أن الجميع يشارك في السلطة، فهي في حاجة، أكثر من أي نظام سياسي آخر، أن يكون الرأي العام منخرطا. وحين نخاطبه بالخطاب الواجب للحقيقة، فإنه يتفهم الأمور أفضل. إن من أفضع الأمور، هنا، هو تصور أننا حين نكون في حال مع الذئاب وفي حال آخر مع الخرفان، سنغري الرأي العام وسنرضيه وسيجعلنا شعبيين لديه. علينا أن نعلم، أن من يبقى في السلطة وهمهم هو شعبيتهم، لا يستحقون القيادة. إن ما يجب دوما الإنصات إليه، هو ضميره، وواجبه إزاء بلده، وإزاء نمائه وتقدمه، بدون انتظار التصفيق من أحد. لهذا أخاطبكم بهذه اللغة، حتى تنقلوا ما أقوله للجميع. وأنا في ذلك متصالح مع واجبي الذي تفرضه علي سني، ومهمتي والأدوار التي قمت بها والتي لا أزال أقوم بها الآن، تأسيسا على المعرفة الشاملة بالأوضاع، التي تهبها لي هذه المهمة. (يتبع) هامش: -1هو جبل بومحيرز، شمال مدينة تازة، في الطريق إلى منطقة جرسيف ويقع في منطقة حيوية لفتح الطريق مع وجدة والجزائر. -2هو عميد المعمرين الفرنسيين بالرباط، موظف ب«الشركة العامة المغربية». لماذا نحن الفرنسيون ننتقد ونتفه كل شيء؟ الرباط: 14 يوليوز1918 (تتمة) كنت، منذ أيام، بالجبهة شمال فاس، ولمست مدى حيوية المساعدين العسكريين القادمين من فرنسا (1)، بذات الروح التي حكيت لكم عنها توجهت، بعدها، لمقابلة المساعدين العسكريين المقيمين بالمغرب، فقام هؤلاء، الذين أعرف أغلبهم، بالحرص على الإنفراد بي، كل لوحده، كي
عدد الصفحات ٣٣يقولوا لي ذات العبارة: «كان مفروضا أن أحصل منذ شهر على رخصة عطلة، وأنا أمتلك ضيعة فلاحية لن أجني منها سوى نصف الأرباح التي كنت أجنيها منها حين كنت أشرف عليها بنفسي مباشرة»لم أكن أسمع منهم غير مثل هذه الشكوى. فكان أن جمعتهم كلهم، وألقيت فيهم كلمة غاضبة، قلت لهم: «ألم يترك، جيرانكم وزملاؤكم، من المساعدين العسكريين القادمين من فرنسا، هناك هم أيضا ضيعاتهم الفلاحية وأعمالهم، وحدائق عليهم رعايتها وتشديبها؟.»ثم عدت ساعات بعد ذلك، حيث قلت لهم بلغة أخف: «لقد فهمتم قصدي في ما أتصور؟»وفعلا كلهم فهموا غاياتي، وعادت لهم الإبتسامة. وكلهم أجابوني: «كنتم على حق تماما في تنبيهنا وهزنا بذلك الشكل. كنا على خطأ. وكنت محقا في انتقادنا، ولن يتكرر ذلك». هناك أمر آخر، أود أن أنبهكم إليه، إنها الإصرار على تخصيب النقد المسبق ضد مصالحنا الإدارية، المتهمة دوما عن ظلم، بينما أنا شاهد على مدى الجهد الجبار الذي تبدله لتنفيذ الأوامر كلما صدرت إليها. صحيح أن هذه رياضة وطنية عندنا في فرنسا، وهذا سبب كاف كي أناشدكم أنتم أبناء فرنسا الجديدة، أن تقفوا ضد هذا التقليد العام عندنا. إنني عندما، جلت العالم منذ 25 سنة، قدم لي خبير مجرب في وضعيات مماثلة نصيحة بليغة، حيث قال: «حين تلتقي إنجليزيين تجدهما قد أسسا تجمع شركات .وحين تلتقي ألمانيين، تجدهما قد أسسا ناديا. وحين تلتقي فرنسيين، ستجدهما يتدافعان ويتهم واحدهما الآخر»للأسف، تلك حقيقة صادفتها مرارا، أينما قادتني الأقدار. لأحكي لكم هنا، تجربة منجز فرنسي عشته باعتزاز. كان إنجليزي قد قال لي عنه: «هنا، حيث إنه كما لو أننا في وطننا، لم يكن واردا لنا أبدا أن نقوم بحجم ما أنجزتموه. وهي تجربة لا يمكن إلا أن نتخذها مثالا لنا. وأنا سعيد أن أشهد لكم بذلك من موقعي كإنجليزي»بعدها بلحظات كنت مدعوا للغداء عند مواطن فرنسي. كنت منتشيا، وعبرت له عن إغتباطي بما شاهدته من منجز فرنسي. فكان أن رد علي بسرعة وبشكل جاف: «كل ذلك لاشئ، إنه مجرد واجهة للتزيين، لا شئ صلب. آه، لو كنت أنا من كلفت بإنجاز ذلك»وتصوروا أنه كان بيننا أجانب يستمعون إلى ذلك. لقد علتني حمرة خجل. إنها حالات كثيرا ما أواجه مثلها هنا كثيرا. وما كنت لأتوقف عندها، لولا
عدد الصفحات ٣٤أنها سبب مثبط للعزائم والقوى، ولولا أثرها السلبي على الأهالي المغاربة وعلى الأجانب الذين يستمعون لأمور مماثلة. وأيضا لولا، الإحباط الذي يبعثه ذلك في كل مسؤول قائد بإدارتنا. حين نوقن، أنه مهما فعلنا ومهما كانت أهمية ما ننجزه ونقوم به، فإن سيف النقد هنا لتتفيه ذلك. حينها لا نستطيع، إنسانيا وطبيعيا، التخلص من الإحساس باليأس. لقد قال لي مؤخرا، إنجليزيون وأمريكيون، بالحرف: «جديا، ليس لنا ما نقوله حول حجم ما تم إنجازه هنا، في وقت قياسي»ولم أستطع أن أمنع نفسي من أن أجيبهم: «اذهبوا وأقنعوا أبناء بلدي بذلك. لأنه مع الإستماع لبعضهم وقراءة بعضهم، فنحن نتوفر هنا على أسوأ إدارة وأبطئها. مما يعني أننا لم نقم بأي شئ»لكنهم يردون علي قائلين«لكن، مهما كان، كيف يمكن نكران 1500 كلمترا من الطرق المعبدة المنجزة خلال أربع سنوات. والموانئ في قمة أشغالها وتوسعتها رغم ظروف الحرب. والضيعات والتعاونيات الفلاحية قد خرجت من العدم». إنني موقن، أنه الرأي الخاص لكل واحد منكم. فقط، حين نلتقي ونجتمع (نحن كفرنسيين) نشحد السكاكين، واسمحوا على هذا التعابير، فإن رياضتنا الوطنية تتغلب. وهذا ما يجعل مهمتنا صعبة بل متعبة فعلا. لأن رؤساء المصالح، مثلي، هم في حاجة في مهامنا الثقيلة، إلى الدعم الذي يجعلنا نستشعر أننا مسنودون نفسيا وماديا. إن التحديات كبيرة أمامنا، وعلى الجميع أن يضع يده في المعمعة. ها أنا قد أفرغت عليكم قلبي. والأمر لا يتعلق بشخصي فمهامي تفرض علي أن أكون فوق كل شكوى. بل إن الأمر يتعلق بمساعدي وبقواتنا، الذين علينا أن نخصهم بدعمنا مهما كانت الظروف وفي كل الحالات. ليس فقط من أجل أن يواصلون ذات العطاء بسخاء وقوة، بل لكي يقوموا بذلك بإحساس بالإنصاف، حين يستشعرون أنهم مسنودون من خلاف. لقد خاطبتكم بصراحة، مباشرة وبقلب مفتوح. والدليل على الإحترام الواجب اتجاه من نقودهم، ليس أن نتزلف إليهم، بل أن نخاطبهم بلغة الحقيقة، وأن ننقل إليهم الوقائع كما هي. إني أعلم مدى تقديركم لي، وأنا ممنون لكم بذلك، وهو تقدير متبادل من جهتي أيضا. فكلكم سندي. لهذا السبب خاطبتكم بهذه الطريقة وبهذه اللغة القاسية، لأنني أريد منكم أن تنخرطوا بالكامل في الأمر وأن تنقلوا ذات اليقين والرجاء للآخرين.
عدد الصفحات ٣٥ولست نادما أنني أبقيتكم هنا كل هذا الوقت، حين سألمس غدا سواء هنا أو بالدارالبيضاء، أنكم تفهمتم مقصدي، وأنه أمام التحديات التي تنتظرنا في الشهور القادمة، التي ستحدد مصير فرنسا وأيضا مصير المغرب، سنشكل جميعنا فريقا واحدا موحدا، معي ومع مساعدي ومصالحي ومع قواتنا، سواء بالقوة أو بالفعل. هامش: -1 شكل هؤلاء المساعدون العسكريون، البالغون من العمر ما بين35 و 50 سنة، دعمامهما للجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الأولى، وأيضا في العديد من مستعمراتها التي كانت تواجه فيها مقاومة مسلحة مثل المغرب. مثلا لم تكن هذه القوات المعروفة ب «les territoriaux» أو «Pépères»، متواجدة بالجزائر وتونس، لعدم وجود مواجهات عسكرية حينها ضد القوات الفرنسية الإستعمارية. استسلموا لنا أيها المغاربة فنحن المنتصرون الفائزون فاس، يوم 6 غشت1918 بدأت تصلنا أول الأخبار عن نتائج الهجوم الكبير (ضد الألمان) من فرنسا .وكان مهما استغلالها، بدون إبطاء، في العلاقة مع الأهالي (المغاربة)، خاصة الذين لا يزالون يقاوموننا. فوجهت إليهم هذا الإعلان، الذي تم تعميمه بينهم من قبل رسلنا. يقول ذلك الإعلان:
عدد الصفحات ٣٦إلى الشعب المغربي «تغرق ألمانيا وتركيا، المغرب، منذ ثلاث سنوات، برسائل وجرائد كاذبة فمنذ ثلاث سنوات، وهم يحكون لكم عن انتصاراتهم الوهمية على الأرض وبالبحر. ومنذ ثلاث سنوات، وهم يقدمون المال لمن يوصفون على أنهم قادتكم، عبد المالك، موحا وسعيد، الهيبة، الريسولي (1)، حتى يدفعوا بكم للهجوم على مواقعنا، مما يتسبب في مقتلكم عبثا بفضل مدافعنا ورشاشاتنا. آه، أيها القوم السذج، الذين يتوهمون أنهم يقومون بالحرب المقدسة تحت الراية الألمانية. إن هذا الخطل وهذا الدجل، قد طال أكثر من اللازم. ولقد هرقتم دماء غزيرة من أجل قضية خاسرة. اليوم، هاهي فرنسا وحلفاؤها يحتفون بنصرهم الكبير. فمنذ شهر، وألمانيا تتراجع منهزمة، تاركة بين يدينا أسلحة كثيرة وأسرى ومدافع وآليات حربية. وإني أهتبل المناسبة لأقول لكم الحقيقة كما هي، وأفتح عيونكم عليها. في البحار، نحن السادة. فمنذ ثلاث سنوات، ما عاد الألمان يغامرون سوى مختبئين عبر غواصاتهم. ولا يهاجمون سوى من هم بدون قوة دفاعية، أي السفن التجارية المحايدة والسفن الطبية وبواخر الصيد. واليوم، فإن غواصاتهم أصبحت بدون تأثير، لأننا دمرنا أغلبها، وأيضا لأننا أصبحنا نصنع أكثر من السفن في اليوم، رفقة حلفائنا، بالشكل الذي لا يستطيعون القضاء على كثرتنا ولو في شهر. مثلما أن أسطولهم التجاري قد دمر بالكامل، وبقيت سفنهم العسكرية خائفة، راسية في موانئهم. على الأرض، انتظم الحلفاء، الذين يوجهون دوما تحية تقدير واعتزاز لبسالة قواتنا الفرنسية وقائدها، بكل قواتهم تحت رايتنا المشتركة الموحدة، التي يقودها جنرالنا الفرنسي «فوش»بينما في الشمال يحصد الإنجليز الرجال والأسلحة والمدافع. وفي الجنوب حقق الإيطاليون نصرا كبيرا، ما ترك الألمان مجرد فريق تائه وضعيف. وفي هذه الأثناء ظل يصل إلى شواطئنا يوميا، ما مجموعه 10 آلاف جندي أمريكي، ولقد اجتاز المحيط حتى الآن أكثر من مليون جندي أمريكي، وسيصلون إلى مليونين خلال الشهرين القادمين، وقد يصلون إلى 10 ملايين إن اقتضت الضرورةذلك [ منظمة ومجهزة، شابة، شرسة، مزودة بأسلحة مهمة وبآليات أكبر بكثير
عدد الصفحات ٣٧من التي عند أعدائنا مجتمعين. بينما الألمان ما عادوا يدفعون صوبنا سوى بقوات منهكة وكبيرة في السن، والتي هي تحارب منذ أربع سنوات محرومة من الأساسيات الواجبة للحرب. إن المجاعة تظلل كل مناطقهم، وكذا العوز والفوضى. متبوعة بالإنتفاضات والإضرابات من كل جهة وصوب. لقد أصبح النموذج الألماني بغيضا عند الجميع. تلكم هي الحقية، يا مغاربة. مهم أن تعرفوها، حتى تفكروا مليا، وتتوقفوا عن الإنسياق وراء من يكذب عليكم، ووراء قادة طموحين تدفع لهم ألمانيا المال. إن من سيلتحق بنا منكم، سنمنح السلام والنماء. وكل الذين سيعترفون بأنه غرر بهم، نلتزم لهم بالعفو والنسيان والتجاوز. أما الذين سيواصلون المواجهة، فإننا نبشرهم أنه لم يعد لهم ما يعولون عليه من دعم ألماني. إن هزيمة ألمانيا مؤكدة ووشيكة، وأننا لن نرحم من سيواصل معركته ضدنا. سيجدون غدا، أمامهم، فرنسا متحررة من كل أسباب القلق، أقوى من الأمس، عازمة على أن تجعل القانون والعدل ينتصر ويسود بالمغرب، تحت حكم السلطان (مولاي يوسف) وفي احترام تام للإسلام. أسرعوا، إذن، في الإختيار. هامش: 1) الأسماء التي يقصدها الماريشال ليوطي هنا، هي أسماء وطنية مغربية وجزائرية قاومت بشراسة دخول القوات الإستعمارية إلى المغرب في المرحلة ما بين 1912 و1926. وهم موزعون على مناطق جغرافية مختلفة من المغرب. عبد المالك، هو الأمير عبد المالك الجزائري إبن البطل الجزائري الأمير عبد القادر الجزائري، الذي قاد المقاومة المسلحة بالشمال المغربي بين 1912 و1924،هو الذي كان قد التحق بالجيش الفرنسي بالجزائر، ويعتبر هو المؤسس الفعلي لجهاز المخابرات العسكرية الجزائرية، قبل أن يعين بطنجة المسؤول عن الشرطة بها سنة ، بعد معاهدة مؤتمر الجزيرة الخضراء الخاص بالقضية المغربية 1906. لكنه سيرتبط بالمخابرات
عدد الصفحات ٣٨الألمانية ضد فرنسا، وسينتقل إلى منطقة الريف بدعم ألماني، خاصة بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى سنة 1914، لقيادة المقاومة هناك. أما الشهيد موحا وسعيد، فهو بطل مقاومة جبال الأطلس المتوسط بقبائل زيان الأمازيغية المغربية. كان قائدا من قياد المخزن، وممن دافعوا عن السلطان مولاي عبد العزيز. مثلما أنه قاد المقاومة المسلحة بالأطلس المتوسط ضد الإحتلال الفرنسي، انطلاقا من قصبة تادلة، وكبد الجيش الفرنسي عشرات المئات من القتلى بين ضباط وجنود، قبل أن يسقط شهيدا سنة 1921. ومن أشهر تلك المواجهات المذلة للفرنسيين ولليوطي شخصيا، معركة الهري يوم 13 نونبر1914، التي سقط فيها قتي623 ضابطا وجنديا فرنسيا وسينغاليا، فيما سقط من الجانب المغربي182 مقاوما. ج- أما الهيبة، فهو المقاوم البطل من الصحراء الغربية للمغرب، الشيخ أحمد الهيبة إبن الشيخ الهيبة ماء العينين، مؤسس زاوية ومدينة السمارة بالصحراء المغربية، والذي قاد المقاومة بالجنوب سنة 1912، وحرر كامل الجنوب المغربي ودخل مدينة مراكش وحررها، ثم اتجه على رأس قواته العسكرية من المقاومين المغاربة من الصحراء وسوس الأمازيغية، صوب الرباط لتحريرها، لكنه انهزم في معركة شهيرة بمنطقة سيدي بوعثمان شمال مراكش يوم 6 شتنبر1912. فنزل بقزاته إلى منطقة سوس وبقي يقود المقاومة هناك، بشراسة إلى حدود سنة 1920 سنة وفاته، ليتزعم اتلك المقاومة حتى سنة 1934، شقيقه الشيخ مربيه ربه وشقيقه الآخر الشيخ النعمة. ولقد حاول مبعوثون ألمان برفقة ترجمان تركي لقاءه بمنطقة أكلو قرب مدينة تزنيت بالجنوب المغربي سنة 1916، لكن الذي التقاهم هو شقيقه بأمر منه، وهو الشيخ النعمة. د- فيما الريسولي، هو محمد بن عبد الله الريسوني (الشهير بالريسولي)، كان زعيم منطقة وقبائل جبالة بالشمال المغربي قرب تطوان وشفشاون وأصيلة وطنجة والقصر الكبير. وتعتبر سيرته خليطا من التمرد على السلطات المغربية قبل الإحتلال سنة 1912، ثم مقاومة المحتل الإسباني بعد تلك السنة، لمدة دامت 8 سنوات. مثلما اشتهر بعقاته القوية مع الإنجليز، قبل الإحتلال، ثم بعلاقاته مع الألمان بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى سنة 1914. مما جعل القوات الفرنسية بقيادة ليوطي، تتوغل في
عدد الصفحات ٣٩المنطقة الإسبانية لمواجهته سنة1915، وانتصرت على قواته. هو الذي حاول قبل استعادة مدينة القصر الكبير لكنه انهزم أمام الجنرال الإسباني مانويل سيلفستر، وهو ذات الجنرال الذي سيقتل إلى جانب عدد من جنرالات إسبانيا في معركة أنوال الشهيرة سنة 1921 بقيادة الأمير البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي. هزيمة ألمانيا وما كان علي القيام به بسرعة بالمغرب هدنة يوم 11 نونبر 1918 الرباط12 نونبر1918 أمر عسكري عام إلى قوات الإحتلال (بالمغرب) منحت هدنة من 30 يوما لألمانيا بشرط الإعتراف بهزيمتها، والإنتصار الساحق لقواتنا وقوات الحلفاء. لقد دقت ساعة التحرير (لنا) والإعتذار (من قبلهم.) كما قال لكم ذلك السيد رئيس المجلس، وزير الدفاع: «فقد شاركتم ببسالة في صنع النصر. واستحققتم التقدير من وطنكم ومن العالم»فها هم رفاق السلاح بفرنسا، يعيدون لها منطقة الألزاس واللورين، بينما أنتم في المغرب، ليس فقط، أنكم أبقيتم على الوضعية كما كانت سنة 1914، بل إنكم وسعتم من المناطق المحررة التي شملتها التهدئة فيه. فتحت طقس قاس، محرومين من الحاجيات المادية والروحية، قمتم بمقاومة صلبة وفي نكران للذات، بعيدا عن وطنكم، محرومين من الدعة التي تنمحها الحرب فوق أرض الوطن، مزودين بالتشجعيات المتلاحقة. وخلال الشهور الأخيرة، طلب منكم بدل مجهود مضاعف على كافة الجبهات بالمغرب، ضد عدو كان يلعب آخر أوراقه .ولقد أبنتم عن طاقة تحمل، عن شجاعة، عن نكران هائل للذات، وعن روح للإنضباط أعتقد
عدد الصفحات ٤٠أنني أكبر من يشهد لكم بها. باسم فرنسا، التي أمثلها بقيادتكم، أتقدم لكم بالشكر. مهمتكم لم تنتهي بعد. فخصمنا هنا لم يضع السلاح بعد. فهو غير مطلع على حقائق أروبا، ولا يزال مشحونا بالتشجيعات التي ظل يتلقاها خلال الأربع سنوات الماضية. ولم يدرك بعد أن الأمور انتهت، وأن لاشئ في المستقبل سيخرج عن منطق قوتنا الغالبة. بالتالي، فالصلابة أمامه، اليوم، مطلوبة أكثر من ذي قبل. لا تتراخوا أبدا، قيد أنملة، عن حيطتكم وعن المهمة التي كلفتكم بها فرنسا . عليكم أن تضاعفوا من صلابتكم حتى تكسروا كل المقاومة. وكلكم تتذكرون أنه في المواجهة التي قسمت العالم، اعتبر المغرب رهانا أول لأعدائنا، وأن مدن طنجة والدار البيضاء وأكادير تقدمت أحداثها المواجهة الكبرى معه. وأن استسلامه النهائي والشامل يجب أن يضع نقطة النهاية لأحلامها في كامل القارة الإفريقية. إني أعول عليكم لإنجاز المهمة التي لا تزال على عاتقنا. الجنرال القائد العام ليوطي» إعلان إلى الفرنسيين (بالمغرب.) «إلى مواطني بلدي. وأنا أبلغكم بظروف الهدنة المفروضة على ألمانيا، فإن قلبي ينبض بذات الفرح الذي يجمعنا. فبعد الأربع سنوات الماضية، من المقاومة بدون كلل، بعد كل الأحزان والمآسي، بعد كل الخراب الذي وقع، بعد كل التضحيات المقدمة، بعد كل أشكال البطولة، فإن النصر يتوج عدالة قضيتنا، التي هي قضية كل البشرية. إني أشكركم، على الدعم والإلتزام الذي وجدته فيكم، حتى أنجز المهمة التي كلفتني حكومة الجمهورية الفرنسية بها. فنحن نقدم لوطننا، مغربا، اتسعت فيه مساحات سيطرتنا، رغم انخراطنا في الحرب، وتعززت فيه أكثر. بقي لنا أن نكسر ما تبقى من المقاومات التي تواجهنا، وأن نضاعف، أكثر فأكثر، من الإنكانيات الإقتصادية به، التي استفادت منها فرنسا كثيرا، ولا تزال أمامها الفرص أكبر للإستفادة منها.
عدد الصفحات ٤١لنضع اليد في اليد، من أجل مهمة الغد. عاشت فرنسا، عاشت الجمهورية». إعلان إلى الشعب المغربي. «لقد تمت هزيمة الألمان. لقد وضعت أخيرا، السلاح، أمس 11 نونبر، بعد أن قبلت الإمتثال لشروطنا التي فرضنا عليها. لقد أعادت لفرنسا منطقة الألزاس واللورين، وانسحبت من بلجيكا. ولقد تم دخول قوات التحالف إلى كل منطقة ألمانيا الغربية حتى نهر الراين .ونحن نحتل كبريات المدن مثل «مايين»و«غوبلنتز» و»كولون»مثلما سلموا لنا خمسة آلاف مدفع، وألفي طائرة، وخمسة آلاف قاطرة، ومائة وخمسون ألف عربة قطار، وعشرة آلاف شاحنة، ومائة غواصة وأربعة عشر سفينة كبيرة. لقد تم تحرير كل أسرى التحالف، بينما نحن لا نزال نحتفظ عندنا بأسراهم .ولقد طوقنا حصارنا عليهم. وتم إلغاء الإتفاقيات التي وقعوها م ع روسيا ورومانيا. فيما تستسلم قواتها التي لا تزال في إفريقيا الشرقية. ولقد أعادوا لنا كل الأموال التي كانت في أبناك بلجيكا ورومانيا وروسيا. بينما تم إسقاط الإمبراطور غيوم من عرشه وهو الآن هارب. إننا إذ ننقل هذه المعلومات العظيمة إلى علم الشعب المغربي، فإنني أشكره، باسم الحكومة الفرنسية وباسم الجمهورية الفرنسية، على الوفاء الذي أبان عنه، تمثلا بموقف سلطانه مولاي يوسف. الذي أبان لقضية فرنسا وحلفائها، خلال مرحلة هذه الحرب الطويلة والقاسية والرهيبة، عن وفاء بدليل مشاركة أبناء بلده في تلك الحرب جنبا إلى جنب مع قواتنا. إنه سينال جزاءه، بفضل تقثه الراسخة في نصرنا، لأن السلام النهائي الراسخ، سيضمن له حقه في التنمية والأمن أمام أعداء الخارج والداخل. وكذا تنمية ثرواته، وسيسود النظام والعدل في احترام تام للدين (الإسلامي) ومؤسساته» الدار البيضاء14 نونبر1918 جوابا على تحلق الفرنسيين حولي بالدارالبيضاء، غداة إعلان الهدنة، (ألقيت فيهم الكلمة التالية:) «لست أعلم ما الذي تحملونه من كلمات في أفواهكم تودون نقلها إلي،
عدد الصفحات ٤٢مثلما أنني لست مهيئا أبدا للجواب عليها. والأمر كله ينعشني عاليا. إن الشهادة التي تحرصون على تقديمها حولي تجعل هذه الساعة، من أجمل ساعات الفرح وأكثرها تأثيرا علي، طيلة الفترة التي قضيتها هنا بالمغرب. لم آتي اليوم إليكم كي أطلب منكم دعما وإنقاذا، بل أتيت فقط لأنصت لنبض قلوبكم بالتوازي مع نبض قلبي، وأنا ممنون لكل ما كنتم تنوون التفضل به علي .لست أعلم إن كنت أستحق ذ لك، لكن ما أنا متيقن منه، هو أنه ما كان ممكنا لي القيام بأي شئ هنا، لولا دعم الجميع لي، ومن قواتي أولا، التي لن أجد أبدا العبارات للتعبير لهم عن امتناني لوفائهم وبسالتهم. اقد اطلعتم على الأمر العسكري الذي وجهته لهم، وفهمتم مقاصده. لقد عانت قواتنا هنا كثيرا، وغير ممكن التوجه إلى فرنسا، دون أن نواجه بعدم إدراك لوضعيتهم وللتعليقات القاسية أحيانا. وكان ذلك من أفظع ما يمكن سماعه، بالنسبة لواحد مثلي مطلع على ما يقومون به، من خلال زياراتي لهم في كل المناطق، وأدرك شكل الحياة التي عاشوها بدون تشجيع، وبدون أن يزورهم ولو وزير واحد، أو شخصيات سامية أو أصدقاء. ولقد قادوا على كل جبهات هذا البلد القاسية التي تعرفونها، مواجهين بالبنادق والرصاص، ذات ما كانت تواجهه قواتنا على الجبهة بفرنسا .وبمقر نادي الضباط بالرباط، يوجد صف طويل من صور الضباط الذين سقطوا قتلى هنا بالمغرب خلال الأربع سنوات الماضية. وكل ما رآها لأول مرة يصاب بالذعر حين يكتشف كثرة قتلانا. إننا حين نواجه أناسا يتحدثون عن المنتجع والكمائن هنا، فإن الحنق يتملككم .نعم، قواتنا عانت كثيرا هنا نفسيا. فهي تضحيات موجعو تلك التي تجعلك لست في الجبهة بفرنسا، وأن تواجه بنكران لما تقوم به من جهد هنا. وإنني أوجه تحياتي إلى السلطات العمومية التي قامت أكيد بما استطاعته. لكن ليس هناك ولا واحد من أعضاء الحكومة ممن حاولوا إنصاف قواتنا العاملة بالمغرب. لقد قرأتم جميعكم على الحيطان منذ شهر، الجملة الرائعة التي خصهم بها الرئيس كليمنصو. لقد فعل فيهم ذلك فعل السحر، وكنت سعيدا أن أنقل لهم مضمونها بنفسي. لم يتم، في فرنسا، دائما تفهم الجهد الذي بدلتموه ولم يكونوا دوما يصدقون ما أنقله إليهم، حين أحكي عن أن الجميع هنا يقوم بواجبه العسكري. وأن المرء حتى وهو في موقعه المدني، في معمله، أو في ضيعته، فإنه كان
عدد الصفحات ٤٣يقوم بمهمة عسكرية. لأن معمرا يحرس جيدا ضيعته، فإنه يعفيني من أن أبعث له 300 رجل من قواتي لحراسة منطقته. وأنه أمام الخصاص الضاج، بدلتم مجهودا عظيما للإبقاء على اقتصاد بلدكم مستفيدا من خيرات (المغرب). ثقوا أنني كنت وسأظل دوما شاهدكم وضامنكم مثلما قلت لقواتي أمس، عن قناعة. إن وحدة القلوب التي تواشج بيننا، منذ 4 سنوات، والتي تعبر عن نفسها في هذه اللحظات، بفرح، هي بالنسبة لي الترياق المثالي والشامل والنافذ لكل ما نجحنا في إنجازه، وهي الضمانة على ما سنقوم به، ما دمت أحوز شرف التواجد بينكم. لكليمنصو، لفوش، لجنودنا، لقتلانا، لفرنسا ولحلفائنا (أرفع قبعتي». في المغرب بعد الحرب 1918- 1925) يوم فقدت عين المخابرات التي كنت أنظر بها في المغرب
عدد الصفحات ٤٤الرباط19 دجنبر1918 توفي بالرباط، أسابيع قليلة بعد الهدنة، يوم16 دجنبر1918،«الكولونيل بيريو»، مدير مصلحة الإستخبارات وشؤون الأهالي، بسبب نزلة برد حادة، أصيب بها جراء تجواله الكثير في مختلف مناطق المغرب، كانت آخرها بمنطقة الغرب (1). خلال مهامي الإفريقية، كان لي خلال15 سنةالسابقة (على المغرب)، بعين الصفرا (بالجزائر) ابتداء من فاتح أكتوبر 1903، أربعة مساعدين من الضباط الحميمين. أولهم، «هنري»الذي كان حينها قائد سرب للطيران الحربي، وأول قائد عام للقوات بعين الصفرا. ثانيهم، «بويميرو» نقيب الرماة،، الذي سيصبح ابتداء من سنة1905، ضابطي الخاص المناوب. ثالثهم، «بيريو»، الذي التقيته في اليوم الموالي لوصولي، ملازما مكلفا بمكتب شؤون الأهالي بمنطقة بني ونيف قبالة فكيك. أخيرا رابعهم، «ديلماس»، الملحق منذ1903، بالقيادة العسكرية العامة بوهران، بصفته ملازما بفيلق الرماة، والذي جاء في مهمة لأسابيع بعين الصفرا، بعد تحملي مسؤولية قيادتها، والذي وجدته ثلاث سنوات بعد ذلك، حين عينت قائدا لمنطقة وهران العسكرية، وقد رقي إلى رتبة نقيب، والذي عينته الضابط الأقرب لي بالقيادة العامة بها. لقد تدرجوا، أربعتهم، في رتبهم العسكرية وهم يعملون تحت إمرتي. هنري وبويميرو، الذين بلغوا رتبة جنرال، بينما بلغ كل من بيريو وديلماس رتبة كولونيل. كنا نتبادل بيننا جميعنا الأفكار والرؤى، مما جعل تحليلنا يواشج بين رؤانا. وكنا نعتقد أن لاشئ سيفرق بيننا أبدا. وكنت أخطط لتحقيق مهامنا بشكل مشترك، وأن أحرص على تشجيعهم على أن ندون ذلك جميعنا، لما فيه توثيق لأعمالنا المشتركة، استعدادا لتارخ تقاعدنا، الذي كنت الأول فيهم على اللائحة، كوني كنت أكبرهم سنا جميعهم بكثير. لكن، وأسفاه، كلهم غادروني في الطريق. الجنرال هنري، الذي في سنة 1916، سيذهب للإلتحاق بجبهة القتال بفرنسا، والتي اشتهر فيها بأعماله في شرق فرنسا وببولونيا، مما منعه من الإلتحاق بالمغرب. فيما الكولونيل بيريو والكولونيل ديلماس والجنرال
عدد الصفحات ٤٥بويميرو، قد اختطفهم الموت تباعا بين1918 و1921 و1924، وهم في كامل قواهم الجسدية، وكان وعد عطائهم للمغرب ولفرنسا لا يزال أمامهم. إن فقدان، هؤلاء الرفاق، الذين كان التعاون معهم، قد بلغ درجة متقدمة من الحميمية، ما جعلنا ما عدنا نكتفي سوى بالنظر إلى بعضنا البعض ليفهم كل منا صاحبه. إن فقدانهم، قد أصابني في مقتل فعلا. وكنت أستشعر فداحة غيابهم، في لحظات اتخاد قرارات مصيرية، حيث تواجدهم سيكون فارقا بالنسبة لي. لقد كان الكولونيل بيريو أول من توفي منهم، ثمانية أيام فقط بعد إصابته بنزلة برد حادة، مصحوبة بحرارة جد مرتفعة. والذي ألقيت كلمة تأبينية ثلاثة أيام بعد وفاته: «إنني ما أزال أتساءل، إن كانت لي القدرة لتناول الكلمة. لأن أخا لا يتكلم عند قبر أخيه، وقوة علاقتي ب «بيريو»جعلتنا موحدين إلى درجة الصداقة الأخوية. لكن، هناك الواجب، الذي هو فوق حالتي النفسية والعاطفية. واجب القائد إزاء من خدمني بأقصى درجات الوفاء والتواضع واللين، على القدر نفسه الذي خدم فيه بلده. وواجبي يفرض علي أن أخصه بهذه الشهادة الأخيرة. اعذروني إن كنت لن أسرد أمامكم ورقة مساره العسكري، كما جرت العادة بذلك في مواقف مماثلة، والتي تستعرض مراحل ذلك المسار. لأنها مكتوبة سطرا سطرا، وورقة ورقة، فوق تراب إفريقيا، وكلكم تعرفونها. واسمحوا لقلبي وفؤادي فقط أن يبوح بمكنونه. كم كنا نستحضر أنا وإياه، تلك الليلة الخالدة ليوم 2 أكتوبر1903. كنت مبعوثا من فرنسا إلى الجنوب الوهراني (بالجزائر)، بعد أحداث «تاغيث» و«موكار»2). كنت قد وصلت إلى عين الصفرا يوم فاتح أكتوبر. وفي الغد، توجهت مباشرة إلى مركز بني ونيف قبالة مدينة فكيك المغربية، التي لم نحتلها بعد .هناك التقيت بالملازم بيريو، بصفته رئيسا لقسم الإستعلامات والمخابرات. لم يسبق لنا أن التقينا أبدا، تبادلنا أطراف الحديث وسرى بيننا دبيب تواصل سري. بعدها في الليل، كانت المعلومات حول مشاكل السياسة الأهلية، التي فتحت الباب لأول لقاء لنا مع المغرب، والتي ستفتح لنا بابه في ما بعد. كنا قد خرجنا في جولة ليلية، حتى نجد راحتنا في الكلام، تحت ضوء
عدد الصفحات ٤٦القمر، بين امتداد نخيل واحة بني ونيف. وما زلت أرى قفزته انتباها، وقد أخدنا الحديث حول مهامنا التي تنتظرنا، أننا تجاوزنا المنطقة الآمنة بكثير أثناء تجوالنا، فأعادني بسرعة إلى أقرب مركز أمني، ثم عدنا. لكن شعلة التواصل قد اشتعلت بين أفكارنا وروحينا إلى الأبد. لقد مرت على ذلك اللقاء الآن، 15 سنة كاملة. ومن حينها ظل التعاون بيننا حميميا، كاملا، منسقا وصلبا، مطوقا بعاطفة صادقة لاشئ يقطع وصالها. (يتبع) هامش: 1) هوالكولونيل بيريو، أقرب مساعدي الماريشال ليوطي بالمغرب. كونه رجل تقثه الذي هندس المسار السياسي الذي سيعاد من خلاله إعادة تنظيم الدولة المغربية. ولا يتردد البعض في وصفه، بأنه الأب الروحي، سياسيا وإداريا وأمنيا، للمغرب الحديث بعد 1912. هو من مواليد1871، بالتالي فقد توفي وهو في 47 من عمره. ولقد عينه ليوطي منذ بداية احتلال المغرب سنة 1912، المسؤول الأول عن القسم السياسي والإداري والمخابراتي، بالإقامة العامة الجديدة بالرباط. كان ينوب عن ليوطي بالرباط، كلما سافر هذا الأخير خراج المغرب أو إلى مختلف نقط المواجهة بالجغرافيات المغربية. 2) تاغيث، هي منطقة صحراوية قريبة من منطقة توات، وكانت جزء من الأراضي المغربية التي اقتطعتها فرنسا من المغرب سنة 1900، ووقعت بها مواجهات عنيفة دامت 4 أيام في شهر شتنبر1903، خسر فيها الفرنسيون عددا مهما من جنودهم .بينما موكار، هي منطقة صحراوية أخرى تقع جنوب وهران بالجزائر، ولقد وقعت فيها مواجهات عنيفة بين القوات الفرنسية ومقاتلين أمازيغ يوم 2 شتنبر1903، انتهت بمقتل قادة تلك الفرقة الفرنسية و36 جنديا آخر. الحكم ليس تقنيا، بل سياسيا بسقف أخلاقي
عدد الصفحات ٤٧الرباط19 دجنبر1918 (تتمة) ما كان يثير عند «بوريو»، وهو لما يزل ضابطا شابا، هو نضجه العالي، قوته الإدارية وتوازنه النفسي. ولقد كانت له ميزتان كبيرتان: عشقه الصوفي لمهنته، ثم تقدير ذكاء الأهالي. كانت الجندية في دمه. وكان يكفي للتأكد من ذلك، من مشاهدته وهو يقود فرقته العسكرية بالصحراء بمنطقة «الكير»، أو وهو يقود فرقة«الكوم»بمنطقة الشاوية (بالجزائر)، بصرامة القائد، بعينين يقظتين، بأوامر مختصرة، وكيف أن جنده ينصاعون له في انضباط. كانت له قدرة على التواصل مع الأهالي، لم أجدها عند أي أحد غيره، وهي السلاسة ما يجعل الأمر مبهرا. لقد قرأت مرة أنه «ليس هناك عمل إنساني يمكن أن يكون بالفعل عظيما، بدون قدر من الحب والشغف» ولقد كان هو يتوفر على ذلك القدر من الحب والشغف، ما مكنه من إنجاز عمله الجبار (وهو جبار فعلا)، بالشكل الذي جعله أفضل، إن لم يكن الوحيد، ممن نجحوا في تحقيق تدبير سياسي للمجموعة الإسلامية بكفاءة، بيننا، في كل الشمال الإفريقي. لقد كان الكثيرون يتقنون، إما تمحيص الملفات، أو حسن تأويل المعطيات، أو معرفة دقيقة باللغة المحلية والأدبية (وهذه أمور كلها مجتمعة فيه)، لكن ولا واحد منهم، امتلك تلك القدرة على التفهم العاشق للجنس المغاربي. ولأن الناس أحست ذلك الشغف وذلك الحب، فإنها، هنا، بالشمال الإفريقي، لم تتردد في أن تبادله ذات الإحساس بصدق. فالجميع، من القياد إلى «الكوم»بالجزائر، ومن السلطان مولاي يوسف إلى أعضاء المخزن، هنا بالمغرب، وصولا حتى إلى أبسط الناس، الذين كان بعضهم يبكي بحرقة عند جتثه. فكلهم كانوا يرون فيه صديقا ولهم فيه ثقة عمياء.
عدد الصفحات ٤٨