والمثاقفة الترجمة 81 - اﻟ ﻌﺪد5 ﻣﺎرس،2005 عالق فيها اللغات برؤية خاصة للـكون لا يمكن نقلها، ومؤيد للترجمة على اعتبار ٺت وقديما ارتبط ازدراء اللغات بوجود .وجود الترجمة ذاتها ووجود التنوع اللغوي عتراف بالتفاضل والتمايز بين اللغات بدل الترجمة، مما يعني أن وجودها هو ا المساواة بينها، وكمثال على ارتباط الترجمة بالخصوصية نجد اللاتين في ترجمتهم التراث العربي حرصوا على كل ما يضمن تمايز المصدر من خلال رعاية السياق الثقافي المعبر عن هذه الغيرية تحقيقا للامتلاك ولـكن بالاختزال بواسطة ات الحذف والإضافة وإعادة تنظيم النص وتدقيق المعلومات، مما يعني أن إجراء 57(. ويمكن ملاحظة السلوك الترجمي الآن بين المصدر العربي والهدف الغربي مما يعني أن يفنجد غلبة التصرف في النص حتى يتلاءم مع أفق الانتظار الغرب الكاتب العربي أو غير الغربي هو الذي يتحرك تجاه القارئ الغربي الذي يظل في ، يقابله عند الطرف العربي هجرة النص الغربي إلى القارئ العربي بفعل هوس 59(. مما يعني أنه وفي الاتجاهين تنخرط الترجمة في تأكيد الخصوصيات بدل الانفتاح، وتوسيع التباعد بين الجزر العرقية والثقافية بدل التعارف والتلاقي، ولـكن هذا ليس بالتأكيد في صالح الطرف الضعيف الذي يكون الأكثر عرضة هذا النوع من الترجمة يبقينا ترجمة المتصرفة أو المحافظة على التمايز، إنلسلبيات ال في ديارنا مع شيوع وهم الانفتاح من خلال ترجمة منقوصة ونيابية ونخبوية تأويلية، مع أننا الطرف الأحوج لمغادرة مضاربه نحو الآخر وليس هو محكوما .تعامل على أساسهبالضرورة ذاتها هذا هو الفرق الذي يجب أن نعيه ون فالترجمة بهذا الحرص على التقوقع لا يمكن أن تحقق التثاقف بجعل الـكوني إن تبادل .أساسا مشتركا يتملـكه كل فريق بالتساوي، أو أن يثمر تبادلا للتمايزات التمايزات لا يمكن إلا بالاتصال المباشر للمتلقي باللغة المنبع، أي بالنصوص في ن وسطاء مما يعني أن تكون الكيانات الثقافية مفتوحة من مضامينها اللغوية دو
عدد الصفحات ٨١حضري جمال 82 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ .خلال إشاعة فضاءاتها اللغوية هاهي إذا مختلف النظريات الترجمية تلتقي عند هدف أخير هو فكرة الهجرة أو الانتقال، بما تعنيه من مصادرة على فكرة الانتماء كما أوضحها بيم، وسواء تمت محافظة على الرقعة جمة خاضعة لأيديولوجيةاك تظل الترفي هذا الاتجاه أو ذ العرقية أو الثقافية أو الترابية، وفي ظل هذا أيمكن الحديث عن ترجمة تساهم في تكوين الهويات المنفتحة؟ ترجمة النص الأدبي لنأخذ النص الأدبي الذي يساهم مباشرة في تكوين وتشكيل هذه الهوية حرفيا والحاجة إلى أنماط الترجمة التي تم بيانها ماذا يعني القول باستحالة ترجمته عند مختلف الاتجاهات ألا يعني ذلك في النهاية أن كل ما يشكل الهوية غير قابل للترجمة؟ فأين الانفتاح المرصود من خلال الترجمة واعتبارها انفتاحا على الآخر ية؟ أليست منطلقين في الآن ذاته من مصادرة استحالة ترجمة ما يرتبط بالهو الترجمة في ظل العولمة في مأزق حقيقي؟ لنبدأ من حيث بدأنا مع دريدا، النص الأدبي عنده يحتاج إلى الترجمة ولـكنها ترجمة التفكيك والتصرف والإبداع على الإبداع ومن ثم فإن وجود الترجمة مرتبط بوجود التمنع والاستحالة، وجود لا يساهم بأي شكل في انتقال وهنا .لـكن في إبداعه وفق مبدأ حرية الكلمة والعلامة من الإكراهاتالمعنى و فقط يجد الانفتاح معناه الحقيقي بدلالته على أن النص المبدع منفتح على كل .قراءاته، والترجمة تصبح قراءة في حد ذاتها ومع جورج ستاينر يتأكد منحيا الترجمة الـكونية والفردانية وربما نجده ية، رابطا الأولى بوهم الأسطورة البابلية ذات المقصد الواحد أميل إلى الثان والمعنى الأصلي، سالكا كل التخريجات البنيوية والإسقاطات على اللغة الرياضية ضمن مسعى اللغة الـكونية، أي أنه في النهاية يرى الترجمة فعلا يؤكده الواقع اللغوي ذا التنوع والتمايز بكل ما يعنيه من المتنوع، فالحاجة إلى الترجمة حاجة إلى إبقاء ه ب ربما نستطيع القول كتامضادة للـكسموبوليتية والـكونية، ونظرا للقدم النسبي لل
عدد الصفحات ٨٢والمثاقفة الترجمة 83 - اﻟ ﻌﺪد5 ﻣﺎرس،2005 بأن الرجل كان يمكنه التراجع عن الـكثير من الأحكام لو رأى لغة الإعلام توحد بالصورة والصوت والعلامة مثلا بين الزوار للمواقع الإلـكترونية في انسجام وقد .غم لا يمكن تسويغه إلا بوجود لغة واحدة كامنة في لاوعي كل البشروتنا حاولت نظريات التلقي والتواصل تخطي عقبات الخصوصيات الشكلية للنص الأدبي خصوصا وربطت الترجمة بالخصائص الوجودية للقارئ من جهة وبالإنباء الكلاسيكي للترجمة المتميز للنص من جهة أخرى مما يعني أنها لم تخرج عن المنظار فهي إما تهجير للمتلقي لصالح النص أو تهجير للباث لصالح المتلقي، أو تحقيق التفاعل بينهما كما يرى جدامر في تطويرات تالية لآرائه، بما يعني أن الترجمة تظل عملا قرائيا محكوما بالسياق النصي أو السياق التاريخي للقارئ أي تقوقعا على .الخصوصيات يظهر بجلاء كيف أن الفعالية الترجمية تعالق الترجمة بالأيديولوجية وفي محكومة إلى أبعد حد بالهدف والغرض السياسي أو الاقتصادي، والتتبع المتأني بكل ما يعنيه سهولة تبعية الترجمة للأيديولوجيةللمسار الزمني للترجمة سيكتشف ب .الفئوية أو الجنسية أو ذلك من انغلاق وراء الأهداف القومية الخاصة مناف تماما لمقولة الانفتاح، لأن قارئ جيةإن ارتباط الترجمة بالأيديولو وهذا يعني أن القارئ لا ، يطلب منه مباشرة النص بأن يكون مزدوج اللغة ومتعدد اللسان كي يستطيع تاج إلى الترجمة، إن الترجمة هي في النهاية آلية جعلت تخطي الحدود وبالتالي لا يح 61(. ولا يمكن من هذا المنظور، الدخول في علاقة ترجمية مع الآخر إلا بالانتماء مما يعني أن المصادرة على ، ض تأكيدا على الخصوصية العازلة مما ينتفي معها أي مضمون لتبادل الترجمة تفتر .أدبي أو ٺثاقف كما يحلم به المترجمون الحضاريون ومن هذه الزاوية فإن الترجمة الأدبية تدخل في إطار تقوية الوطنيات والكانتونات الثقافية بالمفهوم الانعزالي، خاصة وأن الأيديولوجيا تربط الأدب
عدد الصفحات ٨٣حضري جمال 84 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ وية ولذلك تعرض فيه الترجمة على أنها مستحيلة ويجب أن تكون غير بتشكيل اله على الوطني من خلال وهنا تلتقي مع منظور شلاير ماخر في الحفاظ .أمينة الإبقاء على تمايز الأجنبي فالحرفية والخيانة كلاهما يصبان في نفس المصب ألا .لعولمةوهو الحفاظ على التمايز، وكلاهما مناهض لمسار الـكونية وا إن الترجمة لا تكون خادمة للانفتاح ومرسخة له إلا في حالة الحياد أو التموقع بين الثقافات، أي على نقيض ما أرشد إليه شلاير ماخر من أن المترجم هو في النهاية ابن العائلة ولا يشترط فيه أن يكون متعدد اللسان بمنظوره لأن الإبداع الأم، الترجمة لا تكون انفتاحا حتى يقف المترجم في رأيه لا يكون إلا في اللغة بين الثقافات وقوفا يعكس التساوي والقربى ويؤكد وجود القيم الإنسانية المشتركة تصبح معه مقولات الغزو الثقافي والحفاظ على الهوية ساذجة وشوفينية، بل إن ونيابة عن المبدأ إذا دفع إلى أقصاه يلغي الترجمة ذاتها بما تعنيه من نخبوية القارئ، فلا هجرة بعد شيوع لغة العولمة، أي الانتقال من فعل الترجمة إلى تعليم لغة العولمة بما يعنيه ذلك أيضا من تحرير القارئ وجعله وجها لوجه مع النص .الأصلي الهوامش: 1/20 - Jean René Ladmiral : Traduire, théorèmes pour la traduct ion, Payot, Paris 1979, pp. 13-146. 2 1 - G e o r g e S t e i n e r : A p r è s B a b e l u n e p o é t i q u e d u d i r e e t d e l a traduction, Albin Michel, 1978, pp. 31-44. 22 - Ibid. 2 3 / 4 3 - A n t h o n y P y m : P o u r u n e é t h i q u e d u t r a d u c t e u r , E d . P . U . F., Paris 1997, pp. 14-40. 44/50 - Grégoire Marcho : Pour une réflexion sur la problématiq ue de l'acculturation, Etudes orientales, N° 3, 1988, pp. 42-49. 62 - Ibid. 166.
عدد الصفحات ٨٤والمثاقفة الترجمة 85 - اﻟ ﻌﺪد5 ﻣﺎرس،2005 .نفسه .نفسه .نفسه 180. 60 - Anthony Pym : op. cit., p. 24. 61 - Ibid. 62 - Ibid. Références: 1 - Barhūn, Rashīd: At-tarjama wa rihānāt al-‘awlama, ‘Ālam al- Fikr, V.31, N° 1, Kuwait. 2 - Ladmiral, Jean René: Traduire, théorèmes pour la traduction , Payot, Paris 1979. 3 - Marcho, Grégoire: Pour une réflexion sur la problématique d e l'acculturation, in Etudes orientales, N° 3, 1988. 4 - Pym, Anthony: Pour une éthique du traducteur, Ed. P.U.F., Paris 1997. 5 - Steiner, George: Après Babel une poétique du dire et de la traduction, Albin Michel, Paris 1978. o
عدد الصفحات ٨٥مجلة حوليات التراث
عدد الصفحات ٨٦التراث حوليات ،مجلة العدد5،2006 ص ،87 - 99 ISSN 1112-5020 اﻟﻨﺸﺮﺗﺎرﻳﺦ1/3/2006 hammoudimohammed@yahoo.fr © الجزائر مستغانم، جامعة2006 استراتيجية الترجمة عند أبي العيد دودو محمد حمودي ، الجزائرجامعة الشلف الملخص: نسعى في هذا البحث إلى استعراض مساعي أبي العيد دودو في الترجمة، لا من حيث هي تحول لساني أو ترحال لغوي، أو عملية آلية تعتمد إلى استعاضة كلمة بكلمة أو لغة بلغة بية ووعي بالاختلاف، والاختلاف مع الآخر. وأبو كتاممارسة أخرى، ولـكن من حيث هي العيد دودو من الذين استشارهم حس الاختلاف فأدركوا أن الترجمة فعل حضاري ينهض بين الثقافات قبل أن يكون بين اللغات، ومن هذا الإحساس السليم الصائب بأهمية الترجمة ن، ومن ثم في مجال تحقيق نهضة عربية ودورها الريادي في مجال العلوم والآداب والفنو معاصرة، انصرف المترجم بما يملك من آليات لسانية ومسترفدات ثقافية متنوعة إلى اكتشاف ما حادت بين عقلية الآخر وقريحته. الكلمات الدالة: .الترجمة، الآخر، أبو العيد دودو، الثقافات، اللغات o Translation strategy by Abou Laid Doudou Mohamed Hammoudi University of Chlef, Algeria Abstract: In this research we seek to review the endeavors of Abou Laid D oudou in translation, not in terms of a linguistic shift or linguistic t ravel, or a mechanical process that depends on replacing a word with a word or languag e in another language, but in terms of it is a scriptural practice and aware ness of difference and difference with the other. Abou Laid Doudou was among those consulted with a sense of difference, and they realized that translation is a civilized act that rises between cultures before it is between languages, from thi s sound sense of the importance of translation and its pioneering role in the fi eld of science, literature and arts, and then in the field of achieving a conte mporary Arab renaissance, the translator proceeded, with his linguistic mech anisms and various
عدد الصفحات ٨٧حمودي محمد 88 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ cultural benefits, to discover what has separated the mentality of the other and his intent. Keywords: translation, other, Abou Laid Doudou, cultures, languages. o يومئ الاستقراء التاريخي إلى أن الترجمة قديمة قدم الإنسانية على وجه زالت من أهم وسائل الاتصال والإبلاغية والتفاهم البسيطة، فقد كانت وما والتفاعل والمثاقفة بين الشعوب، عملت وتعمل على تحقيق الوساطة اللغوية من لأجنبية إلى المجتمع، غة اعتبارها "الطريق التي تسلـكها اللشعب إلى شعب، با . ومما يبېن الدور الخطير الذي تلعبه الترجمة في التواصل والتواشج الحضاري عناية الأمم القديمة بها، كونها تشكل "حجر الزاوية من خلال نقل المعارف والعلوم والثقافات العالمية ية جمعاء، إذ ليس بإمكان الأفراد والجماعات أو الثقافات على تنوعها، أن للإنسان عن طريق نسج علائق متطورة مع الآخر. انتها الحقيقية وتحقق هويتها إلاتبلغ مك ، ا نمثل عن طريقها أمام فكر الآخر ى ضرورتها كما يرى )مارتن هيدغر( في أننوتتجل ولغته. ولما كانت الترجمة ضرورية، فقد زادت حاجتنا الماسة إليها، ذلك لأنها د على التوافق والتضامن وتحث على تلح على المعرفة والتفاهم، وتؤك"دعوة إنسانية ، وعلى هذا الأساس اعتبرت هم العوامل الأساسية في تحويل الأفكار ونقل المشاعر والاحتكاك من أ بالتيارات والمذاهب الأدبية والفنية والنظريات العلمية سواء داخل الرقعة الوطنية عداها إلى ما وراء الحدود، من حيث أنها "ليست تبليغا مجردا بسيطا ٺتالواحدة أو ماج في تيارات فكرية وذوقية ولـكنها في أبعادها الواسعة تأثر وتأثير واند . ولعل إحساس البشرية من أدباء ونقاد ودارسين بأهمية الترجمة ودورها الفعال في خلق حوار بين الأمم والحضارات، دفع بها إلى توسيع مجالها
عدد الصفحات ٨٨ا أبي عند الترجمة دودواستراتيجية لعيد 89 - اﻟ ﻌﺪد5 ﻣﺎرس،2005 وتطويرها. ومما زاد في انتشارها مدارس الأدب المقارن المتمثلة في المدرسة ة والسلافية والعربية التي أولت عناية بحركة الترجمة، واتفقت الأمريكية والفرنسي فيما بينها على قيمة الترجمة في الأدب العالمي، وكان من نتائج ذلك أن "شهد القرن العشرون تحولا كبيرا في أسس الترجمة بسبب التطورات الـكبيرة في علوم 6(. إن الحديث عن أهمية الترجمة حضاريا يجرنا إلى التنويه بإسهاماتها الفعالة في حماية زخم كبير من التراث الإنساني من الضياع، ونشير بالذكر ههنا إلى دور العرب والمستشرقين في هذا المجال. بحيث ساهمت في الـكشف عن إنتاج أدبي قة به كما هو الحال مع شكسبير الذي مغمور سبق زمانه ولم ينزل المنزلة اللائ وأنطوان جالان الذي أطلع ون وبترجمة أعماله أخرجوه للعالم...اكتشفه الفرنسي م(. وأسهمت هذه الترجمة فهي بهذا توق عبر مقاومات شتى للغة والخصوصيات الحضارية إلى "فعل حضاري ي استحضار الذات الأخرى في أناة الشخصية، ولا يمكن تحقيق ذلك الحلول بالمعنى الصوفي دون تسجيل خسائر، إنها خسائر قد تعظم وتجسم بقدر ما تسلـكها ريخ بأن ، وقد أنبأنا التا الأمم التي اهتمت أو المهتمة بالترجمة هي دوما في الطليعة، ذلك لأنها أدركت 9(. والترجمة من حيث هي تحول في التحول، تؤسس الاختلاف، انطلاقا من ق، دون مسخ خطاب الأنا، ويتحقق فعل الاختلاف من عملية العبور والاخترا الهوية وتعويم الـكينونة. والترجمة من خلال هذا الترحل لا تعني الانفقاد كما لا بة، كتابة، فهي لا تكف أصلا عن الاشتغال داخل الكتاتعني الخيانة، إنها إعادة ال بة التاريخ أي ممارسة اكتشاف الأنا عبر تحقيب زمني معين، باستحضار كتا من لسان مختلف، باستنطاق القصيدة الأصل، المعيوش التاريخي الحواديثي بالاشتغال على المرور إلى فلسفة وفكر الغير، بتحديد جينيالوجيا مفاهيمه وأسس
عدد الصفحات ٨٩حمودي محمد 90 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ بنيته العقلية والميتافيزيقية ومرجعياته الفكرية والفلسفية، مثاقفته حميميا عبر اللغة، ومجابهته والاحتراز منه عبر الفعل والممارسة. ي العيد دودو، في هذا المضمار، لتحتضن التميز والمغايرة، وتأتي تجربة أب مغايرة تأخذ طابع التعدد والمتعة، بمساءلة النصوص واستنطاق الخطابات على تباينها )شعر، نثر، فلسفة، فكر، تاريخ...(. ولعل استقصاء هذه التجربة يضعنا في ة ترجماته كفعل مأزق الإجابة عن أسئلة أنطولوجية تنطرح كلما حاولنا مقارب بية محفوفة بالمخاطر لسانيا وفنيا، ومكمن الخطورة تشي به مهمة كتاإبداعي وممارسة 10( . فكيف يترجم؟ ولماذا يترجم؟ ولمن يترجم؟ ئه على يشير أبو العيد دودو فضلا عن امتلاكه مفاتيح الترجمة باتكا مسترفدات لسانية وثقافية متباينة ساهمت في تكوينه مبدعا مترجما، إلى أن وليد الموهبة وإرادة التعلم، مؤكدا أن امتلاك لغة ما لا يعني بالضرورة امتلاك قدرة قبل أن يكون تحولا لسانيا هو محصلة ثقافية جامعة ، فالعمل المترجم التقى فيها إبداع المؤلف ومفهوم المترجم في ضوء خبرته باللغتين: الأصلية 13(. إن من شروط الترجمة أن يكون المترجم متقنا اللغة المترجم إليها، صرفها انها، كما ينبغي له أن يتقن اللغات التي ونحوها وإملاءها، ملما ببلاغتها وحسن بي يترجم عنها وإليها اتقانا كاملا "ومقبولا، فلا يغيب عنه معنى من المعاني أو لفظ من الألفاظ، أو قاعدة من القواعد، كيما لا يكون عمله أدنى إلى الأمانة وأقرب أبي وفر جميعها لدىٺتبالذكر، إلى أن هذه الشروط ر. ونشي العيد، وقد دعمها مساره الأكاديمي، الغربي خاصة منه، دارسا ومدرسا. وينضاف إلى هذا التكوين جملة من الحوافز، أبرزها تشجيع أستاذه علي جواد : "وللتاريخ أسجل أن أستاذي المرحوم الدكتور علي جواد في هذا يقولالطاهر له و ي مجلة )المعلم الجديد( بعض الطاهر هو الذي شجعني على الترجمة، ونشر لي ف
عدد الصفحات ٩٠ا أبي عند الترجمة دودواستراتيجية لعيد 91 - اﻟ ﻌﺪد5 ﻣﺎرس،2005 المترجمات من أشعار بودلير ومالارميه، وكلفني بترجمة دراسة نفسية عن بودلير، . وإلى جانب هذا التحفيز، هناك دوافع ذاتية دفعت بأبي العيد إلى اقتحام حقل الترجمة وقد لخصها بقوله: "أحببت الترجمة، وكان ظت في بداية الأمر أننا في المغرب العربي عالة على المشرق ذلك عندما لاح العربي، فيما يتصل بالترجمة، على حين أنه كان من المفروض أن يكون العكس، بالنسبة إلى الترجمة عن الفرنسية على الأقل، فأحببت أن تكون لي مساهمة في 16(. اث التراكمات الحضارية لا مندوحة لأي مترجم، وهو يقدم على تعرية تر على تنوع مشاربها، والتراث قدرنا، كما يقول مارتن هايدغر، عن لغة وسيطة، ، بل وتكاد ترجماته تنطلق من اللغة الفرنسية لينتقل بعدها إلى الألمانية، بادئا بترجمة القصص "واصلت قالة النقدية والمسرحية والرواية، يقول في هذا الصدد:ثم الشعر، فالم الترجمة عن الفرنسية في السنة الأولى من ذهابي إلى النمسا للدراسة وبعد فترة من الزمن أخذت أترجم عن اللغتين معا أو عن الألمانية وحدها، وأراسل مجلة الفكر 18(. كفاءاته اللسانية -كما يورد بختي بن عودة -يقول وبعد، هل ترجم دودو ل أو المعجمية أو الأسلوبية، أم ليبوح بحقه في الاختلاف من حيث هو نقلة كونية ، إن الغاية التي سعى ل المعرفية إليها من توسل الترجمة إنما تتمثل في الاقتراب المتجدد من الأشكا "لن نتمكن من - في اعتقاده -الأجنبية ومحاكاتها ثم تخطيها إبداعيا وإنتاجية لأننا فهم الأنواع الأدبية الغربية، والإبداع فيها، وربما تجاوزها بشكل من الأشكال إلا إذا نحن أكثرنا من ترجمة القديم والجديد منها كما فعل بعض رواد نهضتنا 20(. وإذن، فالوعي بأهمية الترجمة من حيث هي وسيلة من وسائل التفاهم البشري، وقناة من قنوات المثاقفة، ومسألة حضارية ملحة، وبدورها الريادي في
عدد الصفحات ٩١حمودي محمد 92 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ مجال العلوم والآداب والفنون، ومن ثم في تحقيق نهضة عربية معاصرة، جعل ر وعقلياته. فعكف المترجم ينصرف إلى التعرف على ما جادت به قريحة الآخ ريس بها وبجامعة كييل منذ انتقاله إلى الدراسة بجامعة فيينا النمساوية، ثم التد على الترجمة، وكانت أولى محاولاته الترجمية، القصص القصيرة والشعر ،الألمانية والمسرحيات، وهذا ما يبينه قوله في عدة مناسبات: "ركزت أولا على القصة والمقالة النقدية - بطبيعة الحال -لى ترجمة الشعر نثرا القصيرة، ثم انتقلت إ 21(. كما أكد ذلك بقوله: "كما أنني -ومع أن المترجم لم يكن التأريخ اختصاصه ، وبالرغم من هذا فإني أعتقد أنه من واجب كل من يتقن لغة ...لست مؤرخا بة تاريخ بلاده بغض النظر عن ميدان كتاك في إعادة أجنبية أن يشار إلا أن حماسته الوطنية وجزائريته الأصيلة وإسلامه وعروبته الغائرتين في أعماقه، جعلته يهتم بتسجيل الثورات والمعارك التي خاضتها الأمة ة في الجزائرية. وكان وراء حرصه على ذلك أهداف سامية يرمي إليها، متجذر وعيه الروحي، وتتجلى في قوله: "والظروف الراهنة التي نحاول فيها إعادة بناء شخصيتنا الوطنية تفرض علينا أن نهتم بمعرفة تاريخ الثورات والبطولات التي عرفتها أرضنا المجيدة، فمن المؤكد أن هذه المعرفة تساعدنا على الاعتزاز بماضينا، والحفاظ . وإن كانت هذه بعض المرامي التي ما برح دودو ضح في قوله: "ولا ٺتيدأب على تحقيقها فإن غايته في واقع الأمر أبعد من ذلك، و أخفي أنه كان لي هدف آخر أيضا، وهو أن أفتح نافذة أخرى غير النافذة التي أرى جزائريا نطل منها إلى الخارج عبر اللغة الفرنسية، فلـكم كان يحز في نفسي أن يكتب تاريخ الجزائر، وهو لا يحسن غير الفرنسية أو آخر لا يحسن غير العربية، فيعد كلاهما تابعا للمؤرخين الفرنسيين، بواسطة أو بدون واسطة، مع ما عرف به . وتشكل أبو العيد مصادر هامة "تفيد المؤرخين والجغرافيين الوثائق التاريخية التي ترجمها بل إنها ...وعلماء النفس والاجتماع والطبيعة والسلالات والأجناس وغيرهم
عدد الصفحات ٩٢ا أبي عند الترجمة دودواستراتيجية لعيد 93 - اﻟ ﻌﺪد5 ﻣﺎرس،2005 لتفيد حتى المبدعين لما تضمنته من قصص وحكايات وأساطير، وأغاني وأشعار ا شعبية، الـكثير منها لم يعد اليوم معروفا في مختلف المناطق التي كان منتشر أسهمت وتساهم في الـكشف عن -شك ولا -فهذه الترجمات ، حلقات مفقودة في تاريخ الجزائر وثورتها الحديثة، ذلك أن أصحابها "تحدثوا فيها عن تجاربهم الشخصية في الجزائر وعلاقاتهم بأهلها وعبروا عن موقفهم من الخلقية، كما تطرقوا إلى وصف قضاياها الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية و 26(. بات المدونة "بلغات أجنبية مختلفة، زيادة على كتاوالواقع، أن هذه ال احتوائها على تجارب خاصة بكل مؤلف من مؤلفيها، يشكل بعضها قسما من ، وهذا لا يعني أننا نتبنى هذه المعارف والتجارب بجميع ما فيها لأن غاية أصحابها كانت في أغلب الأحيان الدس والتدليس والتشويه، وإنما نتناولها بالدرس والإحاطة والتمحيص. ب وحتى نموضع استراتيجية الترجمة عند أبي العيد على تباين نصوصها وتشع حقق به المترجم خطوط -على حدة -مداراتها، آثرنا أن نموقع كل نوع ترجماتي التلاقي الثقافي، ووصل به إلى تشييد تفاعلية لا يستهان بها على الساحة المعرفية الـكبرى. ويمكن تنميط هذه الأنواع إلى ترجمات تاريخية، وترجمات أدبية وترجمات فكرية وفلسفية. )روايات، مسرحيات، ترجمات شعرية ونقدية(، الترجمات التاريخية: يندرج هذا النوع من الترجمة تحت الترجمة الثقافية والعلمية التي تعنى بنقل الآثار والمؤلفات الفكرية والعلمية والأدبية والفنية من لغة إلى أخرى، ويعتبر "هذا اللون من الترجمة عظيم الأهمية والأثر، لأنه طريق التبادل . وأما على وجه التحديد والتدقيق فإن هذه المترجمات تؤول إلى الترجمة العلمية التي تتميز . وههنا يستوجب ة وإجادة العرض. ومن بين المترجمات التاريخية على المترجم أن يحسن تخـير العبار التي توجت بها إبداعات أبي العيد دودو هي:
عدد الصفحات ٩٣حمودي محمد 94 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ مذكرات بفايفر )لسيمون فريدريك بفايفر(: وقد صدرت في طبعتها الأولى ، وكان دودو قد ترجم هذا المؤلف لأول مرة إلى العربية سنة (م "أضواء على عداد متوالية تحت عنوان:، ونشره في مجلة )الجيش( في أ(م تاريخ احتلال الجزائر"، مركزا فيه على الجانب السياسي والتاريخي، ثم عني فيه بعد ذلك بالجانب الإنساني، وعلى إثرها ترجم فصولا أخرى، الفصول الخمسة الأولى، والفصل الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر، بالإضافة إلى عدد من الفقرات 30(. ومما تجدر الإشارة إليه أن المترجم أضاف إلى العنوان الأول في الترجمة "مذكرات جزائرية عشية الاحتلال"، ينقل إلينا فيه ملاحظاته عنوانا أصليا هو: ، ومشاهداته في الجزائر. وتبرز أهمية مذكرات بفايفر بدءا من الفصل السادس حيث يتحدث عن العلاقات الجزائرية الفرنسية في الفترة التي سبقت دخول الفرنسيين إلى الجزائر، وفي الفصل الذي يليه يصف معركة الأسطولين الجزائري والفرنسي بصورة مفصلة، مشيرا إلى مشاركة الشعب فيها، وموقف بعض الأفراد بان هذه الأحداث لم يأت من الداي، ومن نتائج تلك المعركة، وينوه المترجم 31(. ويتعرض بفايفر، أيضا، في مؤلفه إلى الأحداث التي وقعت في شرق الجزائر، مبينا في الوقت نفسه علاقة الجزائر بالسلطة العثمانية وعلاقتها بالحكومة المصرية، كما يتحدث عن استعدادات الجزائر للحرب بعد نزول الجيش الفرنسي إلى البر، حيث أسرعت الجيوش الجزائرية إلى مقاومة الغزو الأجنبي، مقدما في الوقت نفسه صورة مؤثرة عن المآسي التي خلفتها هذه الحرب. ولا ينسى المؤلف الحديث عن موقف اليهود من قضية الاحتلال، والجرائم التي ارتكبوها. فر كثيرة ومتنوعة، وجماع القول، إن الأحداث والوقائع التي نقلها بفاي عاش بعضها بنفسه وشاهدها وسمع بعضها الآخر من غيره. ثلاث سنوات في شمال غربي إفريقيا )هاينريش فون مالتسان(: وهو في أربعة أجزاء، خص الجزائر بثلاثة أجزاء، ويصف في الرابع بعض المدن المغربية
عدد الصفحات ٩٤ا أبي عند الترجمة دودواستراتيجية لعيد 95 - اﻟ ﻌﺪد5 ﻣﺎرس،2005 ، وتحدث فيه (م ، (م وصور فيه بعض المدن الجزائرية التي أقام فيها حينا أو أحيانا، مثل مدينة تبسة. ، وسجل فيه مالتسان رحلته إلى شرق (م يث من قسنطينة ينطلق نحو الصحراء، فيزور مدينة الأغواط البلاد وجنوبها، ح والجلفة وعين ماضي. وما يلفت نظر المتلقي في الجزء الثالث، استعراضه للـكثير من الطقوس والشعائر التي كانت سائدة في مدينة قسنطينة آنذاك، كتصويره لطائفة عيساوة، جراه مع أحد أتباعها، مبينا مركزها الاجتماعي، وذلك من خلال حوار ممتع أ وكان يريد من ورائه أن يتوصل إلى معرفة أسرار تلك الطائفة، التي يدعي أفرادها 33( . كما يرصد مالتسان الـكثير من العادات والتقاليد المتبعة في قسنطينة خلال شهر ، فيصف مظاهره المختلفة، ويذكر (م حتى مختلف الأطعمة، التي تقدم فيه لأن التعرف عليها في اعتقاده يدخل في إطار معرفة عادات الشعب وأعرافه وتقاليده. وإلى جانب ذلك يصور فرحة هؤلاء بناء الأطفال بالعيد، مقارنا بينهم وبين الأطفال الفرنسيين، ويفضلهم على -إضافة إلى ما سبق ذكره -ويضم هذا الجزء عدة معلومات، ولا سيما ما يتعلق بالشخصية الجزائرية، مقوماتها، محامدها ومثالبها، وحسب المترجم، فان مالتسان بنى هذه الأحكام على التجربة 35(. 1976- كما وضعه شلوصر، في عنوان مفرط الطول هو: "رحلات بكتاال، وأصل في البرازيل والجزائر، أو مصائر فندلين شلوصر البومباجي السابق لأحمد باي قسنطينة"، وقد قسمه إلى جزأين: الجزء الأول خاص برحلته إلى البرازيل وحياته ،أما الجزء الثاني، والذي ترجمه أبو العيد، فقد خصصه للحديث عن الجزائر فيها.
عدد الصفحات ٩٥حمودي محمد 96 - اﻟﺘﺮاث ﺣﻮﻟﻴﺎت ﻣﺠﻠﺔ م("، إلا أن المترجم عمد إلى تغيير العنوان وفي : ابن زعمون، ة تاريخية، مثلعدة شخصيات جزائريهذا المترجَم، حديث عن وعلي بن عيسى، وأحمد باي، وأحمد بومرزاق، وغيرهم... وتسليط للضوء على الـكثير من أوضاع مدينة قسنطينة، وبالضبط أثناء الحملة الأولى والثانية التي تم احتلالها فيها، مركزا في الوقت ذاته على موقف الأهالي من العدو الأجنبي. ثم ورائع لحياة أهل المدينة والريف الشعبية بأفراحها وأقراحها. هناك وصف دقيق والحق، أن هذه المترجمات تعد بمثابة وثائق مهمة، لأنها تتحدث عن فترة من فترات تاريخنا في القرن الماضي، وتقدم معلومات قيمة عن مدينة الجزائر قبل ة قسنطينة قبل الاحتلال الفرنسي )وذلك ما فعلته مذكرات بفايفر(، وعن مدين أن يتم احتلالها. وتبرز بصورة خاصة الصراع الذي عرفته منطقة الشرق الجزائري بكاملها في تلك الفترة، وعن ظروف الاحتلال وملابساته العديدة، ودور المواطنين في مقاومة المعتدي. : في هذا المترجَم تفصيل لـكثير من ر عبد القادر )يوهان كارل بيرنت(الأمي م(. ويشير المترجم ههنا، إلى أن المعلومات التي جمعها كارل بيرنت من النادر أن نعثر عليها يقدم كارل بيرنت منذ البداية توصيفا لمدينة المدية التي نتقل إلى مدينة مليانة، ثم سرعان ما دخلها أسيرا، وغادرها بعد خمسة أشهر، لي تركها وتوجه إلى مدينة معسكر، حيث يلتقي بالأمير عبد القادر، ولعل لقاءه به هو ما ساعده على وصفه في مكتوبه وصفا حيا. وزيادة على هذا، يتطرق إلى وضعه السياسي ودهائه وشجاعته وعن شخصيته بشكل عام، ثم ثقافته وتمكنه من ة وآدابها وقراءاته لدواوين الشعر العربي، وعن حبه العفيف وعن اللغة العربي أسرته وقلة رؤيته لها، وعن أسلوب حياته وطريقة معيشته البسيطة في المأكل واللباس على حد سواء. هذه الصفات كلها هي التي جعلت منه في نظره أميرا عن معارك عظيما. أما عن الجانب العسكري والحربي، فإنه يقدم وصفا مفصلا
عدد الصفحات ٩٦