36 التعريف بالصحب وفضائلهم في القرآن والسنة ومنها: قصة حاطب بن أبي بلتعة(1). وأشدّ ما وقع من ذلك قصة عبد الله بن أبي سرح، مع أنه ليس من المهاجرين الأولين ، وإنما كان ممن أسلم قبيل الفتح ، ثم ارتد، فأمر النبي يوم الفتح بقتله فلم يقتل وأسلم(2). قال ابنعبد البر(3)> :فحسنإسلامه، فلم يظهر منه شيء ينكر عليه بعد ذلك، هو أحد النجباء العقلاء الكرماء من قريش<. ثم ذكر ولايته مصر وفتحه أفريقية والنوبة ، ثم قال : > ودعا ربه فقال: اللهم اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح، فتوضأ ثم صلى الصبح، فقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن والعاديات ، وفي الثا نية بأم القرآن وسورة، ثم سلّم عن يمينه، وذهب يسلم عن يساره، فقبض الله روحه. ذكر ذلك كله يزيد بن أبي حبيب وغيره<. ومع ذلك فلم ي ر و عنه من الحديث شيء إلا حديث واحد قد رواه غيره من الصحابة، ومع ذلك لم يصح السند إليه. وأمّا الأنصار فحالهم قريب من حال المهاجرين، إلا أنه لم يعم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أخرجها البخاري3007)، ومسلم2494) من حديث عليّ . (2) أخرجه أبو داود2685)، والنسائي في >الكبرى (3516)، والحاكم3/47 ) وصححه على شرط مسلم، والبيهقي 4/70) من حديث مصعب بن سعد عن أبيه. (3) في >الاستيعاب2/375 ــ 378 = بهامش الإصابة
عدد الصفحات ٣٧37 التعريف بالصحب وفضائلهم في القرآن والسنة الإيمان جميع الأوس والخزرج بل كان منهم أفراد منافقون. وقد ذكر الله ذلك في كتابه، لكن أولئك الأفراد كانوا قليلاً ، كما يظهر من الآيات والأحاديث ، وكما ي ع ل م ذلك بدلالة المعقول ؛ فإنهم لو كانوا هم الأكثر أو كثيرًا، لكانوا أظهروا ك ف ر هم، ولم يحتاجوا إلى النفاق، ومع ذلك فقد كانوا معروفين عند النبي والمسلمين، إن لم يكن ع ل م اليقين فالظن، قال الله :{ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊﱋ ﱌ ﱍ ﱎ}[القتال: 29 ــ 30]. وكانوا مع ذلك خائفين كما قال ا فيهم: {ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ}[المنافقون: 4]. وكانوا مع ذلك إلى نقص بالهلاك أو التوبة والإخلاص، والغالب على الظن أنّ من بقي منهم بعد وفاة النبي لم يتعر ض أحد منهم لأن يذكر عن النبي شيئًا لخوفهم من المؤمنين ، وعلمهم أن أحد هم لو أخبر بشيء عن النبي فك ذ ب فيه لأنكره عليه المؤمنون وفضحوه بما كانوا يظنونه من نفاقه، أو لأع ل مهم بنفاقه حذيفة أو غير ه ممن كان قد أسر إليه النبي بأسماء المنافقين. وأمّا الأعراب فقد قال الله :{ﱽ ﱾ ﱿﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ}[الحجرات: 14].
عدد الصفحات ٣٨38 التعريف بالصحب وفضائلهم في القرآن والسنة والظاهر أن أهل هذه الآية آمنوا بعد ذلك أو غالبهم ، كما تقتضيه كلمة >لمّا<. وقد ذكر الله ف رق ه م في سورة التوبة [95 ــ 105 ]فذكر أنّ منهم منافقين، ومنهم مؤمنون مخلصون، ومنهم مخلّطون يرجى لهم الخير، وقال في آخر ذلك: {ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ} [التوبة: 105]. ثم ابتلاهم الله بعد غزوة الع س رة بوفاة رسوله ، فارتد أقوام من الأعراب، فعرفهم المؤمنون حقّ المعرفة . وأمّا الطُّلقاء من أهل مكة فلم يرتدّ منهم أحد بعده ، وقد شملتهم بعض الآيات المتقدّمة كما يعلم بمراجعتها ، وكذلك تشملهم بعض الأحاديث، كالحديث المشهور: >خير الناس قرني...<(1). وبالجملة فتعديل ا ورسوله ثابت للمهاجرين عامة ، ولم يجئ ما يخصِّصه . وأمّا الأنصار ؛ فالثناء عليهم عام ، ولكن قد كان من الأوس والخزرج منافقون لكنهم قليل ، ولم يحضر من المنافقين أحد بيعة العقبة، ولا شهد بدرًا ولا أحدًا، فإن كبيرهم اعتزل بهم، والظاهر أنه لم يبايع تحت الشجرة أحد منهم ، وقد قيل: إنه كان هناك واحد منهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أخرجه البخاري2652)، ومسلم2533) من حديث ابن مسعود .
عدد الصفحات ٣٩39 التعريف بالصحب وفضائلهم في القرآن والسنة فلم يبايع وقد س مّي (1). وقول ا في ذكر تخلُّفهم عن غزوة تبوك: {ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ} الآية [التوبة: 46،47] يقتضي أنه لم يشهد تبوك أحد منهم. ولكن ر وي أن اثني عشر منهم اعترضوا النبي م ر ج ع ه من تبوك، وأرادوا ت ر ديته من العقبة (2). وقد يقالــ إن صح الخبر ــ: لعلّ هؤلاء لم يشهدوا تبوك ، وإنّما ترص دوا قدوم ه من تبوك، فالتقوه ببعض الطريق لم ا هموا به. ومع ذلك ففي الخبر أن حذيفة عرف هؤلاء. هذا، وقد سبق أن الظاهر أنّ من بقي من المنافقين لم ي ر و عن أحدٍ منهم شيء عن النبي . وأمّا الأعراب فقد تمّ امتحانهم بوفاته ، ف م ن ثبت منهم على الإ سلام فقد ثبتت عدالته، ومن ارتدّ فقد زالت ، فمن عاد بعد ذلك إلى الإ سلام فيحتاج إلى عدالة جديدة. وأمّا الطُّلقاء فقد شملتهم بعض الآيات كما عرفت ، ولم تقع منهم ردّة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) هو الجد بن قيس أخو بني سَلِمة. انظر >السيرة ال نبوية<: (ق 2/3/316) لابن هشام (2) أخرجه البيهقي في >الكبرى9/23) من مرسل عروة بن الزبير، وذكره الواقدي في >المغازي< (3/1042 .)
عدد الصفحات ٤٠40 التعريف بالصحب وفضائلهم في القرآن والسنة ولو اقتصر المخالف في المسألة على القول بأن م ن تأخ ر إسلام ه وقل ت صحبت ه يحتاج إلى البحث عنهم لكان لقوله وجه في الجملة . وأوجه من ذلك م ن كان من الأعراب ، ويحتمل أنّه ممن ارتدّ عقب وفاة النبي ، فأما من ع ل م أنه ممن ارتدّ فالأمر فيه أظهر. هذا، وقد كان العرب يتحاش ون من الكذب ، وتأك د ذلك فيمن أسلم، وكان أحدهم ــ وإن رق دين ه ــ لا يبلغ به أن يجترئ على الكذب على الله ورسوله، وكانوا يرون أنّ أصحاب رسول الله متوافرون، وأنه إن تجر أ أحد على الكذب اف ت ض ح . ولو قال قائل: إنّ الله منع القوم م ن تعمُّد الكذب على نبيه بمقتضى ضمانه بحفظ دينه، ولا سيّما مع إخباره بعدالتهم ل م ا أب ع د. وم ن تدبّر الأحاديث المروية عمن يمكن أن ي تكل م فيه من الطلقاء ونحوهم = ظهر له ص د ق القوم ؛ فإن المرويّ عن هؤلاء قليل ، ولا تكاد تجد حديثًا يصحّ عن أحدٍ منهم إلا وقد صح بلفظه أو معناه عن غيره من المهاجرين أو الأنصار. وقد كانت بين القوم إح ن (1) بعد النبي ، فلو استساغ أحد منهم الكذب لاختلق أحاديث تقتضي ذم خصمه، ولم نجد من هذا شيئًا صحيحًا صريحًا. وفوق هذا كله فأهل السنة لم يدَّعوا عصمةَ القوم ، بل غاية ما اد عوه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أي: حقد وعداوة
عدد الصفحات ٤١41 التعريف بالصحب وفضائلهم في القرآن والسنة أنه ثبت لهم أصل العدالة، ثم لم يثبت ما يزيلها. والمخالف يزعم أنه قد ثبت عنده في حقِّ بعضهم ما يزيل العدالة ، فانحصر الخلاف في تلك الأمور التي زعمها، فإذا أثبت أهل السنة أنها لم تصح، وأن ما صح منها لا يقتضي زوال العدالة استتب الأمر . فأمّا من ثبت شهادة النبيّ له بالمغفرة والجنة فقد تضمن ذلك تعديلهم أوّلاً وآخرًا . والله الموفق<(1). *القسم الثاني: الثناء على أقوام منهم بالخصوص، ومن هذا: 1 ــ الثناء على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. 2 ــ ثناء الله سبحانه على أهل بدر. 3 ــ ثناء الله سبحانه على أهل أحد. 4 ــ وأثنى الله على المبايعين تحت الشجرة. وتدرك في مظانها. * ثالثًا : فضائلهم في السنة 1 ــ حديث عمران بن حصين، عن النبي ـ ‘ ـ: >خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم<، قال عمران: >فلا أدري! أذكر بعد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) مجموع آثار المعلمي اليماني15/19 ــ 28)، مع التحقيق
عدد الصفحات ٤٢42 التعريف بالصحب وفضائلهم في القرآن والسنة قرنه قرنين أو ثلاثً ا<(1). 2 ــ قوله ‘ فيما رواه أبو سعيد الخدري > :لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبً ا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه<(2). 3 ــ وعنه أيضًا، قال: قال رسول الله ‘: >يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقولون: >هل فيكم من صاحب رسول الله ‘؟<، فيقولون: >نعم<؛ فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس ، فيقال: > هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله ‘؟<، فيقولون: >نعم<؛ فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال: >هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله ‘؟<، فيقولون: >نعم<؛ فيفتح لهم<(3). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أخرجه الإمام أحمد 4/427، وغيره)، والبخاري 6428)، ومسلم (2535)، وأبو داود4657)، والترمذي2221 .) (2) أخرجهالإمام أحمد: (3/11، وغيره)، والبخاري3673)، ومسلم2541)، وروي أيضً ا من غير حديث أبي سعيد الخدري . (3) أخرجه الإمام أحمد3/17)، والبخاري3649)، ومسلم2532 .)
عدد الصفحات ٤٣43 دور الصحابةوالآل في جمع القرآن العظيم دور الصحابة والآل في جمع القرآن العظيم وفيه تعريف بالدور الكبير للصحابة والآل في جمع القرآن الكريم، في عهد رسول الله ‘، وعهد أبي بكر، وعثمان . * القرآن في العهد النبوي: لقد بدأ نزول القرآن على رسول الله ‘ بمكة، وامتد نزوله إلى أن توفي بالمدينة، فثبت في القرآن نفسه أن نزوله كان مفرقًا، كما قال تعالى: {ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ} [الإسراء: 106]،وقال: {ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋﳌ ﳍ ﳎ}[الفرقان: 32]. فالقرآن إنما أنزل منجمًا في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والحوادث، وما يحتاج إليه من الأحكام لتثبيت قلوب المؤمنين به. وقد كان القرآن يكتب في عهد النبي ‘، وكان للوحي كتابه ، ومنهم: زيد بن ثابت، وهو أشهر كتاب الوحي، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وابن أبي سرح، وغيرهم.
عدد الصفحات ٤٤44 دور الصحابةوالآل في جمع القرآن العظيم لكن مضى العهد النبوي ، ولم يجمع القرآن بين دفتين ــ فيما وصلنا ــ وفي حديث زيد بن ثابت ما يدل على ذلك حيث قال له الصديق: >فتتبع القرآن فاجمعه<، وقال هو: >فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف، وصدور الرجال<(1). وينبغي أن يعلم أن الاهتمام بحفظ القرآن وإقرائه كان سمة من سمات العهد النبوي، وكان للقرآن حفظته، وقد قتل في واقعة بئر معونة سبعون من القراء، مما يدل على مدى اتساع قاعدة حملة القرآن وجامعيه في صدورهم. بل كان وقوع القتل المستحر في حملة القرآن وجامعيه في الصدور هو الدافع الرئيس لبدء عملية الجمع الأول، مما يدل على أن الجمع في الصدور كان أوسع نطاقً ا بين الصحابة من الجمع في الصحف. ولم يكن القرآن مجموعًا بين دفتين في العهد النبوي لأمور، منها: 1 ــ لأن النسخ كان يرد على بعضه، ويرفع الشيء بعد الشيء من تلاوته، كما ينسخ بعض أحكامه، فلو جمعه، ثم رفعت تلاوة بعضه أدى ذلك إلى الاختلاف، واختلاط أمر الدين، فحفظه الله في القلوب إلى انقضاء زمان النسخ، ثم وفق لجمعه الخلفاء الراشدين. 2 ــ أن الحاجة لم تدع إلى ذلك، ولم يقع ما يوجب العمل بهذا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) رواه البخاري4986 .)
عدد الصفحات ٤٥45 دور الصحابةوالآل في جمع القرآن العظيم الضبط الكتابي المجموع للقرآن الكريم، بدلالة أنه لو كان مما تحتاج إليه الأمة آنذاك؛ لوجب العمل فيه؛ إذ لا يجوز ترك ما الأمة بحاجة إليه. * القرآن في عهد الصحابة: * أولاً : عهد أبي بكر : كان الخوف من ذهاب القراء، وكثرة موتهم = هو السبب الرئيس الذي من أجله تحركت همم الصحابة لجمع القرآن بين دفتين، فتولى هذه المهمة زيد بن ثابت في السنة الثانية عشرة من الهجرة بعد وقعة اليمامة، وكانت له مؤهلات تؤهله للقيام بهذه المهمة، وهي: 1 ــ أنه رجل شاب عاقل. 2 ــ لم يكن متهمًا عند الصحابة بما يشينه. 3 ــ أنه كان من كتبة الوحي، بل من أشهرهم. إذًا فقد قدم زيد على غيره، >لأنه كان أجود خط ا، وأعرفهم بالناسخ والمنسوخ؛ وأعلمهم بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله ـ ‘ ـ؛ ولأنه كان آخر من كتب الوحي لرسول الله ـ ‘ ـ؛ وشهد العرضتين الأخيرتين من القرآن، وكتبهما... فلم يكن المراعى في الجمع السن والسابقة فيقدم غيره، بل الشباب أنهض بمثل ذلك من الشيوخ<(1). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) انظر: معاني الأحرف السبعة؛ لأبي الفضل الرازي545 ــ546 .)
عدد الصفحات ٤٦46 دور الصحابةوالآل في جمع القرآن العظيم وكانت مقاصد هذا الجمع، تتلخص في الآتي: مجرد جمع نسخة كاملة مكتوبة بين دفتين. وقد اتكأ زيد على الأساسين اللذين كانا قد جمع بهما القرآن زمن النبي ـ ‘ ـ، وهما: 1 ــ صدور الرجال. 2 ــ الصحف المفرقة وما يشبهها من أدوات الكتابة. وتم الجمع وتوثيق المجموع، وبقي عند أبي بكر فعمر فحفصة بنت عمر بن الخطاب، إلى أن ماتت ،فأخذها مروان بن الحكم فشققها وأحرقها(1). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) >مخافة أن يكون فيها خلاف ما نسخ عثمان فيقع الاختلاف<، الإبانة، لمكي (61)، وجمال القراء1/309 .) قال ابن كثير: >... عن كثير بن أفلح قال: لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف، جمع له اثنى عشر رجلاً من قريش والأنصار، فيهم أ ب يُّ بن كعب وزيد بن ثابت، قال: فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر فجيء بها، قال: وكان عثمان يتعاهدهم، فكانوا إذا تدارءوا ف ي شيء أخ روه، قال محمد: فقلت لكثير، وكان فيهم فيمن يكتب: هل تدرون لم كانوا يؤخرونه؟ قال: لا، قال محمد: فظننت ظنًا إنما كانوا يؤخرونها لينظروا أحدثهم عهدا بالعرضة الأخيرة، فيكتبونها على قوله. صحيح أيضًا. >قلت<: الربعة هي الكتب المجتمعة، وكانت عند حفصة ــ ،فلم ا جمعها عثمان ـ ـ في المصحف رد ه ا إليها، ولم يحرقها في جملة ما حرقه مما سواها؛ لأنها هي بعينها >التي< كتبه، وانما رت ب ه، ثم أنه كان قد عاهدها على أن يردها إليها،=
عدد الصفحات ٤٧47 دور الصحابةوالآل في جمع القرآن العظيم وفي نهاية هذا المبحث نسوق الكلام على لسان الجامع ، وهو زيد بن ثابت ،فإنه قال: >>أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده<، قال أبو بكر :إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: >كيف تفعل شيئً ا لم يفعله رسول الله ‘؟< قال عمر: هذا والله خير، >فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر<، قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ‘، فتتبع القرآن فاجمعه، >فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن<، قلت: >كيف تفعلون شيئً ا لم يفعله رسول الله ‘؟<، قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ،فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف، وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره، {ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ} [التوبة: 128] حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر <(1). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ = فما زالت عندها حتى ماتت؛ ثم أخذها مروان بن الحكم فحرقها، وتأو ل فى ذلك ما تأو ل عثمان<، فضائل القرآن: (85 .) (1) رواه البخاري4986 .)
عدد الصفحات ٤٨48 دور الصحابةوالآل في جمع القرآن العظيم * ثانيًا: عهد عثمان : في هذا العهدحصل اختلاف في القرآن، فقد بات الناس ينطلقون من المرسوم في قراءة المصحف بعد أن كان الانطلاق من المتلقى، فقام عثمان بعملية الجمع، في أواخر سنة أربع وعشرين وأوائل سنة خمس وعشرين(1)،وقامت على عدة مقاصد، وهي: 1 ــ أن تنسخ الصحف الأولى التي جمعها زيد بن ثابت في عهد أبي بكر الصديق في مصاحف متعددة. 2 ــ أن ترسل نسخة إلى معظم الأمصار؛ فتكون مرجعً ا للناس منه يقرؤون ويقرئون، وإليه يحتكمون عند الاختلاف. 3 ــ أن يحرق ماعدا هذه النسخ. وكونت لجنة خاصة لهذا الجمع من عدة أشخاص: 1 ــ زيد بن ثابت الأنصاري، وهو القائم بعملية الجمع في عهد أبي بكر. 2 ــ عبدالله بن الزبير. 3 ــ سعيد بن العاص. 4 ــ عبدالرحمن بن الحارث بن هشام. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) فتح الباري9/17 .)
عدد الصفحات ٤٩49 دور الصحابةوالآل في جمع القرآن العظيم 5 ــ أبي بن كعب، وغيرهم. ووضع لهم منهج خاص في الرسم، وهو: أن يرسم القرآن على لسان قريش، فإن القرآن نزل بلسانهم(1)،وكان القصد من هذا العمل نسخ مصاحف من مصحف أبي بكر، الذي هو أصل العمل(2). بعد أن تم نسخ المصاحف العثمانية بالكيفية التي أوضحناها سابقًا، أمر أمير المؤمنين عثمان بن عفان ـ ـ بإرسالها إلى الأقطار الإسلامية الشهيرة، وأرسل مع كل مصحف مقرئً ا من الذين توافق قراءته في أغلبه قراءة أهل ذلك القطر، وذلك لأن التلقي أساس في قراءة القرآن(3). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) وكمثال على نوع الاختلاف، أنهم اختلفوا في لفظ >التابوت< هل يكتب بالتاء الـمفتوحة أو بالتاء الـمربوطة. وقيل: إن جهة الاختلاف هي في اختيار حرف واحد يكتب من بين السبعة وإيثار حرف قريش على غيره. (2) ومن أهل العلم من رأى: أن عثمان بن عفان تخير حرفً ا من السبعة، فنسخه وسار عليه في الـمصحف، وهو قول الطبري. ومنهم من رأى: أن عثمان رسم الـمصحف بحيث يحتمل ما يمكن احتماله من الأحرف السبعة، وسيبقى بعضها لـم يحتمله الرسم رغم كونه غير منسوخ، ومن هؤلاء من يسمي هذه الكتابة كتابة على حرف واحد كمكي بن أبي طالب، ومنهم من لا يسميه بذلك كابن الجزري، ولكن ابن الجزري يشترط أن تكون عملية استيعاب الأحرف للرسم بحيث لـم تدع من العرضة الأخيرة حرفً ا متفادية ما نسخ من الأحرف السبعة. ومنهم من رأى: من جهة أخرى أن الصحف كانت غير مرتبة السور؛ فرتبها عثمان. (3) قال ابن الـجزري: >فكتب منها عدة مصاحف: فوجه بمصحف للبصـرة، ومصحف=
عدد الصفحات ٥٠50 دور الصحابةوالآل في جمع القرآن العظيم وأمر أن يحرق كل ما عداها من الصحف أو المصاحف الشخصية الموجودة لدى الصحابة مما تخالفها؛ ليستأصل بذلك سبب الخلاف والنزاع بين المسلمين في قراءة كتاب الله، فاستجاب لذلك الصحابة ـ ـ، فجمعت المصاحف والصحف وحرقت أو غسلت بالماء. ونحن نسوق حديث الباب الذي رواه البخاري عن ابن شهاب، أن أنس بن مالك، حدثه: أن حذيفة بن اليمان، قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشأم في فتح أرمينية، وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة، قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ، فأرسل عثمان إلى حفصة : > أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك<، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف ، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: > إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم<، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة ، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا ، وأمر بما سواه من القرآ ن في كل صحيفة أو ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ = إلى الكوفة، ومصحف إلى الشام، وترك مصحفً ا بالـمدينة، وأمسك لنفسه مصحفً ا الذي يقال له الإمام، ووجه بمصحف إلى مكة، ومصحف إلى اليمن، ومصحف إلى البحرين<.
عدد الصفحات ٥١51 دور الصحابةوالآل في جمع القرآن العظيم مصحف، أن يحرق. قال ابن شهاب: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، سمع زيد بن ثابت قال: >فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت أسمع رسول الله ‘ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: {ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ}[الأحزاب: 23] فألحقناها في سورتها في المصحف<(1). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) رواه البخاري4987 .)
عدد الصفحات ٥٢