المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مذكرات الماريشال ليوطي عن المغرب

غير معروف

صفحة ٤ من ٦

إنني سأبوح بذلك، سأراه بوجهه الصلب، يصيخ بالسمع إلى نبض هذا الشعب المغربي، القلق من المستقبل، ومن المرحلة الإنتقالية التي يجتازها، بكل مشاكلها التي تنفتح أمامه. بينما هو صبور، منصت إلى ذلك النبض، ويجوس على الجسد مثل كل طبيب يدرك فن التشخيص الدقيق للحالة. ولأنه كان ممتلكا لهذه الملكة، فقد كان أداة الربط الحاسمة والفعالة بين هذا الشعب المغربي ونحن .وأنه كان حجز الزاوية الحاسمة في سياسة الحماية بالمغرب. إن السر كامن، في ما ظل يحمله للأهالي من تقدير صادق، إلى الحد الذي يجعلك تعتقد أنه من نفس جنسهم. وكانت له المعرفة الدقيقة والحداثية والعملية حول طرق تحقيق تطور هذا الشعب. وإذا كنا نضجر من قدم وتهافت مقاربة بعض المتخصصين في دراسة الأهالي، الذين لا يدركون أن الأرض تدور، فإنهم انتهوا إلى أن يكونوا أكثر عثاقة من الأهالي، بدعوى محاولة التقرب منهم. فينتهون إلى تحنيطهم في صورة نمطية جاهزة وميتة. وآه، كم كان «بويرو»بعيدا عن هذا النوع من الباحثين. وكل من اشتغلوا إلى جانبه هنا، في مجالسنا، يتذكرون الروح التي كان يصدر عنها. وكيفية نجاحه في فتح الأراضي أمام الإستعمار، وفي نسج العلاقة بين الأهالي والأروبيين، وأن يشركهم في الشأن العام، وأن يدمجهم ضمن قيم نظامنا التعليمي. فكان يسبق بمسافات القرارات المتسرعة، من حيث أنه هو المدرك لطبيعة ذهنية الأهالي، قد كان ينجح دوما في أن يحملهم على الإندماج في لحظة الإنتقال والتعايش معها بيسر. وتكون النتيجة، أن لا أحد يتملكه منطق الشك أو الخوف أو التردد. كم ناقشته، وكم قضيت معه من الساعات، وأنا أصيخ السمع إليه، بإعجاب لشخصه ونباهته. فهو لم يكن يقبل أن لا تكون هذه البلاد التي هرقنا دمنا واستثمرنا مالنا فيها، بالنسبة لنا فضاء للتقدم إلى الأمام، وخزانا للثروات جد مخصب ومفيد لنا. في الآن نفسه، الذي لم يكن يقبل أن يستشعر هذا الشعب (المغربي)، الذي قدم الكثير من علامات الولاء

عدد الصفحات ٤٩

والإنضباط، والذي يتميز بقدرة هائلة على البدل والعمل والعطاء، أنه مستغل وغير مستفيد من تلك الثروات. الأمر هنا، أكبر من مجرد سياسة للحماية، إنها مشروع لروح سياسية واجتماعية معززة برؤية أخلاقية سامية، تلك التي تحترم حقوق الشعوب، التي نحن اليوم نرفع لواءها عبر العالم (بعد الحرب.) لقد قدم «بوريو»أعظم نماذج التضحية. فحين اندلعت الحرب (العالمية الأولى)، لم يثقل علي بأي طلب. وكان بيننا ما يشبه العهد الضمني، حيث نظراتنا تكفي لنفهم ما يدور في خلد كل واحد منا. لقد أدرك أن مكانه في الحرب هي هنا بالمغرب، وليست في مكان آخر. وكان يدرك أنه لو قال لي: «لم أعد أحتمل، علي السفر إلى هناك»، كنت سأجيبه«إذهب إذن»بالتالي فهو لم يطلب ذلك مني قط، لأنه كان موقنا أن دوره العسكري هنا. وأنا من جهتي لم ألزمه قط بشئ، لأنني كنت موقنا أن حاجتنا إليه بالمغرب حيوية. فهنا، كان ينجز مهمته كاملة. مهمته المزدوجة، لتثبيت الحالة السياسية والعسكرية بهذا البلد، ويقدم المثال لضباطه في المخابرات، أي تلك الفرقة من النخبة، التي هي الوحيدة التي أعضاؤها لم يذهبوا إلى فرنسا أثناء الحرب، لأن مهمتهم هنا بالمغرب، كانت حاسمة ومركزية وفعالة.آه، لقد أنجز مهتمه العسكرية بتفان حيثما كان، حتى النهاية. منذ شهرين، وقد بدأت تظهر عليه علامات المرض، ورغم مصاعب الطريق بمنطقة الغرب، كان يرافق الكولونيل «بيلليغران»، في مهمة حماية القبائل التابعة لنا وكذا مجالات إنتاجنا الفرنسية. ومنذ أسبوعين، حين رافقني إلى مراكش، وكنت ألمح مدى ألمه والتعب آخد منه جسديا، فإنه كان ملزما بالحضور بسبب مسؤولياته إلى جانبي لمواساة عائلات بعض الضحايا. لقد وهب نفسه لواجبه العسكري حتى آخر رمق. آه، كيف أنسى ليلة أمس الأول، وقد أنهى كل واجباته أمام ربه وأمام الله، وفي وعيه الكامل، أنه أنجز مهامه أمام رفاقه وأهله، استقبل زوجته التي

عدد الصفحات ٥٠

نحيطها بكل رعايتنا هنا، حرص على أن يكمل واجبه العسكري، رغم الهذيان الذي بدأ يشتد عليه. ولن أنسى كيف أخد بيدي، وعينه في عيني، في الثانية صباحا من ليلة أمس الأول، ولا يزال رنين صوته عالقا بأذني، كي يهمس لي، بذات ما يقلقنا عسكريا، قائلا: «سيدي الجنرال، لقد أبرقت البارحة وقمت بمكالمة اليوم، لا تجزعوا فقد قمت باللازم»نعم، لقد قام بما عليه القيام به، هذا العزيز «بوريو»، لقد قام بذلك طوال حياته. لقد قام بكل ما يتوجب عليه القيام به، حتى تلك الدقيقة الأخيرة وهو يعانق الموت، حيث كانت فكرة خدمة وطنه هي الغالبة لديه. ليرقد بسلام، في تربة إفريقيا هذه، التي كم عشقها وأحبها» الحرب انتهت في فرنسا، لكنها لا تزال شديدة بالمغرب لدار البيضاء: فاتح يناير1919 -الإحتفال بالنصر كان لزاما علي التذكير بواقع الحال، ضمن أجواء فرحة النصر (بالحرب العالمية الأولى). لأنه، إذا كانت الهدنة قد أنهت المواجهات في فرنسا، فإنها في المغرب لم تنته، ولا تزال قائمة بشكل أكثر شراسة. فجزء كبير من البلاد لا يزال يقاومنا. لكن بسبب بداية التسريحات العسكرية

عدد الصفحات ٥١

واستدعاء القوات البرية باستعجال، التي تشكل حجر الزاوية من قوتنا، وجدنا أنفسنا أمام تحدي خصاص كبير في جنودنا. بينما كان الأهالي الذين يواجهوننا، يعتبرون أن نصرنا بأروبا، ليس سوى مقدمة لتقليص تلك القوات بالمغرب. ولقد سرت شائعة، قوية، ترسخ لتلك القناعة.بينما، سجلنا في صفوفنا نحن، من جهة أخرى، تراخيا وضجرا، لأنه كل العيون أصبحت مصوبة صوب فرنسا، على أمل العودة إليها، لأن التحدي العسكري لم يعد مطروحا. كان الأمر بالنسبة للجميع، مناسبة للدعة والراحة، التي لطالما انتظروها. فكنا بذلك، نواجه واحدة من أصعب اللحظات ماديا ومعنويا، تفرض على من يتحمل مسؤولية القيادة التذكير بالوقائع وما تفرضه من واجبات. فكانت هذه الكلمة:«إننا نفرح بالنصر، لأول مرة منذ 40 سنة. هذا النصر المبهر الذي تجاوز كل التوقعات وكل الإنتظارات (1). ولقد تركنا هنا بالدارالبيضاء وأيضا بالرباط، منذ إعلان الهدنة، لحقنا في الفرح أن يعبر عن نفسه. لكن، أعتقد أنه في هذه اللحظات من السعادة الباذخة، من واجبي كقائد للحكومة، أن أنبهكم أن نهاية الحرب (هناك)، لا تعني نهاية للمشاكل وعودة سريعة إلى الحياة الطبيعية. لأن تجربة الأسابيع السبع الأخيرة، إنما أعلت من هذا اليقين.صحيح، أن العدو قد تلقى هزيمة نكراء، بفضل عمل جبار حاسم (من قبلنا)، وأننا طردناه من أراضينا، بل وحتى من مناطق أخرى. لأننا لم نحرر فقط مدن ستراسبورغ وميتز، بل دخلنا أيضا إلى ماينس وغبلنز وكولون التحالف المنتصرة، انهارت ألمانيا، ولن نوفي أبدا من أنجزوا ذلك، حقهم من العرفان، أي قواتنا، وكل من كان لهم حظ قيادتها، وفي المقدمة منهم الجنرال فوش ورئيس الجمهورية كليمنصو، وكذا كل حلفائنا.لكن، تكفي قراءة الصحف والبلاغات، لندرك أن النظام والسلام والحياة العادية، لا تتحقق بين عشية وضحاها، ومباشرة بعد الهزة الهائلة التي عاشها العالم. بل، هنا بالمغرب، فإن المشاكل التي ولدتها الحرب لا تزال قائمة .من

عدد الصفحات ٥٢

الناحية الإقتصادية، فإن أزمة النقل البحري لا تزال مكلكلة، والتي بدون حلها لا قدرة لنا على المبادرة والتحرك. خاصة، وأن حلها غير مرتبط بنا نحن فقط أو بفرنسا وحدها. إن أزمة التسريحات، التي سترجع حجم الموارد إلى الوراء بفرنسا، ستحرمنا نحن هنا من الدعم الحيوي الذي كانت توفره لنا قيم فردية، ربتنا عليها الحرب، وقدم لنا المثال عنها محليونا هنا، الذين أهتبل هذه الفرصة لأعترف لهم بعظيم دروهم.وخلاصة ذلك، هي تعاظم أزمة اليد العاملة، سواء في مجال المهام الخاصة أو في مجال الخدمات العمومية. فمن وجهة نظر عسكرية، فإن تقليص أعداد المجندين، يعتبر أول النتائج للنصر. وهذا أمر صعب تحمله أو تقبله هنا، خاصة في جبهات المواجهة. فعمليات العدو في مختلف الجهات، لم تتوقف أبدا. وفي الجبهات البعيدة، فإن المنشقين ضدنا، لا يزالون غير مصدقين أننا انتصرنا (في الحرب)، وهم لا يسجلون سوى أمر وحيد، هو تقلص أعداد قواتنا، وأنه ولا وحدة عسكرية واحدة قد عادت من فرنسا. ثم هناك الأسباب الكامنة للمقاومة، التي ظلت قائمة منذ ما قبل الحرب عند تلك المجموعات. أي نزوعهم الطبيعي نحو الإستقلال والتطرف وروح المقاومة ضد النظام والتنظيم. لهذا السبب، فإن الجهد العسكري هنا بالمغرب، لا يجب أن يلين أبدا، ولو للحظة.لقد نبهت الحكومة إلى هذه الوضعية. وأنا متأكد أنها ستمنحنا في القريب العاجل المتطلبات العاجلة لمواجهة الأمر بأخف الأضرار . وفي انتظار ذلك، وفي انتظار عودة قواتنا، علينا للثبات في مواقعنا، أن نجتاز هذه المرحلة الإنتقالية الدقيقة بسلام.إن واجبي يفرض علي أن أستعرض أمامكم هذه الوضعية، تأسيسا على الثقة التي ربطتنا دوما. لأنني لم أكن في حاجة أبدا لوحدتكم ودعمكم، مثلما أنا في حاجة إليه الآن. ولأننا في لحظة دقيقة، من واجبي أن أنوركم حول هذه التحديات. وهذا سيجعلني أطالبكم بالمزيد من الجهد، أكثر من الذي ظللت أطلبه منكم منذ أربع سنوات. وأريد أن تكون كلماتي التي أوجهها لكم هنا، هي الضمانة على

عدد الصفحات ٥٣

الثقة والإمتنانثقة وامتنان تجاهكم، أنتم أيها السادة الموظفون، الذين أعلم قيمة ما تبدلونه من جهد، في نكران للذات. وكم أصبحت مسؤولياتكم ثقيلة منذ أربع سنوات. لأنكم كنتم مطالبين بإنجاز مهام أكثر وأكبر، بعدد محدود. مثلا، من السهل أن نغتاب السيد «لوبورو»، لكن حين نطلع (مثلما فعلت دوما) على حجم ما ظل يقوم به، في ظروف صعبة وبدون اعتراف بالجميل، وفي قلب انتقادات متلاحقة، التي تجهل تماما تعقد ما يواجهه من مشاكل، فإننا لا يمكن إلا أن ننحني أمام الوطنية التي كانت تحركه، مثله مثل كبار مسؤولي المصالح المختلفة، الذين ظلوا يبدلون العطاء، مدعومين بمساعديهم الذين كانوا في معركة مفتوحة لجني النتائج المرجوة.ثقة وامتنان إزاء قواتنا. آه، لن نوفيها أبدا حقها. ولن أتعب من تكرار، ما كانته هذه السنوات الأربع عليها من فاتورة، في جبهات صعبة ومجهولة وشرسة، حيث واجهوا كل أنواع الطقس، وتعرضوا لهجومات من كل نوع، وشكلوا رغم ذلك حائطا لحماية كل ما حققناه من مكتسبات. ولم يتلقوا لا اعترافا ولا تشجيعا ولا تعويضا للراحة، كما ظل الكثير من أخوتهم يخصون بها إخوتهم في فرنسا. وبالنسبة لهم، فالمهمة لا تزال متواصلة، ثقيلة أكثر على ذات أكتافهم، بينما في أروبا، اليوم، يحصد رفاقهم ثمار النصر. وسيعود، من حسن الحظ، قريبا بعض منهم لتعزيز صفوفهم، والتخفيف عنهم. ولست أشك أبدا أن وطننا سينصف هذا الجهد الخرافي، الذي عمل على حماية هذا الجزء من مجالنا الإستعماري الخاص بفرنسا.(يتبع)هامش:(1) يحيل هنا ليوطي، على ذكرى الهزيمة الفرنسية أمام ألمانيا سنة 1870، والتي كانت السبب في توحد كل أقاليم ألمانيا وميلاد الرايخ الألماني، حتى وفرنسا هي من بادرت إلى إعلان الحرب عليها يوم 19 يوليوز1870. لكنها ستنهزم هزيمة مذلة يوم28 يناير1871، وفقدت في تلك الحرب إقليمها الإستراتيجي بقلب أروبا «الألزاس لورين».

عدد الصفحات ٥٤

: تدشين أول كلمتر من رصيف ميناء الدارالبيضاء سنة 1919 الدار البيضاء: فاتح يناير1919 (تتمة) ثقة وامتنان تجاه المواطنين المدنيين الفرنسيين، الذين ساعدونا جميعنا، خلال السنوات الأربع الأخيرة. بل، كانت داعمة لي، وهي مدركة لواجبها الوطني الكبير، ومدركة أيضا لواجباتها بإزاء ما وفرته لها الحكومة من رعاية مما مكنها من تحقيق أرباح كثيرة. والثقة المتبادلة تلك، أطلب منهم أن يواصلوا في ترسيخ أسبابها. إن تهدئة المغرب، التي هي الضمانة لتحقيق الأمن هنا، قد طالها بعض التراخي بسبب النصر في الحرب، وبسبب الإطمئنان لوحدة الصف. لكن، ليكونوا متيقنين أن حماية مصالحهم هي وكدنا الأكبر، وأنها عصب عملنا كله. إذ يكفيهم الإطلالة على ما تبدله إدارتنا من جهد خرافي للتأكد من حرصنا على تلبية حاجياتهم وتحقيق رضاهم، وكي نوفر لهم كل أسباب الإنتاجية، التي تجعلكم أبناء بلدي تستفيدون من ثمارها. ثقة وامتنان، أخيرا، تجاه الشعب المغربي. آه، علينا أن لا ننسى أبدا الدعم الوفي الذي خصصه لنا. لأنه ما أن وضعنا أقدامنا في هذه البلاد الواعدة، حتى اندلعت الحرب. كانت تمة توجسات طبيعيا. وما زلت أذكر التحوط الذي قابلت به الحكومة الفرنسية إرسال قناصة مغاربة ( إلى فرنسا )، وهم غير متأكدين من إمكانية التعويل عليهم (في الحرب). لكن ما فعلوه بجبهات أروبا، لست في حاجة إلى إعادة تذكيركم به. فالتاريخ وحده من سينصفهم. دون إغفال أن وفاءهم هنا، هو الضمانة الكبرى لقوتنا وأمننا. مثلما أن عمالهم، قد برزوا بحنكة في كل معاملنا الحربية. مثلما أن فلاحيهم، قد انخرطوا بقوة في مضاعفة الإنتاجية، من أجل نقل محاصيلها إلى بلادنا التي استفادت منها كثيرا.

عدد الصفحات ٥٥

إن موقفهم ذاك، أثناء الحرب، لا يمكننا أبدا نكرانه أو تناسيه. وعلينا أن نبرهن عن ذلك، من خلال واجب الإحترام لهم، لقوانينهم، لتقاليدهم، وكل ما يشكل هوية وروح هذا الشعب. لأنه سيكون من التناقض، في اللحظة التي كانت فيها لحقوق الشعوب المكانة المتقدمة ضمن معركتنا وواحدة من شروط نصرنا، أن ننكر ذلك على من غرسنا رايتنا بينهم، والذين، علينا على العكس من ذلك، أن نقدم من خلالهم المثال الحي على تحقق نظام للعدالة والشراكة الحرة، التي نطمح إلى تعميمها على العالم. والأن، وبعد أن قمت معكم بجولة على أهم النقط التي تفرضها علي مسؤولياتي كقائد للحكومة، في أفق تمثل مخرجات هذه السنة. فاسمحوا لي، أن أنزاح قليلا، عن ثقل مهامي هذه، وأن أشترك معكم في فرحة رأس السنة الجديد. فلنوحد قلوبنا وأرواحنا وأفكارنا، من خلال توجيه العرفان والإمتنان لكل البيوت التي طالها الأسى بدون تمييز. وأيضا إلى قتلانا، إلى أمواتنا الأبطال، ولنرفع نخبنا لفرنسا. فرنسا الأبدية والمنتصرة. الدار البيضاء: 15 يوليوز1919 بعد فاتح يناير، كان علي التوجه إلى أقصى الجنوب، حيث كان الجنرال «بويميرو»قد أصيب بجرح بليغ، يوم15 يناير، بضواحي تافيلالت فتحملت هناك، لأسابيع، مهام القيادة العسكرية المباشرة. ذلك أنه بسبب رحيل الوحدات التي تم تسريحها، والتي عوضتها بشكل بطئ الوحدات العائدة من فرنسا وبأعداد أقل بكثير، فإن الوضعية كانت جد مقلقة. فلقد تجددت هجومات من يقاوموننا بشراسة أكبر، خاصة في أعالي كل حوض ملوية. لقد تم تدمير ثمان من مواقعنا واحتلالها، وكان لا بد من حملة عسكرية شاملة، حتى نستعيدها واحدة بعد الأخرى. يضاف إلى ذلك، أنه بسبب تبعات الحنق العام الناتج عن تخفيف الإجراءات القمعية، التي كانت معتمدة طيلة أيام الحرب (العالمية الأولى)، والتي أدت إلى تسيب في الكثير من الوحدات، فإن هجوم الصحافة كان لاذعا. فكان لزاما مواجهة كل أنواع تلك المقاومات بصرامة وإعادة الثقة والنظام. ذلك، تطلب مني تنقلا متواصلا هنا وهناك، بين مختلف جبهات القتال وكذا جبهات أخرى مختلفة، تبرز بشكل فجائي غير منتظر.

عدد الصفحات ٥٦

بالتالي، فقد تواصلت أعمالنا رغم كل الظروف. هكذا، ففي شهر يوليوز، تم تدشين الرصيف الكبير لميناء الدار البيضاء، الذي تواصلت فيه الأشغال ببطء، نعم، لكن بإصرار، بسبب الظروف التي كنا نواجهها أثناء الحرب. وبلغ الألف مترا، بفضل حيوية وصلابة من يعود له الفضل في تحقيق ذلك الإنجاز، السيد «دولير»المدير العام للأشغال العمومية، الذي توفي مؤخرا وهو يزاول مهام المفتش العام للقناطر والطرق. فألقيت في يوم ذلك التدشين الكلمة التالية: «أيها السادة، إن ما جئت أبحث عنه هنا، ليس خطبا، بل منجزات. لأن الخطيب المفوه هنا، في هذا الجمع، هو «الكتلة»التي ستنهي الألف متر للرصيف. وحتى نقيم جيدا أهميتها، لنذكر فقط، أنه في يوم 1 غشت1914، كان الرصيف لا يتجاوز 350 مترا في أصله. هكذا، فخلال خمس سنوات من الحرب، حيث كل شئ كان ضد العمل السلمي التنموي، تم إنجاز 650 مترا جديدة من الرصيف بالميناء .والتي أضيف إليها، حتى نكون دقيقين، بناء مجال مغطى منته منذ 1915، ثم الميناء الصغير (للصيد البحري المنتهي سنة 1918، ثم تسوية أراض عدة وأحواض ومختلف المصالح الموازية. إن هذا العمل، لهو من المنجزات التي تحسب لشركة «كروزو»، التي رغم الأشغال الكبرى للحرب، من صناعة للمدفعية والقنابل والذخيرة ومختلف الآليات، قد نجحت في إنجاز هذا المشروع المدني للسلم، مما رسخ ذكاء وعيها الوطني وتقثها الكبرى في المغرب. فكل تقديرنا، إذن يذهب صوب مؤسسة «شنايدر»وأطرها الحاليون أو السابقون،، وبخاصة إلى من اسمه حاضر في كل القلوب السيد «بول شاي»1 ). إن عرفاننا، يذهب أيضا صوب كل عمالكم وأطركم، الذين انخرطوا بكل قواهم في العمل لإنجاز هذا المشروع. فهم قد أدركوا أن الأمر لا يتعلق بمشروع للكماليات،، بل بعصب الحياة الإقتصادية للمغرب. وأنهم بضمان تنميته، إنما يقدمون خدمة جليلة، لباقي إخوتهم من مختلف المهن به. وأحيي الشركة على انفتاحها على موظفيها، وتحقيقها لمطلب تحسين أوضاعهم المالية والإجتماعية. إن امتناني يذهب أيضا، إلى الرأي العام البيضاوي، الذي دعمنا منذ البداية

عدد الصفحات ٥٧

بقوة، من أجل إنجاز هذا الميناء، والذي تبدى من خلال إنشاء غرفة التجارة، التي ترأسها بحنكة رئيسها الحيوي السيد «غيرنيي». وإن امتنانا الكامل، يذهب، أخيرا، إلى من هندس مشروع الميناء كله، ودافع عنه بصلابة السيد «دولير». (يتبع) هامش: 1) هي واحدة من أقوى المجموعات الصناعية الفرنسية، التي تأسست سنة 1836. تخصصت في البداية في مجال الصناعات الحديدية، ثم في مجال صناعة مختلف أنواع الأسلحة. قبل أن تصبح بعد الحرب العالمية الثانية متخصصة في صناعة السفن والصناعات الكهربائية وقاطرات القطارات، ابتداء من سنة 9481. ولقد تم تأسيس مؤسسة صناعية فرعية لها بالمغرب، ابتداء من سنة 1902، تحت إسم«الشركة المغربية»، وهي أول من لعب دورا محوريا في شق السكك الحديدية بالمغرب في بداية القرن 20، وكذا في توسعة وتجهيز ميناء الدار البيضاء وميناء القنيطرة ولقد ولجت «الشركة المغربية»التي ترأسها في مرحلة من المراحل «يوجين شنيدر الثاني»إلى بورصة باريس سنة1920 . ما قيمة ميناء الدارالبيضاء بدون سكة حديد وكهرباء؟ الدارالبيضاء: 15 يوليوز1919 (تتمة) إن اليوم، مناسب للتذكير ببعض التاريخ. حين وصلت إلى المغرب سنة 1912، كنت غير متحمس كثيرا لإمكانية إنشاء ميناء بالدارالبيضاء. فقد بقيت سجين موقف غير متحمس منذ إنزال 1908. بينما كانت الجهات المعنية بباريس رافضة للفكرة. كنت أستحضر تجارب أخرى سابقة، لنا، في مستعمرات أخرى، حيث انغمسنا في إنشاء

عدد الصفحات ٥٨

مشاريع موانئ، لم تنجح، وصعب علينا التخلص من شرنقتها وتبعاتها. فكنت حريصا على أن لا أقع في نفس الخطأ. ورغم كل هذا التهيب، اقتنعت بسرعة، أنها هنا يجب إنشاء الميناء، حتى وإن كنت متهيبا من توفر الإمكانيات لتحقيقه. لكنه السيد «دولير»، الذي أقنعني، بعد أسابيع من الدراسات. لقد قال لي: «أنا متأكد أنه سيتم إنجاز هذا الميناء في أحسن الظروف. فقد أشرفت على من هو أصعب وأخطر منه بكثير». هذا لم يمنع، شهورا بعد ذلك، بعض الجهات ذات الحجية المجربة، من التشكيك في فائدة ذلك المشروع، مقدمين دفوعات تقنية جد مفحمة، ما جعلني (وعلي الإعتراف بذلك)، أنساق أكثر لقرار وقف إنجازه وإلغائه. ومرة أخرى كان تدخل السيد «دولير»من أعادني لركوب المغامرة، بعد أن بدد كل أسباب شكي. فليس هناك شخص تدين له الدارالبيضاء بميناءها غيره، وعليها أن تظل ممنونة له إلى الأبد. سيكون غاضبا مني، أنني لم أذكر بدور مساعديه الأقربين. وإذا كان صعبا ذكر أسمائهم جميعا، فإنني سأتوقف عند المهندس فرانسوا، الذي انخرط بكامل جوارحه، في هذه المغامرة، منذ البداية. ثم المهندس الرئيس السيد ديلبي، المتخصص بكل متعلقات الميناء، والذي انخرط بكل جوارحه في إنجازه هو الآخر. هناك، إسم، لا بد أنكم ستؤاخدونني إذا لم أشر إليه، وهو السيد إدوارد بيللي. ذلك، أنه رغم عدم تحمله مسؤولية مباشرة في ملف الميناء، فإنه قد كان على صلة وثيقة بكل ما يرتبط بمجال الأشغال العمومية بالمغرب. والواجب يفرض علينا استحضار ذكراه. إذ، كلكم تذكرون الظروف التي غادرنا فيها، مكرها، بعد أن استدعاه السيد تارديو، مكلفا بتتبع وإنهاء التعاون مع أمريكا. وفي تلك المهمة العظيمة، ذات الإرتباط الوثيق بمصلحة أمتنا وتحقيق النصر (في الحرب العالمية الأولى)، فإن السيد بيللي قد أبان عن حنكة عالية. ذلك، أن كفاءته المهنية، وحسه العملي كرجل صناعة، قد تضاعفا مع المشاريع التي دخلها ذات الأفق الشاسع. لقد أرسل لي من مدينة نيويورك رسالة ذاتى نفحة بيداغوجية. لقد أدمجني معه في نمط الحياة الذي انخرطت فيه تلك البلاد ومشاريعها. ورغم تحوطه من السقوط في الأحكام المتسرعة، ومن الرغبة في تقليد ما لا يقلد، فإنه كان مبهورا بحجم قوة الإنتاجية هناك، وبتبعية الوسائل للهدف،

عدد الصفحات ٥٩

ثم الرؤية الموسعة للملفات. لقد كتب، مثلا، يقول«إننا حيث نقيس ب 100 كلمتر، هم يقيسون ب1000 كلمتر. وحيث نحسب بأفق10 سنوات، هم يحسبون بأفق سنتين. وذلك لأنهم غير غارقين في الصيغ العتيقة أو القوالب الجاهزة أو في بيروقراطية الإدارة التجزيئية، المعقدة والبالية». لقد وعدني بزيارة قريبة لنا. وأنا أنتظره حتى يساعدنا في إيجاد الصيغ التجديدية المستندة على طرائق جديدة. لقد وعدني بتخصيص أسبوعين للمغرب، ولقد توصلت منه بتلغراف يؤكد وصوله يوم فاتح غشت، في ذات يوم وصول خبر وفاته العبثية بسبب حادثة حصان. إنها خسارة كبيرة لفرنسا التي كان واحدا أن أوفى خدامها. وهي خسارة كبيرة أيضا للمغرب. لكننا سنظل نستمد الطاقة من الأثر الذي خلفه فينا. علينا أن لا نتوهم، أن الرصيف الجديد يمثله لذاته منجزا. بل إن قيمته كامنة في شكل توظيفه. حقا، هو منجز معنوي هام، إزاء من ظلوا يشككون في إمكانية إنجاز ميناء بالدارالبيضاء، لكن قيمته كامنة في ما سيلي إنجازه. فهو لا يمنحنا ميناء. فالميناء لا يزال مشروعا مفتوحا، يتحدانا، أمام محيط لا يزال حرا، يستوجب إنجاز ذراعين مزدوجين للأرصفة، بما يستتبعه ذلك من واجب إنجاز الأحواض وردم البحر لخلق مساحات أرضية جديدة وآليات الإشتغال. بل، ليس ذلك فقط. فالميناء ليس سوى بابا مفتوحة، لا قيمة لها سوى بما يلج عبرها دخولا وخروجا، وأن يكون منفذا لتصدير المواد المحلية واستيراد الأجنبية. والحال أن تلك المنافذ لا نملك منها سوى البدايات. صحيح أنه قد أصبحت لنا شبكة واعدة من الطرق، لكنها تحتاج إلى تطوير. ولنا خط سكة حديد عسكرية، الذي بفضل العمل الذكي للسيد بورسو، قد وهبنا نتائج اقتصادية غير متوقعة، وهي ليست، رغم كل ذلك، سوى قطرة ماء. ونحن لا نمتلك بعد خطوطا عادية للسكك الحديدة، لأن الإتفاقيات الدولية تنمعنا من إنجازها. مثلما أننا لا نتوفر بعد على شبكة الطرامواي ولا على محطات الكهرباء. والآليات الفلاحية بالكاد بدأت تظهر. بالتالي، فإن المنجز المنتظر، هو من الضخامة الهائلة. لقد قلت لكم، إن خطيب اليوم، هو هذه الكتلة التي ندشن. وأكاد أسمعها تقول لنا: «نعم، أنا كتلة من ألف متر، وأفخر بذلك أكيد. لكنني لا أتوهم

عدد الصفحات ٦٠

كثيرا، فلست سوى قطعة كتلة بئيسة. لا قيمة لي سوى بتعزيزي بآلاف الكتل الأخرى .وذلك لن يكون مفيدا سوى بإنجاز آلاف الكلمترات من السكة الحديدة وآلاف البواخر وآلاف الكيلواط من الكهرباء». لقد صدقت هذه الكتلة في ما تقول. لنصخ السمع إليها. فميناؤنا لوحده لن يكون سوى بابا مفتوحة على منزل بدون ممرات، وعلى حيطان بدون مداخل. إن هذا اليوم، لا قيمة له بالنسبة لنا، سوى إذا كان محفزا يجعلنا نخرج مقتنعين أن عملنا لابد أن يكون منتجا، ومنجزاتنا سريعة الأثر، ومبادراتنا فعالة. إني أعول عليكم جميعكم، مصالح ومؤسسات وغرف تجارية ورأي عام، لمساعدتي للسير على هذا النهج، وأن نقوم بالمعارك الحقيقية، وأن نتجاوز القلاع الفاسدة التي نجدها عادة مبتوثة بيننا وبين منجزاتنا. لولا جنود المغرب والجزائر وتونس والسينغال لما انتصرنا في الحرب الدار البيضاء: 29 يوليوز1919 كان الرايات الأربعة عشر للجسم العسكري للإستعمار (بالمغرب)، كانت قد أرسلت إلى باريس، مرفوقة بوحدات عسكرية، تحت قيادة الجنرال «بويميرو»، للمشاركة في الإستعراض بقوس النصر يوم14 يوليوز وحين عودتهم إلى الدار البيضاء، تم استقبالهم من قبلي كمقيم عام، مرفوقا بالإبن البكر للسلطان مولاي يوسف، قبل أن يتم تقديمهم أمام جلالته.

عدد الصفحات ٦١

نظم، في المساء، حفل شراب على شرف الضباط وضباط الصف، العائدين من فرنسا، وعلى شرف الحامية العسكرية بالدارالبيضاء. وكان مفروضا أن لا تلقى أية كلمة. لكن الجنرال «بويميرو»ألح على إلقاء كلمة تقريضية في حقي، بصفتي القائد العام للقوات، فكان لزاما علي الرد عليها، بهذه الكلمة: «لم أكن أنوي أبدا أن ألقي خطابا اليوم، لكنكم جميعكم تتفقون علي أنه سيكون من قلة العفة، أن لا أرد على الكلمة الطيبة والحارة التي ألقاها الجنرال «بويميرو»وسأنوب عنكم في أن أعترف له أنه الرجل الذي كان أكثر أهلية لتمثيل جيش المغرب، متقدما هذه الرايات الباسقات. وعليه ينطبق تماما لقب، لم يوظف في التاريخ كما يجب دائما، وهو يليق به، إنه لقب «بويميرو المحبوب»لكن أكثر من ذلك، هو أيضا بويميرو الراعي، ذاك الذي ينال من رجاله كل المنتظر منهم، لأنه يحبهم وهم يبادلونه ذات الحب. لقد تواصلنا جميعنا اليوم في هذا اليوم العظيم لعيد النصر. وهذا القوس للنجمة، الذي ابتكره نابليون خصيصا للقوات العائدة منتصرة. لكنه هو قد وضع فقط أساسها القيمي والرمزي، لكن مكر التاريخ لم يسمح أبدا حتى الآن، ل «باب المحاربين»هذه أن تستحق كامل معناها، سوى اليوم. فبعد 110 من السنوات، أنتم أول من عبر تلك البوابة. ولقد عشتم هذه الفصول الأخيرة من الحرب، بفضل ما قدمتموه خلال خمس سنوات من تضحيات كتبت ورقة وراء ورقة في كتاب التاريخ، معمدة بالدم. ولقد حرص «بويميرو»على أن يتذكر ويذكرنا معه، من لم يشاركوا فيها، حتى وهم يستحقون ذلك. بالتالي، هم جزء فعلي في ذات النصر، لأن معركتهم لا تزال متواصلة. وأقصد جنودنا الذين هم الآن في روسيا، يواجهون لحظات صعبة من القلق والخطر. والآخرون بالبويم (بتشيكوسلوفاكيا) بقيادة الجنرال «بيلي»، الذي هو وحد منا1 .) والآخرون ببولونيا تحت قيادة الجنرال«هنريس»، الذي هو واحد منا أيضا (2). وأولئك الآخرون على جبهة الشرق مع«إسبيري»، الذي هو واحد منا أيضا (3). ثم أولئك الذي بقوا مع جيش رومانيا البطل، والذين قد يواجهون غدا الجيش الهنغاري. وأخيرا، أولئك الذين هم في الجبهة المغربية، في هذه اللحظات، بتازة وأوريغة وتادلة، وفي كل الجبهات

عدد الصفحات ٦٢

الأخرى، حيث يقفون متراسا من أجلنا ويتلقون يوميا هجومات مسلحة. إن تفكيري يذهب صوب أولئك الذين منذ 40 سنة، بل أكثر من ذلك منذ 80 سنة، إذا أضفنا ما تم إنجازه بالجزائر، وهم يعلون حجرة وراء حجرة، بنيان إمبراطوريتنا الإستعمارية لفرنسا. اسمحوا لي، هنا، أن أهتبل هذه المناسبة للتركيز على نقطة معينة في التريخ، كثيرا ما تم التغاضي عنها وعدم الإنتباه إليها. إنها مغامرة الإستعمار هنا، التي لم تتلقى دعما، ولم تستهلك طاقات بلدنا الأم ولا أساءت للمجهودات الحيوية لدفاعنا الوطني. لانه تقريبا، باستقلالية (مالية) عن وطننا، أنجزنا هنا مهمة الدفاع بشرف وحنكة، بفضل مجهودات معمرينا الكبار، حتى وهبنا لبلدنا هذا المجال البهي والغني لماوراء البحار. وحتى ندرك اليوم، أهمية وفائدة ذلك، لنذكر ببعض الوقائع. هل علي التذكير بالوضعية الكارثية التي كنا عليها سنة 1914، مع بداية الحرب، حيث كنا نعاني من خصاص في الرجال، أمام قوة الثنائي النمساوي الألماني؟. لقد كنا عزلا لوحدنا. فإنجلترا لم تكن تتوفر سوى على عدد محدود من الرجال، وإيطاليا كانت تكتفي بالتفرج، ولم يكن واردا في البال أبدا شئ عن أمريكا. هل كنا سننجح في المقاومة بدون القناصة الجزائريين والتونسيين والسينغاليين والمغاربة، الذين كانت بواخرنا تحملهم يوميا إلى موانئنا، وهم جاهزون ومدربون، ومنها ينقلون مباشرة إلى أماكن المواجهة. ثم جاء بعدهم المدغشقريون والهندو صينيون. وظل توافدهم متواصلا طيلة الخمس سنوات الماضية، بدون كلل. فقد ظل التجنيد يزودنا بكثافة كل يوم بوحدات جديدة، تضحي بأرواحها بدون تردد، وبفعالية، حماية لأرواح فرنسية عدة، في مواجهات حاسمة. ليس هذا فقط. فإذا كان مشكل التموين للإستهلاك قد حل، والذي كان مؤرقا في بعض الأحيان أكثر من مشكل وفرة الرجال، فالفضل يعود إلى ما كنا نرسله من أطنان من القمح ومن المواد الفلاحية، التي كنا نرسلها من مستعمراتنا، والتي تقدم إحصائياتها اليوم الدليل القاطع على الدعم الجلي والمبهر الذي قدمته تلك المستعمرات لفرنسا. وكل هذا هذا أصبح ممكنا، بفضل ما قدمته أجيال من الضباط والجنود، المضحية خلال نصف قرن، في نكران هائل للذات. فلأن أجيالا قد

عدد الصفحات ٦٣

واجهت صعوبة الحياة هنا، في صمت وبدون مجد ولا حتى اعتراف، وفي باقي البلدان من الحدود مع الصين حتى ثخوم الصحراء (الإفريقية.) ولم تقدم تلك المستعمرات لبلدنا فقط الرجال والمواد الغدائية، بل أيضا قيما داعمة من النوع السامي. آه، كم تم التغاضي عن أسطورة جنرالاتنا وجنودنا بافريقيا، الذمتين، الذين هزموا في حرب السبعين (3). وأعتقد أنه قد تم إنصافهم. ويكفي هنا التذكير بأسماء الجنرالات: غورو، إسبيري، موجان، هنريس، برولار، دوغوث، الذين جعلت منهم الحرب أبطالا، وأعظمهم الجنرال غالييني .هل علي التذكير، بخصوص وحداتنا، بالدور الذي لعبته في بداية الحرب، هي المدربة جيدا، الصلبة، المتعايشة مع ظروف الحياة القاسية للبوادي، والتي شكلت النواة الصلبة لجيشنا الوطني، الحريصة والبطلة، الممتلئة بروح وطنية، الشابة والحديثة العهد مع صعوبة المعارك؟. ويا له من توجيه ودعم ذلك الذي خصها به أطرنا من الضباط وضباط الصف، المجربون، الذين يدركون كل تحديات المخاطر والمسؤوليات. وراياتكم، بصلبانها، هي هنا للإعتراف لهم بذلك. (يتبع) هامش: يقصد ليوطي هنا أن الجنرال موريس سيزار بيلي، قد عمل إلى جانبه سنة 1913 بالمغرب، حيث أسس وقاد«القوات المساعدة المغربية»ولد سنة 1863، وتوفي سنة1924 . هو الجنرال بول هنريس، الذي عمل بالسودان أولا، ثم بالجزائر لاحقاإلى جانب الجنرال ليوطي، قبل أن يلتحق به في المغرب، من سنة 1912 إلى سنة 1916، حيث سمح ليوطي بالإلتحاق بقيادة الجيش الفرنسي بباريس للمشاركة في الحرب العالمية الأولى. ولد سنة 1862 وتوفي سنة1943 . هو الجنرال لوي فيلليكس إسبيري، الذي كان قائد قوات التدخل الإستعمارية الفرنسية بالمغرب بين 14 غشت1912 و20 نونبر1913 . من مواليد1856 وتوفي سنة1942 . في إحالة هنا، إلى هزيمة ألمانيا المذلة أمام ألمانيا سنة1870 .

عدد الصفحات ٦٤