إذا أردتم السلم، فكونوا أقوياء (تتمة) كشفت الحرب لفرنسا عن «الكثيف الزغب»1). و»الكثيف الزغب»، يعرفه المستعمرون منذ زمان، بذات المعنى الذي سمعته لأول مرة، منذ فترة، ببلادنا .وأن تجهل فرنسا الأمر، فأنا المؤهل أكثر من أي أحد لتفسير ذلك، كوني التحقت بمجموعتكم المقدسة، وأنا في الأربعين. كان ذلك بالطوكان (2)، التي التحقت بها بعد أن قضيت20 سنة في الجندية بفرنسا، حيث تدرجت بين مكاتب القيادة العامة، والمناورات وألعاب الحرب، غارقا في جهل بالأمور، بل أستطيع القول، غارقا في الإزدراء الذي كان قاسما مشتركا بين رفاقي لكل أولئك الجنود الإستعماريين، الذين كنا نعتقد حياتهم حياة دعة تحت سعف النخيل. ما زلت أتذكر جيدا شعوري الديني عند أول لقاء هناك، على حدود الصين، أمام أولئك الرجال الغلاظ الشداد، خدام فرنسا العظيمة، وهم يمارسون مهامهم بدون انتظار أي دعم أو أن يعترف لهم بذلك. وأتذكر، لا أزال، حين وصلت ثلاث سنوات بعد ذلك، إلى مدغشقر، حيث رماني الجنرال غالييني، وأنا بالكاد أصل هناك، إلى جبهة من جبهات المواجهة. وفي ذات الليلة كان علي أن ألتحق بمركز القيادة، وأن أقوم بجولة للتعرف بالمنطقة إلى جانب خنازير البحر، ولم أر الرجال الذين سأقودهم سوى في الصباح، بعد إطلاق نداء الحضور. كانوا، بسبب انقطاع الإتصالات وأن لا شئ يتجدد، رثوا الثياب، بدون أحذية، وتعلو وجوههم صفرة فقر الدم، وبعضهم لا يزال يجتر آلام جرح قريب، لكنهم جميعهم باسمون وبريق يعلو أعينهم. تلك العيون الفرنسية التي يغرق في تأملها كل قائد. نعم، إنهم ذات «الكثيفي الزغب»، الذين اكتشفهم الشعب الفرنسي عشرين سنة بعد ذلك، ولن أنساهم. ومما أذكره أيضا، أنه بالجنوب الوهراني (بالجزائر)، كانت فرقة تمر أمامي في استعراض ببلدة بشار، عند قدم تمثال الموتى، قبل التوجه إلى منطقة «الكير العليا»وحين كنت أتأمل أولئك الرجال السمر بفعل أشعة الشمس، بلباسهم العسكري المجعد والباهث، قلت لمرافق لي: «هل نحن بعيدون إلى هذا الحد عن استعراض
عدد الصفحات ٦٥بباريس بالشانزليزي»لكن، اليوم، شاهد الباريسيون ذوي«الزغب الكثيف»يعبرون بالشانزيليزي. وأنتم«كثيفو الزغب»قبل الحرب، الذين يرسمون الطريق، منذ سنوات، لمن سمحت لهم الحرب بالبروز. لنقلها بصوت عال، إنه عند وحداتنا بالمستعمرات قد نحتت الآلة التي صنعت النصر. وهناك، تبرز جلية المسافة الهائلة بين مفهومين للحرب واحد ألماني والثاني فرنسي. لقد رأيتم ما خلفته وراءها حربهم: فقط الدمار. فأينما عبروا، يتم تجريف الأراضي، ويعم الجفاف. بينما نحن كلما مررنا بمكان رفعنا فيه رايتنا، إلا وانطلقت الأشغال لمنح الحياة أسباب النمو، من خلال تخصيب الأراضي الراقدة منذ أزمنة بعيدة. لقد دمروا طرقنا وخطوط سكة الحديد ومعاملنا. بينما وراء قواتنا تفتح أسباب التواصل وتنمو شبكة الصناعات. لقد دمروا الآثار المقدسة الشاهدة على تاريخنا. بينما نحن نرمم ونبني. لقد حملوا إلينا الحزن والقتل والدمار، وقتلوا النساء والأطفال. وأينما رفرف علمنا، إلا والتجأت إليه الأقوام للحماية، لإدراكهم أنه يحررهم من الفوضى ويحمل إليهم السلام والحماية والخير العميم. نعم، إن الحرب الإستعمارية، التي كم انتقدت وتجوهلت هي بامتياز حرب بناءة، ومشروع للسلم والحضارة، وعلينا أن نعلن ذلك عاليا ونعترف به. ستفترق الآن راياتكم.، وإذا كنت قد جمعتكم قربي، أنتم قادة الجهات، فليس فقط من أجل خلق اكتظاظ بمقر القيادة العامة، بل من أجل أن تتسلموا يدا بيد هذه العلامات المقدسة، المثقلة بالمجد. احملوها معكم. فلن يغلق عليها مثل آثار عتيقة في صالات الشرف بالثكنات. فقد كانت بالأمس رايات للحرب، وغدا ستظل رايات للحرب. وعليها أن ترفرف في مقدمة الجبهات (بالمغرب)، من أول خيوط الفجر حتى غبش الليل. هناك، في وريغة وفي ملوية، وفي الأطلس وبتادلة، ستظل ألوانها الثلاثة منورة، تزين أعمال اليوم، في انتظار أعمال الغد. لأنه تنتظرنا مراحل أخرى غدا وبعد غد، حتى تختفي آخر آثار المقاومة من على خريطة المغرب، وعلينا أن نمحيها جميعها. إن الأكيد، أن الأمر ليس تعطشا للغزو. وليس من أجل خدمة أجندة للهيمنة، نواصل مهمتنا المنجزة بالمغرب. إن هدفنا الوحيد، ومهمتنا الوحيدة، هي المحافظة على الأمن والسلم. السلم الذي نسعى إليه لأننا
عدد الصفحات ٦٦نستحقه بفضل تضحياتنا. وإذا كنا نهفو إليه بكل شغافنا، فإننا ندرك أنه لن ننجح في تحقيقه سوى باستمرار القوة التي هي الوحيدة القادرة على تحقيقه وحمايته .وسيكون من العبثي تذكيركم أن العالم لم يستعد بعد توازنه وأن مستقبله لا يزال غامضا. والحال أن الأمثال القديمة صادقة حين تعلمنا: «إذا أردتم السلم، فكونوا أقوياء»و«الخوف أول الحكمة». وإذا كان المغرب، الذي لم نطوع سوى نصفه، حتى الآن، قد ظل بالنسبة لفرنسا في ساعاتنا الحرجة، منبعا احتياطيا، فكيف سيكون الحال حين سيصبح كله تابعا لنا وتحت سيطرتنا. إنه سيحررها من كل الفاتورة العسكرية، وليس فقط أنه سيجعلها تستعيد قواتها، بل إنه سيضاعف من حجم قواتها وثرواتها. حينها سيكون الإحتياطي الأكبر، الذي يفرض احترام العهود والإتفاقات ويضمن تحقيق السلام الماجد الذي ضحى من أجله أبناؤنا، والذي من أجله قدم العديد من بيننا أرواحهم فداء. لتضعوا، ذلك دوما نصب أعينكم، وأنتم تنجزون مهامكم الصعبة بدون كلل في المناطق الصعبة (بالمغرب). وحيت يرتفع عندكم سبب القلق والإحباط، تأملوا فقط الألوان الثلاثة لرايتنا، رمز النصر والواجب والأمل. انطلقوا أيها الحراس، يا «كثيفي زغب»المغرب، فالرايات معكم محمية. هامش: 1) أطلق هذا الوصف واللقب على الجنود الفرنسيين خلال الحرب العالمية الأولى، خاصة من فرق المشاة، كناية على أنهم فحول أقوياء. 2) الطوكان، هي المنطقة التي احتلتهافرنسا من الفيتنام سنة 1884، ضمن ما استعمرتهم من دول ومناطق بالهند الصينية. أزمة انهيار العملة المغربية للريال الحسني سنة 1919 الرباط24 نونبر1919 لأول مرة، منذ مغادرتي لوزارة الدفاع الفرنسية، ومنذ نهاية الحرب (العالمية الأولى)، زرت فرنسا حيث قضيت هناك ش هري شتنبر وأكتوبر.
عدد الصفحات ٦٧وخلال غيابي، حدتث هزة كبيرة بسبب أزمة مالية خانقة، نتيجة انهيار العملة الحسنية (المغربية.) جمعت، بعد عودتي، الغرف التمثيلية الفرنسية، حتى أضعهم في صورة نتائج زيارتي إلى فرنسا، وأن أستعرض أمامهم الوضعية العامة، وأدعو الجميع إلى التهدئة. كانت انتخابات 1919، قد أجريت في جو من الوحدة الوطنية، مما جعلها حدثا مهما. وعدت من باريس، أخيرا، بالترخيص الذي يسمح بإنجاز أول شطر من السكك الحديدية المدنية العادية، والتي كانت الإتفاقيات الدولية الموقعة حول المغرب لا تسمح بإنجازه. كان لزاما علي أن أذكر الجميع، أيضا، أن مبدأ الحماية، المؤطر بنصوص اتفاقيات دولية، قد تم تجديدها ضمن ذات روح تلك الإتفاقيات. خاصة وأن في ذهن البعض اعتقاد أن تلك الإتفاقيات ستلغى بعد الحرب. وكان علي أخيرا أن أبرز لهم، أنه في فرنسا، بعد الحرب، أصبح هناك اهتمام جديد وأقوى بالمغرب( . فألقيت الكلمة التالية أمام الغرف التمثيلية الفرنسية بالمغرب، من غرفة التجارة وغرفة الفلاحة:) «لقد حرصت على لقائكم، مباشرة بعد عودتي من فرنسا. لقد اجتزنا مؤخرا أزمة قاسية، والتي لا تزال تبعاتها قائمة وجدية. ولقد أبنتم خلالها عن حس رفيع من المواطنة والوطنية، وأنا أشكركم على ذلك عاليا. لقد تلقيت وأنا في باريس، رسائلكم المستعجلة، التي كانت تضعني، بلغة قلقة لكنها جد مؤدبة، في صورة المشاكل التي تسببت في أزمة الصرف. ولقد استحسنت فيكم، هدوءكم، الذي هو مهم في وضعيات مماثلة، ولقد كلفت السيد «بلون»1)، أن يخبركم بذلك . فالموقف الذي اتخدتموه هنا، فعال جدا. لأنه حين نكون في مواجهة مشاكل صعبة مماثلة لمشكل الصرف، حيوية مسألة التشاور والإنصات لبعضنا البعض. وكان مهما أيضا أن يجد المرء دوما أمامه من يحاوره وينصت إليه. وأنا أعترف لكم بذلك هنا، بكل أخوية وتواضع، فإني أهتبل هذه المناسبة، لأوجه تحية وشهادة تقدير إلى مساعدي الذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام مشكلة عويصة، خاصة الذين تحملوا من بينهم، ثقل المسؤولية الكبرى لمواجهتها، وهم السيد أوربان بلون والسيد بييتري. لقد واجهوها بصلابة موقف وببرودة دم ورزانة تستوجب مني التحية والتقدير. ولقد برهنوا لي، وأنا غائب، أن من يعوضني في مهامي في مستوى المنتظر منهم، وأنهم
عدد الصفحات ٦٨في حضوري يعتبرون فعليا سندا لي. وأنا معهم أستشعر قوة وأمانا أكيدين. بعد هذا كله، تيقنوا أنني مدرك تماما لخطرة الوضعية المالية وآثارها السلبية على المصالح المشروعة لكم. ولا أستطيع، حتى الآن، أن أعدكم بحلول ناجعة لها. وهذا ليس لأنني أحاول التهرب من مسؤولياتي، ولا من اتخاد القرارات الواجبة حولها. بل، لأنه ليس هناك ما هو أخطر في وضعيات صعبة مماثلة، من اتخاد القرارات المتسرعة غير الدقيقة والواضحة. وأعتقد أنكم موقنون، أنني تتبعت أمر الأزمة هذه بباريس بعناية خاصة. ولد بلغتني أصداء متباينة عن الحلول الممكنة الناجعة. ونفس الأمر تحقق معي منذ عودتي إلى المغرب منذ 3 أيام. بالتالي، فإن واجبي يفرض علي التريث حتى ألتقي السيد بيرون، المفتش العام للمالية هنا، الذي يوجد الآن في جولة بالجهات الداخلية (للمغرب). فهو الوحيد، المبعوث من فرنسا، الذي يحكم بتوازن واستقلالية، بين مختلف المصالح، والمؤهل أكثر من أي كان، بحكم مسؤولياته وكفاءته التقنية، لمقاربة المسألة من زاوية المنفعة العامة. فهو الوحيد، إذن، الذي سيقدم لي التوضيحات اللازمة، ولا أريد بالتالي أن أتخد أي قرار قبل أن أنصت لأطروحته وأنصت أيضا لكل المعنيين بالملف. لكن، رغم ذلك، يمكنني اليوم مناقشتكم في أمر محدد آخر. وهو أن هناك اتفاقا جماعيا ورغبة صادقة، للوصول إلى تحقيق وحدة مالية، هنا، في أقرب الآجال .وما الذي تعنيه عبارة «في أقرب الآجال»؟، وضمن أي إطار، وبأية حيثيات يمكننا تحقيق تلك الوحدة النقدية؟. ذلك ما لا يمكنني الجزم به قبل لقاء السيد المفتش العام للمالية، وقبل أن أطلع على النتائج النهائية لتقريره. لكن، على حال، هناك أمر مؤكد، فإنه في قضية مماثلة، حيث تمة مصالح متعددة في الميزان، ليست فقط محلية أو فرنسية، بل دولية أيضا، فإن الأمر يستوجب حلولا لسنا وحدنا من يتحكم فيها، وأنها لا تتخد بمجرد جرة قلم. لقد أرسلت لكم تلغرافا يشرح ذلك، وأعيد الأمر عليكم الآن هنا، إن الأزمة الاقتصادية ليست خاصة فقط بالمغرب، بل أزمة عالمية. وفعلا علينا أن نعترف بأمر، حتى لا نخلط الأمور، فالأزمة بالمغرب ذات خصوصيات مؤكدة، وأنها أزمة خطيرة، لكننا جديا يجب أن نعترف أنها
عدد الصفحات ٦٩بذات الدرجة في دول أخرى. صحيح، أنه في فرنسا مثلا، لا تطرح أزمة الصرف بذات الشكل التي هي به في المغرب، لكن مهما كانت تلك الإختلافات، فإنها تبقى تحديا، يجعل الحكومة الفرنسية لن تتردد في اتخاد الإجراء اللازم لتجاوز الأزمة. وفي البلدان التي لم تواجه أزمة صرف، فإن الأزمة المالية قد تبدت من خلال مظاهر أخرى مختلفة، لكنها خطيرة أيضا .فالأزمة عامة إذن، وهذا أول مدخل علينا تمثله ومواجهته. فالهزة التي واجهها العالم كله، لا يمكن أن لا تكون بدون ارتدادات اقتصادية، والتي ستدوم طويلا. إن ما أقوله لكم هنا، ليست الغاية منه البقاء في العموميات، بل لأحملكم على وضع الأصبع، على حقيقة الأزمة المالية الخطيرة والعامة، التي تستوجب منا أن لا نجد لها فقط حلولا ارتجالية أو اقتراحات متسرعة. (يتبع) هامش: السيد أوربان بلون، كان هو المندوب بالإقامة العامة الفرنسية بالرباط، المكلف منذ يوم 20 ماي1919، ولقد عين بدلا من السيد لاليي دوكوردي لا تخلطوا الأمور، المغرب دولة مستقلة تحميها فرنسا (تتمة) الرباط: 24 نونبر1919 بعد أن استعرضت معكم الموضوع الذي يقلقكم في المقام الأول، يفرض علي الواجب، أن أنقل إليكم بعضا من انطباعاتي التي عدت بها من فرنسا. هناك واحدة منها تحتل المقام الأول. إنها الأزمة التي أطلق عليها إسم «أزمة الكسل»، التي تستشري منذ أشهر. صحيح، هي ليست عامة، إذ في القرى وفي المناطق المحررة، هناك مجهود ذاتي رائع للإنتاج
عدد الصفحات ٧٠وإعادة البناء. لكن الأزمة تلك، المؤسفة والواضحة، تطال عددا من قطاعات الإنتاج التي تستوجب عملا مضاعفا أكثر من ذي قبل. إذ، لم يعد ممكنا أن تستقل قطارا بدون أن تواجه مشاكل معقدة. ولم يعد ممكنا ضمان إرسال بضاعة في رحلة مشكوك أن توصلها بأمان. ولم يعد ممكنا التيقن، من أن طلب خدمة ما، سيتم الوفاء به في التوقيت الموعود. فيما الشق التقني كما لو أنه أصيب بعطب. تمة، بوضوح، أزمة سلطة وتنظيم وانضباط. وليس هناك مواطن واحد، ليس قلقا بخصوص ذلك الوضع. فقد لمست صدى لذلك عند الجميع، سواء في ليون أو مارسيليا أو باريس. بل وجدت صداه حتى عند السيد رئيس المجلس الذي كانت كلماته كلها دعوة متواصلة للعمل وبدل الجهد، والذي ترك لدي انطباعا، بعد تشريفه لي بقبول استقبالي، بإلحاحية العودة بسرعة إلى العمل والنظام والحزم. وعلي تسجيل أنه بين وصولي ومغادرتي، وقع أمر جديد، لا يمكن التجاوز عليه، هو تنظيم الإنتخابات. لقد غادرت دون أن أعرف نتائجها النهائية، لكني لمست الظروف التي التهييئ لها. وأستطيع الجزم أن الهم السياسي كان باهتا بها. فلم يكن شكل المؤسسات موضوع مساءلة من أي كان، ولا أحد من التنظيمات الهامة عدديا طرحت ذلك. إن الموضوع الذي طرح وطغى أكثر هو، الإختيار بين النظام والفوضى. بين من يريدون للبلاد أن تنخرط في العمل، وتداوي جراحها، وتستعيد ثرواتها، في ظل النظام والهدوء والأمن، وبين من يريدون مواصلة تصعيد التوتر. والشعور العام هناك، هو أنه لا يمكن أبدا التفريط في النمو الإقتصادي لصالح من أنزلنا بهم هزيمة عسكرية نكراء. إن الأساس الصلب للأمور كامن هنا، أنه يفرض على الجميع الوحدة والسلم الإجتماعي. وإن شعورا مماثلا، يفرض على كل من له مسؤولية السلطة، واجبات واضحة. لقد عدت إلى هنا، بعقد جديد. والمسؤولية التي تقع على كاهلي ليست
عدد الصفحات ٧١دائما بسيطة ولا سهلة، لكن إحساس خدمة بلادي هو الغالب. ولقد تم إشعاري، أن إعادة بعثي إلى هنا، هو قناعة راسخة عند من بعثني. وها أنا أعيد تحمل مسؤوليتي بوعي كامل بواجباتها، التي تلزمني بعدم التفريط في أي نقطة تساهم في تنمية هذا البلد، وأيضا عدم التفريط في ضمان الأمن به والنظام. ولن أتردد في التعويل على دعمكم أنتم، الذين جئتم للتعبير لي عن حرصكم على القانون والنظام، وأيضا على التعاون. وأنا متقين من أنكم ستكونون عونا لي، وعلى آخرين غيركم، لكي نرسخ جميعا هنا نظاما ببيتنا (المغربي)، ولتطهير الأجواء من خلال القضاء على الحركات المعرقلة والأفكار المشوشة والصراعات الذاتية، التي كلها تعطل العمل المخصب والفعال. إن الأمن في العمل، نحن في حاجة ماسة إليه أكثر من ذي قبل. وأن نقوم بذلك بسرعة أعلى. لقد انتبهت في فرنسا، التي لم أزرها منذ 3 سنوات، إلى الإهتمام والرهان الذي أصبح على المغرب هناك. والمسافة التي خلقتها ظروف الحرب، بيننا وبين وطننا الأم، قد تقلصت. وأصبح اليقين متعاظما حول الفوائد التي ستجنيها بلادنا من فضاء مماثل، وأنه حيوي الإستثمار في وسائل الإنتاج به .لقد فهموا هناك، هذه المرة، أن الخطوة الأولى للتنمية الإقتصادية بهذا البلد هي الإسراع بإنجاز خطوط السكة الحديدية. ولقد عدت أخيرا بالإذن لإنجاز خط «بوتي جون»(سيدي قاسم حاليا)/ القنيطرة/ الرباط/ الدارالبيضاء .أي ربط خط طنجة فاس مع موانئنا، وإنجاز الخط الكبير الذي سيوحد بين كل مناطق احتلالنا بشمال إفريقيا. لقد بعث معي وزير الأشغال العمومية المهندس الكبير السيد «ديلبي»، الذي سيتولى هنا مهمة المدير العام للأشغال العمومية، بينما تم الإبقاء على السيد «دولير»بباريس، مكلفا بمهمة تمثيلنا عند الوزارة وعند اللجن الكبرى (للبرلمان)، من أجل تتبع وتسريع الحلول التي تهمنا، بكل ما يمتلكه من سلطة وتجربة بالمغرب. وما دمت أحدثكم عن خطوط
عدد الصفحات ٧٢السكة الحديدة، مستندا على رجاء محلي سابق كنت توصلت به، اسمحوا لي أن أنبهكم من ما نسميه «الفكر المناطقي»فلا مجال له بالمغرب، الذي في هذه الظروف الأولية للإنجاز، لا بد من أن تنتصر المنفعة العامة في المقام الأول. فلن يتفهموا ذلك أبدا في فرنسا، التي تقرر فيها تقديم الدعم الكامل لإنجاز المشاريع الكبرى بالمغرب، التي لا يمكن تعطيلها بحسابات خاصة لهذه الجهة أو تلك. هناك موضوع آخر، لا يمكنني التغاضي عنه. إنه المتعلق بمبدأ الحماية نفسه .لقد عدت من باريس باليقين الواضح، المعبر عنه من قبل جهات نافذة، أنه لا يمكن المس بها أو مناقشتها.فنظام الحماية ليس مسألة رأي، لا شخصي ولا محلي ولا فرنسي. إنها واقع تحدده مواثيق واتفاقيات. وهي مضمونة من قبل مواثيق دولية لا سلطة لأي واحد منا أو للحكومة الفرنسية تعديلها. والنتيجة هي أن المغرب دولة مستقلة تحميه فرنسا، وأنه تحت سلطة السلطان بنظامه الخاص. ومن الشروط الأولى لولايتي، هي أن أضمن وحدة نظامه السياسي واحترامه. إن من نتائج هذه الوضعية، أن المؤسسات السياسية الفرنسية لا مكان لها بالمغرب. فمواطنونا هنا، لهم الحق في تأسيس تنظيمات وتمثيليات مهنية، أمام التمثيليات والتنظيمات السياسية، فلا. بالتالي، فكل النقاشات المثارة حول هذا الموضوع، ليست سوى حبرا ضائعا، وجهدا بلا طائل. وأضيف، ولن أعود لهذا الأمر مجددا، أنه بفضل أن ذلك مضمون باتفاقيات دولية، فإن مطالب مماثلة، ليس فقط أنها ليست ذات موضوع، بل إنها خطيرة ومضرة، وأن الحكومة الفرنسية (بباريس) هي أول من سيتصدى لمنع ذلك. لنحصر جهودنا وكلماتنا، إذن، في جهود الإصلاح المنجزة والمخصبة. وهي وفيرة .وعلى المستوى المهني، فإن ما علينا القيام به في المجالين الفلاحي والتجاري، هو كبير. والآن، بعد هذا اللقاء الأول الذي جددت فيه الإتصال والتواصل مع أشرف وأنبل مساعدي، فإن غايتي هي أن
عدد الصفحات ٧٣تنظيف الأرض من كل الشوائب العالقة بها. ولست في حاجة إلى التعبير لكم عن رغبتي الجارفة للعمل معكم، أكثر من ذي قبل، لتنمية المغرب. ومنذ رحلتي إلى فرنسا، وأنا متشبث بذلك أكثر، ليس بالضرورة لأسباب ذاتية عدة، بل لأنني لم أستشعر أبدا مدى ما ستجنيه من ذلك فرنسا، مثل اليوم، وأي دور محوري منذور لها أن تلعبه في تقدم ونهوض هذا البلد. إنني أدعوكم إلى الإنخراط في العمل الموحد، مسنودا بفرح إحاطتكم لي مستعدين للتحدي. قلق مولاي يوسف من محاولة تعديل اتفاقية الحماية الرباط: 7 دجنبر1919 تم استقبالي من قبل السلطان (مولاي يوسف)، حيث قدمت له رسالة شكر من الحكومة الفرنسية، على دعمه ومساعدته لنا. مؤكدا له أيضا بوضوح مجددا مبدأ الحماية الذي كانت له حوله بعض المخاوف. (وألقيت أمامه الكلمة التالية):«جلالتكم،تغمرني سعادة خاصة، أن أنقل إلى جلالتكم الرسالة التي كلفني وزير الشؤون الخارجية الفرنسية، باسم حكومة الجمهورية (الفرنسية.)، وألتمس منكم الإذن لي بقراءتها أمامكم بصوت
عدد الصفحات ٧٤عال مسموع الذي جمع جلالتكم معه بعد عودته إلى الرباط. وإذ أشكر جلالتكم على قوة مواقفكم النيرة، التي أبنتم عنها منذ تفجر أزمة العملة، التي لم يكن ممكنا الإفلات منها بسبب الظروف الدولية الحالية. ولقد أخرت، الإجراءات المتخدة بالمغرب، من قبل الحكومة الشريفية، من حدوث تلك الأزمة، محاولة التخفيف من آثارها قدر الإمكان. ولقد أبلغكم الجنرال ليوطي، قبل مغادرته فرنسا، عبارات الصداقة والثقة والإمتنان لجلالتكم، التي عبر له عنها السيد رئيس الجمهورية وكذا أعضاء الحكومة.وإني أحرص، هنا، شخصيا، على أن أجدد لجلالتكم، التوضيحات والتطمينات التي ما لبث يتلاقاها من حكومة الجمهورية بخصوص نظام الحماية، الذي تضمنه الإتفاقيات، المتأسسة على سيادة جلالتكم وعلى دور المخزن، مع الحفاظ على المؤسسات التقليدية للإمبراطورية الشريفية، واحترام المغاربة. إنه من خلال، الإطار الواضح لهذه المؤسسات الخاصة، سيواصل المغرب بشكل أفضل تنميته المادية والإجتماعية، أمنه وقوته، وسيتوحد أكثر مع فرنسا الذي تربطه به علاقات متينة، صنعها السلم مثلما صنعتها الحرب ]أتي لتعزز بشكل واضح وصارم، موقف حكومة بلدي العظيم، والذي كان لي شرف توجيهه إليكم بعد عودتي (من فرنسا). لقد تم التأكيد على أنه ضمن هذا الإطار الواضح للمؤسسات الخاصة سيتمكن المغرب من التقدم بشكل أفضل. ولقد حرصت حكومة الجمهورية، بشكل نهائي، وضع حد لكل نقاش أو سوء فهم أو شك في ما يتعلق بأساس نظام الحماية ومستتبعاته.ليتيقن جلالتكم، ومخزنكم وشعبكم، باطمئنان وثقة، من احترام نظام مؤسسات إمبراطوريتكم، التي لي المسؤولية الكبرى لضمان حمايتها إلى جانب جلالتكم .وثقوا أنها المهمة التي سأنجزها كاملة». الرباط1 يناير1920بسبب الأزمة العالمية الخطيرة، والجهود والتضحيات التي تستوجبها، كان لزاما علي التذكير بالوضعية العامة
عدد الصفحات ٧٥وخطورة الأزمة الإقتصادية والإجتماعية منذ الحرب (العالمية الأولى للمعمرين الفرنسيين بالمغرب. فوجهت إليهم هذا النداء، من خلال كلمة ألقيتها في حفل استقبال لهم بالرباط، لبدل مزيد من الجهد والتضحيات، مع الحرص على الإنتصار دوما للمصلحة العامة، بدلا من الحسابات الخاصة والشخصية. فكانت هذه الكلمة:«أشكر السيد أوربين بلون والجنرال كوتيز، على جميل عواطفهم التي عبروا عنها، باسم موظفي الحماية وجسم الإحتلال.ومع مطلع هذه السنة الجديدة، أود أن أذكر السيد بلون، بمدى امتناننا في المغرب، ونسعد بقيمة ما ينجزه من عمل، بفضل غنى تجربته وحنكته المجربة. وأيضا إلى الجنرال كوتيز، مدى تقديري للدعم الذي يقدمه لي بالقيادة، بضمير مهني عال. وفي غياب السيد بيرنودا (عميد المعمرين بالرباط)، الذي نأسف له، بسبب أوضاع صحية لبعض من أقاربه، فإنه كان طبيعيا أن المؤهل للحديث باسم المعمرين الفرنسيين بالرباط هو السيد بوتي، الذي أشكره على طاقته الإيجابية التي أبان عنها دوما في دفاعه المستميت عن مصالحكم. وما تفضل به من كلمات تقييمية للمنجزات المتحققة خلال هذه السنة، تشرفه عاليا. لأن تلك المنجزات، هي الدليل والضمانة الراسخة على إرادتنا على إنهاء، في أسرع وقت ممكن بشكل جيد، ما أشرتم إليه من مشاريع والتي نلتزم بها كاملة.إنني أريد أن أحتفظ من كلمات السيد بوتي، عبارة: «أكثر حبا»، التي حرص على تخصيصي بها. حقا، علي بحكم مهامي ومسؤولياتي، أن أترفع عن كل مقاربة عاطفية، وأن أرتقي إلى ما يفرضه علي ضمير تلك المسؤولية، مخافة السقوط في اللاشعبية. لكنني لا أخجل من أن أعلن أنه كم هو ممتع الإشتغال ضمن جو للرفقة والتقدير، الذي يسرع ويسهل من إمكانية الإنتاج والعطاء بشكل أسلس ومخصب. وإن روح هذه العواطف الجياشة التي حملتم معكم إلى هنا بدار فرنسا المفتوحة أمامكم، استشعرتها دافئة وأشكركم عليها. وضمن أجواء الثقة والجدية هذه، أتوجه لكم بكلمتي، بصفتي رئيس الحكومة، مع مطلع السنة الجديدة، أنتم كل
عدد الصفحات ٧٦فرنسيي المغرب، سواء من الدار البيضاء أو الرباط وباقي البلاد، معمرين وإداريين وموظفين وجنود.علينا أن نخفي عن أنفسنا، أن السنة الجديدة ستكون صعبة أكثر من غيرها. فكل المشاكل، وأصعبها، تطرح أمامنا دفعة واحدة، ليس في المغرب فقط، بل في باقي العالم. وليس في نيتي، هنا، أن أقدم أمامكم عرضا حول الوضعية العامة. فاطلاعكم على الصحف الفرنسية والأجنبية، ينوركم في هذا الباب .وأيضا من خلال ما يصلكم من مراسلات، وأيضا من خلال الإنطباعات التي يعود بها كل من زار فرنسا. فالعالم في حالة تحول وثورة، وإن كان ذلك ليس بالمعنى السياسي، فإنه بالمعنى العام للكلمة. ولقد علمتنا دروس التاريخ، أن من يعيشون الأحداث التراجيدية، هم أقل من يدرك أهميتها البالغة. لقد قرأنا بعض مذكرات نهاية القرن 18، حيث نجد أناسا طيبين يمارسون حياتهم بشكلها العادي، اليومي، لأنه لاشئ تغير في محيطهم العائلي الضيق، بينما حركة التاريخ تفعل فعلها فوق رؤوسهم.إني متأكد، أنه لو وقعت مذكرات ويوميات بعض من رومان القرن 5، بين أيدينا سنجد فيها تفاصيل للحياة اليومية العادية، بينما في الجوار كانت تحدث واحدة من أعظم ثورات التاريخ بالعالم، المتمثلة في انهيار النظام العالمي القديم وميلاد نظام عالمي جديد. والحال، كيف كان العالم المكتشف المعروف حينها؟. إنه لا يشكل سوى العشر من مجموع الكرة الأرضية. بينما اليوم، فإن الهزة قد شملت كل الكرة الأرضية، التي غيرت كل مناحي الحياة بها، وولدت نظاما جديدا وأنهت توازنا علينا انتظار سنوات قبل أن تستقر الأوضاع بعده.(يتبع) ماذا لو عاد امرؤ من سنة 1814، إلى الحياة، ما الذي سيقوله عنا، في 1920؟
عدد الصفحات ٧٧(تتمة) الرباط: 1 يناير1920 لنتصور رجلا تم تنويمه في سنة1814، واستفاق في1914، هل سيستوعب صورة العالم في أبعاده الجغرافية وضمن شروط العيش الإجتماعية الجديدة. ورجل تم تنويمه يوم 1 يناير1914، واستفاق يوم1 يناير1920، وتجول في أروبا، فإنه لن يصدق عينيه، أمام حجم المقابر بملايين القبور التي تضمها، وأمام حجم الدمار الكارثي، ومن الخراب الضاج، وفقدان جهات بكاملها لملامحها الأصلية، والإنقلاب الذي طال كل مناحي الحياة الإجتماعية العادية، من إنتاج الثروة والتغدية والنقل. نعم، إننا نعيش أزمنة غير مسبوقة. وعلينا بعض مسافة حتى نستوعب ذلك بوضوح. لتلقوا نظرة، فقط، على أرقام بلاغ البارحة الصادر عن وزارة المالية، حيث ستجدون حديثا عن مئات الملايير، التي لم نكن أبدا نتخيلها قبل الحرب، حيث كنا نتحدث فقط عن عشرات المليارات، والتي كنا، حينها، نعتبرها ضخمة وهائلة .لقد تغيرت كل المقاييس، ولم تعد ذات الكلمات تعني ذات المعاني. والصيغ القديمة أصبحت مجرد عناوين فارغة لأمور باهتة. إن السلم لم يصبح شاملا بعد. ففي روسيا وبولونيا والشمال الشرقي لألمانيا وفي آسيا الصغرى، لا تزال الحرب مشتعلة، حيث القتل ضاج والسرقات والحرائق والأمهات تذرفن الدموع. وإذا حرصت على أن أرسم أمامكم هذه اللوحة الصغيرة، التي أؤكد لكم، أنها ليست غارقة في نبرة يائسة ولا في لغة عنيفة، فلاستخلاص بضع دروس منها وحتى نتصالح مع ذواتنا. ولننتبه أننا في المقام الأول، محظوظون، نحن الذين بقينا بعيدين عن كل هذه المأساة، الذين لم نعاني لا من قر البرد ولا من المجاعة، المطمئنون أن لنا سريرا سنؤوب إليه كل ليلة، ولنا سقف وأنا حياتنا آمنة. وأيضا، حتى نعطي المسافة الواجبة للأمور، التي تعيدها إلى حجمها الطبيعي والعادي. كي نستوعب، أمام حجم المخاطر، كيف ستتقلص أشياء
عدد الصفحات ٧٨عدة التي تكون سببا للكثير من قلقنا. لأننا حين ننظرإلى السفح من فوق مرتفع، فإن الهضاب والأشجار والمنازل، التي مشتتة في أسفل المشهد، تبدو لنا صغيرة وباهتة .هكذا، يجب أن تظهر لنا، أيها السادة، الكثير من أمور المصالح الخاصة الصغيرة، التي نقيم الدنيا حولها، ولا نصل فيها سوى إلى مزيد من الخسارات للزمن والجهد، اللذين غير مسموح لنا البثة إضاعتهما. إليكم، أنتم أيها السادة المعمرون، يا رفاقي الأعزاء، أتوجه بالرجاء أن لا تسقطوا من أعينكم غلبة المصالح العامة. وأن تسهلوا، مهامنا الصعبة أصلا، من خلال تحريرنا من النقاش الفارغ الذي أعتبره زوبعة في فنجان، من خلال قيامكم أنتم بالفرز العقلاني بين مطالبكم. إليكم، أنتم أيها السادة الموظفون، المدنيون والعسكريون، لأن أجواء المكاتب متشابهة، مهما كان نوع اللباس الذي نرتديه، فإنني حرصت أن أشرككم في واقع الحال، الذي يفرض شكلا جديدا للمقاربة، بأساليب جديدة تماما. لأن الصيغ القديمة استنزفت زمنها. ولم يعد الأمر مجرد تعديل في النظارات، أو بإعادة رسم عناوين الرفوف، أو غربلة بدقة ما سبق، أو السقوط في شرك التنظيم الدقيق. إن ما هو مطلوب، اليوم، هو رؤية الهدف بدقة، فقط الهدف ولاشئ غير الهدف، وأن نهيئ كل الإمكانيات للوصول إليه بسرعة. إن المطلوب، اليوم، هو امتلاك رؤية شمولية واسعة، والرؤية إلى الأمام وتحقيق الإنجازات. إنني مسكون بهذا الإحساس حد الهوس. فهو يسكن كل أيامي ليلها ونهارها. لأنه ذلك قدري ما دمت أتحمل مسؤولية ضمن حكومة بلادي، وعلي مواجهة المشاكل التي تواجهني في كامل ضخامتها. وددت لو استطعت أن أستنسخ إلى أعداد كثيرة، حتى أهمس في أذن كل واحد منكم: «لا تقصوا الشعر إلى مربعات، واتركوا هذه التفاهات. بل أنجزوا، بعد التحليل، للوصول إلى نتيجة». لقد حرصتم على توجيه تحية لقواتنا، مست شغاف قلبي، وهم يستحقونها تماما .ولو لم أكن الجنرال القائد، مرتديا ذات البدلة، سأكون في حل من أقول عنهم كل ما أريد، وما أحمله عنهم من تصور. وأشكركم على تذكر أنهم هنا بيينا، وأنهم بفضل ما يقومون به يوميا، من مواجهات، يتم إنجاز كل ما يتحقق في هذه البلاد.
عدد الصفحات ٧٩إنها وضعية مثيرة، لا نظائر لها، أن نتأمل بلادا، ثلث أبنائها يقاوموننا، وعلينا مواجهتهم، ورغم ذلك تتقدم المواصلات فيه، والسكة تمتد كل يوم، والمنجز الإستعماري يتطور بدرجات عالية وبسرعة، لا نظائر لها في أي مكان آخر. ففي ظهر جسم للإحتلال منخرط في المعركة، والذي يرسم لنا حدود البلاد التي استسلمت لنا، تصلنا يوميا، ونحن في المدن الشاطئية ننعم بالأمان والحياة العادية، لائحة الخسارات بينهم الذين يسقطون بقوة النار، حيث البلاغات تحمل إلي، كل ليلة، الرسوم البيانية والإحصائيات الخاصة بالضحايا وبالنصر. فكثير من بينكم، يعرف طبيعة الواقع في البلاد المتقدمة من المغرب، حيث لا مجال للراحة والدعة، ولا نستطيع كلنا أن نوفي من يواجهون الخطر، هناك، حقهم كما يجب. وأنا أتوجه إليكم بأجمل الأماني، بمناسبة هذه السنة التي نراها واعدة، اسمحوا لي أن أختم معكم على روح «النوتات الثلاث»، التي كم أود أن أبصمكم بها وأنتم تغادرون هذا المكان: الإمتنان والتقدير لقواتنا التي تحميكم وتحمي نمو شركاتكم. امتحان دائم للضمير، وأنا من ضمنكم، لنسائل أنفسنا، إن كان الجهد الذي نبدله، ونكران الذات في كل آن وحين، هما في مستوى ما يقدم من تضحيات عظام. الإصرار على البدل من طاقاتنا وإراداتنا، حتى تكون في مستوى الظروف الصعبة والهائلة والمقلقة جدا، التي تعيشها البشرية. منحي تمثال النصر البرونزي «ساموتريس»بالألزاس ستراسبورغ: 23 غشت1920 حرصت الجمعية الكاثوليكية الأمريكية لفرسان كولومبوس، على منحي في حفل لها بمدينة ستراسبورغ (الفرنسية)، عند قدم تمثال «كليبر»1)، التمثال البرونزي للنصر «ساموتريس»2). تقديرا لجهود فرنسا الإستعمارية، خلال الحرب.
عدد الصفحات ٨٠