034 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد فحُفظ من دعائِه: «اللهمَّ اغفر له وارحمْه وعافِه، واعفُ عنه وأكرِم نُزلَه، ووس ع مُدخلَ ه، واغسلِه بالماءِ والثلجِ والبََد، ونق ه من الخطايا كما نقيتَ الثوبَ الأبيضَ من الدنسِ، وأبدِله دارًا خيرًا من دارِه، وأهلاً خيرًا من أهلِه، وزوجًا خيرًا من زوجِه، وأدخِله الجنَّةَ، وأعِذه من عذابِ القبَِ، ومن عذابِ النارِ »(1). وحُفظ من دعائه «اللهماغفر لحي نا ومي تنا، وصغيرِنا وكبيرِنا، وذَكَرِنا وأُنثانا، وشاهدِنا وغائبِنا، اللهمَّ من أحييتَه مِنَّا فأحيِه على الإسلامِ، ومن توفَّيتَه منا فتوفَّه على الإيمانِ، اللهمَّ لا تحَرِمنا أجرَه ولا تَفْتنَّا بعدَه »(2). وحُفظ من دعائه أيضًا «اللهمَّ إن ف نَ بن فلانٍ في ذمَّتك وحبلِ جِوارِك، فقِهِ من فتنةِ القبَِ وعذابِ النارِ، فأنت أهلُ الوفاءِ والحق ، فاغفر له وارحمْه، إنك أنت الغفورُ الرحيمُ »(3). وكان يأمرُ بإخلاصِ الدعاءِ للميِّت وكان يُكبرُِّ أربعَ تكبيرات، وصحَّ عنه أنه كبر خمسًا، وكان الصحابةُ بعدَ ه يكبرِّون أربعًا وخمسًا وستًّا، فكبرَّ زيدُ بن أرقم خمسًا، وذكر أن النبيَّ ﷺ كبرَّها، ذكره مسلم(4)، وكبرَّ عليُّ بن أبي طالب على سهل بن حنيف ستًّا، وكان يكبرِّ على أهل بدرٍ ستًّا، وعلى غيرِهم من الصحابة خمسًا، وعلى سائرِ الناسِ أربعًا، ذكره الدارقطني(5). وذكر سعيدُ بن منصور، عن الحكمِ بن عتيبة أنه قال: كانوا (1) أخرجه مسلم963.) (2) أخرجه أبو داود3201)، والترمذي1024)، والنسائي1986.) (3) أخرجه أبو داود3202)، وابن ماجه1499.) (4) أخرجه مسلم957.) (5) أخرجه الدارقطني2/435 (1823.)
عدد الصفحات ١٣٥مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |035 يكبرِّون على أهلِ بدرٍ خمسًا وستًّا وسبعًا. وهذه آثارٌ صحيحةٌ، فلا موجبَ للمنع منها، والنبي ﷺ لم يمنع ممَّا زاد على الأربع، بل فعلَه هو وأصحابه مِن بعدِه. وأما هديُه ﷺ في التسليمِ من صلاةِ الجنازة فرُ وي عنه أنه كان يُسلِّم واحدةً، ورُوي عنه أنه كان يُسلِّم تسليمتين. وأما رفعُ اليدين فقال الشافعي : تُرفعُ للأثرِ، والقياس على السنةِ الصلاةِ، فإن النبي ﷺ كان يرفعُ يديه في كل تكبيرةٍ كبرَّها في الصلاةِ وهو قائمٌ (1). قلت: يريدُ بالأثرِ ما رواه عن ابنِ عمر وأنسِ بن مالك، أنهما كانا يرفعان أيديهما كلما كبرَّا على الجنازةِ. وكان من هديِه ﷺ إذا فاتته الصلاةُ على الجنازةِ صلى على القبرِ، فصلىَّ مرَّةً على قبرٍ بعدَ ليلةٍ، ومرَّةً بعدَ ثلاثٍ، ومرَّةً بعدَ شهرٍ، ولم يُؤقِّت في ذلك وقتًا. وكان من هديِه أنه كان يقومُ عند رأسِ الرجلِ ووسَط المرأةِ. وكان من هديِه ﷺ الصلاةُ على الطفلِ، فصحَّ عنه أنه قال: «الطفلُ يُص عليه»(2). وكان من هديِه ﷺ أنه لا يُصلي على من قَتلَ نفسَه، ولا على من غَلَّ من الغنيمةِ. واختُلفَ عنه في الصلاةِ على المقتولِ حدًّا، كالزاني المرجومِ، فصحَّ عنه أنه صلى على الجُهنيَّةِ التي رَجمََها، فقال له عمرُ: تُصلي عليها يا رسولَ الله وقد زنت؟! (1) الأم للشافعي2/239. (2) أخرجه أبو داود3180)، والترمذي1031)، والنسائي1942.)
عدد الصفحات ١٣٦036 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد فقال: «لقد تابت توبةً لو قُس مت بين سبعين من أهلِ المدينةِ لوسِعَتهم، وهل وَجَدتَ توبةً أفضلَ من أن جادت بنفسِها لله »(1). وكانﷺ إذا صلى على ميِّتٍ تبِعه إلى المقابرِ ماشيًا أمامَه، وسنَّ لمن تبِع الجنازة إن كان راكبًا أن يكون وراءَها، وإن كان ماشيًا أن يكون قريبًا منها، إما خلفَها أو أمامها، أو عن يمينِها أو عن شِمالها. وكان يأمرُ بالإسراعِ بها، ح تى إن كانوا ليرَمُلون بها رملاً. وكان إذا تبِعها لم يجلسْ حتى توضعَ، وقال: «إذا تبِعتُم الجنازةَ فلا تُلسوا حتى تُوضعَ »(2). قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية : والمراد: وضعُها بالأرض(3). ولم يكن من هديِه وسُنَّتِه ﷺ الصلاةُ على كل غائبٍ ميتٍ، فقد مات خلقٌ كثيرٌ من المسلمين وهم غيبٌ، فلم يُصلِّ عليهم، وصحَّ عنه: أنه صلى على النجاشيِّ صلاتَه على الميِّتِ (4). وقال شيخُ الإسلام ابنُ تيميةَ: الصوابُ أن الغائبَ إن مات ببلدٍ لم يُصل عليه فيه صُليَِّ عليه صلاةُ الغائبِ. وصح عنه ﷺ أنه قام للجنازةِ لمَّا مرت به، وأمرَ بالقيامِ لها، وصحَّ عنه ﷺ أنه (1) أخرجه مسلم1696.) (2) أخرجه البخاري1310)، ومسلم959.) (3) اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية1/230. (4) أخرجه البخاري1327)، ومسلم951.)
عدد الصفحات ١٣٧مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |037 قعدَ، فاختُلف في ذلك، فقِيل: القيامُ منسوخٌ، والقعودُ آخرُ الأمرين، وقيل: بل الأمران جائزان، وفِعلُه بيانٌ للاستحبابِ، وتركُه بيانٌ للجوازِ، وهذا أولى. وكان من هديِه ﷺ ألا يَدفن الميِّتَ عند طلوعِ الشمسِ، ولا عندَ غروبهِا، ولا حين يقومُ قائمُ الظهيرةِ. وكان من هديِه اللحدُ وتعميقُ القبرِ وتوسيعُه من عند رأسِ الميِّت ورجليه، ويُذكرُ عنه أنه كان إذا وضعَ الميِّتَ في القبرِ قال: «بسم الله، وبالله، وعلى مِلَّةِ رسولِ الله»(1). وفي رواية«بسمِ الله، وفي سبيلِ الله، وعلى ملةِ رسول ا »(2). ويُذكر عنه أيضًا أنه كان يحثو على الميتِ إذا دُفن الترابَ مِن قبلِ رأسِه ثلاثًا . وكان إذا فرغَ مِن دفنِ الميتِ قام على قبرِه هو وأصحابه، وسأل له التثبيتَ، وأمرهم أن يسألوا له التثبيتَ. ولم يكن يجَلسُ يقرأُ عند القبرِ، ولا يُلقِّن الميِّتَ. ولم يكن من هديِه ﷺ تعليةُ القبورِ ولا بناؤها بآجُر ولا حجرٍ ولَبِنٍ، ولا تشييدُها، ولا تطيينُها، ولا بناءُ القِبابِ عليها. وقد بعثَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ إلى اليمنِ، ألا يدعَ تمثالاً إلا طمسَه، ولا قبرًا مُشرِ فًا إلا سوَّاه (3)، فسنتُهﷺ تسويةُ هذه القبورِ المُشرفة كُلِّها. (1) أخرجه أبو داود3213)، والترمذي1046.) (2) أخرجه ابن ماجه1550.) (3) أخرجه مسلم969.)
عدد الصفحات ١٣٨038 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ونهى أن يجُصَّصَ القبرُ وأن يبنى عليه وأن يُكتبَ عليه، وكان يُعلِّم قبرَ من يُريد يعرفُ قبره بصخرةٍ. ونهى رسولُ الله ﷺ عن اتخاذِ القبورِ مساجدَ، وإيقادِ السرُّجِ عليها، واشتد نهيُه في ذلك حتى لَعنَ فاعلَه، ونهى أمَّتَه أن يتَّخذوا قبرَه عيدًا. وكان هديُه ألا تهُان القبورُ ولا توطأَ ويجُلسَ عليها ويُتَّكأَ عليها. 2- فصل في هديِ ه ﷺ في زيارةِ القبورِ كان إذا زارَ قبورَ أصحابِه يزورُها للدعاءِ لهم، والترحُّم عليهم، والاستغفارِ لهم، وهذه هي الزيارةُ التي سنَّها لأمَّتِه، وأمرَهم أن يقولوا إذا زاروها: «السلامُ عليكم أهلَ الديارِ من المؤمنين والمسلمين، وإنَّا إن شاءَ الله بكم لاحقون، نسألُ الله لنا ولكم العافيةَ »(1). وكان هديُه أن يقولَ ويَفعل عند زيارتهِا، من جنسِ ما يقوله عند الصلاةِ عليه من الدعاءِ له والترحمِ والاستغفارِ، فأبى المشركون إلا دعاءَ الميتِ والإشراكَ به! 3- فصل [ ﷺ في تعزي بهل الممت وصنع الطعام له وترك النع وكان من هديِه ﷺ تعزيةُ أهلِ الميت، ولم يكن من هديِه أن يجَتمعَ للعزاءِ، ويقرأَ له القرآنَ، لا عند القبرِ ولا غيرِه. (1) أخرجه مسلم975.)
عدد الصفحات ١٣٩مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |039 وكان من هديِه السكونُ والرضى بقضاءِ الله، والحمدُ لله، والاسترجاعُ، ويبرأُ ممَّن خرقَ لأجلِ المصيبةِ ثيابَه، أو رفعَ صوتَه بالندبِ والنياحةِ، أو حلقَ لها شعرَه. وكان من هديهِ ﷺ أن أهلَ الميِّتِ لا يتكلَّفون الطعامَ للناسِ، بل أمرَ أن يَصنع الناسُ لهم طعامًا يرسلونه إليهم، وهذا من أعظمِ مكارمِ الأخلاقِ والشيمِ، والحمل عن أهلِ الميتِ؛ فإنهم في شغلٍ بمصابهم عن إطعامِ الناس. وكان من هديِه ﷺ تركُ نعي الميِّتِ، بل كان يَنهى عنه ويقولُ: «هو من عملِ الجاهليَّةِ »(1). 4- فصل في هديِ ه ﷺ في صلاةِ الخوفِ أباحَ الله سبحانه وتعالى قصرَ أركانِ الصلاةِ وعددِها إذا اجتمعَ الخوفُ والسفرُ، وقصرَ العددَ وحدَه إذا كان سفرٌ لا خوف معه، وقصرَ الأركانِ وحدَها إذا كان خوفٌ لا سفرَ معه، وهذا كان من هديِه ﷺ، وبه تُعلم الحكمةُ في تقييد القصرِ في الآيةِ بالضْبِ في الأرضِ والخوفِ. وكان من هديِه ﷺ في صلاةِ الخوفِ إذا كان العدوُّ بينه وبين القبلةِ أن يَصُ فَّ المسلمين كلَّهم خلفَه، ويُكبرَِّ ويكبرِّون جميعًا، ثم يركعَ فيركعون جميعًا، ثم يرفعَ ويرفعون معه، ثم يَنحدرَ بالسجودِ والصفِّ الذي يليه خاصةً، ويقومَ الصفُّ المؤخَّرُ مواجهَ العدوِّ. (1) أخرجه الترمذي984.)
عدد الصفحات ١٤٠041 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد فإذا فرغ من الركعةِ الأولى ونهض إلى الثانيةِ سجد الصفُّ المؤخَّرُ بع د قيامِه سجدتين، ثم قاموا، فتقدَّموا إلى مكانِ الصفِّ الأوَّلِ، وتأخَّرَ الصفُّ الأول إلى مكانهِم لتَحصُل فضيلةُ الصفِّ الأول للطائفتين، وليُدرك الصفُّ الثاني مع النبيِّ ﷺ السجدتين في الركعةِ الثانية، كما أدرك الأوَّلُ معه السجدتين في الأولى، فتَستوي الطائفتان فيما أدركوا معه، وفيما قَضوا لأنفسِهم، وذلك غايةُ العدلِ. فإذا ركع صنعَ الطائفتان كما صنعوا في أوَّلِ مرَّةٍ، فإذا جلسَ للتشهُّد، سجد الصفُّ المؤخَّر سجدتين، ولحِقوه في التشهُّدِ، فسلَّم بهم جميعًا. وإن كان العدوُّ في غير جِهة القِبلةِ فإنه كان تارةً يجعلُهم فرقتين: فرقةً بإزاءِ العدوِّ، وفرقةً تصلي معه، فتُصليِّ معه إحدى الفرقتين ركعةً، ثم تَنصرفُ في صلاتهِا إلى مكانِ الفرقةِ الأخرى، وتَِيءُ الأخرى إلى مكانِ هذه فتُصليِّ معه الركعةَ الثانيةَ، ثم تُسلِّم، وتقضِ كُلُّ طائفةٍ ركعةً ركعةً بعد سلامِ الإمامِ . وتارةً كان يُصلي بإحدى الطائفتين ركعةً، ثم يقومُ إلى الثانيةِ، وتقضِ هي ركعةً وهو واقفٌ، وتُسلِّم قبل ركوعِه، وتأتي الطائفةُ الأخرى، فتصلي معه الركعةَ الثانية، فإذا جلسَ في التشهدِ قامت فقَضَت ركعةً وهو ينتظرُها في التشهدِ، فإذا تشهدت يُسَلِّم بهم. وتارةً كان يُصلي بإحدى الطائفتين ركعتين، فتُسلم قَبلَه، وتأتي الطائفةُ الأخرى، فيصلي بهم الركعتين الأُخرَيين، ويُسلمُ بهم، فتكون له أربعًا، ولهم ركعتين ركعتين. وتارةً كان يُصلي بإحدى الطائفتين ركعتين ويُسلِّمُ بهم، وتأتي الأخرى فيُصلي بهم ركعتين ويُسلِّم بهم، فيكون قد صلىَّ بهم بكل طائفة صلاةً .
عدد الصفحات ١٤١مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |040 وتارةً كان يُصلي بإحدى الطائفتين ركعةً، ثم تذهب ولا تقضِ شيئًا، وتِيءُ الأخرى فيصليِّ بهم ركعةً ولا تقضِ شيئًا، فيكون له ركعتان، ولهم ركعة ركعة. وهذه الأوجه كلها تِوزُ الصلاة بها. وقد رُوي عنه ﷺ في صلاةِ الخوفِ صفاتٌ أخرى تَرجع كلُّها إلى هذه، وهذه أصولهُا، وربما اختلفَت بعضُ ألفاظِها، وقد ذكرها بعضُهم عشرَ صفاتٍ، وذكرها أبو محمد بن حزم نحو خمسَ عشرةَ صفةً (1)، والصحيحُ ما ذكرناه أولاً، وهؤلاء كلما رأوا اختلافَ الرواةِ في قصةٍ جعلوا ذلك وجوهًا من فعلِ النبيِّ ﷺ، وإنما هو من اختلافِ الرواةِ. والله أعلم. (1) المحلى لابن حزم4/272، وذكر فيه أنه فصل القول في أربع عشرة صورة في كتاب آخر
عدد الصفحات ١٤٢042 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد [ 1- فصل في هديِه ﷺ في الصدق ِ والزكاةِ كان هديهُ في الزكاة أكملَ هدي، في وقتها وقدرِها ونصابها ومَن تِبُ عليه ومصرفها، وراعى فيها مصلحةَ أرباب الأموالِ ومصلحةَ المساكين، وجعلها الله سبحانه طُهرةً للمالِ ولصاحِبِه، وقيَّد النعمةَ بها على الأغنياءِ، فما أزال النعمةَ بالمال على من أدَّى زكاتَه، بل يحفظُه عليه وينميه له، ويدفعُ عنه بها الآفاتِ، ويجعلها سورًا عليه وحصنًا له وحارسًا له. ثم إنه جَعَلها في أربعةِ أصنافٍ من المالِ، وهي أك ثرُ الأموالِ دورانا بين الخلق، وحاجتهم إليها ضِوريةٌ: أحدُها : الزرعُ والثمارُ. الثاني: بهيمةُ الأنعامِ: الإبلُ والبقرُ والغنمُ. الثالث: الجوهران اللذان بهما قِوامُ العالمِ، وهما: الذهبُ والفضةُ. الرابعُ : أموالُ التجارةِ على اختلافِ أنواعها. ثم إنه أوجبها مرةً في كل عامٍ، وجعل حول الزروعِ والثمارِ عند كمالها واستوائِها، وهذا أعدلُ ما يكون. ثم إنه فاوتَ بين مقاديرِ الواجب بحسبِ سعي أربابِ الأموالِ في تحصيلها، وسهولةِ ذلك ومشقتِه، فأوجبَ الخمس في الركازِ ولم يعتبر له حولاً، بل أوجبَ فيه الخمسَ متى ظفرَ به.
عدد الصفحات ١٤٣مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |043 وأوجبَ نصفَه -وهو العشر- فيما كانت مشقةُ تحصيلِه وتعبُه وكُلفتُه فوقَ ذلك، وذلك في الثمارِ والزروعِ التي يباشر حرث أرضِها، شقها، وبذرها ويتولىَّ الله سَقيَها من عنده بلا كلفةٍ من العبدِ، ولا شراءِ ماء، ولا إثارةِ بئرٍ ودولابٍ. وأوجبَ نصفَ العشرِ فيما تولى ال عبدُ سقيه بالكلفةِ والدوالي والنواضِحِ ونحوها. وأوجبَ نصفَ ذلك -وهو ربعُ العشرِ - فيما كان النماءُ فيه موقوفًا على عملٍ متصلٍ من ربِّ المال متتابع، بالضْبِ في الأرضِ تارةً، [ وبالإدارةِ تارةً أخرى، ولا ريبَ أن كلفةَ هذا أعظمُ من كلفة الزروعِ والثمار، وأيضًا فإن نموَ الزروعِ والثمارِ أظهرُ وأكثرُ من نمو التجارةِ، فكان واجبُها أكثرَ من واجبِ التجارة، وظهورُ النمو فيما يُسقَى بالسماءِ والأنهارِ أكثرَ مما سُقِي بالدوالي والنواضح، وظهورُه فيما وجد محصلاً مجموعًا كالكنز أكثرَ وأظهرَ من الجميع. ثُم إنه لما كان لا يحتمل المواساةَ كلُّ مال وإن قلَّ جعلَ للمالِ الذي تحتمِلُه المواساة نُصُبً ا مقدرةَ المواساةِ فيها، لا تِحفُ بأربابِ الأموالِ، وتقعُ موقعَها من المساكينِ: فجعلَ للورِقِ مئتي درهمٍ، وللذهبِ عشرين مثقالاً، وللحبوب والثمارِ خمسة أوسقٍ، وللغنمِ أربعين شاةً، وللبقرِ ثلاثين بقرةً، وللإبلِ خمسًا؛ لكن لما كان نصابها لا يحتملُ المواساة من جنسِها أوجبَ فيها شاةً، فإذا تكررت الخمسُ خمسَ مراتٍ، وصارت خمسا وعشرين احتملَ نصابها واحدًا منها فكان هو الواجبُ. ثم إنه قدرَ سِنَّ هذا الواجب في الزيادةِ والنقصانِ ، من ابن مخاضٍ، وبنت مخاضٍ، وفوقَه ابنُ لبونٍ، وبنت لَبونٍ، وفوقَه الحِقُّ والحِقَّةُ، وفوقَه الجذعُ والجذعةُ،
عدد الصفحات ١٤٤044 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وكلما كثرت الإبلُ زاد السنُّ إلى أن يصلَ السنُّ إلى منتهاه، فحينئذ جعل زيادةَ عدد الواجبِ في مقابلة زيادةِ عدد المالِ. والربُّ سبحانه تولى قَسمَ الصدقةِ، وجزَّأها ثمانيةَ أجزاء، يجمعها صنفان من الناسِ. أحدهما: من يأخذُ لحاجته، فيأخذُ بحسبِ شدة الحاجةِ وضعفها، وكثرتهِا وقلَّتِها، وهم الفقراءُ والمساكين، وفي الرقابِ، وابن السبيل. والثاني: من يأخذُ لمنفعتِه وهم العاملون عليها، والمؤلفةُ قلوبهم، والغارمون، والغزاةُ في سبيلِ الله. فإن لم يكن الآخذ محُتاجًا، ولا فيه منفعةٌ للمسلمين، فلا سهم له في الزكاةِ. 2- فصل [ ﷺ مع بهل الزكاة وكان ﷺ إذا علِمَ من الرجلِ أنه من أهل الزكاةِ أعطاه، وإن سأله أحدٌ الزكاةَ ولم يَعرِف حاله؛ أعطاه بعد أن يخُبرَِه أنه لا حَظَّ فيها لغنيٍّ ولا لقوي مُكتَسِب (1). وكان من هديه ﷺ تَفريقُ الزكاة على المستحقين الذين في بلدِ المالِ، وما فضل عنهم منها حمُلت إليه ففرَّق ها هو ﷺ؛ ولذلك كان يَبعثُ سُعاتَه إلى البوادي، ولم يكن يبعثُهم إلى القرى. (1) أخرجه أبو داود1633)، والنسائي2598.)
عدد الصفحات ١٤٥مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |045 ولم يكن من هديِه أن يبعثَ سُعاته إلا إلى أهلِ الأموالِ الظاهرةِ من الموا والزروعِ والثمارِ، وكان يبعثُ الخارِصَ فيخرص على أربابِ النخيل ثمرَ نخلِهم وعلى أهل الكرومِ كرومَهم، وينظرُ كم يجيءُ منه وَسقًا، فيحسب عليهم من الزكاةِ بقدرِه. وكان يأمرُ الخارصَ أن يدعَ لهم الثلث أو الربع فلا يخرصه عليهم؛ لما يعرو النخيلَ من النوائِبِ، وكان هذا الخرصُ لكي تحُصى الزكاةُ قبل أن تُؤكَل الثمارُ وتُصرَم، وليتصرف فيها أربابهُا بما شاءوا ويَضمنوا قَدرَ الزكاةِ. ولم يكن من هديِه أخذُ الزكاةِ من الخيل ولا الرقيقِ ولا البغالِ ولا الحميرِ ولا الخَضْاوات ولا المباطِخِ والمقاثي والفواكِه التي لا تكالُ ولا تدخرُ. 3- فصل [ واختُلفَ عنه ﷺ في العسلِ، فقال البخاري: ليس في زكاة العسل شيءٌ يصحُّ (1)، وقال الترمذي: لا يصحُّ عن النبي ﷺ في هذا الباب كثيرُ شيءٍ (2). وقال ابن المنذر: ليس في وجوبِ صدقةِ العسلِ حديثٌ يَثبتُ عن رسول الله ﷺ، ولا إجماع، فلا زكاةَ فيه (3)، وقال الشافعي: الحديث في أنفي العسل العشرَ ضعيفٌ، وفي أن لا يؤخذَ منه العشرُ ضعيفٌ، إلا عن عمرَ بن عبد العزيز (4). قال هؤلاء وأحاديثُ الوجوبِ كلُّها معلولةٌ. (1) العلل الكبير للترمذي (ص102.) (2) سنن الترمذي3/15. (3) الإشراف لابن المنذر3/34. (4) معرفة السنن والآثار للبيهقي6/120، وانظر: الأم للشافعي3/99.
عدد الصفحات ١٤٦046 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وذهب أحمد(1) وأبو حنيفةَ(2) وجماعةٌ إلى أن في العسل الزكاة، رأوا أن هذه الآثارَ يقوِّي بعضُها بعضًا، وقد تعددَّت مخارجُها واخ تلفَتْ طرقُها، ومرسلُها يُعضَّدُ بمسندِها. ثُم اختلف الموجِبون له: هل له نصابٌ أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يجب في قليلِه وكثيرِه، وهذا قولُ أبي حنيفةَ (3)،والثاني: أن له نصابًا معينًا، ثم اختُلِفَ في قدرِه، فقال أبو يوسف: هو عشرة أرطال (4)، وقال محمد: هو خمسة أفراقٍ (5)، والفَرَقُ ستةٌ وثلاثون رطلاً بالعراقي، وقال أحمد: نصابُه عشرةُ أفراقٍ (6). 4- فصل [ ﷺ لمن بدى إلمه زكاته وعدم بخذ كرائ بموا وكان ﷺ إذا جاءه الرجلُ بالزكاةِ دعا له، فتارةً يقول: «اللهم بارِك فيه و إبِلِه»(7)، وتارةً يقولُ«اللهمصل عليه »(8). ولم يكن من هديِهﷺ أخذُ كرائِمِ الأموالِ في الزكاةِ، بل وسطِ المالِ؛ ولهذا نهى معاذًا عن ذلك. (1) مسائل أحمد بن حنبل وإسحاق ابن راهويه رواية الكوسج644.) (2) الأصل للشيبا2/128. (3) السابق (4) الخراج لأبي يوسف (ص67.) (5) الأصل للشيبا2/128. (6) مسائل أحمد رواية أبي داود556.) (7) أخرجه النسائي2458.) (6) أخرجه البخاري1497)، ومسلم1078.)
عدد الصفحات ١٤٧مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |047 5- فصل [ ﷺالمتصدِّق بن يشتريَ صدقته ] وكانﷺ يَنهى المتصدِّق أن يشتريَ صدقته، وكان يُبيحُ للغني أن يأكُلَ من الصدقةِ إذا أهداها إليه الفقيرُ، وأكَلَ ﷺ من لحمٍ تُصُدِّقَ به على بَريرةَ وقال: «هو عليها صدقةٌ، ولنا منها هديةٌ »(1). 6- فصل [ ﷺلمصالحِ المسلدين من الصدق ِ ] وكان أحيانًا يستدينلمصالحِ المسلمين على الصدقةِ، وكان يَسِمُ إبلَ الصدقةِ بيده، وكان يَسِمُها في آذانهِا. وكان إذا عَراهُ أمرٌ استسلَفَ الصدقةَ من أربابهِا. 7- فصل في هديِه ﷺ في زكاةِ الفِ طرِ فَرضَها رسول الله ﷺ على المسلمِ، وعلى من يَمونُه مِن صغيرٍ وكبيرٍ، ذكرٍ وأنثى، حرٍّ وعبدٍ ، صاعًا من تمرٍ، أو من شعيرٍ، أو من أَقِطٍ، أو زَبيبٍ. ورُوي عنه: «نصف صاعٍ من بر »(2) والمعروف: أن عمر بن الخطاب جعل نصفَ صاعٍ من برٍّ مكان الصاع من هذه الأشياء، ذكره أبو داود (3). و «الصحيح» أن معاويةَ هو الذي قوَّم ذلك (4)، وفيه عن النبي ﷺ آثارٌ مرسلةٌ ومسندةٌ يقوِّي بعضُها بعضًا. (1) أخرجه البخاري5430)، ومسلم1504.) (2) أخرجه أبو داود1617.) (3) أخرجه أبو داود1614.) (4) أخرجه البخاري1508)، ومسلم985.)
عدد الصفحات ١٤٨048 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 6- فصل [ ﷺ في وقت إخراج زكاة الفطر وكان من هديِه ﷺ إِخراجُ هذه الصدقةِ قبل صلاةِ العيدِ، وفي «السنن» عنه: أنه قال«مَن أدَّاها قبلَ الصلاة فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومن أدَّاها بعدَ الصلاةِ فهي صدقةٌ من الصدقاتِ »(1). و«الصحيح» عن ابن عمرَ، قال: أَمَرَ رسولُ ا ﷺ بزكاةِ الفِطرِ أن تُؤَدَّى قبل خُروجِ الناسِ إلى الصلاةِ (2). 9- فصل ﷺ في المستحقين لزكاة الفطر وكان من هديِه ﷺ تخَصيصُ المساكين بهذه الصدقةِ، ولم يكن يقسمُها على الأصنافِ الثمانية. 11- فصلفي هديِ ه ﷺ في صدق ِ التطوعِ كان ﷺ أعظمَ الناسِ صدقةً بما ملكت يده، وكان لا يستكثرُ شيئًا أعطاهُ لله ولا يستقله، وكان لا يسألُه أحد شيئًا عنده إلا أعطاه، قليلاً كان أو كثيرًا، وكان عطاؤه عطاءَ من لا يخافُ الفقرَ، وكان العطاءُ والصدقة أحبَّ شيء إليه، وكان سرورُه وفرحُ ه بما يعطيه أعظمَ من سرورِ الآخِذِ بما يأخُذُه، وكان أجودَ الناس بالخيرِ يمينه كالريحِ المرسلة. وكان إذا عَرضَ له محُتاجٌ آثرَهُ على نفسِه، تارةً بطعامِه، وتارةً بلباسِه. (1) أخرجه أبو داود1609)، وابن ماجه1827.) (2) أخرجه البخاري1503)، ومسلم986.)
عدد الصفحات ١٤٩مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |049 وكان يتنوعُ في أصنافِ عطائِه وصدقته، فتارةً بالهبةِ، وتارةً بالصدقةِ، وتارةً بالهديةِ، وتارةً بشراءِ الشِء ثم يعطي البائعَ الثمنَ والسلعةَ جميعًا، كما فعلَ بجابرٍ (1)، وتارةً كان يقترَِضُ الشِءَ فيردُّ أكثر منه وأفضلَ، ويشتري الشِءَ فيُعطي أكثرَ من ثمنِه، ويقبلُ الهديةَ ويكافئُ عليها بأكثرَ منها. وكانت صدقته وإحسانُه بما يملكُه وبحالِه وبقولِه، فيُخرِج ما عنده، ويأمُر بالصدقةِ، ويحضُّ عليها، فإذا رآه البخيلُ الشحيحُ دعاه حالُه إلى البذلِ والعطاءِ، وكان مَن خالطهُ وصَحِبَهُ ورأى هديَه لا يملك نفسَه عن السماحةِ والندى. وكان هديُه ﷺ يدعو إلى الإحسانِ والصدقةِ والمعروفِ؛ ولذلك كان ﷺ أشرحَ الخ لقِ صدرًا، وأطيبَهم نفسًا، وأنعمَهم قلبًا، فإن للصدقةِ وفعلِ المعروف تأثيرًا عجيبًا في شرحِ الصدر، وانضاف ذلك إلى ما خصَّه الله به مِن شرحِ صدرِه بالنبوةِ والرسالةِ وخصائصِها وتوابعِها، وشرحِ صدره حسًّا، وإخراجِ حظِّ الشيطان منه. (1) أخرجه البخاري2718)، ومسلم715.)
عدد الصفحات ١٥٠