعل يفسّرها ، فقال رجل : لو سمعت هذا الدّيلم لأسلمت(2). وعنه، عن شقيقٍ ، قال: استعمل علي ابن عبّاسٍ على الحجّ ، قال: فخطب النّاس خطبةً ، لو سمعها التّرك والرّوم لأسلموا، ثمّ قرأ عليهم سورة النّور، فجعل يفسّرها (3). وهذا يدل على حرص الصحابة على إيصال معاني القرآن للناس، وكان اجتماع الناس في هذا الموسم المبارك فرصة لبيان معاني القرآن كما هو ظاهر من هذه الرواية. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أخرج هذه الواقعة عبد الرزاق ( 18678)، ومن طريقه الطبراني 10/313)، والحاكم (2/150)، وصححه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد6/241): رجاله رجال الصحيح. (2) أخرجه الطبري1/57)، وصححه ابن حجر في فتح الباري7/100 .) (3) أخرجه الطبري1/75)، والحاكم3/618)،وصححه.

عدد الصفحات ٧٩

79 مختصر في تاريخ التفسير في عهد الصحابة * خامسًا : عهد صغار الصحابة (41 ــ 68 هـ) لو تأملت هذا العهد فسيظهر لك أنه لا يوجد من تصدى في هذه الفترة للتفسير إلا ابن عباس فهو العلم البارز في التفسير. ولا بأس أن نعرج على بعض الصحابة في هذه الفترة، ممن كانت لهم علاقة بالقرآن الكريم، فمنهم: 1 ــ أبو موسى الأشعري (ت 44 هـ): وقد أوتي مزمارً ا من مزامير آل داود، وعرف بالاشتغال بالإقراء. 2 ــ زيد بن ثابت (ت 45 هـ): وهو من علماء الصحابة ، فكان كاتب الوحي ، وباشر كتابة المصحف في عهد أبي بكر وعثمان ، وقراءة أهل المدينة هي قراءة زيد، وكان الصحابة يصححون على زيد المصاحف، واشتهر بالإقراء وعلم الفرائض ، وهو أحد أئمة التفسير من الصحابة ولكن رواياته قليلة. 3 ــ السيدة عائشة: وكانت عالمة بالفتوى ولم تتصد للتفسير. 4 ــ أبو هريرة: واشتهر بالحديث.

عدد الصفحات ٨٠

80 مختصر في تاريخ التفسير في عهد الصحابة أما الصحابي الذي اشتهر بالتفسير ، وبرز فيه وتصدى له ، بل وعرف به، فهو الإمام الحبر البحر عبدالله بن عباس . وقد نبغ ابن عباس،وظهر نبوغه في عهد الخلفاء الراشدين، ولا أدل على ذلك من إدخال عمر  له مع أهل الشورى، وتبجيل عثمان له، واستعانة علي به رضي الله عنهم جميعًا، وقد سبق شيء من فضائله، وثناء الصحابة عليه في علم التفسير. وقد تصدر لتعليم القرآن، ومن ذلك: عن عكرمة، قال: >كان ابن عبّاسٍ  يضع في رجليّ الكبل ، ويعلّمني القرآن والسّنن <(1)،وعن ابن أبي مليكة، قال: >رأيت مجاهدًا يسأل ابن عبّاسٍ عن تفسير القرآن ومعه الواحد فيقول له ابن عبّاسٍ : اكتب، قال: حتّى سأله عن التّفسير كلّه<(2)،وعن مجاهدٍ ، قال: >عرضت المصحف على ابن عبّاسٍ ثلاث عرضاتٍ ، من فاتحته إلى خاتمته ، أوقفته عند كلّ آيةٍ منه ، وأسأله عنها<(3). فيظهر من هذه اثار الاعتناء الخاص لابن عباس  بعلم التفسير، وتدريسه، حتى يسأله أحد طلابه عن كل آية احتاج إلى تفسيرها، وليس ذلك في مرة واحدة، بل في أكثر من مرة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أخرجه الدارمي553)، وصححه حسين أسد (محققه (2) أخرجه الطبري1/85 .) (3) أخرجه الطبري1/85)، والدارمي1120)، وصححه حسين أسد (محققه

عدد الصفحات ٨١

81 اهتمام الصحابة والآل بحفظ القرآن، وإقرائه اهتمام الصحابة والآل بحفظ القرآن، وإقرائه اهتمام الصحابة بحفظ القرآن تحمل صحابة النبي ـ ‘ ـ أمانة حفظ القرآن، فكان منهم فريق عظيم جدًا من حملة القرآن وحفاظه، فعن قتادة، عن أنس ـ  ـ: >جمع القرآن على عهد النبي ـ ‘ ـ أربعة، كلهم من الأنصار: أبي، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وزيد بن ثابت<(1). وعن عبد الله بن عمرو أنه ذكر عبد الله بن مسعود؛ فقال: لا أزال أحبه؛ سمعت النبي ـ ‘ ـ يقول: >خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله ابن مسعود، وسالم، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب<(2). وقد قتل في واقعة بئر معونة سبعون من القراء ، مما يدل على مدى اتساع قاعدة حملة القرآن وجامعيه في صدورهم، فعن أنس ـ  ـ قال: >جاء ناس إلى النبي ـ ‘ ـ؛ فقالوا: > أن ابعث معنا رجالاً يعلمونا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أخرجه البخاري3810)، ومسلم2465 .) (2) أخرجه البخاري4999)، ومسلم: رقم2464 .)

عدد الصفحات ٨٢

82 اهتمام الصحابة والآل بحفظ القرآن، وإقرائه القرآن والسنة <؛ فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار يقال لهم القراء، يقرؤون القرآن ، ويتدارسون بالليل يتعلمون ، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء، فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء؛ فبعثهم النبي ـ ‘ ـ إليهم فعرضوا لهم فقتلوهم<(1). وقد تعدى الاشتغال بحفظ القرآن حتى بلغ طبقات النساء: فعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: >لقد كان تنورنا وتنور رسول الله ـ ‘ ـ واحدً ا سنتين أو سنة وبعض سنة، وما أخذت {ﱁﱂ ﱃ ﱄ} [ق: 1]،إلا عن لسان رسول الله ـ ‘ ـ، يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس<(2). وعن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث الأنصاري ، وكانت قد جمعت القرآن وكان النبي ـ ‘ ـ قد أمرها أن تؤم أهل دارها، وكان لها مؤذن، وكانت تؤم أهل دارها(3). وقد ساهم في انتشار جمع القرآن بهذه الصورة ما ورد من الأدلة الدالة على فضل جمع القرآن وحفظه: فعن عائشة، عن النبي ـ ‘ ـ قال: >مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ القرآن، وهو يتعاهده، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أخرجه البخاري1001)، ومسلم677 .) (2) أخرجه مسلم873)، وأبو داود1100 .) (3) أخرجه أبو داود592 .)

عدد الصفحات ٨٣

83 اهتمام الصحابة والآل بحفظ القرآن، وإقرائه وهو عليه شديد، فله أجران<(1)، وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ـ ‘ ـ: >إن لله أهلين من الناس<، قالوا: >يا رسول الله من هم؟<، قال: > هم أهل القرآن ، أهل الله وخاصته <(2)، وعن جابر بن عبد الله ـ  ـ قال: >كان النبي ـ ‘ ـ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ، ثم يقول : > أيهم أكثر أخذً ا للقرآن ؟<، فإذا أشير إلى أحدهما؛ قدمه في اللحد، وقال: >أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة<، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم<(3). ومرحلة الجمع في الصدور هذه هي أحد العناصر التي أسست عليها مرحلة الجمع الأول كما يدل عليه قول زيد بن ثابت: >فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف، وصدور الرجال<(4). بل كان وقوع القتل المستحر في حملة القرآن وجامعيه فيالصدور هو الدافع الرئيس لبدء عملية الجمع الأول، مما يدل على أن الجمع في الصدور كان أوسع نطاقً ا بين الصحابة من الجمع في الصحف. قال الحافظ ابن حجر: >وهذا يدل على أن كثيرً ا ممن قتل في وقعة اليمامة كان قد حفظ القرآن، لكن يمكن أن يكون المراد أن مجموعهم جمعه، لا أن كل فرد جمعه<(5). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أخرجه البخاري4937)، ومسلم798 .) (2) أخرجه ابن ماجه215)، والدارمي3369 .) (3) أخرجهالبخاري: (1345 .) (4) أخرجه البخاري4986 .) (5) انظرفتح الباري: (9/12 .)

عدد الصفحات ٨٤

84 اهتمام الصحابة بإقراء القرآن الكريم اهتمام الصحابة بإقراء القرآن الكريم إن الأساس لإقراء القرآن، هو قراءته على أهله أولاً ، وقد أخذ الصحابة عن مبلغ القرآن مباشرة، فهم أقرب طبقات السند القرآني، فقد قرؤوه على الرسول، وقرأه الرسول على جبريل، وقرأه جبريل على رب العالمين. وكان الصحابة يقرؤون على رسول الله ‘، فعن شقيق بن سلمة، قال: خطبنا عبد الله بن مسعود فقال: >والله لقد أخذت من في رسول الله ‘ بضعً ا وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النبي ‘ أني من أعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم<، قال شقيق: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون، فما سمعت راد ا يقول غير ذلك(1). وكان النبي‘ يسمع منهم القرآن، عن عبد الله قال: >قال رسول الله ‘: >اقرأ علي< قال: قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: >إني أشتهي أن أسمعه من غيري< قال: فقرأت النساء حتى إذا بلغت: {ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ}[النساء: 41]،قال ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) رواه البخاري5000)، ومسلم2462 .)

عدد الصفحات ٨٥