المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مذكرات الماريشال ليوطي عن المغرب

غير معروف

صفحة ٢ من ٦

نحن حريصون على احترام التراتبية الإجتماعية القائمة. إن الثقة، التي أضعها فيكم لم تخب أبدا، بدليل النتائج المتحصلة. فبعد سن واحدة من لقاءنا في فاس، فإن «بلاد المخزن»(أي المناطق المتحكم فيها ما لبتث أن اتسعت، بينما تقلصت «بلاد السيبة»(المناطق غير المتحكم فيها .)وأنتم تعلمون أن الطريق بين مركز السلطة ونهر ملوية وتافيلالت، التي ظلت مقطوعة منذ قرون، قد فتحناها، وأنه قريبا سنشق طريقا ونقيم جسورا وغير بعيد ستمر سكة الحديد هناك. مما سيمكننا من قطع تلك المسافة في ساعات قليلة بدلا من الأسابيع التي كانت من قبل. وكل هذا ستكون له نتائج إيجابية على التجارة والمبادلات وعلى الفلاحة وعلى إعادة الحياة لجهات عدة كانت الفوضى تطوقها وتكبلها. ونحن نشكر الله أن نجحنا في تحقيق هذه النتائج، في الآن نفسه الذي باقي العالم غارق في حرب مدمرة، قدمتم لنا فيها دعمكم الكبير، والكثير منكم أراق دمه من أجلنا هناك، وأنه بفضل اتساع صف الحلفاء الداعمين لنا، واندحار عدونا، فإن النصر العظيم قريب. وأحيي عاليا، بمحبة، تواجد شخصيات قيادية جزائرية رفيعة بيننا اليوم. أحيي فيهم أبناء مبجلين للإسلام، إخوتكم في الدين، أبناء تربة الجزائر التي قضيت فيها سنوات جميلة جدا، والتي كانوا فيها رفاق سلاح لي، ومن أقرب مساعدي في إحلال السلم بالمناطق المتوترة. إن زيارتهم، مثلها مثل الزيارة الأسبق لوفد تونسي استقبله السلطان، تقدم الدليل الساطع على تحقق حرية التنقل بين الأطراف الشاسعة للأراضي الإفريقية، التي تقدم لها فرنسا حمايتها وقوتها وثرواتها. وأتمنى أن تتبعهم في ذلك وفود أخرى، لنسج علاقات أقوى وأصلب بين البلدين، لما فيه المصلحة المشتركة. لنوحد، تحت راية نفس الشغف، فرنسا والإمبراطورية الشريفة، وأدعو معكم الله جلت قوته، أن ينعم علينا ببركاته جميعا، على من تتحملون مسؤولية قيادتهم، على المخزن الشريف، على شعوب المغرب الكبير، وأن يعم فيها السلام، العدل والغنى.

عدد الصفحات ١٧

من أجل مغرب كبير حليف دائم لفرنسا الدارالبيضاء: 4 يوليوز1918 [كانت سنة1918، في المغرب، كباقي العالم، سنةصعبة جدا وقاسية . فالخسائر تتراكم، والإكراهات تتعاظم، وتقلص حاجيات الحياة اليومية فاقم من الوضعية بالمغرب بسبب بعد المسافة ومشاكل التواصل، التي ظلت تكبر يوما إثر الآخر. كان علينا دعم قواتنا التي أصبحت مهامها أكثر صعوبة، وكنت تقريبا، خلال هذه السنة، أقضي أغلب أوقاتي في زيارة لهذه الجبهة أو تلك بمختلف مناطق المغرب. ولم أكن أعود إلى الرباط، سوى لمهام مستعجلة طارئة، حيث أحضر لأيام معدودات. وكان علي توجيه كلمات تعبئة وتحميس في هذه المنطقة أو تلك. وليس مهما، في ما أتصور، استعراضها هنا، ضمن هذه المذكرات. لأن ببعضها تكرار، بحكم وحدة الموضوع وتشابه المقاربة والتفاصيل. وسأكتفي هنا، بعرض تلك الكلمات التي تمت في مواعيد مميزة خاصة، أو ذات ارتباط بأحداث مميزة وخاصة] دخلت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب (العالمية الأولى)، منذ سنة وأصبحت مشاركتها فيها متعاظمة مع مرور الوقت. وكان عدد من مواطنيها متواجدين بالمغرب، يهيؤون للإحتفال بعيدهم الوطني، من خلال حفل شهد مشاركة الجميع عرفانا لدولتهم بموقفها الجديد من الحرب. فكان لزاما علي أن أتحدث باسم الكل، لأوجه لهم التحية بصفتهم حلفاء لنا. واهتبلتها مناسبة لأطلعهم على رصدنا لأمر صادر عن ألمانيا، كان السبب في تعاظم وحدة صفوفنا، بما فيها في المغرب. وكان لزاما علي، أكثر، أن أحذر الجميع من مخاطر الوقوع في شرك أمل واهم، وإعادة تذكيرهم وتذكير أنفسنا إلى الحاجة لمواصلة الجهد وتقديم التضحيات الواجبة، لأن المواجهة لم تنتهي بعد. وألقيت هذه الكلمة: «إني أرفع نخبي للولايات المتحدة الأمريكية. فجميعنا، هنا، فرنسيين وحلفاء، نستشعر حجم أثر الرضى المتفجر للإعجاب والإمتنان، من كل

عدد الصفحات ١٨

القلوب الحاضرة، والذي يسافر قويا صوب الأمى العظيمة هناك في ماوراء المحيط. لقد كنت بباريس، منذ 18 شهرا، حين جاءت الأخبار المؤسفة للأحداث التي وقعت في روسيا (القيصرية). فقد علا غبار اليأس سماء الآمال العريضة التي بدأت تتراءى لنا في الأفق. ففي تلك اللحظة، سيقرر رئيس الدولة (في واشنطن)، الذي تتجسد فيه روح ومزاج شعب بكامله، الرئيس ويلسون، وضع السيف على الطاولة .ونستطيع الإعتراف اليوم، أنه على قدر سعادتنا بذلك القرار، على قدر إثارته للأسئلة وعلامات الإستفهام بيننا. لأن أمريكا، لم تكن تظهر كبلد مستعد للحرب. صحيح، أننا لم نكن نشك في قيمة الدعم الذي ستقدمه لنا، صناعتها وآلياتها، لكن علينا الإعتراف أن الأسلحة والأطر لا تحتمل الإرتجال. هل كانت لها القدرة والوقت لتهيئتهما؟ سيبعثون لنا ربما الآليات، لكن ماذا عن الرجال؟. بالنسبة لمن هم في سني، كانت ذكرى طفولة بعيدة حاضرة، قللت من أسباب ذلك الشك، وهي ذكرى حرب الإنفصال بها. كنا في التاسعة من عمرنا، وأخبار تلك الحرب تغدي خيالنا بتفاصيل بطولات باخرة «المونتور»، التي كانت تتقاطع في ذهننا مع قصص«جول فيرن» (الخيالية والعجائبية1). كانت كتبه قد صدرت حديثا حينها، مثل «عشرون ألف فرسخ تحت البحار»،«من الأرض إلى القمر»، «الغواصات»، وخوف آبائنا على أن يؤثر ذلك على أدمغتنا الصغيرة، محاولين إقناعنا بمبالغاتها. والحال أن «جول فيرن»هو الذي كان محقا لقد تنبأ بكل شئ، ليس فقط ما تحقق خلال الخمسين سنة الماضية من تقدم علمي أثناء مراحل السلم، بل أيضا ما تحقق بفضله أثناء زمن الحرب. لقد توقع الكثير لأمريكا. والجهد الذي بدل فاق كل التوقعات، فالسفن جابت كل البحار، حاملة إلينا آليات جديدة وفعالة. مثلما تغيرت التقنيات، مما تجاوز تلكؤ وتخلف إداراتنا، وجرف في طريقه كل التقاليد القديمة. حقا، كانت الآليات تصل تباعا، لكن ماذا عن الرجال؟. لأن الحاجة في الواقع هي أكبر للرجال والصدور. لقد كانت الحاجة ماسة إلى تعويض الخصاص الذي خلفه الروس. لقد تلقينا الوعد بحضورهم، لكن هل سيتحقق ذلك فعلا؟. ذلك كان السؤال. وعدونا كان يعمل على استغلال ذلك، بالتالي كنا ملزمين بالإسراع حتى لا نمنحه الفرصة التي يريد. لأنه

عدد الصفحات ١٩

حينها وقعت الهجومات الكبرى، وكبر القلق في صفوفنا لمدة ثلاثة أشهر كاملة. وفي كل الرسائل التي كانت تصلني من فرنسا، كان الأمل المعلن واحدا، هو استمرار المقاومة حتى يصلوا (الأمريكيون)، وأنه علينا الصمود كل الصيف وحتى مقدم الخريف. وحان نحن في شهر يوليوز، ومقاومتنا صلبة راسخة، وستبقى. ولقد بصمنا هناك على الجبهة الفرنسية، إلى جانب البلاجكة والبرتغاليين والإنجليز، على مقاومة وصلابة أسطورية. وعلينا هنا تحية دور القوات المغربية، التي تقدمت هناك، هجومنا المضاد. وفي منطقة «البياف»(شمال إيطاليا)، هزم الإيطاليون عدونا. (يتبع) هامش: 1) يقصد هنا السفينة الحربية الأمريكية«المونتور»، التي تعتبر أول سفينة حربية أنهت زمن السفن الشراعية، وفتحت الباب لمشاركة السفن البخارية في الحروب. ولقد استعملت فقط أثناء حرب الإنفصال الأمريكية، بين الشمال والجنوب، بين 1861 و1865. وتميزت بنوعية مدافعها القوية والشديدة البأس حينها، وكذا بقدرتها الأكبر على السرعة في الإبحار وعلى المناورة، اعتبارا لشكل هندستها المساعدة في مواجهة قوة المياه، في مقدمتها. منعطف دخول أمريكا الحرب العالمية الأولى سنة 1917 - الدارالبيضاء4 يوليوز1918 (تتمة)

عدد الصفحات ٢٠

حين كنا صامدين على مختلف الجبهات، وصل الأمريكيون في صفوف متراصة. وكانت الرسائل الواردة علينا من فرنسا، تؤكد تواردهم بانتظام، متجاوزين كل انتظاراتنا. كانوا يصلون مجهزين بأحدث الآليات، منظمين ومستعدين للمعارك .والعزة التي كانت تهبها لنا تلك القوة، متعاضدة مع فرح المشاركة الفرنسية إلى جانبهم، أذكر منهم «أندري تارديو»، الذي كان من أوائل من اشتغل معنا بحصافة ومعرفة بالمغرب، حين حل هنا بالرباط سنة 1913، حتى يدرس بعين المكان الواقع المغربي، وصداقته تشرفني عاليا (1). وأذكر أيضا،«إدوارد دوبيللي» أول مساعديه المباشرين، والذي يشهد الكثيرون منكم بأدواره الحاسمة هنا بالمغرب وفي مواجهة المقاومة التي بقينا هدفا لها هنا. والذي لم يغادر المغرب، سوى بقلب مكسور، للقيام بذات المهام التقنية الجليلة، بحنكته التنظيمية العالية، في فضاء أكثر شساعة، فضاء تعتبر رهاناته من الضخامة ما يحول دون قبول أي ندم أو حزن على المغادرة (2 ). وسأكون مناقضا لنفسي كقائد عام، إذا لم أستفد من ذلك الجهد الأمريكي، لاستخلاص الدروس الواجبة والمفيدة للمغرب. فنحن هنا في حرب أيضا، وبشكل يزداد شراسة، والتحديات العسكرية أصبحت في المقام الأول. أكيد تتذكرون يوم 28 ماي، حين انطلق هجوم ألماني على الجبهة الفرنسية والحال، أنه منذ يوم 24 ماي، وأنا بين فاس وتازة، وصلتني رسالة هي عبارة عن أمر ألماني يقول بالحرف: «سيتم الهجوم الشامل على فرنسا يوم29 ماي، ونحن نعول عليكم للإنتفاض جميعكم في ذات التاريخ، لطرد فرنسا (من المغرب)»إن ما علينا تسجيله عن هذا الإعلان المسبق بالمغرب حول الهجوم المقرر إطلاقه، هو كبر حجم التنسيق والجهد الألماني، ومكانة المغرب ضمنه، مما يفرض علينا جهدا كبيرا هائلا لمواجهته. فمنذ ثلاثة أشهر، وهذه المهمة أصبحت أشد صعوبة علينا يوميا .فمجهودات قواتنا أكبر كل يوم، ولا أخفيكم أنني عشت لحظات جدية من القلق .وهنا يكمن س ر عدم ظهوري الكثير أمامكم، فمهامي القيادية، فرضت علي الحضور بالميدان، مثل قبطان سفينة يقود السفينة بيديه محاطا بضباطه ومساعديه. وهي فرصة نادرة، أن أحضر معكم اليوم، لأني ملزم بالمغادرة غدا، صوب

عدد الصفحات ٢١

نهر ملوية، ثم التوجه بعد14 يوليوز القادم صوب تازة. أعرف أنه لا مجال لطلب ولو رجل واحد إضافي من بلادي فرنسا، في مقابل واجب أن أبعث لها بالرجال حسب المتوفر والمستطاع. وعلى الباقين هنا، أن يشحذوا همتهم، ويعلوا من إيمانهم، حتى يتوازى ذلك مع ذات المجهود المبدول بفرنسا وأروبا، وأن يكون جوابهم ملموسا في الميدان. فخصومنا سيعدون الخسارات على الجبهة المغربية بنفس مستوى الخسارات على جبهتنا بفرنسا. ومهمتنا أن نحافظ لفرنسا على هذا المغرب، الذي سيكون ورقتها الأصلب بعد نهاية الحرب (العالمية الأولى). ولم يحدث أن أحسستكم روحا واحدة، ورائي، مثل الآن. لقد قال السيد كليمنصو (الرئيس الفرنسي) مرة، في أحد خطاباته الشهيرة: «إني أحارب»وهنا، علينا استعارة ذات العبارة، لأقول لكم«فكروا في الحرب». إني أخاطبكم بقلب مفتوح. لأنه كم هو مثير أن يكتشف المرء حين يعود من جبهة المواجهات بالمغرب، إلى الأماكن الخلفية، أنه صغيرة وتافهة الخصومات المحلية، هنا، والحسابات الذاتية. «فكروا في الحرب»، تعني إلحاحية شحذ الطاقات حتى تكونوا سندنا الأكبر، الذي هو الوقود الذي تحتاجه طائراتنا، والتموين الذي تحتاجه فرقنا العسكرية، والعربات لنقلهم إلى مواقع المعارك .فالإمكانيات تتقلص، والتعاليق المشككة تصعد إلى الشفاه، وأنا أقمعها بأن أقول لها: «فكروا في الحرب»إن القيود تزداد، وحاجيات البقاء تتعاظم، بينما قواتنا هناك، لا تتوفر سوى على القليل، وأقل ما توفره لنا الحياة هنا، هو ترف لهم هناك، ف «فكروا في الحرب». إنه يكفيني هذا التذكير، حتى تفطنوا إلى ما أقصده، وتتفهموني. وأمريكا تقدم لنا هنا المثال الحي. فكل الرسائل التي ترد علي من هناك، من وراء المحيط، تشيد بحيوية وانخراط ذلك الشعب الأسطوري في الدعم. ويحدث أنه الحارس الأمين القيم على الآليات وكلفتها، بشكل صارم، لأنه لا يقبل أن يضيع ولو غرام واحد أو لتر واحد أو سنتمتر مربع واحد من واجبات دعم الدفاع الوطني، أو ما فيه المصلحة العامة. خاصة ما يتعلق بنقل تلك الآليات ورجالها، الذي هو في المقام الأول. إننا شهود، جميعنا هنا، على نموذج لذلك، والذي نتقبله ونرضاه وأعيننا مصوبة صوب الراية ذات النجوم، أول راية للحرية، المرفرفة على العالم الحديث وهي تخاطبنا

عدد الصفحات ٢٢

قائلة«إنهم قادمون حاملين معهم النصر». وأي نصر ذلك، غير التحرير من الكابوس الممط لحشد لا يؤمن سوى بالقوة العنيفة (الهمجية) والقمع. والذي حين ستنتصر الإنسانية عليه، ستواصل مسارها السلمي، لإنجاز مهام تقدمها المادي والروحي والإجتماعي، التي هي «خطوات النجم»، النجم المتلألئ الذي قاد من قبل المهاجرين من مختلف الأمم، والذي يقود اليوم شعبا بكامله عبر المحيطات. عاشت الولايات المتحدة الأمريكية. هامش: أندري تارديو، كان في بداياته صحفيا، من مواليد 1876، وتوفي سنة 1945، حيث يعتبر من أوائل الصحفيين الذين اشتغلوا سنة 1901 بجريدة «لوفيغارو»الباريسية، ثم بجريدة«لوطون»، التي تخصص فيها بقسم القضايا الخارجية والدولية، ما بين 1903 و1914، وهي الفترة التي زار فيها المغرب سنة 1913 وأقام به مدة طويلة، حرر فيها مقالات أسبوعية كان ينشرها بتلك الجريدة الفرنسية. قبل أن يعود إلى باريس ويلتحق بالجيش متطوعا للمشاركة بالحرب العالمية الثانية. ولقد تدرج في مهامه بها، حتى عين مفوضا عاما للعلاقات العسكرية الأمريكية الفرنسية سنة 1917، بعد دخول الأمريكيين بقرار من الرئيس ويلسون إلى تلك الحرب وسيصبح المساعد الأول بعد الحرب للرئيس الفرنسي جورج كليمنصو، ومنسقه الخاص ضمن مفاوضات السلم بباريس سنة 1918 . سيصبح رئيسا للوزراء بفرنسا ابتداء من سنة 1930، ثم رئيسا لفرنسا بالنيابة سنة 1932، بعد اغتيال الرئيس الفرنسي بمعرض الكتاب في الأسبوع الأول من شهر ماي من ذات السنة. حضر إدوارد دوبيللي إلى المغرب بصفته ضابط مدفعية. لكنه سينجز بها أعمالا تقنية جليلة، من خلال مسؤولياته ضمن قطاع الأشغال العمومية. أجتاز لحظات قلق صعبة من مقاومة المغاربة لنا بتازة وملوية

عدد الصفحات ٢٣

الرباط14 يوليوز1918 هنا، لم أقدم خطابا، بل أطروحة مطولة، بلغة حميمية، بجملقصيرة تلغرافية .وإذ أقدم هنا نصها كاملا، فإنه اعتقادا مني، أنها عبارة عن جرد لحصيلة وضعيتنا في أيام حربنا الحاسمة. فالهجوم المضاد قد انطلق، وأسباب الأمل تلمع في كل الجبهات. لكن علينا الإحتياط، في هذه اللحظات بالضبط، من كل تفاؤل مبالغ فيه، قد يخلق تراخيا في القوى غير مقبول. مثلما، علينا التحرك ضد عودة غلبة المصالح الخاصة، وضد عودة المطامح الفردية، التي تولد عادة كلما طالت الحرب. فقد لمست بعض ملامحها مؤخرا. ما كان يستوجب القطع معها والتحدث بصراحة. فقلت في تلك الأطروحة: «أصدقائي الأعزاء، كما جرت العادة بذلك، ها نحن نلتقي في هذا اليوم، الذي يرانا فيه العالم كله، نحن الفرنسيين متحلقين حول من نال شرف تمثيل أمتنا. ونحن في حاجة لرص الصفوف أكثر من أي وقت مضى. ولقد احتلت كلماتكم مكانة خاصة في قلبي، كونها تترجم صلابة الوحدة التي تلحم بيننا، وأيضا الثقة التي تمنحونني. وما دمنا نحن مجتمعون بين أبناء فرنسا، لنستغل هذه الفرصة العائلية، ونتحدث بقلب مفتوح، ونقوم بمحاسبة ضمير لأنفسنا. لنقم، إذا سمحتم، باستعراض للحصيلة، من الوضعية العامة في البداية، إلى الوضعية بالمغرب، ثم نتخلص بضع خلاصات من ذلك. في ما يخص الوضعية العامة، فإني أضم صوتي لصوتكم، في ما يرتبط بالأماني العظام المعبر عنها في كلماتكم، بشغف رفاقي. ولا يمكننا هنا التعبير كفاية عن مدى تقديرنا للدعم الأمريكي لنا. لأنه، ها قد تم توقيف هجوم العدو على أراضينا، في انتظار أن نقوم نحن بهجومنا المضاد، وهو أمر وارد جدا .فالمعطيات كلها تفيد أن العدو يتراجع، ويفقد واحدة بعد الأخرى، تلك الأسباب التي كان يعتمد عليها كثيرا. إذ منذ سنة انسحبت روسيا، ولم تكن أمريكا قد التحقت بنا بعد في الحرب، ما جعله يجمع كل قواته صوبنا، مراهنا على القضاء علينا. أكيد، أنه حاول ذلك، وأننا مررنا بأوقات عصيبة جدا، كلكم تتذكرونها . لكن قادتنا وقواتنا، قد أبانوا عن

عدد الصفحات ٢٤

بطولة هائلة في المقاومة، غير مسبوقة .فسقطت حسابات العدو، وعززت أمريكا صفوفنا. مثلما تمت استعادة المبادرة على الجبهة الإيطالية، فتم استعادة التوازن. واليوم، بتوالي المراحل، نحن من يعلي من راية النصر، ونحن من يربح ويستعيد أرض المعركة. لقد كنتم محقين تماما، حين قلتم، إنه بعد شهور من القلق، ها نحن نستعيد فسحة أمل كبيرة. لكن دوري، يفرض علي، أن أذكركم أن لاشئ حسم بعد. وأن أنبهكم إلى الثمن الغالي لكل تفاؤل مبالغ فيه، مثل ما ظل يحدث معنا خلال السنوات الأربع الأخيرة. إن العدو لا يزال قريبا من باريس، وهي تحت تهديدات قصفه. الحرب هي الحرب، مع إمكانيات دائمة لعودة الهجوم. وإذا كنا لا نشكك في النصر النهائي، فإن ما يجب أن نحذره، هو تقليدنا الفرنسي الخاص، الذي يجعلنا نعتقد أننا فقدنا كل شئ، وأنه مع أول رنين لجرس الأمل، نسقط في وهم أننا حققنا النصر. لا، في الحرب، ليس هناك نصر نهائي سوى بعد أن تنتهي الحرب .وأنه حتى نحقق ذلك في وقت قصير، فإنه على قوانا وتضحياتنا الجماعية أن تظل متواصلة، في مختلف الوضعيات. خاصة وأن الحرب اليوم، لم تعد كما كان عليه الأمر سابقا، حرب جيوش، بل حرب شعوب، متشبعة بروح وطنية، في كافة أبعادها الإقتصادية والصناعية والفلاحية. ***** ولأنتقل الآن، إلى الجبهة المغربية، لألتمس منكم، الآن أكثر من أي وقت آخر، أن تدركوا جيدا الوضعية، حتى تقدموا كل جهدكم المطلوب فيها. لقد وجهتم تحية حارة إلى القوات التي تحارب فيه، لكن هل تعلمون أن تلك الجبهات لن تصمد بدون دعمكم وسندكم. وبالنسبة لي، أنا الذي أتجول بين الضفتين، بين جبهات القتال وبين المناطق المحررة حيث أنتم، فإنني أستشعر دوما إحساس حمام إنجليزي، كوني أعبر من مناطق حامية الوطيس إلى مناطق شديدة البرودة والهدوء. إني أؤكد لكم، أنه بين ميدلت وبومحيريز (1)، من جهة، وبين الرباط والدارالبيضاء من جهة أخرى، فإن وجهات النظر مختلفة، ووجهة النظر التي في مقدمة المواجهة والمعركة هي الأصوب. خاصة وأننا ندرك أن المعركة هناك، ليست معركة محلية محدودة، بل هي جزء من حرب شاملة. فعدونا الألماني، لم

عدد الصفحات ٢٥

يني ينفذ خطة عالمية تجعله يحاول ضربنا في كل الجبهات حيث له المقدرة على التأثير علينا فيها. وفي شمال إفريقيا، فإن مجاله المفضل الأوحد هو المغرب. لأنه هنا، فقط، لا تزال البنادق والأسلحة للمقاومة ترفع في وجهنا، عكس الجزائر وتونس. مثلما أنه هنا، فقط، له مداخل للوصول إلينا .فعبر منطقة الشمال المغربي، المحايدة، التي لا يمنع عدونا من التواجد فيها، يتم تهريب كل شئ: أموال، منشورات دعائية، أسلحة وذخيرة، وصولا حتى إلى رشاشات وقنابل وآليات عسكرية من أكثرها جدة، الفعالة في تدمير القناطر وأيضا خطوط التلغراف. إنني أتتبع، أسبوعيا، هناك، وصول آليات جديدة فعالة. وإني أخشى جديا وصول ما هو أكثر حسما ضدنا (2). لقد وضعت أمامكم هنا خريطة للمنطقة، حتى تدركوا حجم المخاطر الجدية التي تتهددنا. وهذا يقدم لنا جميعا الدليل، على حجم الجهد المبدول من قبل الألمان لإدماج المغرب ضمن استراتيجيته ويربطه ببرنامجه العام للتحرك. ولقد تحدث عن هذا الأمر في الدارالبيضاء إلى حكومتنا بباريس. (يتبع) هامش: 1 – ميدلت كانت تعتبر النقطة المتقدمة للمواجهة مع المقاومة الشعبية المغربية في أعالي الأطلس المتوسط، جنوب مدينة مكناس. فيما تعتبر منطقة بومحيريز، النقطة المتقدمة للمواجهة بجهة تازة شمالا باتجاه وجدة. 2 – يقول ليوطي في هامش خاص«علمنا، عبر اعتراض مراسلات سرية، قرب وصول طائرات ألمانية عند قبائل الشمال بالمنطقة التي تتبع للحماية الإسبانية، والتي لسنا معها على ما يرام». أموال وأسلحة ألمانية بتازة وإيتزر قرب ميدلت

عدد الصفحات ٢٦

الرباط: 14 يوليوز1918(تتمة كان الإستعداد للقيام بالهجوم الألماني بفرنسا، يوم 28 ماي1918 .) بينما أربعة أيام قبل ذلك، هنا بالمغرب، يوم24 ماي، وقعت بين يدي رسالة مكتوبة باللغة العربية، قادمة من شمال المغرب، موجهة إلى المنشقين المغاربة بوسط البلاد وجنوبها. كانت تقول بالحرف: «سيتجدد الهجوم الألماني يوم 29 ماي، ها هي تعليمات السلطات الألمانية»وتبعا للأوامر الصادرة، عليهم التحرك بشكل جماعي، في توقيت محدد سلفا، حتى يكون الجهد الموجه ضدنا هنا، متزامنا مع ذاك الذي ستبدله ألمانيا على الجبهة الفرنسية.والحال، أنه لا أحد منا هنا، كان يعلم شيئا عن الهجوم الألماني بفرنسا. فكنت أربعة أيام قبل الموعد المحدد بلغتني تلك المعلومة، فكان أرسلت تلغرافا سريعا إلى باريس، قلت فيه: «أكيد أنكم على علم بالأمر، لكن واجبي يفرض علي إخباركم»ثقوا، أنه لكوننا في خضم عائلي بين فرنسيين أبوح لكم بهذه المعلومات، التي لن أسمح أبدا بنشرها، ولا بإخبار الأهالي المغاربة بها، أو أي أجنبي بهذه البلاد، حتى لا نحرق سبق المعلومة التي نتوفر عليها، ونمنحهم فرصة تدارك الأمر. إن الأساسي، هو أنهم عليكم أنتم، أن تدركوا أنه بالنسبة لأعدائنا، فإن الجبهة في المغرب وفي فرنسا هي واحدة .إنهم على علاقة مع كل الزعماء الكبار، الذين نواجههم هنا، ويقدمون إليهم التوجيه والتعليمات. إذ، خلال هذه الأيام، بمنطقة «إيتزر»1)، حصلت على رزمة من الرسائل، تمكن رجال مخابراتنا من وضع اليد عليها، بعضها قادم من الشمال وبعضها قادم من الجنوب. كانت تضم شيكات بنكية، بعضها فرنسي، مهربة من المنطقة الإسبانية بالشمال، وبعضها إسباني آتية من الجنوب. وتتضمن، خصوصا، رسائل إلى عشر شخصيات مختلفة، لكنها تتضمن نفس القرار الموحد إليهم جميعا، المتمثل في تنسيق المواقف ضدنا، وفي المقام الأول تفجير معبر تازة الحيوي، وأيضا استعادة الممر الحيوي، الذي وضعنا عليه اليد السنة الماضية 1917) بين مكناس ونهر ملوية، والذي فصل في الوسط بين كثلة المنشقين. ذلكم، هما الهدفان اللذان يراهنان عليهما بكل قوة والتي سيوحدان جهودهما من أجل تجديد استعادتهما. بالتالي، فإن كل ما أملكه من قوات حاليا، قد وضعتها هناك

عدد الصفحات ٢٧

في تلك المنطقتين.بخصوص معبر تازة، فأنتم تعلمون ما أنجزته هناك قوات الجنرال «أوبير»، التي طردت عبد المالك صوب الشمال. بالتالي فهو معبر محرر تماما. لكن، في ما يخص معبر المنطقة الوسطى، بالأطلس المتوسط، الصعب كثيرا، الكثيف الغابات، بصخور ناتئة، فإن المنشقين المناوئين لنا، قد نجحوا يوم 12 يونيو من قطعه مجددا. وكان على الجنرال «بويميرو»، أن يقود قواته في معركة بطولية يوم19 يونيو لإعادة فتحه، بواسطة حراب القناصة. لقد خسر فيها الكثير من الرجال، لكن المهاجمين المنشقين قد تلقوا هزيمة، ستجعلهم يركنون للهدوء مدة طويلة، والطريق اليوم سالكة هناك. ولقد حكى لي الجنرال «بويميرو»حين التقيته هناك بعد أيام من المعركة، أنه اجتاز أياما جد مقلقة، كونه كان متخوفا من تحقيق نصف نصر فقط، مما كان سيضطره إلى تكرار الهجوم، مما كان سيضاعف من خساراته البشرية، ما يعني شبه خسارة للمعركة وللمعبر.لقد خسرنا خلال شهر يونيو الماضي، 14 ضابطا، بين قتيل وجريح، وهي حصيلة مماثلة لما خسرناه في فرنسا أمام الألمان. وجهد خصومنا لن يتعب أو يلين، حتى نهاية الحرب.لقد اطلعت في الرسائل التي وقعت بين يدي، على تعليمات قادمة من أروبا، من العاصمة الألمانية برلين، عبر سفراء مبثوثين بين برلين والمغرب. وما قرأته فيها يمكن تلخيصه كالآتي: «لا تيأسوا، حين تواجهكم خسارة ما، سنبعث لكم المزيد من الأموال والسلاح والتوجيهات». بعدها، تأتي معلومات عامة عن الوضعية في أروبا، التي طبعا تقدم فيها الصورة على أننا الخاسرون المنهزمون، فباريس قصفت، واندحارنا وشيك. هكذا، فكلما أنزلنا بهم هزيمة (المغاربة)، ونتوقع كما جرت العادة من قبل أن يطلبوا منا قبول استسلامهم. فإنه لاشئ من ذلك يحدث، لأن العملاء الألمان هنا لإعادة شحذ هممهم وإقناعهم بقرب هزيمتنا النهائية. والعملاء الألمان هم بالعشرات عند عبد المالك، يؤطرون رجاله ويوجهونهم.إن ما أريد أن أحملكم عليه، من خلال حديثي معكم بهذا الوضوح، هو الإقتناع بأهمية مواصلة المجهود الحربي هنا، إلى آخر رمق. مثلما أنني أردت أن أشرح لكم من خلال ذلك، السر في عدم تواجدي معكم منذ مدة، لمباشرة حل مشاكلكم. لأن مهمتي المركزية الآن، هي أن أكون في موقعي الطبيعي، كقائد، في مقدمة جبهات المواجهة. لأنه هناك يلعب مستقبل

عدد الصفحات ٢٨

المغرب ومستقبل أمنكم. لأنه علينا المقاومة مهما كلفنا ذلك، وأن لا نفرط في أي شبر من الأرض حصلنا عليه. ولعلكم تتذكرون ما قلته لكم، سنة 1914: «إذا كنا سننسحب، فإننا خاسرون ضائعون. وأنه كلما فرطنا في مساحة معينة، بدعوى أننا سنعود لاستعادتها في ما بعد، فإن ذلك سيكون مثل كرة ثلج، تزداد كبرا فقط»وذلك ما أعيد التأكيد عليه الآن أكثر. لأنه إذا كان هناك منشقون يواجهوننا اليوم، فإنه علينا عدم نسيان من قمنا بتطويعهم أمس، والذين هم إلى جانبنا اليوم لأننا الأقوى، وأنهم في حال ظهر علينا أي ضعف أو تراخ، فإنهم لن يترددوا في الإنقلاب علينا والإصطفاف مع باقي المنشقين.علينا جيمعنا، نحن الحاضرون هنا، أن نكون قوي الشكيمة، بلا هوادة .وعليكم أن تدركوا أن كل المجهودات، سواء في مجال الأشغال العمومية، أو السكك الحديدية، أو التموين، يجب أن تتوحد في اتجاه الأمن والدفاع. لقد أخبرت البارحة إدارة الأشغال العمومية، بالحرف: «إن الأساسي الآن، هي طريق تازة وطريق نهر ملوية، ممراتها ونقط مراقبتها. هناك يجب أن تضعوا كل جهدكم وآلياتكم ورجالكم. وإذا قلتم لي: إننا سنضحي إذن بالطريق الفلانية الأخرى، والشطر الآخر هناك للسكك الحديدية، المنتظر إنجازهما في تلك المنطقة، فإنني أجيبكم: لا يهمني ذلك، فإذا كان ضروريا تأخير تنمية منطقة الغرب ومنطقة الشاوية، فإننا سنعود إليهما ذات يوم. تغاضوا عن كل ما هو غير عسكري. أيها المدراء المدنيون والعسكريون، كلكم مثلي اليوم، جنرالات من القيادة، في منطقة عسكرية، حتى نجناز هذه المرحلة الصعبة والدقيقة. فقواتنا التي تتضاءل يوميا، والتي ما عادت ترتاح، ستواجه معارك الصيف الصعبة، دون أن يكون في إمكاني منحهم أي عطلة، لأنه علينا أن لا ننهار»ولأن مصلحة الأشغال العمومية التابعة لي، تفهم الموقف واستوعبته، فإني غادرت أمس الأول، قصبة المخزن في الخامسة صباحا، وتمكنت أن أصل إلى مكناس في الخامسة مساء. والحال أننا أصبحنا في قصبة المخزن فقط من 15 يوما، وأن العمل الجبار لأشغالنا العمومية، قد مكن من تجهيز معابر طرقية غير معبدة، في هذين الأسبوعين، مما مكننا من قطع تلك المسافة في 12 ساعة، بعد أن كان ذلك يستوجب 15 أو20 يوما.والأساسي هنا، ليس أنني تمكنت من عبورها، بل هو في عبور الشاحنات بشكل منتظم، حاملة لتلك القوات

عدد الصفحات ٢٩

تموين سنة، بعد أن كانت في ما قبل تعاني من خصاص كبير. أي تلك القوات في تلك المواقع، التي تعيش في ظروف قاسية تحت الخيام، بدون أي إمكانيات للدعة ولدون موارد، والتي هي في حاجة لكل شئ. وكل من يعايشهم يدرك ضخامة حاجياتهم، ويدرك مقدار ما يستحقون وما هم محرومون منه .ولنتأمل تفصيلا واحدا، لقد كانت تلك القوات بدون خمر، وبفضل ذلك المجهود للتموين، سيحصلون على حصص ثلاث كل أسبوع. وأنتم الذين هم هنا، غير المعنيين بفقدان كؤوس خمركم، افهموا أنه من حق الآخرين ما هو متوفر لكم، وأي جهد تبدله كل المصالح في هذا البلد المحتل، الصعب الإختراق، والذي لاشئ كان متوفرا فيه، حتى تبعثوا المساعدة لأولئك الذين يقدمون صدورهم لحمايتكم.(يتبع)هامش:-1 بلدة إيتزر، هي بلدة غنية فلاحية وبالمياه. وهي منطقة نبع نهر ملوية، الذي يقطع انطلاقا من جبل العياشي، قرب مدينة ميدلت، بالأطلس الكبير، مسافة 587 كلمترا، كي يصب في البحر الأبيض المتوسط عند منطقة السعيدية من يكون في السلطة وهمه شعبيته، لا يستحق أصلا القيادة الرباط: 14 يوليوز1918 (تتمة) إنكم تدركون مقصدي إذن. إن روح المعركة، كما هو متواجد في الجبهات، يجب أن يكون هنا أيضا. إن ما أطلبه منكم، هو أن تكونوا

عدد الصفحات ٣٠

منخرطين في قلب الحدث. إني أعترف أمامكم، كلما عدت من الجبهة، إلى هنا، أشعر بالغثيان من حجم الحسابات الخاصة الطاغية. إنني حين أغادر تلك المناطق حيث قواتنا تقاوم بالقليل، وحيث همهم الأكبر هو إعلاء راية الوطن، وآتي إلى هنا، أصاب بالعي حين أجدني غارقا في قصص قلة الربح وتراجع نسبته، وتأخر إنجاز المشاريع التي يمكنكم التجاوز عنها كونها ليست من الأساسيات، مما يجدني أمام أناس بؤساء ضعاف النفوس في أوقات صعبة مماثلة. ليذهب فكرنا دوما، صوب أبنائنا الذين يضحون بحياتهم هناك. إن أطرنا في مقدمة الجبهات، من ضباط وضباط صف، ضمن الوحدات الميدانية العاملة هناك، كلهم من جيش الإحتياط، الذين تركوا بدورهم في فرنسا مصالح هامة لهم، وهي مهددة في بقائها بسبب غيابهم. ورغم ذلك، فإنهم منخرطون في المعركة متناسين كل ما تركوه وراءهم. وأنا أحمل معي الكثير من تفاصيلهم، التي تنعش القلب فعلا. مثل قصة ضابط من جيش الإحتياط، في الأربعينات من عمره، يقود مجموعة من القناصة، والذي يمتلك في فرنسا معملا صناعيا مهما .لقد راسلوني من باريس، ليحدثوني حول أهمية مؤسسته الصناعية ضمن نسيجنا الإقتصادي، وكيف أنها تعاني كثيرا بسبب غيابه، ولقد طلبوا مني الإذن له بالعودة لشهور فقط. ناديت عليه، وقلت له: «تمة مصالح أخرى هامة هناك في فرنسا، وهي حيوية جدا للبلد، تقتضي تواجدك هناك. خد 3 أو4 أشهر ثم عد إلينا بعد ذلك»فكان جوابه«لا جنرال. ليس هناك مجال لأية مصالح ذاتية . ومهما كانت حيوية بالنسبة للبلد، فإنهم سيجدون، هناك، بديلا عني. ربما سأفلس بعد الحرب، لكن لدي هنا وحدة علي قيادتها، وسأقودها حتى النهاية». لقد قتل منذ أسبوعين بمنطقة بومحيرز1 ). إن رجالا من طينته، ما عدت أحصيهم من كثرتهم. كنت مؤخرا أتجاذب أطراف الحديث مع عدد منهم، في النقط المتقدمة للجبهات، تحت قيادة الجنرالين أوبير وبوريميرو. كلهم خلفوا وراءهم في فرنسا بيوتا مغلقة ومصالح حيوية كثيرة تعاني بسبب غيابهم، وليس لهم حق الزيارة سوى شهرا واحدا في السنة، ضمنه أيام السفر ذهابا وإيابا. رغم ذلك، كنت أجدهم كلهم بمعنويات مرتفعة، وإحساس رفيع بأداء الواجب، ويؤكدون: «نعم، مصالحهم في خطر. ليس مهما، المهم الآن هو عظمة فرنسا،

عدد الصفحات ٣١

ومكاننا هو في الجبهة»إني أترك لكم تخيل أسباب حنقي، حين أغادر أجواء مماثلة، كي ألتقي، هنا، بعضهم الذين لا هم لهم سوى الربح والصفقات. ولقد وقعت بين يدي مؤخرا، بالصدفة، رسالة موقعة بواحد منكم، بل من كباركم، حيث كتب يقول: «رغم كل ذلك، هناك نقطة يجب أن نغفل عنها، تلك الخاصة بمحافظ النقود»نعم، صدقوني، قرأت ذلك، ولقد تصاعد الحنق إلى حلقي. صحيح، وعلي أن أؤكد على ذلك، هذه حالات قليلة واستثنائية، فالأغلبية ضمنكم لا يقبلون أمورا مماثلة، وأنا أقرأ ذلك في أعينكم الآن. بل، أستطيع أن أقدم لكم نماذج من ضمنكم، مثل السيد «بيرنودا»2)، الذي لم يتعب أبدا من إلحاحه علي أن أرسله لمكان آخر في المقدمة، رغم سنه المتقدم، ورغم حيوية مكانته ضمن المؤسسة التي يعمل بها. وكثيرة هي الأمثلة في هذا الباب. نعم، إن الجاهلين منكم، ليسوا سوى قلة، وأنا ما يهمني هو أن أخاطبكم أنتم الأغلبية التي تفكر مثلي، والتي عليها أن تقول رأيها عاليا وأن تفرض احترام القانون. للأسف، فالأغلبيات دوما ما تخجل من القيام بذلك. لأقدم لكم مثالا. فخلال مقامي بباريس لأسابيع، لزيارة الوزارة، صدمني أمر مثير، حد الحنق، فبديوان الوزير قدمت لي الصورة الصحيحة الكاملة، معلومات وواقعا، مسنودة بروح تعبئة وطنية عالية. وفي الغد، بمجلس النواب، في جلسة عمومية، اختفت تلك الروح. حيت استمعت لذات الرجال يقولون كلاما مناقضا تماما، لأن الهم الوحيد الطاغي حينها هو هم إعادة انتخابهم. وحين عبرت عن غضبي من ذلك، ردوا علي بما يشبه الشفقة: «ما الذي تريده، إنها ضرورات النظام الديمقراطي» اسمحوا لي، أنا ضد ذلك المنطق، فالديمقراطية لها شرفها. قد يقول بعضهم إن أمريكا غير ديمقراطية وأن إنجلترا ليست كذلك تحت تاجها الملكي. لكن أنصتوا لزعمائهم السياسيين، فهو خطاب رفيع ونموذجي، لأنهم مؤمنون أن لا حاجة لديهم لترضية رأيهم العام ونفاقه. إن نبرة خطابهم قوية، بل عنيفة أحيانا، وهم على حق في ذلك، لأن مهمة القائد ليست في أن يتبع الريح حيث تريد، بل على العكس من ذلك، مهمته هي أن يقود، أن يوجه، أن يحدد الهدف. تلكم هي الحقيقة الديمقراطية. بل، سأضيف، إن ذلك واجب في الديمقراطيات أكثر من غيرها، لأنه بفضل

عدد الصفحات ٣٢