20 السبل النيرات في أهمية علم القراءات يبقــون حــى ينفــردوا بذلــك، وتعقــب بأنهــم ل ينفــردوا، بــل الذيــن مهــروا في تجويــد القــرآن بعــد العــر النبــوي أضعــاف المذكوريــن، وقــد قتــل ســال مــولى أبي حذيفــة بعــد النــي صــى الله عليــه وســلم في وقعــة اليمامــة، ومــات معــاذ في خلافــة عمــر، ومــات أبي وابــن مســعود في خلافــة عثــمان، وقــد تأخــر زيــد بــن ثابــت وانتهــت إليــه الرياســة في القــراءة وعــاش بعدهــم زمانــا طويــلا، فالظاهــر أنــه أمــر بالأخــذ عنهم في الوقــت الــذي صــدر فيــه ذلــك القــول، ولا يلــزم مــن ذلــك أن لا يكــون أحــد في ذلــك الوقــت شــاركهم في حفــظ القــرآن، بــل كان الذيــن يحفظــون مثــل الذيــن حفظــوه وأزيــد منهــم جماعــة مــن الصحابــة، وقــد تقــدم في غــزوة بــر معونــة أن الذيــن قتلــوا بــا مــن الصحابــة كان يقــال لهــم القــراء وكانــوا ســبعن رجلا......ثــم قــال الحافــظ- رحمــه الله-: قولــه: « صــى الله عليــه وســلم؟ قــال: أربعــة كلهــم مــن الأنصــار في روايــة الطــبري مــن طريــق ســعيد بــن أبي عروبــة عــن قتــادة في أول الحديــث فقــال الأوس: منــا أربعــة: مــن اهــز لــه العــرش ســعد بــن معــاذ، ومــن عدلــت شــهادته شــهادة رجلــن خزيمــة ابــن ثابــت، ومــن غســلته الملائكــة حنظلــة بــن أبي عامــر، ومــن حمتــه الدبــر عاصــم بــن ثابــت. فقــال الخــزرج: منــا أربعــة جمعــوا القــرآن ل يجمعــه غيرهــم. فذكرهــم......... ثــم قــال
عدد الصفحات ٢٠21 إبراهيم محمد كشيدان الحافــظ- رحمــه الله-: وجــوزت هنــاك أن لا يكــون لقــول أنــس « عنــد الطــبري صريحــة في الحــر، وســعيد ثبــت في قتــادة ويحتمــل مــع ذلــك أن مــراد أنــس مــن الأوس بقرينــة المفاخــرة المذكــورة، ول يــرد نــي ذلــك عــن المهاجريــن، ثــم في روايــة ســعيد أن ذلــك مــن قــول الخــزرج، ول يفصــح باســم قائــل ذلــك، لكــن لمــا أورده أنــس ول يتعقبــه كان كأنــه قائــل بــه ولا ســيما وهــو مــن الخــزرج. وقــد أجــاب القــاضي أبــو بكــر الباقــلاني وغــيره عــن حديــث أنــس هــذا بأجوبــة: أحدهــا: أنــه لا مفهــوم لــه، فــلا يلــزم أن لا يكــون غيرهــم جمعــه. ثانيهــا: المــراد ل يجمعــه عــى جميــع الوجــوه والقــراءات الــي نــزل بــا إلا أولئــك. ثالثهــا: ل يجمــع مــا نســخ منــه بعــد تلاوتــه ومــا ل ينســخ إلا أولئــك، وهــو قريــب مــن الثــاني. رابعهــا: أن المــراد بجمعــه تلقيــه مــن في رســول الله صــى الله عليــه وســلم لا بواســطة، بخــلاف غيرهــم فيحتمــل أن يكــون تلــى بعضــه بالواســطة. خامســها: أنهــم تصــدوا لإلقائــه وتعليمــه فاشــتهروا بــه، وخــي حــال غيرهــم عمــن عــرف حالهــم فحــر ذلــك
عدد الصفحات ٢١22 السبل النيرات في أهمية علم القراءات فيهــم بحســب علمــه، وليــس الأمــر في نفــس الأمــر كذلــك، أو يكــون الســبب في خفائهــم أنهــم خافــوا غائلــة الريــاء والعجــب، وأمــن ذلــك مــن أظهــره. سادســها: المــراد بالجمــع الكتابــة، فــلا ينــي أن يكــون غيرهم جمعــه حفظــا عــن ظهــر قلــب، وأمــا هــؤلاء فجمعــوه كتابــة، وحفظــوه عــن ظهــر قلــب. ســابعها: المــراد أن أحــدا ل يفصــح بأنــه جمعــه بمعــى أكمــل حفظــه في عهــد رســول الله - صــى الله عليــه وســلم- إلا أولئــك، بخــلاف غيرهــم فلــم يفصــح بذلــك؛ لأن أحــدا منهــم ل يكملــه إلا عنــد وفــاة رســول الله -صــى الله عليــه وســلم- حــن نزلــت آخــر آيــة منــه، فلعــل هــذه الآيــة الأخــيرة ومــا أشــبهها مــا حرهــا إلا أولئــك الأربعــة ممــن جمــع جميــع القــرآن قبلهــا، وإن كان قــد حرهــا مــن ل يجمــع غيرهــا الجمــع البــن. ثامنهــا: أن المــراد بجمعــه الســمع والطاعــة لــه والعمــل بموجبــه. وقــد أخــرج أحمــد في الزهــد مــن طريــق أبي الزاهرية « فقــال: اللهــم غفــرا، إنمــا جمــع القــرآن مــن ســمع لــه وأطــاع وفي غالــب هــذه الاحتــمالات تكلــف ولا ســيما الأخــير وقــد أومــأت قبــل هــذا إلى احتــمال آخــر، وهــو أن المــراد إثبــات
عدد الصفحات ٢٢23 إبراهيم محمد كشيدان ذلــك للخــزرج دون الأوس فقــط، فــلا ينــي ذلــك عــن غــ القبيلتــن مــن المهاجريــن ومــن جــاء بعدهــم، ويحتمــل أن يقــال: إنمــا اقتــر عليهــم أنــس لتعلــق غرضــه بــم، ولا يخــى بعــده. والــذي يظهــر مــن كثــير مــن الأحاديــث أن أبــا بكــر كان يحفــظ القــرآن في حيــاة رســول الله - صــى الله عليــه وســلم -، فقــد تقــدم في المبعــث أنــه بــى مســجدا بفنــاء داره فــكان يقــرأ فيــه القــرآن، وهــو محمــول عــى مــا كان نــزل منــه إذ ذاك، وهــذا ممــا لا يرتــاب فيــه مــع شــدة حــرص أبي بكــر عــى تلــي القــرآن مــن النــي - صــى الله عليــه وســلم- وفــراغ بالــه لــه وهمــا بمكــة وكــرة ملازمــة منهــما للآخــر حــى قالــت عائشــة كــما تقــدم في الهجــرة أنــه - صــى الله عليــه وســلم- كان يأتيهــم بكــرة وعشــية. وقــد صحــح مســلم حديــث وتقدمــت الإشــارة إليــه، وتقــدم أنــه -صــى الله عليــه وســلم- أمــر أبــا بكــر أن يــؤم في مكانــه لمــا مــرض فيــدل عــى أنــه كان أقرأهــم، وتقــدم عــن عــي أنــه جمــع القــرآن عــى ترتيــب الــزول عقــب مــوت النــي -صــى الله عليــه وســلم-. وأخــرج النســائي بإســناد صحيــح عــن عبــد الله بــن عمــر قــال: « عليــه وســلم فقــال: اقــرأه في شــهر الصحيــح وتقــدم في الحديــث الــذي مــى ذكــر ابــن مســعود وســال مــولى أبي حذيفــة وكل هــؤلاء مــن المهاجريــن، وقــد
عدد الصفحات ٢٣24 السبل النيرات في أهمية علم القراءات ذكــر أبــو عبيــد القــراء مــن أصحــاب النــي -صــى عليــه وســلم -فعــد مــن المهاجريــن الخلفــاء الأربعــة وطلحــة وســعدا وابــن مســعود وحذيفــة وســالما وأبــا هريــرة وعبــد الله بــن الســائب والعبادلــة، ومــن النســاء عائشــة وحفصــة وأم ســلمة، ولكــن بعــض هــؤلاء إنمــا أكملــه بعــد النــي صــى الله عليــه وســلم فــلا يــرد عــى الحــر المذكــور في حديــث أنس، وعــد ابــن أبي داود أيضــا تيــم بــن أوس الــداري وعقبــة بــن عامــر عبــادة بــن الصامــت ومعــاذا الــذي يكــى أبــا حليمــة ومجمــع بــن حارثــة وفضالــة بــن عبيــد ومســلمة بــن مخلــد وغيرهــم، وصرح بــأن بعضهــم إنمــا جمعــه بعــد النــي - صــى الله عليــه وســلم-، وممــن جمعــه أيضــا أبــو مــوسى الأشــعري ذكــره أبــو عمــرو الــداني، وعــد بعــض المتأخريــن مــن القــراء عمــرو بــن العــاص وســعد بــن عبــاد وأم ورقــة. قولــه بــن مــوسى عــن حســن بــن واقــد عــن ثمامــة عــن أنــس هــذا التعليــق وصلــه إســحاق بــن راهويــه في مســنده عــن الفضــل بــن مــوسى بــه، ثــم أخرجــه المصنــف مــن طريــق عبــد الله بــن المثــى قــال مــات النــي صــى الله عليــه وســلم ول يجمــع القــرآن غــير أربعــة وجهــن: أحدهمــا: التريــح بصيغــة الحــر في الأربعــة، ثانيهــما: ذكــر أبي الــدرداء بــدل أبي بــن كعــب. فأمــا الأول
عدد الصفحات ٢٤25 إبراهيم محمد كشيدان فقــد تقــدم الجــواب عنــه مــن عــدة أوجــه، وقــد اســتنكره جماعــة مــن الأئــة. قــال المــازري: لا يلــزم مــن قــول أنــس ل يجمعــه غيرهــم أن يكــون الواقــع في نفــس الأمــر كذلــك؛ لأن التقديــر أن لا يعلــم أن ســواهم جمعــه، وإلا فكيــف الإحاطــة بذلــك مــع كــرة الصحابــة وتفرقهــم في البــلاد، وهــذا لا يتــم إلا إن كان لــي كل واحــد منهــم عــى انفــراده وأخــبره عــن نفســه أنــه ل يكمــل لــه جمــع القــرآن في عهــد النــي -صــى الله عليــه وســلم-، وهــذا في غايــة البعــد في العــادة، وإذا كان المرجــع إلى طخــا مــا في علمــه ل يلــزم أن يكــون الواقــع كذلــك. قــال: وقــد تســك بقــول أنــس هــذا جماعــة مــن الملاحــدة، ولا متمســك لهــم فيــه، فإنــا لا نســلم حملــه عــى ظاهــره. ســلمناه، ولكــن مــن أيــن لهــم أن الواقــع في نفــس الأمــر كذلــك؟ ســلمناه، لكــن لا يلــزم مــن كــون كل واحــد مــن الجــم الغفــير ل يحفظــه كلــه أن لا يكــون حفــظ مجموعــه الجــم الغفــير، وليــس مــن شرط التواتــر أن يحفــظ كل فــرد جميعــه، بــل إذا حفــظ الــكل الــكل ولــو عــى التوزيــع كــى، واســتدل القرطــي عــى ذلــك ببعــض مــا تقــدم مــن أنــه قتــل يــوم اليمامــة ســبعون مــن القــراء، وقتــل في عهــد النــي صــى الله عليــه وســلم ببــر معونــة مثــل هــذا العــدد، قــال: وإنمــا خــص أنــس الأربعــة بالذكــر لشــدة تعلقــه بــم دون غيرهــم، أو لكونهــم كانــوا في ذهنــه دون غيرهــم. وأمــا الوجــه الثــاني مــن المخالفــة فقــال الإســماعيي:
عدد الصفحات ٢٥26 السبل النيرات في أهمية علم القراءات هــذان الحديثــان مختلفــان، ولا يجــوزان في الصحيــح مــع تباينهــما، بــى الصحيــح أحدهمــا. وجــزم البيهــي بــأن ذكــر أبي الــدرداء وهــم والصــواب أبي بــن كعــب. وقــال الــداودي: لا أرى ذكــر أبي الــدرداء محفوظــا. قلــت: وقــد أشــار البخــاري إلى عــدم الرجيــح إسجيــح باســتواء الطرفــن، فطريــق قتــادة عــى شرطــه وقــد وافقــه عليهــا ثمامة في إحــدى الروايتــن عنــه، وطريــق ثابــت أيضــا عــى شرطــه وقــد وافقــه عليهــا أيضــا ثمامــة في الروايــة الأخــرى، لكــن مخــرج الروايــة عــن ثابــت وثمامــة بموافقتــه، وقــد وقــع عــن عبــد الله بــن المثــى وفيــه مقــال وإن كان عنــد البخــاري مقبــولا لكــن لا تعــادل روايتــه روايــة قتــادة، ويرجــح روايــة قتــادة حديــث عمــر في ذكــر أبي بــن كعــب وهــو خاتــة أحاديــث البــاب، ولعــل البخــاري أشــار بإخراجــه إلى ذلــك لتريــح عمــر برجيحــه لا القــراءة عــى غــيره، ويحتمــل أن يكــون أنــس حــدث بــذا الحديــث في وقتــن فذكــره مــرة أبي بــن كعــب ومــرة بدلــه أبــا الــدرداء، وقــد روى ابــن أبي داود مــن طريــق محمــد بــن كعــب القرظــي قــال القــرآن عــى عهــد رســول الله صــى الله عليــه وســلم خمســة مــن الأنصــار: معــاذ بــن جبــل وعبــادة بــن الصامــت وأبي بــن كعــب وأبــو الــدرداء وأبــو أيــوب الأنصــاري مــع إرســاله، وهــو شــاهد جيــد لحديــث عبــد الله بــن المثــى
عدد الصفحات ٢٦27 إبراهيم محمد كشيدان في ذكــر أبي الــدرداء وإن خالفــه في العــدد والمعــدود، ومــن طريــق الشــعي قــال الله عليــه وســلم ســتة منهــم أبــو الــدرداء ومعــاذ وأبــو زيــد وزيــد بــن ثابــت، وهــؤلاء الأربعــة هــم الذيــن ذكــروا في روايــة عبــد الله بــن المثــى، وإســناده صحيــح مــع إرســاله. فللــه در البخــاري مــا أكــر اطلاعــه. وقــد تبــن بــذه الرواية المرســلة قــوة روايــة عبــد الله بــن المثــى وأن لروايتــه أصــلا والله أعلــم. وقــال الكرمــاني: لعــل الســامع كان يعتقــد أن هــؤلاء الأربعــة ل يجمعــوا وكان أبــو الــدرداء ممــن جمــع فقــال أنــس ذلــك ردا عليــه، وأتى بصيغــة الحــر ادعــاء ومبالغــة، ولا يلــزم منــه النــي عــن غيرهــم بطريــق الحقيقــة والله . )أعلــم 3 الحــروف فقــط، كــما يظــن بعــض مــن لا علــم لــه بــا، بــل صــور الاهتــمام تنوعــت كــما ســنبينه فيــما بعــد. 4 الأحــكام، وشرح الأدلــة، وإزالـة الشــبه 5 والفقيــه، واللغــوي، وهــو علــم متداخــل مــع علــم التوحيــد 1 .47/852
عدد الصفحات ٢٧28 السبل النيرات في أهمية علم القراءات والعقيــدة، وعلــم أســباب الــزول، وعلــم الفواصــل، وعلــم فضائــل القــرآن، والفقــه، والتفســير، والحديــث، واللغــة، وأصــول الفقــه، وعلــم النحــو والإعراب،والبلاغــة. قــال الســيوطي: (فــإن العلــم بحــر زخــار، لا يــدرك لــه مــن قــرار، ، ولا يصــار مــن أراد )وطــود شــامخ لا يســلك إلى قننــه الســبيل إلى اســتقصائه ل يبلــغ إلى ذلــك وصــولا، ومــن رام الوصــول إلى إحصائــه ل يجــد إلى ذلــك ســبيلا، كيــف وقــد قــال -تعــالى- مخاطبــا لخلقــه إِلاَّ قَلِيــلاً ودائــرة شمســها ومطلعهــا، أودع فيــه ســبحانه وتعــالى علــم كل شيء، وأبــان فيــه كل هــدي وغي، فــرى كل ذي فــن منــه يســتمد، وعليــه يعتمــد، فالفقيــه يســتنبط منــه الأحــكام، ويســتخرج حكــم الحــلال والحــرام، والنحــوي يبــي منــه قواعــد إعرابــه، ويرجــع إليــه في معرفــة خطــأ القــول مــن صوابــه. والبيــاني يهتــدي بــه إلى حســن النظــام، ويعتــبر مســالك البلاغــة في صــوغ الــكلام. وفيــه مــن القصــص والأخبــار مــا يذكــر أول الأبصــار، ومــن المواعــظ والأمثــال مــا يزدجــر بــه أولــوا الفكــر والاعتبــار، إلى غــير ذلــك مــن علــوم لا يقــدر قدرهــا إلا مــن علــم حرهــا، هــذا مــع فصاحــة لفــظ، وبلاغــة أســلوب، تبهــر العقــول، 1
عدد الصفحات ٢٨29 إبراهيم محمد كشيدان وتســلب القلــوب، وإعجــاز نظــم، لا يقــدر عليــه إلا عــلام ).الغيــوب 6 القــراءات، ويستشــهدون بــا في الأحــكام، كــما في كتــب العقيــدة، والتفســير، والفقــه، والنحــو واللغــة، ومــن ذلكــم ســيبويه في كتابــه الكتــاب. وغــيره مــن علــماء النحــو واللغــة كالمــبرد، والفــراء، فكتبهــم مليئــة بالشــواهد القرآنيــة والقــراءات. وهــذا ســفيان الثــوري -رحمــه الله- نجــده قــد استشــهد ، ومثلــه ابــن فتيبــة في )بالقــراءات في تفســيره مــرات عديــدة كتــاب غريــب تفســير القــرآن، وابــن جريــر الطــبري في جامع البيــان عــن تأويــل آي القــرآن، وكذلــك أبــو جعفــر النحــاس في كتابــه معــاني القــرآن الكريــم، فقــد اهتمــوا ببيــان أثــر القــراءات في معــاني الآيــات. وكــما قلنــا: إن علــم القــراءات قــد اعتــى بعلــم التوحيد ، ومن ذلكــم - قولــه تعــا وهي قــراءة صحيحــة متواتــرة، وهي قــراءة حمــزة، والكســائي. قــال ابــن جريــر الطــبري – رحمــه الله -: قولــه: ( بَــلْ عَجِبْــتَ .16/1 2 .العربيــة الســعودية، أطروحــة دكتــوراه: ص
عدد الصفحات ٢٩30 السبل النيرات في أهمية علم القراءات وَيَسْــخَرُونَ ) اختلفــت القــرَّاء في قــراءة ذلــك، فقرأتــه عامــة قــرَّاء الكوفــة: ( بَــلْ عَجِبْــتُ وَيَسْــخَرُونَ ) بضــم التــاء مــن ( عَجِبْــتَ )، بمعــى: بــل عظُــم عنــدي، وكــبر اتخاذهــم ل شريــكاً، وتكذيبهــم تَزْيــي، وهــم يســخرون، وقــرأ ذلــك عامة قــرَّاء المدينــة، والبــرة، وبعــض قــرَّاء الكوفــة ( عَجِبْــتَ ) بفتــح التــاء، بمعــى: بــل عجبــتَ أنــت يــا محمــد، ويســخرون مــن هــذا القــرآن. والصــواب مــن القــول في ذلــك أن يقــال: إنهــما قراءتــان مشــهورتان في قــرَّاء الأمصــار، فبأيتهــما قــرأ القــارئ: فمصيب. فــإن قــال قائــل: وكيــف يكــون مصيبــاً القــارئ بــما مــع اختــلاف معنييهــما ؟! قيــل: إنهــما وإن اختلــف معنياهمــا فــكلّ واحــد مــن معنييــه صحيــح، قــد عجــب محمــد ممــا أعطــاه الله مــن الفضــل، وســخر منــه أهــل الــشرك بــالله، وقــد عجِــب ربنــا مــن عظيــم مــا قالــه المشركــون في الله، وسَــخِر ).المشركــونَ ممــا قالــوه وقــال الشــنقيطي في أضــواء البيــان في قــول الله -تعــالى-: (بَــلْ عَجِبْــتَ وَيَسْــخَرُونَ): ( قــرأ هــذا الحــرف عامــة القــراء الســبعة غــير حمــزة والكســائي: عجبــت بالتــاء المفتوحــة وهي تــاء الخطــاب، المخاطــب بــا النــي صــى الله عليــه وســلم. .22 / 1
عدد الصفحات ٣٠31 إبراهيم محمد كشيدان وقــرأ حمــزة والكســائي: بــل عجبــت بضــم التــاء المتكلــم، وهــو الله جــل وعلا.وقــد قدمنــا في ترجمــة هــذا الكتــاب المبــارك أن القراءتــن المختلفتــن يحكــم لهــما بحكــم الآيتــن. وبذلــك تعلــم أن هــذه الآيــة الكريمــة عــى قــراءة حمــزة والكســائي فيهــا إثبــات العجــب لله تعــالى، فهــي إذاً مــن آيــات الصفــات عــى هــذه القــراءة. وقــد أوضحنــا طريــق الحــق الــي هي مذهــب الســلف في آيــات الصفاتــن وأحاديثهــا في ســورة الأعــراف في الــكلام عــى ] قولــه تعــا . )فأغــى ذلــك عــن إعادتــه هنــا وقــال أبــو زرعـــة عبدالرحمــن بــن زنجلــــة في كتابـــه (حجــة القــراءات): قــرأ حمــزة والكســائي: بَــلْ عَجِبْــتُ وَيَسْــخَرُونَ؛ بضــم التــاء، وقــرأ الباقــون بفتــح التــاء، ثــم قــال: قــال أبــو عبيــد: قولـــه: بَــلْ عَجِبْــتَ وَيَسْــخَرُونَ؛ بالنصــب: بــل عجِبت يــا محمــد مــن جهلهــم وتكذيبهــم وهــم يســخرون منــك، ومن قــرأ: عَجِبْــتُ؛ فهــو إخبــار عــن الله - عَــزَّ وجــلَّ- اهـــ. وقولــه -تعــا عنــد حديثــه عــن إقســام الله ســبحانه بـــــ 1 الجكــي الشــنقيطي. دار الفكــر للطباعــة و النــشر و التوزيــع بــيروت - لبنــان، .453/مـ
عدد الصفحات ٣١32 السبل النيرات في أهمية علم القراءات الْــبرُُوجِ لكــرة صفــات كمالــه وســعتها، وعــدم إحصــاء الخلــق لهــا وســعة أفعالــه، وكــرة خــيره ودوامــه، وأمــا مــن ليــس لــه صفــات كــمال ولا أفعــال حميــدة فليــس لــه مــن المجــد شيء، والمخلــوق إنمــا يصــير مجيــدا بأوصافــه وأفعالــه، فكيــف يكــون الــرب تبــارك وتعــالى مجيــدا، وهــو معطــل عــن الأوصــاف والأفعــال تعــالى الله عــما يقــول المعطلــون علــوا كبــيرا، بــل هــو المجيــد، الفعــال لمــا يريــد، والمجــد في لغــة العــرب كــرة أوصــاف الكمال،وكــرة أفعــال الخــير، وأحســن مــا قــرن اســم المجيــد إلى الحميــد، كــما قالــت الملائكــة لبيــت الخليــل -عليــه الســلام حمَِيــدٌ مجَِيــدٌ الــرب تعــالى بأنــه حميــد مجيــد، وشرع في آخــر الركعــة عنــد الاعتــدال أن نقــول: ربنــا ولــك الحمــد، أهــل الثنــاء والمجــد، فالحمــد والمجــد عــى الإطــلاق لله الحميــد المجيــد، فالحميــد الحبيــب المســتحق لجميــع صفــات الكــمال، والمجيــد العظيــم، الواســع القــادر الغــي ذو الجــلال والإكــرام، ومــن قــرأ المجيــد بالكــر فهــو صفــة لعرشــه ســبحانه، وإذا كان عرشــه مجيــدا فهــو ســبحانه أحــق بالمجــد، وقــد استشــكل هــذه القــراءة بعــض النــاس، وقــال: ل يســمع في صفــات الخلــق مجيــد، ثــم خرجهــا عــى أحــد الوجهــن: إمــا عــى الجــوار، وإمــا أن يكــون صفــة لربــك، وهــذا مــن قلــة بضاعــة هــذا القائــل، فــإن الله
عدد الصفحات ٣٢33 إبراهيم محمد كشيدان ســبحانه وصــف عرشــه بالكــرم، وهــو نظــير المجــد، ووصفــه بالعظمــة فوصفــه ســبحانه بالمجــد مطابــق لوصفــه بالعظمــة والكــرم، بــل هــو أحــق المخلوقــات أن يوصــف بذلــك لســعته وحســنه وبــاء منظــره، فإنــه أوســع كل شيء في المخلوقــات وأجملــه وأجمعــه لصفــات الحســن وبــاء المنظــر وعلــو القــدر، والرتبــة والــذات، ولا يقــدر قــدر عظمتــه وحســنه وبــاء منظــره إلا الله، ومجــده مســتفاد مــن مجــد خالقــه ومبدعــه، والســماوات الســبع والأرضــون الســبع في الكــرس الــذي بــن يديــه كحلقــة ملقــاة في أرض فــلاة، والكــرس فيــه كتلــك الحلقــة في الفــلاة، قــال ابــن عبــاس: الســماوات الســبع في العــرش كســبعة دراهــم جعلــن في تــرس، فكيــف لا يكــون مجيــدا، وهــذا شــأنه، فهــو عظيــم، كريــم مجيــد، وأمــا تكلــف هــذا المتكلــف جــره إلى الجــوار، أو أنــه صفــة لربــك، فتكلــف شــديد، وخــروج عــن المألــوف في اللغــة مــن غــير حاجــة إلى . )ذلــك ومــن علــماء الحديــث أصحــاب الصحــاح والســن والمســانيد الذيــن اهتمــوا بذكــر القــراءات والقــراء الإمــام أحمــد فقــد أورد في مســنده نصوصــا كثــيرة متعلقــة بالقــراءات، ومــن هــذه النصــوص مــا رواه عــن أنــس بــن مالــك - رضي الله عنــه- أن رســول الله قرأهــا ( وكتبنــا عليهــم فيهــا أن النفــس بالنفــس 1 .94/الجوزيــة (المتــو
عدد الصفحات ٣٣34 السبل النيرات في أهمية علم القراءات والعــن بالعــن) نصــب النفــس ورفــع العــن وكذلــك الإمــام البخــاري في صحيحــه، فقــد ضمــن كتابــه الصحيــح جملــة مــن القــراءات في كتبــه وأبوابــه، كــما في كتــاب التفســير، وفضائــل القــرآن، بــل بــوب - رحمــه الله – بابــا أســماه بَــاب الْقُــرَّاءِ مِــنْ أَصْحَــابِ النَّــيِِّ - صَــىَّ اللهَُّ عَلَيْــهِ وَسَــلَّمَ- وضمنــه أحاديــث عــدة، تتحــدث عــن القــراء والقــراءات، ومــن ذلكــم حديــث عَبْــد اللهَِّ بْــن عَمْــرٍو -رضي الله عنهما-وفيــه يقــول: سَــمِعْتُ النَّــيَِّ- صَــىَّ اللهَُّ عَلَيْــهِ وَسَــلَّمَ -يَقُولُ . )وَسَــالٍِ وَمُعَــاذِ بْــنِ جَبَــلٍ، وَأُبيَِّ بْــنِ كَعْــبٍ وقَــالَ عَبْــدُ اللهَِّ- رَضيَِ اللهَُّ عَنْــهُ مَــا أُنْزِلَــتْ سُــورَةٌ مِــنْ كِتَــابِ اللهَِّ إِلاَّ أَنَــا أَعْلَــمُ أَيْــنَ أُنْزِلَــتْ وَلاَ أُنْزِلَــتْ آيَــةٌ مِــنْ كِتَــابِ اللهَِّ إِلاَّ أَنَــا أَعْلَــمُ فِيــمَ أُنْزِلَــتْ وَلَــوْ أَعْلَــمُ ). أَحَــدًا أَعْلَــمَ مِــيِّ بِكِتَــابِ اللهَِّ تُبَلِّغُــهُ الإِْبِــلُ لَرَكِبْــتُ إِلَيْــهِ وغيرهــم مــن علــماء الســنة. بــل إن الإمــام أبــا داود ســى كتابــا بـــــ ( كتــاب الحــروف والقــراءات) اشــتمل عــى أكــر مــن ثلاثــن حديثــا. 7 1 .وَسَــلَّمَ 2 .وَسَــلَّمَ
عدد الصفحات ٣٤35 إبراهيم محمد كشيدان التصنيــف والتأليــف فيهــا إفــرادا في كتــب مســتقلة، أو جمعــا، وبعضهــم اســتقلالا، وبعضهــم اســتطرادا مــن حيــث الاستشــهاد والاســتدلال والتوجيــه والتوضيــح والاختيــار، بــل توجــد آلاف المخطوطــات والمطبوعــات في علــم القراءات، ومــن هؤلاء:أبــو حاتــم السجســتاني، وحمزة الزيــات، ويعقوب الحــرمي، وحفــص الــدوري، والبزي،وأبــو عبيــد القاســم بــن ســلام،، ويحــى بــن يعمــر، وأحمــد بــن جبــير الكــوفي، والقــاضي إســماعيل بــن إســحاق المالكــي، وأبــو جعفــر محمــد بــن جريــر الطبريــي كتابــه (الجامــع)، وأبــو عمــر أحمــد بــن محمــد الطلمنكــي، وأبــو عمــرو بــن العــلاء، وابــن خاقــان، وأبــو معــشر الطبريصاحــب كتــاب (التلخيــص في القــراءات الثــماني، و(ســوق العــروس) فيــه ألــف وخمســمائة وخمســون روايــةً وطريقًــا، والكســائي، ومكــي ابــن أبي طالــب، وابنــا غلبــون، وأبــو بكــر محمــد بــن أحمــد بــن عمــر الداجــوني، وابــن مجاهــد، والــداني، والشــاطي، وابــن مهــران والحســن بــن عــي بــن إبراهيــم الأهــوازي، مؤلــف (الوجــز) و(الإيجــاز) و(الإيضــاح) و(الاتضــاح) و(جامــع المشــهور والشــاذ). ورحالــة المغــرب أبــو القاســم يوســف بــن عــي بــن جبــارة الهــذل صاحــب (الكامــل) جمــع فيــه خمســن قــراءةً عــن الأئــة، وألفًــا وأربعمائــة وتســعة وخمســن روايــةً وطريقًــا، وأبــو القاســم عيــى بــن عبــد العزيــز الإســكندري، صاحــب كتــاب (الجامــع الأكــبر والبحــر الأزخــر)، وابــن عبــد الــبر
عدد الصفحات ٣٥