المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

موسوعة محمد رسول الله ﷺ يختصر زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم

أحمد بن عثمان المزيد

صفحة ٨ من ٣٢

008 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وكان يُمهلُ يومَ الجمعة حتى يجتمعَ الناسُ، فإذا اجتمعوا خرجَ إليهم وحدَه، فإذا دخل المسجدَ سلَّم عليهم، فإذا صعَد المِنبرَ استقبلَ الناسَ بوجهِهِ وسلم عليهم، ثم يجلسُ ويأخذ بلالٌ في الأذان، فإذا فرغَ منه قام النبيُّ ﷺ فخطبَ من غ يرِ فصلٍ بين الأذانِ والخطبةِ. وكان منبرُه ثلاثَ درجات، وكان قبل اتخاذِه يخَطب إلى جِذعٍ يستند إليه، ولم يُوضع المنبرُ في وسط المسجدِ، وإنما وضعَ في جانبه الغربيِّ قريبًا من الحائطِ، وكان بينَه وبين الحائطِ مقدار ممرِّ الشاةِ. وكان إذا جلس عليه في غير الجم عةِ، أو خطبَ قائماً في الجمعة، استدارَ أصحابُه إليه بوجوهِهم، وكان وجهُه ﷺ قِبلَتَهم في وقتِ الخطبةِ. وكان يقومُ فيخطُب، ثم يجلس جلسةً خفيفةً، ثم يقومُ فيخطب الثانيةَ، فإذا فرغَ منها أخذ بلالٌ في الإقامةِ. وكان يأمرُ الناسَ بالدُّنوِّ منه، ويأمرهم بالإنصاتِ ويخبرُهم أنَّ الرجلَ إذا قال لصاحبِه: أنصِت. فقد لغا (1). وكان إذا فرغَ بلالٌ من الأذانِ أخذَ النبي ﷺ في الخُطبةِ ولم يَقم أحدٌ يركع ركعتين البتَّةَ، ولم يكن غير أذانٍ واحدٍ، وهذا يدلُّ على أن الجمعةَ كالعيدِ لا سنةَ لها قبلها، وهذا أصحُّ قوليَ العلماءِ ، وعليه تدلُّ السنةُ. وكان ﷺ إذا صلىَّ الجمعةَ دخل إلى منزلِه فصلىَّ ركعتين سُنَّتَها، وأمر من صلاها أن يُصليِّ بعدها أربعًا. (1) أخرجه البخاري934)، ومسلم851.)

عدد الصفحات ١١٩

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |009 فقال شيخُنا أبو العباس ابنُ تيميةَ : إن صلى في المسجدِ صلى أربعًا، وإن صلىَّ في بيتِه صلى ركعتين. قلتُ: وعلى هذا تدلُّ الأحاديثُ. 22- فصل في هديِ ه ﷺ في العمدين كان ﷺ يصلي العيدين في المُصلىَّ، وهو المُصلىَّ الذي على بابِ المدينةِ الشرقي، يُوضعُ فيه محملُ الحاج، ولم يُصلِّ العيدَ بمسجده إلا مرَّةً واحدةً أصابهم مطرٌ فصلى بهم العيدَ في المسجدِ إن ثبت الحديثُ، وهو في سننِ أبي داودَ وابنِ ماجه(1)، وهديُه كان فعلَها في المُصلىَّ دائماً وكان يلبسُ للخروجِ إليهما أجملَ ثيابِه، فكان له حُلَّةً يلبسُها للعيدين والجمعة، ومرَّةً كان يلبسُ بُردين أخضْين، ومرَّةً بُردًا أحمرَ، وليس هو أحمر مصمتًا كما يظنه بعضُ الناس، فإنه لو كان كذلك لم يكن بُردًا، وإنما فيه خطوطٌ حمرٌ كالبرودِ اليمنيةِ، فسُمِّيَ أحمرَ باعتبار ما فيه من ذلك، وقد صحَّ عنه ﷺ مِن غير معارضٍ النهيُّ عن لبسِ المعصفرِ والأحمرِ. وكان ﷺ يأكل قبلَ خروجِه في عيد الفطرِ تمرات، ويأكلُهنَّ وِترًا، وأما في عيدِ الأضحى فكان لا يَطعمُ حتى يرجعَ من المُصلى فيأكلُ من أضحِيَّتِه. وكان ﷺ يغتسلُ للعيد إن صحَّ الحديثُ فيه، وفيه حديثانِ ضعيفانِ، ولكن ثبتَ عن ابنِ عمر - مع شِدة اتِّباعِه للسُنَّةِ - أنه كان يغتسلُ يومَ العيد قبل الخروجِ. (1) أخرجه أبو داود1160)، وابن ماجه1313.)

عدد الصفحات ١٢٠

021 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وكان ﷺ يخَرج ماشيًا، والعَنَزَةُ (1) تحُملُ بين يديه، فإذا وصلَ إلى المُص نُصبت بين يديه ليُصليَ إليها؛ فإن المُصلىَّ كان إذ ذاك فضاءً لم يكن فيه بناءٌ ولا حائطٌ. وكان يؤخِّر صلاةَ عيد الفطرِ، ويعجل الأضحى، وكان ابنُ عمرَ مع شدةِ اتباعه للسنةِ لا يخرجُ حتى تطلُعَ الشمسُ، ويكبرِّ من بيتِه إلى المصلى. وكان ﷺ إذا انتهى إلى المُصلىَّ أخذ في الصلاةِ من غير أذانٍ ولا إقامةٍ ولا قولِ: الصلاةُ جامعةٌ. ولم يكن هو ولا أصحابُه يصلون إذا انتهوا إلى المُصلى شيئًا قبل الصلاةِ ولا بعدَها. فكان يبدأ بالصلاةِ قبل الخطبةِ، فيُصليِّ ركعتين، يكبرِّ في الأولى سبعَ تكبيراتٍ متواليةٍ بتكبيرةِ الافتتاحِ، بين كُلِّ تكبيرتين سكتةٌ يَسيرةٌ، ولم يحُفظ عنه ذِكرٌ معين بين التكبيرات، وكان ابنُ عمرَ مع تحريه للاتباع يرفعُ يديه مع كُلِّ تكبيرةٍ. وكان ﷺ إذا أتمَّ التكبيرَ أخذَ في القراءةِ، فقرأ فاتحةَ الكتابِ، ثم قرأ بعدَها: (ﭑﭒ ﭓ ﭔ ) في إحدى الركعتين، وفي الأُخرى: (ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ). وربما قرأَ فيهما : (ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ) و(ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ )، صحَّ عنه هذا وهذا، ولم يَصحَّ عنه غيرُ ذلك. (1) (العَنَزَة): الحربة

عدد الصفحات ١٢١

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |020 فإذا فرغَ من القراءةِ كبرَّ وركعَ، ثم إذا أكملَ الركعةَ وقام من السجودِ ك خمسًا متواليةً، فإذا أكملَ التكبيرَ أخذ في القراءةِ. وكان ﷺ إذا أكملَ الصلاةَ انصرفَ فقام مُقابلَ الناسِ، والناسُ جلوسٌ على صفوفهم، فيعظُهم ويوصِيهم، ويأمرُهم وينهاهم، وإن كان يريدُ أن يقطعَ بعثًا قطعه، أو يأمرَ بشِءٍ أمر به. ولم يكن هناك مِنبرٌ يرقى عليه، وإنما كان يخطبُهم قائماً على الأرضِ. وكان يفتتحُ خُطبَه كُ لَّها بـ: «الحمدُ»، ولم يحُفظ عنه في حديثٍ واحدٍ أنه افتتحَ خُطبتَي العيدين بالتكبيرِ. ورخَّص النبيُّ ﷺ لمن شهد العيدَ أن يجلسَ للخطبةِ، وأن يذهبَ، ورخَّص لهم إذا وقعَ العيد يومَ الجمعة أن يجَتزئوا بصلاةِ العيدِ عن حضورِ الجُمعةِ. وكان ﷺ يخُالفُ الطريقَ يوم العيد، فيذهب في طريقٍ، ويرجع في آخرَ؛ فقيل: ليسلِّمَ على أهلِ الطريقين، وقيل: لينالَ بركتُه الفريقان، وقيل: ليقضَِ حاجةَ مَن له حاجة منهما، وقيل: ليظهرَ شعائرَ الإسلام في سائرِ الفجاجِ والطرقِ، وقيل: ليغيظَ المنافقين برؤيتِهم عزةِ الإس لام وأهلِه وقيامِ شعائره، وقيل: لتكثرَ شهادةُ البقاع، فإن الذاهبَ إلى المسجد أو المُصلىَّ إحدى خطوتيه ترفع درجةً، والأخرى تحطُّ خطيئةً حتى يرجعَ إلى منزلِه، وقيل -وهو الأصح -: إنه لذلك كلِّه، ولغيرِه من الحكمِ التي لا يخلو فعلُه عنها.

عدد الصفحات ١٢٢

022 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ورُوي عنه أنه كان يك برُِّ من صلاةِ الفجر يومَ عرفة إلى العصرِ من آخرِ أيام التشريقِ «الله أكبَ، الله أكبَ، لا إله إلا الله، والله أكبَ، الله أكبَ، ولله الحمد»(1). 23- فصل في هديِ ه ﷺ في صلاةِ الرسوفِ لما كَسفت الشمسُ خرجَ ﷺ إلى المسجدِ مُسرعًا فزِعًا يجرُّ رداءَه، وكان كسوفُها في أوَّلِ النهارِ على مِقدارِ رُمحين أو ثلاثةٍ من طُلوعها، فتقدَّم فصلى ركعتين، قرأَ في الأولى بفاتحةِ الكتاب وسورةٍ طويلةٍ، وجهرَ بالقراءةِ، ثم ركع فأطالَ الركوعَ، ثم رفع رأسَه من الركوعِ، وصلى فأطالَ القيامَ وهو دون القيامِ الأوَّلِ، وقال لما رفعَ رأسَه: «سَمِعَ الله لمن حمِده، ربَّنا ولك الحمدُ » ثم أخذ القراءةِ، ثم ركعَ فأطالَ الركوعَ وهو دون الركوعِ الأول، ثم رفعَ رأسَه من الركوع ثم سجد فأطالَ السجودَ، ثم فعل في الركعةِ الأخرى مثلَ ما فعلَ في الأ ولى. فكان في كُلِّ ركعةٍ ركوعان وسجودان، فاستكملَ في الركعتين أربعَ ركوعاتٍ وأربعَ سجوداتٍ، ورأى في صلاتِه تلك الجنةَ والنار، وهَمَّ أن يأخذَ عنقودًا من الجنةِ فيريهم إيَّاه، ورأى أهلَ العذاب في النارِ، فخطبَ بهم خُطبةً بليغةً، حُفِظ منها قولُه: «إن الشمسَ والقمرَ آيتان من آياتِ الله لا يََسفان لموت أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتُم ذلك فادعوا الله وكبَ وا وصلوا وتصدقوا ». وقال«يا أُمَّةَ محمد، والله، ما أحدٌ أغيرَ من الله أن يَزنيَ عبدُه أو تزني أمتُه، يا أمَّةَ محمد، والله، لو تعلمون ما أعلمُ لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا »(2). (1) أخرجه الدارقطني2/390 (1737)، والبيهقي في الدعوات الكب2/165 (540.) (2) أخرجه البخاري1044)، ومسلم901.)

عدد الصفحات ١٢٣

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |023 وقد روي عنه أنه صلاها على صفاتٍ أُخرَ: منها: كُلُّ ركعة بثلاثِ ركوعات، ومنها: كُلُّ ركعةٍ بأربعِ ركوعات، ومنها: أنها كأحدثِ صلاةٍ صُليت، كل ركعةٍ بركوعٍ واحدٍ. ولكن كبار الأئمَّةِ لا يصحِّحون ذلك. وأمر ﷺ في الكسوفِ بذكر الله تعالى، والص لاةِ، والدعاءِ، والاستغفارِ، والصدقةِ، والعتاقةِ، والله أعلم. 24- فصل في هديِ ه ﷺ في الاستسقاءِ ثبت عنه ﷺ أنه استسقى على وجوهٍ: أحدُها : يومُ الجمعة على المِنبر في أثناء خطبتِه، وقال: «اللهمَّ أغثنا، اللهم أغثنا، اللهمَّ أغثنا، اللهم اسقِنا، اللهم اسقِنا، اللهم اسقِنا»(1). الوجه الثا : أنه ﷺ وعدَ الناسَ يومًا يخَرجون فيه إلى المُصلىَّ، فخرجَ لما طلَعت الشمسُ متواضعًا، متبذِّلاً، متخشِّعًا، مترسلاً، متضِّْعًا، فلما وافى المصلى صعدَ المنبرَ -إن صحَّ وإلا ففي القلبِ منه شيءٌ - فحمد الله وأثنى عليه وكبرَّه، وكان مما حُفِظ من خطبتِه ودعائه: «الحمدُ لله رب العالمين، الرحمنِ الرحيم مالكِ يوم الدين، لا إلهَ إلا الله يفعلُ ما يريدُ، اللهمَّ أنت الله لا إله إلا أنت تفعلُ ما تريد، اللهمَّ أنت الله وأنت الغنيُّ ونحن الفقراءُ، أنزِل علينا الغيثَ، واجعلْ ما أنزلته علينا قوَّةً لنا وبلاغًا إلى حين »(2). (1) أخرجه البخاري1014)، ومسلم897.) (2) أخرجه أبو داود1173.)

عدد الصفحات ١٢٤

024 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ثُم رفعَ يديه وأخذَ في التضْعِ والابتهالِ والدعاء، وبالغَ في الرفعِ حتى بدا بياضُ إبطيه، ثم حول إلى الناسِ ظهرَه، واستقبلَ القبلةَ، وحول إذ ذاك رداءَه وهو مستقبلُ القبلةِ فجعل الأيمنَ على الأيسرِ، والأيسرَ على الأيمنِ، وظهرَ الرداءِ لبطنِه، وبطنَه لظهرِه، وكان الرداءُ خميصةً سوداء، وأخذَ في الدعاءِ مستقبلَ القبلةِ، والناسُ كذلك. ثُم نزلَ فصلىَّ بهم ركعتين كصلاةِ العيدِ مِن غير أذانٍ ولا إقامةٍ ولا نداءٍ البتة، جهرَ فيهما بالقراءةِ، وقرأ في الأولى بعدَ الفاتحةِ بـ (سبح اسم ربك الأعلى)، وفي الثانيةِ: (هل أتاك حديث الغاشية). الوجهُ الثالثُ : أنه ﷺ استسقى على مِنبرِ المدينة استسقاءً مجرَّدًا في غيرِ يومِ جمُعةٍ، ولم يحُفظ عنه ﷺ في هذا الاستسقاءِ صلاةٌ. الوجهُ الرابع : أنه ﷺ استسقى وهو جالسٌ في المسجدِ فرفعَ يديه ودعا الله ، فحُفِظَ من دعائِه حينئذٍ «اللهُمَّ اسقِنا غيثًا مغيثًا مريعًا طبقًا عاجلاً غيرَ رائثٍ نافعًا غيرَ ضار »(1). ولما كثُر المطرُ سألوه الاستصحاءَ، فاستصحى لهم، وقال «اللهمَّ حَوَالَينا ولا عَلينا، اللهم على الآكامِ والجبالِ والظ راب وبطون الأوديةِ ومَنابت الشجرِ »(2). وكانﷺ إذا رأى المطرَ قال: «اللهم صَي بًا نافعًا »(3). (1) أخرجه أبو داود1169.) (2) أخرجه البخاري933)، ومسلم897.) (3) أخرجه البخاري1032.)

عدد الصفحات ١٢٥

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |025 وكان يحَسرُ ثوبَه حتى يصيبَه من المطرِ، فسُئِلَ عن ذلك، فقال «لأنه حديثُ عهدٍ برب ه »(1). وكانﷺ إذا رأى الغيمَ والريحَ، عُرف ذلك في وجهِه فأقبلَ وأدبرَ، فإذا أمطرت سرُِّيَ عنه وذهب عنه ذلك، وكان يخَشى أن يكونَ فيه العذابُ. وقد حفظتُ عن غيرِ واحدٍ طلبَ الإجابةِ عندَ نزولِ الغيث وإقامةِ الصلاة. 25- فصل في هديِ ه ﷺ في سفرِ ه وعبادتِ ه فمه كانت أسفارُه ﷺ دائرةً بين أربعةِ أسفارٍ: سفرُه لهجرَتِه، وسفرُه للجهادِ وهو أكثرُها، وسفرُه للعُمرةِ، وسفره للحجِّ. وكان إذا أرادَ سفرًا أقرعَ بين نسائه فأيتهنَّ خرجَ سهمُها سافرَ بها معه، ولما حجَّ سافرَ بهن جميعًا. وكان إذا سافرَ خرج من أوَّل النهارِ، وكان يستحبُّ الخروجَ يوم الخميسِ، ودعا الله تبارك وتعالى أن يباركَ لأمَّته في بُكورِها، وكان إذا بعث سريةً أو جيشًا، بعثهم من أوَّلِ النهارِ. وأمرَ المسافرين إذا كانوا ثلاثةً أن يؤمِّروا أحدَهم، ونهى أن يُسافِر الرجلُ وحدَه، وأخبر أن الراكبَ شيطانٌ، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركبٌ. وكان إذا قُدِّمت إليه دابَّتُه ليركبها، يقول: «بسم ا » حين يضع رجلَه الرِّكابِ، وإذا استوى على ظهرِها، قال: «الحمدُ لله الذي سخَّر لنا هذا وما كُنَّا له (1) أخرجه مسلم898.)

عدد الصفحات ١٢٦

026 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد مُقرنين، وإنا إلى رب نا لمنقلبون »، ثم يقول «الحمدُ لله، الحمدُ لله، الحمدُ »، ثم يقول: «الله أكبَُ، الله أكبَُ، الله أكبَُ»، ثم يقولُ«سبحانك إني ظلمتُ نفسي فاغفرْ لَ، إنه لا يَغفرُ الذنوبَ إلا أنت »(1). وكان يقول«اللهمَّ إنا نسألك في سفرِنا هذا البَ َّ والتقوى، ومن العملِ ما ترضى، اللهمَّ هو ن علينا سفرَنا هذا، واطوِ عنا بُعدَه، اللهم أنت الصاحبُ في السفرِ، والخليفةُ في الأهلِ، اللهم إني أعوذُ بك من وعْثَاءِ السفرِ، وكآبةِ المُنقلبِ، وسوءِ المَنظرِ في الأهلِ والمالِ » وإذا رجعَ قالهنَّ وزاد فيهن «آيبون تائبون عابدون لرب نا حامدون»(2). وكان هو وأصحابُه إذا علوا الثنايا كبرَّوا، وإذا هبطوا الأوديةَ سبَّحوا وكان إذا أشرفَ على قريةٍ يريدُ دخولهَا يقول: «اللهم ربَّ السموات السبعِ وما أظللنَ، وربَّ الأرَضين السبعِ وما أقللن، وربَّ الشياطين وما أضللنَ، وربَّ الرياحِ وما ذَرين، أسألك خيرَ هذه القريةِ وخيرَ أهلها، وأعوذُ بك من شِ ها، وشِ أهلِها وشِ ما فيها »(3). وكانﷺ يقصرُ الرُّباعية، فيصلِّيها ركعتين من حين يخَرجُ مُسافرً ا إلى أن يرجعَ إلى المدينة، ولم يثبُت عنه ﷺ أنه أتمَّ الرباعيةَ في السفرِ البتَّةَ، قالت عائشة : فُرضت الصلاةُ ركعتين ركعتين، فلما هاجرَ رسولُ ا ﷺ إلى المدينةِ، زِيدَ في صلاةِ الحضِْ، وأُقرَّت صلاةُ السفر. (1) أخرجه أبو داود2602)، والترمذي3446.) (2) أخرجه مسلم1342.) (3) أخرجه النسائي في السنن الكبرى8/117 (8775)، وابن خزيمة في صحيحه4/150(2565.)

عدد الصفحات ١٢٧

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |027 و«صحيح البخاري » عن ابنِ عمرَ ، قال: صحبت رسولَ ا ﷺ، فكان في السفرِ لا يَزيد على ركعتين، وأبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ (1). وكان من هديِهﷺ في سفرِه الاقتصارُ على الفرضِ، ولم يحُفظ عنه أنه صلى سُنَّةَ الصلاة قبلَها ولا بعدَ ها، إلا ما كان من الوِترِ وسنةِ الفجرِ فإنه لم يكن يدعهما حضًْا ولا سفرًا. قال الشافعي : وثبتَ عن النبي ﷺ أنه كان يتنفَّل ليلاً وهو يقصرُ (2)، وفي «الصحيح»: عن عامر بن ربيعة، أنه رأى النبيﷺ يُصليِّ السبحةَ بالليلِ في السفرِ على ظهرِ راحلتِه ». فهذا قيام الليل وكان من هديِه ﷺ صلاةُ التطوع على راحلتِه حيثُ توجَّهت به، وكان يومئُ برأسِه في ركوعِه وسجودِه، وسجودُه أخفضُ من ركوعِه. وصلىَّ على الراحلةِ، وعلى الحمارِ -إن صح عنه -، وقد رواه مسلم في «صحيحه» من حديث ابن عمر(3). وصلىَّ الفرضَ بهم على الرواحلِ لأجلِ المطرِ والطينِ، إن صحَّ الخبر بذلك. وكان من هديِه ﷺ أنه إذا ارتحلَ قبل أن تَزيغَ الشمسُ أخَّر الظهرَ إلى وقت العصرِ، ثم نزلَ فجمع بينَهما، فإن زالت الشمسُ قبل أن يرتحلَ صلى الظهرَ ثم ركبَ، وكان إذا أعجله السيرُ أخَّر المغربَ حتى يجمعَ بينها وبين العشاءِ في وقت العشاءِ. (1) أخرجه البخاري1102)، ومسلم689.) (2) الأم للشافعي2/365. (3) أخرجه مسلم700.)

عدد الصفحات ١٢٨

028 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ولم يكن من هديِه ﷺ الجَمعُ راكبًا في أسفارِه، ولا الجمعُ حالَ نزوله أيضًا، وإنما كان يجمعُ إذا جَدَّ به السيرُ، وأما جمعُه وهو نازلٌ غير مسافرٍ فلم يُنقل ذلك عنه إلا بعرفةَ لأجلِ اتصالِ الوقوفِ. ولم يحدَّ ﷺ لأمتِه مسافةً محدودةً للقصر والفطر، بل أطلقَ لهم ذلك في مطلقِ السفرِ والضْبِ في الأرضِ. 26- فصل في هديِ ه ﷺ في قراءةِ القرآنِ واستداعِ ه وخشوعِ ه وبنرائِ ه عند قراءتِ ه، واستداعِ ه وتحسينِ صوتِ ه بنه وتوابنعِ ذلك كان له ﷺ حزبٌ يقرؤه ولا يخُلُّ به، وكانت قراءتُه تَرتيلاً لا هَذًّا ولا عجلةً، بل قراءةً مُفسرَّة حرفًا حرفًا، وكان يقطِّعُ قراءتَه آيةً آيةً، وكان يمدُّ عندَ حروف المد، فيمدُّ (الرحمن)، ويمدُّ (الرحيم). وكان يستعيذُ بالله من الشيطانِ الرجيمِ في أوَّل القراءةِ فيقولُ: «أعوذُ بالله من الشيطانِ الرجيم»، وربما كان يقولُ«اللهمَّ إني أعوذُ بك من الشيطانِ الرجيمِ، من همزِه ونَفخِه ونَفثِه »(1). وكان يحُبُّ أن يَسمعَ القرآنَ من غيرِه، وأمرَ عبدَ الله بنَ مسعودٍ، فقرأَ عليه وهو يسمعُ، وخشعَ ﷺ لسماعِ القرآنِ منه حتى ذَرفت عيناه(2). (1) أخرجه أبو داود775)، والترمذي242.) (2) أخرجه البخاري4583)، ومسلم800.)

عدد الصفحات ١٢٩

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |029 وكان يقرأُ القرآنَ قائماً وقاعدًا ومضطجعًا ومتوضئًا ومحُدِثًا، ولم يكن يَمنعُه من قراءتِه إلا الجنابةُ. وكان ﷺ يتغنَّى به، ويُرجِّعُ صوتَه به أحيانًا، وحكى عبدُ الله بن مُغفَّلٍ ترجيعَه: «آ آ آ» ثلاثَ مراتٍ (1). والتطريبُ والتغن ي على وجه أحدهما: ما اقتضَتْه الطبيعةُ وسمحَتْ به مِن غير تكلفٍ ولا تمرينٍ وتعليمٍ، بل إذا خُليِّ وطبعه واسترسلَتْ طبيعتُه جاءت بذلك التطريبِ والتلحينِ فهذا جائز، وإن أعان طبيعتَه فضلُ تزيينٍ وتحسينٍ كما قال أبو موسى للنبي ﷺ: «لو علمتُ أنك تسمعُ لحبَتُه لك تحبيرًا »(2) .فهذا هو الذي كان السلفُ يفعلونه ويسمعونه، وهو التغنِّي الممدوحُ المحمودُ، وهو الذي يتأثر به التالي والسامع، وعلى هذا الوجه تحُملُ أدلةُ أربابِ هذا القولِ كلُّها. الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعةً من الصنائعِ، ليس في الطبعِ السماحةُ به، بل لا يحصلُ إلا بتك لفٍ وتصنعٍ وتمرنٍ، كما يُتعلَّمُ أصواتُ الغناءِ بأنواعِ الألحان البسيطةِ والمركبةِ على إيقاعاتٍ مخصوصةٍ وأوزانٍ مخترعةٍ لا تحصلُ إلا بالتعلمِ والتكلفِ، فهذه هي التي كرهها السلفُ وعابوها وذمُّوها، ومنعوا القراءةَ بها، وأنكروا على مَن قرأ بها، وأدلةُ أرباب ه ذا القولِ إنما تتناول هذا الوجهَ، وبهذا التفصيلِ يزولُ الاشتباهُ، ويتبينُ الصوابُ من غيرِه. (1) أخرجه البخاري7540)، ومسلم794.) (2) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه2/485 (4178)، والنسائي في الكبرى7/273 (8004.)

عدد الصفحات ١٣٠

031 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 27- فصل في هديِ ه ﷺ في عمادةِ المرضى كان ﷺ يعودُ مَن مَرِضَ من أصحابِه، وعادَ غلامًا كان يخدمُه من أهلِ الكتابِ، وعاد عمَّه وهو مشركٌ، فعرضَ عليهما الإسلامَ فأسلمَ اليهوديُّ، عمُّه وكان ﷺ يدنو من المريضِ، فيَجلسُ عند رأسِه ويسألُه عن حالِه فيقولُ: «كيف تَُدُك؟ »(1). وكان يمسحُ بيده اليمنى على المريضِ ويقولُ «اللهمَّ رب الناسِ، أذهِب البأسَ، اشفِ وأنت الشافي، لا شِفاءَ إلا شفاؤك، شفاءً لا يُغادرُ سَقَماً »(2). وكان يقول«امسح البأسَ ربَّ الناسِ، بيدِك الشفاءُ، لا كاشفَ له إ أنت»(3). وكان يدعو للمريضِ ثلاثًا ك قال لسعدٍ: «اللهمَّ اشفِ سعدًا، اللهم اشفِ سعدًا، اللهمَّ اشفِ سعدًا »(4)، وكان إذا دخلَ على المريضِ يقول له « لا بأسَ، طهورٌ إن شاء ا »(5). وكان يَرقي من به قرحةٌ، أو جُرحٌ أو شكوى، فيضع سبَّابته بالأرضِ، ثم يَرفعها ويقول: «بسم الله، تُربةُ أرضِنا، بريقَ ةِ بعضِنا، يُشفَى سقيمُنا، بإذن رب نا »(6). ولم يكن من هديِهﷺ أن يخَُصَّ يومًا من الأيامِ بعيادةِ المريضِ، ولا وقتًا من الأوقاتِ. (1) أخرجه الترمذي983)، وابن ماجه4261.) (2) أخرجه البخاري5675)، ومسلم2191.) (3) أخرجه البخاري5744)، ومسلم2191.) (4) أخرجه البخاري5659)، ومسلم1628.) (5) أخرجه البخاري3616.) (6) أخرجه البخاري5745)، ومسلم2194.)

عدد الصفحات ١٣١

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |030 [ 1- فصل في هديِ ه ﷺ في اجونائزِ والصلاةِ علمها واتباعِ ها ودفنِ ها، وما كان يَدعو بنه للدمِّ تِ في صلاةِ اجونازةِ وبنعد الدفنِ وتوابنعِ ذلك كان هديُه وسيرتُه ﷺ في الجنائزِ أكملَ الهدي مخُالفًا لهدي سائرِ الأمم، مُشتملاً على الإحسان إلى الميِّتِ ومعاملتِه بما ينفعُه في قبرِه ويومِ معاده، وعلى الإحسانِ إلى أهلِه وأقاربِه، وعلى إقامةِ عبوديَّةِ الحيِّ لله فيما يعاملُ به الميِّتَ، وتِهيزِه إلى الله تعالى على أحسنِ أ حوالِه وأفضلِها، ووقوفِه ووقوفِ أصحابه صفوفًا يحمَدون الله ويَستغفرون له، ويَسألون له المغفرةَ والرحمةَ والتجاوزَ عنه. ثم المشِ بين يديه إلى أن يُودِعَه حفرتَه، ثم يقومُ هو وأصحابُه على قبرِه سائلين له التثبيتَ أحوجَ ما كان إليه. ثم يتعاهدُه بالزيارةِ إلى قبرِه والسلامِ عليه، والدعاءِ له كما يتعاهدُ الحيُّ صاحبَه في دارِ الدنيا. فأوَّلُ ذلك: تعاهدُه في مرضِه، وتذكيرُه الآخرةَ وأمرُه بالوصيَّةِ، والتوبةِ، وأمرُ مَن حضْه بتلقينِه شهادةَ ألا إله إلا الله؛ لتكون آخرَ كلامِه، ثم النهيُ عن عادةِ الأممِ التي لا تؤ منُ بالبعثِ والنشورِ، من لَطمِ الخدودِ، وتوابعِ ذلك. وسنَّ الخشوعَ للميت، والبكاءَ الذي لا صوتَ معه، وحُزنَ القلبِ، وكان يفعل ذلك ويقول: «تدمعُ العينُ، ويُزنُ القلبُ، ولا نقولُ إلا ما يُرضِ الرب »(1). (1) أخرجه البخاري1303)، ومسلم (2315.)

عدد الصفحات ١٣٢

032 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وسنَّ لأمَّته الحمدَ والاسترجاعَ، والرضى عن الله، ولم يكن ذلك منافيًا لدمع العينِ وحزنِ القلب، ولذلك كان أرضى الخلقِ عن الله في قضائِه، وأعظمَهم له حمدًا، وبكى مع ذلك يومَ موتِ ابنه إبراهيم رأفةً منه، ورحمةً للولد، ورقةً عليه، والقلبُ ممتلئٌ بالرضى عن الله  وشكرِه، واللسانُ مشتغلٌ بحمدِه وذكرِه وكان من هديِه ﷺ الإسراعُ بتجهيز الميِّتِ إلى الله تعالى، وتطهيرُه وتنظيفُه وتطييبُه وتكفينُه في ثيابِ البياضِ، ثم يُؤتى به إليه فيصليِّ عليه بعد أن كان يُدعى إلى الميتِ عند احتضارِه، فيقيمُ عنده حتى يقضَِ ثم يحضُْ تِهيزَه، ثم يصلي عليه، ويُشيِّعُه إلى قبرِ ه، ثم رأى الصحابَة أن ذلك يشقُّ عليه، فكانوا إذا قضَ الميِّتُ دعَوه فحضَْ تِهيزَه وغسلَه وتكفينَه، ثم رأوا أن ذلك يَشقُّ عليه فكانوا هم يجُهِّزون ميِّتَهم ويحَملونه إليه ﷺ على سريرِه فيصلي عليه خارجَ المسجدِ، ولم يكن مِن هديِه الراتبِ الصلاةُ عليه في المسج دِ، وإنما كان يُصليِّ على الجنائز خارجَ المسجدِ، وربما كان يُصلي أحيانًا على الميتِ في المسجدِ كما صلى على سُهَيلِ ابن بيضاءَ وأخيه في المسجدِ. وكان من هديِه ﷺ تَسجيةُ الميت إذا مات وتغميضُ عينيه، وكان ربما يُقبِّل الميتَ كما قبَّلَ عثمانَ بنَ مَظعون وبكى، وكذلك الصديقُ أكبَّ عليه يقبِّله بعدَ موتِه ﷺ. وكان ﷺ يأمرُ بغسلِ الميِّتِ ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر بحسب ما يراه الغاسلُ، ويأمرُ بالكافورِ في الغسلةِ الأخيرةِ، وكان لا يُغسِّلُ الشهيدَ قَتيلَ المعركةِ.

عدد الصفحات ١٣٣

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |033 وكان إذا مات المحرمُ أمرَ أن يُغسَّلَ بماءٍ وسدرٍ، و يُكفَّن في ثوبيه، وهما ثوبا إحرامِه: إزارُه ورداؤه، وينهى عن تطييبِه وتغطية رأسِه. وكان يأمر مَن وَليَِ الميِّتَ أن يحُسنَ كفنَه، ويكفِّنه في البياضِ، وينهى عن المُغالاةِ في الكفنِ، وكان إذا قَصرَّ الكفنُ عن سترِ جميعِ البدنِ غطَّى رأسَه وجعلَ على رجليه شيئا من العُشبِ. وكان إذا قُدِّم إليه ميتٌ يُصلي عليه، سأل: «هل عليه دينٌ أم لا؟ »، فإن يكن عليه دينٌ صلى عليه، وإن كان عليه دينٌ لم يصلِّ عليه، وأذِن لأصحابِه أن يُصلوا عليه؛ فإن صلاتَه شفاعةٌ، وشفاعته موجبةٌ، والعبدُ مرتهنٌ بدَينه ولا يدخل الجنةَ حتى يُقضَ عنه، فلما فتح الله عليه كان يُصلي على المَدين ويتحمَّلُ دينَه، ويدَعُ مالَه لورثته. فإذا أخذَ في الصلاةِ عليه كبرَّ وحمِد الله وأثنى عليه. وصلى ابنُ عباسٍ على جِنازةٍ، فقرأَ بعد التكبيرِ الأولِ بفاتحةِ الكتابِ وجهرَ بها، وقال: لتَعلموا أنها سُنَّةٌ. وعن أبي هريرةَ، أنه سألَ عُبادةَ بنَ الصامتِ عن الصلاةِ على الجنازة، فقال: أنا والله أخبرُك: تبدأُ فتكبرِّ ثم تصلي على النبيِّ ﷺ، وتقولُ: اللهمَّ إن عبدَك فلانًا كان لا يُشركُ بك وأنت أعلمُ به، إن كان محُسنًا فزِد في إحسانِه، وإن كان مُسيئًا فتجاوز عنه، اللهمَّ لا تحَرمْنا أجرَه ولا تَفتِنَّا بعده (1). ومقصودُ الصلاةِ: هو الدعاء للميِّتِ؛ وكذلك حُفِظَ عن النبي ﷺ ونُقِلَ عنه ما لم يُنقلْ من قراءةِ الفاتحة والصلاةِ عليه ﷺ. (1) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى4/65 (6963.)

عدد الصفحات ١٣٤