كنا، نلتقي، غداة أحداث بولونيا، التي تم فيها إنقاد أروبا من الخطر البولشيفي السوفياتي، بعد قرار الرئيس ميللران، وتدخل الجنرال ويغوند، بالإتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية. ولقد احتلت تلك الأحداث جزء هاما من الكلمات المتبادلة (بستراسبورغ). ولقد ألقيت أنا الكلمة التالية: «حين تلقيت منذ3 أيام اتصالكم، ظهر لي أن تمة الكثير من القادة ممن يستحقون هذا الشرف أكثر مني، وبدأت أستشعر أنني أسرقه منهم. لكن إلحاحكم المتجدد، وما عبر لي عنه رئيس مجلسكم قبل البارحة، بمدينة نانسي (الفرنسية )هو الذي حملني على قبولها. لقد أدركت أن الأمر في الواقع، ليس تكريما لشخصي، بقدر ما هو تكريم للقوات التي كان لي شرف قيادتها، وإلى الجهد الإستعماري لفرنسا. لقد حرصتم، على أن تتقدموا بشهاداتكم، إلى هذه «الجبهات الخارجية»، التي حقيقة بقيت في الظل، بينما الحرب مشتعلة فوق أرضنا. علما أنها لم تكن أبدا في عطلة أو حالة سلم، والتي لا تزال منخرطة إلى اليوم في معارك بلا هوادة .لقد أردتم، إذن، أن تحيوا الجهد الإستعماري لفرنسا، لأنكم الأكثر تأهيلا، لإدراك أننا ننوب عنكم في ذلك، أنتم رواد العالم الجديد، الذين أسستم لتربة بلادكم، قطعة قطعة، ووهبتموها أسباب الحياة، وجعلتم منها (بعد ثمن كبير)، واحدة من المنجزات التي تشرف كامل البشرية. فأنتم أهل إنجاز بامتياز، إلى الحد الذي يجعلنا، حين نريد تحفيز أنفسنا وبعضنا البعض، نقول في تعليماتنا«اعملوا على الطريقة الأمريكية». لقد حرصتم، أيضا، على أن يتم هذا التكريم بمدينة ستراسبورغ، فوق أرض الألزاس الغالية على قلوبنا جميعا، المستعادة البارحة. وإذا كانت بؤرة للكثير كبار الجند، فهي أيضا بؤرة لرواد من فرنسا الخارجية. بالجزائر، حيث يحتشد أبناؤها للإفلات من القمع. بالمغرب، الذي يفتخر أنه تلقى الكثير من أبنائه. هل لي أن أنسى أنه في سنة 1915، في خضم الحرب، ونحن نغامر بأول نشاطنا الإقتصادي، المتمثل في معرض الدارالبيضاء، كان الجزء المحرر من الألزاس يود المشاركة فيه، وأن شركات «طان»قد استقدمت لنا فرعا من الألزاس، تم استقبالها بما يليق بها من حفاوة عالية؟. لقد حرصتم، على أن تتم هذه الإحتفالية عند قدم تمثال كليبر، هذا
عدد الصفحات ٨١العسكري الألزاسي العظيم، الذي نحيي من خلاله في المقاوم الأول جيشنا بمصر، ذاك الذي اعتبر بونابارت أنه يستحق تعويضه هناك في قيادة الجيش. لقد ظلت تلك الحملة على مصر، من أعظم العناوين على سمو جنسنا الفرنسي، التي من خلال سنوات معدودات، قد لقحت تلك الأرض ببدور رسخت جدورنا عميقة بها، بدليل أنه بعد قرن وربع القرن، نجد فيها قوية لا تزال كبصمة قوية، لغتنا ومؤسساتنا، وتقديرا من شعبها تجاهنا. ثم، حرصتم، من خلال منحي دليلا على تقديركم، أن تخصوني بتمثال «نصر ساموتريس»وها هي ذي. ها هي، في كامل أبهتها وجمالها ومعاني عظمة الإغريق، أم الحضارات الغالية، التي أخدت عنها المسيحية والعالم الحديث المشعل. هل كانت عودة رهيبة للهمجية قادرة على إطفاء جدوتها؟. لقد تخوفنا فعليا من ذلك. لكن، مرة أخرى، كانت فرنسا وفية لدورها الأبدي. وها هي الهمجية تتراجع، لأنها وجدت عندنا رجلا للإرادة ورجلا لتنفيذ تلك الإرادة، وأعني الرئيس ميللران والجنرال ويغوند. ولقد قدمت لنا، الولايات المتحدة الأمريكية، بدون أدنى تردد دعمها، وانخراطها الحاسم. لأنكم، أدركتم أن الأمر لا يتعلق فقط ببولونيا، بل بكامل الحضارة العالمية، التي علينا إنقاذها. تأملوا معي تمثال «نصر ساموتريس»، بجناحيه المحلقين، متقدمة الصفوف صوب القرار المخصب، وهذا أنتم مرة أخرى. إنها تقف في مقدمة باخرة، مثل تلك السفن التي حملت جهدنا الإستعماري صوب بقاع عدة من العالم. تلك السفن، التي عبر الأطلنتي، قد حملتكم إلى أرضنا القديمة من أجل النصر المحرر. (يتبع) هامش: 1) يعتبر تمثال كليبر، أهم تمثال بمدينة ستراسبورغ الفرنسية، كونه يتوسط أهم ساحاتها العمومية. والجنرال كليبر هو قائد القوات الفرنسية
عدد الصفحات ٨٢بمصر، تحت راية الجنرال نابليون بونابارت، الذي تم اغتياله من قبل طالب سوري بالقاهرة يوم 14 يونيو سنة1800. واسم ذلك الطالب هو سليمان الحلبي. ولقد جاءت عملية قتل جنرال فرنسا ذاك، وهو في قمة انتصاراته العسكرية، خاصة بعد معركة هيليابوليس، التي انتزعت من خلالها القوات الفرنسية بقيادته كل مناطق مصر العليا، من بين أيدي القوات العثمانية والإنجليزية. فأصبحت شهرة هذا الجنرال هناك أكبر من قائده العام نابليون بونابارت، الذي عينه قائدا للجيش الفرنسي بمصر، قبل مغادرته إلى باريس. ولقد وضع قبره مباشرة تحت تمثاله بوسط ستراسبورغ ابتداء من سنة 1834. علما أنه من مواليد9 مارس1753 بذات المدينة الفرنسية. 2) يعود اكتشاف هذا التمثال الإغريقي، الذي يرمز إلى النصر، إلى سنة 1863، من قبل نائب القنصل الفرنسي بجزيرة«ساموتريس»اليونانية وهو يرمز إلى الإلهة الإغريقية «نيكي»، التي تقف شامخة على رأس مقدمة سفينة حربية، مطلقة جناحيها كناية عن النصر. وهي شقيقة الإله «كراطوس»إله القوة، والإلهة«بيا»إلهة الصلابة. والتمثال بدون رأس. لن نكتفي بغسل أيدينا، مثلما فعل من أمر بقتل المسيح ستراسبورغ: 23 غشت1920 (في حفل العشاء) ألقيت كلمة ثانية في مأدبة عشاء نظمت على شرفي، وهي الكلمة التالية: «هل أستحق فعلا، المكانة التي وضعتموني فيها اليوم. لكن، ما دمت
عدد الصفحات ٨٣أعتبر قيدوم جنرالات الجيش الفرنسي (وهذا أمر يثير حسدا كثيرا)، فإنه إلي يعود اليوم حق أن أرفع نخبي للجنرال «بيرشين»، القائد المبجل لجيوشكم (1)، وأيضا إلى الجيش الأمريكي، وبالتالي إلى كل الشعب الأمريكي، المنخرط في معركة من أجل الحق والعدالة. وأخيرا، إلى «الفيلق الأمريكي»، أي هذه الجمعية الكبيرة التي تجمع محاربي الأمس، التي تحملت مسؤولية إبقاء شعلة الروح المقاومة المحاربة لديكم، التي هي الضامنة الأكبر للسلام الذي نرتجيه. علي، أيضا، أن أضيف على ما تفضل به، السيد «آلبوتيت»(المندوب السامي لمنطقة الألزاس لورين)، الذي ذكر بالعمل الجليل الذي تقوم به فرنسا بشمال إفريقيا، مخصصا لي تقريضا خاصا، دون أن يذكرنا، أنه على امتداد 12 سنة، كان هو واحدا من صناع ذلك المبجلين. وإلى اليوم، فحين أكون أمام تحد مشكل ما علي حله، أو أحتاج نصيحة معينة، فإنني أعود إلى قراءة منجزه الذي خلفه في تونس. ذلك أن سمو ذكائه، وكرم قلبه الكبير، هما الضمانة على ما سينجزه في هذه الأقاليم العزيزة. إضافة، نعم، لمن تذكرتموهم هنا، فإن تفكيري يذهب صوب أولئك الذين لا يزالون منخرطين في المعركة، من ضباط وجنود بولونيين وضباط فرنسيين. فحين قررت، منذ 16 قرنا، جحافل البرابرة لأتيلا، تدمير العالم المتحضر، ففي فرنسا، بسهول الشالون، قد هزموا (2). ثم3 قرون بعد ذلك، فإنه في فرنسا مرة أخرى، بمنطقة بواتيي، تم توقيف حمى الإندفاع الإسلامية (3). واليوم، فإن مبادرة حماية الحضارة قد جاءت مرة أخرى من فرنسا. والولايات المتحدة الأمريكية قد انخرطت معنا، بلا تردد، حتى توجه رسالة إلى البرابرة الجدد (ألمانيا) أن لا مجال أمامهم للتقدم. لقد أدركتم، مثلما أدركنا نحن، أنه لا يكفي مجرد التخلص من الأمر بغسل اليد. ففي التاريخ، هذا يطلق عليه إسم «بيلاص البنطي»4)، الذي سوء سمعته آتية من تقديمه الصادق (المسيح) إلى قاتليه، والتي لا تستحق التقليد. فبضل الله، رئيس حكومتنا، لم يؤمن أبدا، أنه يكفي غسل
عدد الصفحات ٨٤اليدين فقط، وأنه لم يقبل أبداأن تترك بولونيا لوحدها معزولة بعد توحيدها وتحريرها. وأنه حين اتبع طريق الشرف والضمير، قد خدم كما هي عادته، بشكل مثالي المصالح المستعجلة الآنية، ليس فقط لبولونيا، بل للعالم. لهذا السبب علينا دوما أن نمجد إسم ميللران (رئيس فرنسا.) ليس هناك شعب عظيم وشعب صغير. هناك فقط شعوب. وسواء كان اسمها الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، بولونيا، بلجيكا، فإن لهم نفس الحقوق في الحياة وفي الإستقلال. أليس ذلك من أبهى وأجمل ما يمكن التعبير عنه، هنا بستراسبورغ، بأرض الألزاس، بين الأمريكيين والفرنسيين؟. هامش: 1) هو الجنرال الوحيد، إلى جانب الرئيس المؤسس جورج واشنطن، الذي حمل رتبة «الجنرال القائد العام للجيوش الأمريكية»في التاريخ ولد يوم 13 شتنبر1860، وتوفي يوم15 يوليوز1948. وهو الذي سيقود شخصيا القوات الأمريكية المشاركة في الحرب العالمية الأولى، بعد وفاة المسؤول الميداني عنها الجنرال فريديريك فونستون. ويعتبر الجنرال بيرشين، من أكثر جنرالات أمريكا الذين اشتغلوا خارج بلاده، في اليابان والمكسيك والفلبين. 2) يحيل هنا الماريشال ليوطي، على حركة العنصر السلافي الجرماني الهنغاري، بقيادة الزعيم «آتي»، الذي امتد نفوذه في كامل أروبا الشرقية، والذي كان له طموح احتلال الجهة الغربية من القارة العجوز، خاصة روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية، وصولا إلى مضيق جبل طارق سنة 452 ميلادية. وفي الذاكرة الغربية الأروبية، فإنها قد ظلت دوما تنظر إلى العنصر الجرماني، المستقوي بشعوب شرق أروبا، خطرا على الإمبراطوريات السياسية بغربها، خاصة على روما وباريس.
عدد الصفحات ٨٥بالتالي، فالصراع بين شرق أروبا وغربها، قديم جدا، وبقيت آثاره حاضرة حتى الحربين العالميتين الكبريين بالقرن 20 . (3) في إحالة منه، على المعركة التي قادها القائد المغربي الأندلسي عبد الرحمان بن عبد الله المغافري، أمير قرطبة بالأندلس، باتجاه باريس من أجل احتلالها وإدماج المجال الفرنسي ضمن الجغرافية الإسلامية التي كانت تتحكم حينها في كل شبه الجزيرة الإيبيرية (إسبانيا والبرتغال). وهي المحاولة التي انتهت بهزيمته بمنطقة بواتيي سنة 732 ميلادية، جنوب باريس بحوالي 300 كلمتر. وهي الهزيمة التي وقعت في المعركة التي واجهه فيها الملك شارل مارتيل، الذي كان قد وحد الفرانس، أي المملكة القديمة لفرنسا، في ما بين 717 و741 ميلادية. ولقد انتهت تلك المعركة بمقتل القائد الأندلسي عبد الرحمن المغافري. 4) يحيل هنا ليوطي، على قصة ذلك الحاكم الروماني المحلي الصغير بفلسطين القديمة ببلاد الشام الكبرى، الذي أصدر الأمر لتنفيذ صلب وقتل السيد المسيح. والذي سيتتم إقالته واستدعاؤه من قبل الإمبراطور الروماني غاليغولا، الذي قيل إنه توفي منتحرا بسبب ما لقيه من نقد وتهميش. علما أنه كان منبوذا من اليهود، كونه من أكثر حكام روما الذين سفكوا دماءهم، بحكم تبعية «الشعب اليهودي»له بمنطقة الشام الكبرى وأنه إرضاء لهم، وبضغط منهم، سيشرف على محاكمة السيد المسيح، وسيصدر قرار صلبه، وحتى لا يكون مسجلا عليه أنه هو من أصدر ذلك القرار، قام أمام الجميع بغسل يديه بالماء النقي، كناية على أن يده نظيفة من دم السيد المسيح، مطلقا جملته الشهيرة «أنا بريئ من دم هذا البار» وإلى اليوم لا تزال الكنيسة المسيحية مختلفة في شكل تعاملها مع ذكراه، حيث نجد الكنيسة الأثيوبية القديمة تمجده رفقة زوجته، بينما البابوية لا تمجده كثيرا، والكنيسة الأرثوذوكسية المشرقية لا تمجد سوى زوجته، بينما هو عندها منبوذ.
عدد الصفحات ٨٦النصر لا يمنح لغير من يستحقه لدار البيضاء: 21 شتنبر1920 بعد عودتي من فرنسا، إثر التصويت على السلفة والإتفاقيات الخاصة بإنشاء خط للسكة الحديدية (بالمغرب)، خصص لي المعمرون الفرنسيون بالدار البيضاء، لحظة نزولي بميناءها، استقبالا خاصا، عند رصيف الميناء. ولقد ألقى رئيس الغرفة الفلاحية كلمة، رددت عليها بالكلمة التالية: «إني ممتن، لاستقبالكم لي هنا بالدار البيضاء. ولا أرى ما نعا، من أن أعترف لكم، بكل الصراحة اللازمة، أنه حين غاردت المغرب صوب فرنسا، منذ 5 أشهر، كان في نيتي أن لا أعود إليه. لقد تركت في سنة 1919 الكثير من الآلام والخيبات. لأنه ليس دوما سهلا، رغم كل الجهد الذي يبدله المرء، وكل التضحيات واستنزاف الوقت، يجد نفسه أمام حائط من النقد، والذي يستهدف أقرب مساعديه. وكنت، وأنا أتتبع الجهد الخرافي الذي يبدلونه في الميدان، أستشعر عميقا مدى الظلم، الذي ظل يشوش على التقدير العالي والصداقة العميقة، التي تجمعني بهم. وإذا كنت قد عدت، فإنه تحت إلحاح شديد من الرئيس ميللران، الذي إضافة للتقدير الذي يحمله له كل الفرنسيين كقائد، فإنه قد رفع عاليا منذ شهور، من قيمة بلادنا في العالم. معززا تقديري واعتزازي بارتباطي به، مضافا إلى ما أحمله من تقدير للبرلمان كممثل للأمة. ولم يترددوا في أن يعبروا عمليا، عن تقديرهم لشخصي العادي والبسيط، من خلال تصويتهم بدون مناقشة سواء في غرفة مجلس النواب أو مجلس الشيوخ (وهذا أمر نادر)، بالموافقة على القروض التي ستفتح أمام المغرب الإمكانيات الهائلة للتنمية الإقتصادية. من حينها، أصبح صعبا علي أن أتخلى عن واجب العودة من أجل تحمل الحجرة الثقيلة للمسؤولية هنا. وكم أدرك، أنها مسؤولية جد ثقيلة، مثل أي
عدد الصفحات ٨٧مسؤولية كبيرة، ليسنني لا أحمل شغفا هائلا للمغرب، الذي يربطني به ماض مهم، والذي وجدت فيه إلى جانب جلالة السلطان، وفاء من الأهالي، إلى جانب فعالية قواتي. ولا يمكنني أن أتجاوز عن التعاون الذي لقيته من كل أبناء بلدي من الفرنسيين المقيمين بالمغرب، وتشجيعاتهم. ورغم ذلك، كم أنا مدرك حجم ما ينتظرني من تحديات. وإن مواجهات وحل مشاكلها، يعتمد في جانب كبير منه، على قوة الثقة وقوة انخراط الغالبية العظمى من المعمرين الفرنسيين هنا. ستقولون إن علي الإعتماد على ذلك. وليس لي سوى أن أعتبرها بشرى، على أمل أن المستقبل سيكون هو الجواب العملي على تحويل الكلمات الجميلة، التي نتبادلها هنا بيننا، إلى أفعال. إن ما يطلبه العالم، وتطلبه فرنسا، اليوم، هو العمل ضمن النظام. فلا أنا، ولا أي كان ممن هم محيطون بي، سيخدلون ما هو منتظر منهم، سواء على مستوى تفعيل الأول (العمل) وضمان الثاني (النظام). وألتمس من كل واحد منكم أن يساعدنا على تحقيق ذلك. الرباط/ الدار البيضاء: 11 نونبر1920 إحياء للذكرى الخمسين لتأسيس الجمهورية1) وإحياء لذكرى النصر، استقبلت في الصباح بالرباط، المعمرين الفرنسيين، وفي الزوال، عقدت اجتماعا موسعا مع المعمرين الفرنسيين بالدار البيضاء، إلى جانب ممثلي كل المجموعات الفرنسية بالمغرب، بغاية وضع لتدشين تمثال النصر التي أنجزه الفنان والنحات لوندوفسكي (2). فألقيت الكلمة التالية أولا بالرباط: «مرحبا بكم، في هذه الدار، التي هي بالمغرب، دار فرنسا. مساء اليوم، سأشرح، أمام الجماهير، بالدار البيضاء، لكل ممثلي المعمرين الفرنسيين بالمغرب، أهمية هذا اليوم. بالتالي، لا تنتظروا مني هذا الصباح خطابا مفصلا. فقط، دعوني أذكركم بما تعنيه الذكرى الخمسون للجمهورية هذه. لقد سحقت فرنسا، سنة 1870، بميتز وسيدان، لكن، بعد إعلان الجمهورية، بقرار من حكومة الدفاع الوطني، دخلنا في مرحلة مقاومة وبدل، انتزعنا به تقدير العالم.ة وأننا لم ننقد فقط شرفنا (الذي لم نحسن للأسف الدفاع عنه)، بل أفلتنا من التقسيم. فكانت بعدها، الأربعة وأربعون سنة، من التأمل ومن الصبر ومن الإستعداد الهادئ، وأعيننا مفتوحة على
عدد الصفحات ٨٨الجرح النازف، ثم المواجهة الحتمية حيث إننا في سنة 1914، قد وقفنا كأمة واحدة، وقدمنا 1500000، من أبنائنا في ما يشبه«الهولوكوست» (المحرقة). وما تبعها من نتيجة ماجدة لكل تلك التضحيات الكبيرة: النصر النهائي، وتحرير إقليمينا العزيزين (الألزاس واللورين). تلك هي القصة الكبيرة والمؤلمة التي لا تزال حية بين 1870 و1920. لنسعد أننا أبناء هذه الأمة، التي لا تتنازل ولا تتراجع أبدا أمام ضربات القدر. لنمجد موتانا، نعم، لكن لنتأمل أيضا الدمار الضاج فوق أراضينا، ولنتأمل وضعية العالم، والتحديات التي لا تزال تواجهنا وتهددنا، بالتالي، علينا أكثر من أي وقت مضى، أن نكون أقوياء، موحدين. ولنعمل، لنعمل بدون كلل، بكل قوانا، بكل نكران هائل للذات، من أجل أن يكون أبناؤنا جميعهم، محميين من كل أسباب القلق ومن المناحاة التي عشناها. وأنه تحت راية الجمهورية، ستنبعث فرنسا الجديدة، في إطار من النظام والسلم. (يتبع) هامش: (1) يقصد هنا ليوطي الجمهورية البرلمانية لسنة1870/ 1873، والتي استمرت حتى سنة 1929. بعد هزيمة نابليون الثالث في حرب سيدان يوم فاتح شتنبر 1870، أمام الجرمان الألمانيين، وفقدان الفرنسيين لإقليمي الألزاس واللورين .الذي اعتبر أكبر جرح أساء لكبرياء الفرنسيين، وأ دى إلى إسقاط ملكية هنري الخامس، التي حاول خلالها استعادة المبادرة عبر البرلمان، لكن قوة الجناح الجمهوري كانت هي الغالبة والحاسمة. 2) هو النحات الفرنسي والعالمي الكبير بول لوندوفسكي، الذي ولد سنة 1875 وتوفي سنة1961. والده من أصول بولونية، ويعتبر من كبار نحاتي فرنسا خلال القرن 20. خاصة أعماله المشتركة ثقافيا مع الشاعر بول فاليري، التي من أشهرها «معبد الإنسان»، الذي تم إنجازه بباريس سنة 1925، بمناسبة تدشين معرض فنون الديكور. وهو فضاء إبداعي كبير يضم ساحات للإبداع العمومي، وكذا قاعات عرض سينمائي ومسرحي.
عدد الصفحات ٨٩النصر لا يمنح لغير من يستحقه (تتمة) الرباط/ الدار البيضاء: 11 نونبر1920 أنتم يا قدامى الحرب بالمغرب، وأنتم يا معطوبي المعارك، أنتم أيها الألزاسيون واللوريون، أيها الجنود، فرنسيوا بلادنا وفرنسيوا هذه المستعمرة الشابة والناجحة، المغاربة المرتبطين بنا بالدم المشترك المراق.. كلكم، يجمعنا هنا ذات النبض، اليوم للإحتفاء بهذه المناسبات الغالية. ففي يوم 11 نونبر1870، منذ خمسين سنة، استفاقت فرنسا كلها، ترتعش، من الخبر الذي أفاد أنه قبل يومين، في 9 نونبر، أن جنودهم انتصروا في معركة كولميي، وأنه يوم 10 نونبر، تم طرد العدو من أورليون. عليكم أن تعيشوا تلك اللحظات، حتى تدركوا رعشتها. فبعد ثلاثة أشهر من الكارثة، كان ذلك أول علامات العودة إلى النجاح. أكثر من ذلك، كان الأمر تدشينا لعودة أمة كاملة إلى النهوض، كان يعتقد العدو وكل العالم أنه تم سحقها نهائيا، وأنها بدون حكومة وبدون جيش وبدون قادة وبدون أدوات. يا له من إحساس، ذلك الذي كان عند الفتى في 15 من عمره، الذي كنته، والذي لا يزال إلى اليوم يستعيد تفاصيل شهر نونبر ذاك، يوما بيوم، من سنة 1870 . الذي كان الأعظم مجدا حينها، والمثقل بآمال عراض في تلك المرحلة، التي حملت في التاريخ إسم «الدفاع الوطني»فتحت نبرات صوت من كانت فرنسا تتوحد حوله، بدون تمييز حزبي، «غامبيطا»، الذي تمجد باريس الآن ذكراه، تحت إشراف من كان رفيقه بالأمس، الذي كان وزير الحرب الكبرى، السيد «دو فريسينيت»، والذي تحت قيادته كانت تخرج من تحت التراب جيوشه. إذ، بعد هزيمة متيز وسيدان، كان يعتقد أن كل شيء ضاع، ها هي المقاومة انتظمت في منطقة لالوار، في الشمال وفي الشرق، وأنه برز إلى الوجود قادة جدد، مثل: دوريل، شانزي
عدد الصفحات ٩٠وفيديرب. وإذا كانوا، للأسف، لم يستطيعوا انتزاع النصر الأكبر، فإنهم تمكنوا من إنقاذ شرفنا. إن ما زرعته حكومة الدفاع الوطني، خلال الأشهر الثلاثة تلك، فوق أرضنا وفي قلوبنا، هي خميرة مقاومتنا التي ولدت سنة 1914، ونصرنا الذي كان سنة 1918 . من حينها، استعادت فرنسا الثقة في نفسها، واكتسبت إلى الأبد، الوعي بما تستطيعه حلول صلبة، أن تخلقه من ميلاد لسر البطولة التي أبهرت العالم. كانت فرق الحرس الوطني تضم كل شرائح المجتمع، من قدامى المحاربين المنضوين تحت الرايات، وأصحاب البدل الرمادية من جنود شمال إفريقيا من «الزواف»، وأصحاب الياقات الحمر من الغاريبالدي (من إيطاليا)، كلهم كانوا يمشون بقلب رجل واحد، بروح واحدة، وحتى إن لم يكن المصطلح قد ولد بعد حينها، فإنهم شكلوا «الوحدة المقدسة». إن لنا، نحن فرنسييوا المغرب، أسباب أدعى للإحتفاء بخمسينية الجمهورية. لقد انهارت الإمبراطورية الفرنسية في القرن 18. لأنه بسبب مشاكلها الداخلية أو الأروبية، انزاحت الأنظمة التي تتالت، إلى نوع من اللامبالاة ولم تحتفظ منها سوى على مشهد التدمير. والمنجز الجزائري، بكل ما يعد به، لم يكن سوى جهدا معزولا. وللجمهورية الثالثة، يعود شرف إعادة تأسيس مجالنا الخارجي .لقد سبق وقلت في خطاب أمام الأكاديمية الفرنسية يوم 8 يوليوز1920، أنه لا يجب نسيان حجم ما قدمته فرنسا الخارج (فرنسا الإستعمارية) للوطن الأم، من دعم خلال ساعات الخطر الماحقة. ولقد خصصت كل قواتنا الإستعمارية، بكل أنواع فرقها، بتحية تقدير وشهادة كما تستحقها عاليا، ولن أعود إلى ذلك الآن. لكن، ما أحرص على التذكير به، أسماء دالة لبعض من كانوا مهندسي ذلك المنجز الكبير. إنهم، جول فيري، الذي وصفته التصنيفات غير المنصفة ب «الطوكينوا» (نسبة لمنطقة الطوكان الفيتنامية)، كنوع من السبة. بينما هو اليوم أعظم هناوين النصر فيها. إنهم «بول بيرت»، و»لانسان» وآخرون كثر1). وهناك أمر هام يستحق منا الإنتباه، هو أن هؤء الرجال، الذين كانت توزعهم اختلافات السياسة بفرنسا، قد أصبحوا في الخارج، مسكونين بهم وحيد، هو خدمة أمتهم في عظمتها، وأنهم ظلوا يصدرون عن فكر متسامح، باحثين بشغف، عن الإرادات الطيبة أينما
عدد الصفحات ٩١كانت. ولقد انساقت إليهم جميعها، لأنه في هذه المهمة النبيلة، قد كانوا يمثلون فرنسا. فرنسا في كل ما لها من عظمة وريادة وإشعاع. وأنا متأكد أنكم كلكم مجمعون معي، اليوم، على تحية آخر من تبقى من ذلك الفريق على قيد الحياة، والذي لعب دورا محوريا في ميلاد «المغرب الفرنسي» إنه«يوجين إتيان»، الرؤوف، والمهندس الصلب لفرنسا الكبيرة،والذي واجه سنة 1870، إلى جانب«غامبيطا»، الساعات الصعبة التي نحيي اليوم ذكراها الخمسين. وكما يحدث مع سندان الحداد الذي يطوع فيه الحديد وتوقد النار وتتولد الطاقة، كانت فرنسا في تلك الأزمنة، تدرك أنه عليها أن تبقة متوثبة، مستعدة، من أجل يوم المواجهة الأكبر الحاسم. وحين دقت الساعة سنة 1914، جاءت معركة لامارن والتضحيات الجسام والسنوات الدموية، قبل أن يأتي اليوم الماجد ل 11 نونبر1918. وها هما الذكريان يلتحمان في ذكرى واحدة، حيث نجد في الأول مقاومة البلد المنهزم، ثم في الثانية سنوات المقاومة الماجدة والنصر النهائي. إنني سأضع الحجر الأساسي لهذا التمثال، استجابة لدعوتكم، وتنفيذا لما تفرضه علي مهامي كقائد، متمنيا أنه كلما مرت الأجيال أمامه، أن لا تبحث فيه فقط عن رمز للنصر، بل الدروس التي أدت إليه. فإنه سيقول لهم الدرس الصاعد من القبور المقدسة، التي يرقد فيها أبناؤنا وإخوتنا، لحمنا، وأيضا أبناء هذا البلد المغاربة، الذين حرص جلالة السلطان اليوم أن يتوحد معنا في ذات العواطف. سيقول لهم، أيضا، أن النصر لا يمنح لغير من يستحقه،، وأن عليهم استحقاق المحافظة على نتائجه. وسيقول لهم، إنه اليوم تولد المهام الأصعب (مهام البناء.) أن لا يكون السلم عاما بالعالم، فهذا أمر تعلمونه. وبغاية فرض احترام ما اتفق عليه من التزامات، ولأجل المحافظة على بيتنا العزيز في كامل وحدته وإعادة بنائه، محاطين أكثر من ذي قبل بجيران حساد وبنيات غير سليمة، فإننا في حاجة لطاقات خرافية من القوة والجهد. فإنه لا مجال لدينا للتراخي والدعة، أو حتى أستعمل التعبير الكلاسيكي، أن نرتاح على كرسي العظمة. والله وحده يعلم هل أبناء فرنسا قد استحقوا جني ثمارها. على جبهاتهم أن تبقى، إذن، حازمة، وأن تبقى أياديهم صلبة، وأن تبقى أساسا أياديهم متلاحمة.
عدد الصفحات ٩٢آه، نعم، إن الأمر مرتبط، بما يفرضه علينا الواجب، غدا، واليوم قبل ذلك، إذا أردنا أن نبقى من نحن، وأن نحافظ على ما اكتسبناه، وأن نزيل كل أسباب الخراب. أي أن نكون الأقوياء الذين يفرضون الإحترام، على صورة من يقود أمتنا، (الرئيس) ألكسندر ميللران. وأدعوكم اليوم، هنا، بكل جوارحي إلى الوحدة والإنضباط والعمل. لقد سمعتم من قبل، هذا النداء. ولم يحدث أن رأيت المجموعة الإستعمارية بالمغرب، التي خصتني الحكومة الفرنسية بثقة قيادتها، موحدة، مسنودة بحس لضمير الواجب تجاه ذاتها وتجاه من يتابعونها ويراقبونها، وبإزاء فرنسا وأيضا بإزاء الشعب المغربي. مندمجة بالكامل في ذات الروح التي توحدنا اليوم أمام هذا النصب. (انتهى) هامش: 1) بول بيرت، عالم فرنسي في الأصل، ولد سنة1833 وتوفي سنة 1886. لكن مشكلته أنه اتهم دوما بالعنصرية، كونه من الذين كانوا يؤمنون، بتفوق العنصري الأروبي على باقي الأجناس البشرية، وأن سعى إلى إثبات ذلك علميا، هو الذي اشتغل على مجال التنفس وعلى اختراع مواد التخدير الطبية. سيعين مقيما عاما لفرنسا بالفيتنام الفرنسية، أي منطقة الطوكان، سنة 1886، وهناك سيصاب بمرض الكوليرا الذي توفي بسببه، 6 أشهر بعد تعيينه من قبل الحكومة الفرنسية. أما «لانسان»فهو«جون ماري دولانسان»، من مواليد1843 وتوفي سنة 1919. كان طبيبا ورجل سياسة فرنسي من الحزب الراديكالي اليميني. ولقد سمحت له مهامه السياسية كمقيم عام لفرنسا بالهند الصينية، بين 1891 و1894، أن يعمق أبحاثه في المجال الفلسفي من زاوية علم الإجتماع والأنثروبولوجيا. قبل أن يعين وزيرا للبحر والصيد البحري بين سنوات 1899 و1902. وظل لسنوات أستاذا بكلية الطب بباريس ونائبا برلمانيا في ولايات متعددة عن الحزب الراديكالي.
عدد الصفحات ٩٣