051 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد [ 1- فصل في هديِه ﷺ في الصمامِ لما كان المقصودُ من الصيامِ حبسَ النفسِ عن الشهواتِ، وفطامَها عن المألوفاتِ، وتعديلَ قوتهِا الشهوانية؛ لتستعدَّ لطلبِ ما فيه غايةُ سعادتهِا ونعيمها، وقبولِ ما تزكو به مما فيه حياتهُا الأبدية، ويكسرُ الجوعُ والظمأُ من حدتهِا وسورتها، ويذكرُها بحالِ الأكبادِ الجائعةِ من المساكين، وتَضْييقُ مجاري الشيطان من العبدِ بتضييقِ مجاري الطعامِ والشراب، وتحبسُ قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعةِ فيما يضُّْها في معاشِها ومعادِها، ويسكنُ كلُّ عضوٍ منها وكلُّ قوةٍ عن جماحِه ويلتجمُ بلجامِ ه، فهو لجامُ المتقين، وجُ نَّ ةُ المحاربين، ورياضةُ الأبرار والمقربين، وهو لربِّ العالمين مِن بين سائرِ الأعمال، فإن الصائمَ لا يفعل شيئًا وإنما يترك شهوتَه وطعامَه وشرابَه من أجل معبودِه، فهو تركُ محبوبات النفس [ الله ومرضاتِه، فهو سرٌّ بينَ العبدِ وبين الله لا يطلع عليه سواه، والعبادُ قد يطلعون منه على تركِ المفطرات الظاهرةِ، وأمَّا كونُه تركَ طعامَه وشرابَه وشهوتَه مِن أجل معبودِه فأمرٌ لا يطلع عليه بشرٌ، وذلك حقيقةُ الصومِ. وللصيامِ تأثيرٌ عجيبٌ في حفظِ الجوارِحِ الظاهرةِ والقو ى الباطنةِ، وحميتها عن التخليطِ الجالب لها الموادَّ الفاسدةِ، وفي استفراغِ المواد الرديئة المانعةِ لها من صحتِها، فهو من أكبرِ العون على التقوى، كما قال تعالى: ﴿ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ﴾ [183].
عدد الصفحات ١٥١مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |050 وقال النبيﷺ: «الصومُ جُنَّةٌ »(1)، وأمرَ من اشتدَّت به شهوةُ النكاحِ ولا قُدرةَ له عليه بالصيامِ، وجَعَلَهُ وِجاءَ هذه الشهوةِ. وكان هَديُ رسولِ الله ﷺ فيه أكملَ الهدي، وأعظمَ تحَصيلٍ للمقصودِ، وأسهلَه على النفوسِ. ولما كان فَطمُ النفوسِ عن مَألوفاتهِا وشَهواتهِا من أشقِّ الأمورِ، تأخَّرَ فرضُه إلى وسطِ الإسلامِ بعد الهجرةِ لما توطَّنت النفسُ على التوحيدِ والصلاةِ، وألفَتْ أوامرَ القرآنِ، فنُقلت إليه بالتدريج. وكان فرضُه في السنةِ الثانيةِ من الهجرةِ، فتُوفيِّ رسولُ الله ﷺ وقد صام تسعَ رمضاناتٍ، وفُرضَ أ ولاً على وجه التخييرِ بينَه وبينَ أن يطعمَ عن كلِّ يومٍ مسكينًا، ثم نُقل من ذلك التخييرِ إلى تحتُّمِ الصومِ، وجَعَل الإطعامَ للشيخِ الكبير والمرأةِ إذا لم يطيقا الصيامَ. ورخَّص للمريض والمسافِر أن يُفطرا ويَقضيا، وللحاملِ والمرضِعِ إذا خافتا على أنفُسِهما كذلك، وإن خافتا على وَلَدَيهما زادتا مع القضاءِ إطعامَ مسكينٍ لكل يومٍ، فإن فِطرَهما لم يكن لخوفِ مرضٍ، وإنما كان مع الصحةِ فجُبرِ بإطعام المسكين كفِطرِ الصحيحِ في أولِ الإسلامِ. وكان للصوم رتبٌ ثلاثٌ، إحداها: إيجابه بوصفِ التخيير . والثانية: تحتُّمه، لكن كان الصائمُ إذا نام قبلَ أن يطعمَ حرُمَ عليه الطعامُ والشرابُ إلى الليلة القابلةِ، فنسخ ذلك بالرتبة الثالثة: وهي التي استقرَّ عليها الشرعُ إلى يوم القيامةِ. (1) أخرجه البخاري1894)، ومسلم1151.)
عدد الصفحات ١٥٢052 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 2- فصل [ ﷺ في شهر رمضان وكان من هديِه ﷺ في شهرِ رمضانَ الإكثارُ من أنواع العبادات، فكان جبريلُ عليه السلام يُدارسُه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريلُ أجودَ بالخيرِ من الريحِ المرسلةِ، وكان أجودَ الناس، وأجودُ ما يكون في رمضان، يُكثِر فيه من الصدقةِ والإحسانِ وتلاوة القرآن والصلاةِ والذكرِ و الاعتكافِ. وكان يخصُّ رمضان من العبادةِ بما لا يخصُّ به غيرَه من الشهورِ، حتى إنه كان ليواصِلُ فيه أحيانًا ليوفرَ ساعات ليلِه ونهارِه على العبادة، وكان ينهى أصحابَه عن الوِصالِ، فيقولون له: إنك تُواصِل، فيقول: «لستُ كهَيئَتِكم إ أبيت -وفي رواية: إني أظلُّ - عند ربي يُطعِمني ويَسقِيني»(1). وقد اختَلفَ الناسُ في هذا الطعامِ والشرابِ المذكورِ على قول أحدهما: أنه طعامٌ وشرابٌ حسيٌّ للفم، قالوا: وهذه حقيقةُ اللفظِ، ولا موجبَ للعدولِ عنها . الثاني: أن المرادَ به ما يغذيه الله به من معارفِه، وما يفيضُ على قلبِه من لذةِ مناجاتِه، وقرةِ عينِه بقربِه، ونعيمِه بحبِّه، والشوقِ إليه، وتوابع ذلك من الأحوالِ التي هي غذاءُ القلوب، ونعيمُ الأرواح، وقرةُ العين، وبهجةُ النفوس وللروحِ والقلب بها أعظمُ غذاءٍ وأجلِّه وأنفعِه. ومن له أدنى تِربةٍ وشوقٍ يعلمُ استغناءَ الجسمِ بغذاءِ القلب والروح عن كثيرٍ من الغذاءِ الحيواني، ولا سيما المسرورُ الفرحانُ الظافرُ بمطلوبِه الذي قد قرَّت (1) أخرجه البخاري1964)، ومسلم1105.)
عدد الصفحات ١٥٣مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |053 عينُه بمحبوبِه، وتنعَّمَ بقربِه، والرضى عنه. ولو كان ذلك طعامًا وشرابًا للفم لما كان صائماً فضلاً عن أن يكون موا صلاً. وقد نهى رسولُ الله ﷺ عن الوصالِ رحمةً بالأمة، وأذِنَ فيه إلى السَّحَرِ، ففي «صحيح البخاري » عن أبي سعيدٍ الخدري، أنه سمعَ النبي ﷺ يقول: « لا تُواصلوا، فأيُّكم أرادَ أن يواصلَ فليواصلْ إلى السحرِ »(1). 3- فصل [ ﷺ في ثبوت رمضان وخروجه وكان من هديه ﷺ أنه لا يدخلُ في صومِ رمضان إلا برؤيةٍ محققةٍ، أو بشهادةِ شاهدٍ واحدٍ، فإن لم تكن رؤيةٌ ولا شهادةٌ أكملَ عِدةَ شعبان ثلاثين يومًا. وكان إذا حالَ ليلةَ الثلاثين دون منظرِه غيمٌ أو سحابٌ أكملَ عدة شعبان ثلاثين يومًا ثم صامَه، ولم يكن يصومُ يومَ الإغمامِ ولا أَمَرَ به، بل أمَرَ بأن تكملَ عدةَ شعبانَ ثلاثين إذا غُمَّ، وكان يفعلُ كذلك، فهذا فعلُه وأمرُه، ولا يُناقض هذا قولَه: «فإن غُمَّ عليكم فاقدُروا له »(2)؛ فإن القدرَ هو الحسابُ المقدَّرُ، والمرادُ به الإكمالُ، كما قال في الحديثِ الصحيحِ الذي رواه البخاري: «فأكمِلوا عدةَ شعبان»(3). وكان من هديِه ﷺ، أمرُ الناسِ بالصومِ بشهادةِ الرجلِ الواحد المسلم، وخروجِهم منه بشهادةِ اثنين. (1) صحيح البخاري1963.) (2) أخرجه البخاري1900)، ومسلم1080.) (3) صحيح البخاري1909.)
عدد الصفحات ١٥٤054 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وكان من هديه إذا شهدَ الشاهدان برؤية الهلالِ بعد خروجِ وقت العيدِ أن يُفطرَ ويأمرهم بالفطرِ، ويُصلي العيدَ من الغدِ في وقتِها. 4- [ ﷺ في تعجمل الفطر وكان يُعجلُ الفطرَ ويحثُّ عليه، ويتسحَّر ويحثُّ على السحورِ، ويؤخرُه ويُرَغِّبُ في تأخيرِه. وكان يحضُّ على الفطرِ على التمرِ، فإن لم يجد فعلى الماءِ، وهذا من كمالِ شفقتِه على أمتِه ونصحِهم. وكان ﷺ يُفطرُ قبل أن يُصلي. ورُوي عنه أنه كان يقول إذا أفطرَ: «ذهبَ الظمأُ، وابتلت العروقُ، وثبتَ الأجرُ إن شاء الله »، ذكره أبو داودَ عن ابنِ عمرَ (1). ويُذكر عنه«إن للصائمِ عندَ فطرِه دعوةً ما تردُّ »، رواه ابن ماجه(2). وصح عنه أنه قال«إذا أقبلَ الليلُ من ها هنا، وأدبرَ النهارُ من ها هنا، فقد أفطَرَ الصائمُ »(3). ونهى الصائمَ عن الرفثِ والصخبِ والسبابِ وجواب السبابِ، وأمره أن يقولَ لمن سابه: «إني صائمٌ»(4). (1) أخرجه أبو داود2357.) (2) أخرجه ابن ماجه1753.) (3) أخرجه البخاري1954)، ومسلم1100.) (4) أخرجه البخاري1894)، ومسلم1150.)
عدد الصفحات ١٥٥مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |055 5- فصل [ﷺ في السفر في رمضان وسافرَ رسولُ الله ﷺ في رمضان، فصامَ وأفطرَ، وخيرََّ أصحابَه بين الأمرين، وكان يأمُرُهم بالفطرِ إذا دنوا من عدوِّهم ليتَقَوَّوا على قتالِه. وسافرَ رسول الله ﷺ في رمضان في أعظمِ الغزوات وأجلِّها: في غزاةِ بدرٍ وفي غزاةِ الفتحِ، قال عمرُ بنُ الخطاب: غزَونا مع رسولِ الله ﷺ في رمضانَ غزوتَينِ: يوم بدرٍ والفتح، فأفطرنا فيهما. ولم يكن من هديِه ﷺ تقديرُ المسافةِ التي يُفطِرُ فيها الصائمُ بحدٍّ، وكان الصحابةُ حين يُنشئون السفرَ يُفطرون من غيرِ اعتبارِ مجُاوزةِ البيوتِ، ويخُبرون أن ذلك سنتُ ه وهديُ ه ﷺ. 6- فصل [ﷺ في الاغتسال من اجونابن وتقبمل الزوج في نهار رمضان وكان من هديِه ﷺ أن يدركَهُ الفجرُ وهو جنبٌ من أهلِه، فيغتسِلُ بعد الفجرِ ويصومُ. وكان يُقَبِّل بعضَ أزواجِه وهو صائمٌ في رمضان، وشَبَّه قُبلةَ الصائمِ بالمضمضةِ بالماء. ولا يصحُّ عنه ﷺ التفريقُ بين الشابِّ والشيخِ.
عدد الصفحات ١٥٦056 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 7- فصل [ﷺ فمدن بكل بو شر ناسما وكان مِن هديِه ﷺ إسقاطُ القضاءِ عمن أكلَ أو شربَ ناسيًا، وأن الله هو الذي أطعمَه وسقاه (1). 6- فصل [ﷺ في المفطرات والذي صحَّ عنه ﷺ أن الذي يُفطرُ به الصائمُ: الأكل والشرب والحجامة والقيء، والقرآنُ دالٌّ على أن الجماعَ مفطرٌ، ولا يصحُّ عنه في الكحلِ شيءٌ. وصح عنه أنه كان يستاكُ وهو صائمٌ. وذكرَ الإمامُ أحمد عنه أنه كان يصبُّ الماءَ على رأسِه وهو صائمٌ (2) . وكان يتمضمضُ ويستنشقُ وهو صا ئمٌ، ومنع الصائمَ من المبالغةِ في الاستنشاقِ. ولا يصحُّ عنه أنه احتَجَمَ وهو صائمٌ. 9- فصل في هديِه ﷺ في صمامِ التطوعِ كان ﷺ يصومُ حتى يُقالَ: لا يُفطرُ. ويُفطرُ حتى يقالَ: لا يَصومُ. وما استكملَ صيامَ شهرٍ غير رمضان، وما كان يصومُ في شهرٍ أكثر مما يصومُ في شعبان. (1) أخرجه البخاري1933)، ومسلم1155.) (2) أخرجه أحمد27/147 (16602)، وأخرجه أيضا أبو داود2365.)
عدد الصفحات ١٥٧مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |057 ولم يكن يخَرُجُ عنه شهرٌ حتى يصومَ منه وكان يتحرى صيامَ يوم الاثنين والخميس. وقال ابن عباسٍ : كان رسولُ ا ﷺ لا يُفطِر أيامَ البِيضِ في حضٍْ ولا سفرٍ. وأما صيامُ عشرِ ذي الحجةِ فقد اختُلِفَ عنه فيه ﷺ. وأما صيامُ ستة أيامٍ من شوال فصحَّ عنه أنه قال: «صيامُها مع رمضان يعدلُ صيامَ الدهرِ »(1). وأما صومُ يوم عاشوراء فإنه كان يتحرَّى صومَهُ على سائرِ الأيامِ، ولما قدمَ المدينةَ وجدَ اليهودَ تصومُه وتعظِّمُه فقال: «نحن أحقُّ بموسى منكُم » فصامَه وأمرَ بصيامِه، وذلك قبل فرضِ رمضان، فلما فُرضَ رمضان قال: «من شاءَ صامهُ، ومن شاءَ تركَهُ »(2). وقد روى مسلمٌ«صحيحه» عن ابنِ عباسٍ أن رسولَ ا ﷺ حين صامَ يوم عاشوراء أو أمرَ بصيامِه قالوا: يا رسولَ الله، إنه يومٌ تعظِّمُه اليهودُ والنصارى. قال رسول الله ﷺ: «إذا كان العامُ المقبلُ إن شاء الله صُمنا اليومَ التاسعَ » فلم يأتِ العامُ المقبلُ حتى تُو فيَِّ رسول الله ﷺ(3). (1) أخرجه مسلم1164.) (2) أخرجه البخاري2002)، ومسلم1125.) (3) أخرجه مسلم1134.)
عدد الصفحات ١٥٨058 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 11- فصل [ﷺ في صمام يوم عرف وكان من هديِه ﷺ إفطارُ يوم عرفةَ بعرفةَ، ثَبتَ عنه ذلك في «الصحيح»(1). وصحَّ عنه أن صيامَه يُكفِّر السنةَ الماضيةَ والباقيةَ، ذكره مسلم (2). وقد ذُكِرَ لفطرِه بعرفةَ عدةُ حِكمٍ، منها: أنه أقوى ع الدعاءِ، ومنها: أن الفطرَ في السفر أفضلُ في فرضِ الصومِ، فكيف بنفلِه. وكان شيخنا يسلكُ مسلكًا آخرَ، وهو أنه يومُ عيدٍ لأهل عرفةَ لاجتماعِهم فيه، كاجتماعِ الناسِ يومَ العيد، وهذا الاجتماعُ يخُصُّ بمَن بعرفةَ دون أهلِ الآفاق، قال: وقد أشارَ النبيُّ ﷺ إلى هذا في الحديث الذي رواه أهل السنن عنه: «يومُ عرفةَ، ويومُ النحر، وأيامُ مِنى، عيدُنا أهلَ الإسلامِ »(3). ومعلوم أن كونه عيدًا هو لأهل ذلك الجمعِ لاجتماعِهم. والله أعلم. 11- فصل [ﷺ في صمام السبت والأحد وقد رويَ عنه ﷺ أنه كان يصومُ السبتَ والأحدَ كثيرًا، يقصدُ بذلك مخالفةَ اليهودِ والنصارى، كما في «المسند» و«سنن النسائي» عن كريب مولى ابن عباس، قال: «أرسلني ابنُ عباس وناسٌ من أصحابِ النبي ﷺ إلى أم سلمةَ أسألها: أيُّ الأيامِ كان النبي ﷺ أكثرَها صيامًا؟ قالت: يومُ السبت و الأحد، ويقول: إنهما عيدٌ للمشَكين، فأنا أحبُّ أن أخالفَهم (4). (1) أخرجه البخاري1988)، ومسلم1123.) (2) أخرجه مسلم1162.) (3) أخرجه أبو داود2419)، والترمذي773)، والنسائي3004.) (4) أخرجه أحمد44/330 (26750)، والنسائي في الكبرى3/214 (2788.)
عدد الصفحات ١٥٩مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |059 وقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبدِ الله بن بسرٍ السلمي، عن أخته الصماءِ، أن النبيَّ ﷺ قال: «لا تَصوموا يومَ السبتِ إلا فيما افترُِضَ عليكم، وإن يََد أحدُكُم إلا لحاءَ عنبةٍ أو عودَ شجرةٍ فليمضغه»(1). فاختَلفَ الناسُ في هذين الحديثين، فقال مالكٌ: هذا كذبٌ (2)، يريدُ حديثَ عبد الله بن بسر، قال الترمذي: هو حديثٌ حسنٌ (3)، وقال أبو داود: هذا الحديثُ منسوخٌ (4)، وقال النسائي: هو حديثٌ مضطربٌ (5)، وقال جماعةٌ من أهل العلمِ فإن النهي عن صومِه إنما هو نهيٌ عن إفرادِه. 12- فصل [ ولم يكن من هديِه ﷺ سردُ الصومِ وصيامُ الدهر، بل قد قال: «من صامَ الدهرَ لا صامَ ولا أفطَرَ »(6)، فهديُه لا شك فيه أن صيامَ يومٍ وفطرَ يومٍ أفضلُ من صومِ الدهر وأحبُّ إلى الله 7)). (1) أخرجه أحمد45/7 (27075)، وأبو داود2421.) (2) سنن أبي داود2/321 بعد حديث (2424.) (3) سنن الترمذي744.) (4) سنن أبي داود2421.) (5) قال النسائي في السنن الكبرى3/212 عقب حديث2781): وإنما أخرجته لعلة الاختلاف (6) أخرجه النسائي2381)، وابن ماجه1705.) (7) أخرجه البخاري3420)، ومسلم1716.)
عدد الصفحات ١٦٠061 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 13- فصل [ﷺ في إنشاء نم صوم التطوع وقطعها وإتمامها وكان ﷺ يدخلُ على أهلِه فيقول: «هل عندَكُم شيءٌ؟ » فإن قالوا: لا. قال «إني إذن صائمٌ »(1) فيُنشئُ النية للتطوعِ من النهارِ، وكان أحيانًا ينوي صومَ التطوعِ ثم يُفطر بعدُ. وكان ﷺ إذا كان صائماً ونزل على قوم أتمَّ صيامه ولم يفطر، كما دخلَ على أم سليمٍ، فأتته بتمرٍ وسمنٍ، فقال: «أعيدوا سمنَكُم في سقائِه، وتُرَكُم في وعائِه، فإني صائمٌ »(2)، وقد ثبت عنه «الصحيح» :«إذا دُعِيَ أحدُكُم إلى طعامٍ وهو صائمٌ فليقل: إني صائمٌ »(3). 14- فصل [كراه تخصمص يوم اجودع بنالصوم] وكان من هديِه ﷺ كراهةُ تخصيصِ يوم الجمعةِ بالصومِ فعلاً منه وقولاً، وعلَّل المنعَ من صومِه بأنه يومُ عيدٍ، فروى الإمام أحمد من حديث أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله ﷺ: «يومُ الجمعة يومُ عيد، فلا تُعلوا يومَ عيدكم يومَ صيامكم، إلا أن تصوموا قبلَه أو بعَده»(4). (1) أخرجه مسلم1154.) (2) أخرجه البخاري1982.) (3) أخرجه مسلم1150.) (4) أخرجه أحمد13/395 (8025)، وأصله في البخاري1985)، ومسلم1144.)
عدد الصفحات ١٦١مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |060 [ فصل في هديِه ﷺ في الاعترافِ لما كان صلاحُ القلبِ استقامتَه على طريقِ سيرِه إلى الله متوقفًا على جمعيَّتِه على الله ولَـمِّ شعثِه بإقباله بالكلية على الله تعالى، وكان فضولُ الطعامِ والشراب وفضولُ مخالطةِ الأنام وفضولُ الكلامِ وفضولُ المنامِ مما يزيده شعثًا؛ اقتضَتْ رحمةُ العزيزِ الرحي م بعباده أن شرَعَ لهم من الصومِ ما يُذيبُ فضولَ الطعام والشرابِ، ويستفرغُ من القلب أخلاطَ الشهواتِ المعوقةِ له عن سيرِه إلى الله، وشرَعَ لهم الاعتكافَ الذي مقصودُه وروحُه عكوفُ القلب على الله، وجمعيَّته عليه، والخلوةُ به، والانقطاعُ عن الاشتغالِ بالخلق، وا لاشتغالُ به وحدَه سبحانه، فيصير أنسُه بالله بدلاً عن أُنسِه بالخلق، فيعدُّه بذلك لأنسِه به يومَ الوحشةِ في القبورِ حين لا أنيسَ له ولا ما يفرحُ به سواه، فهذا مقصودُ الاعتكافِ الأعظمِ. ولما كان هذا المقصودُ إنما يتمُّ مع الصومِ شرُِعَ الاعتكافُ في أفضلِ أيا م الصوم وهو العَشرُ الأخيرُ من رمضان، ولم يُنقل عن النبي ﷺ أنه اعتكفَ مُفطِرًا قط، بل قد قالت عائشة: «لا اعتكافَ إلا بصومٍ »(1)، ولم يَذكر الله سبحانه الاعتكافَ إلا مع الصومِ، فالقولُ الراجحُ في الدليلِ الذي عليه جمهورُ السلفِ: أن الصومَ شرطٌ في الاعتكافِ، وهو الذي كان يرجحُه شيخُ الإسلام أبو العباس ابن تيمية. (1) أخرجه أبو داود2473.)
عدد الصفحات ١٦٢062 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وأما فضولُ الكلام فإنه شرَعَ للأمةِ حبس اللسانِ عن كل ما لا ينفعُ في الآخرة. وأما فضولُ المنامِ فإنه شرعَ لهم من قيام الليلِ ما هو من أفضل السهرِ وأحمده عاقبةً، وهو السهرُ المتوسطُ الذي ينفع القلب والبدنَ، ولا يعوقُ عن مصلحةِ العبد. ومدارُ رياضةِ أربابِ الرياضات والسلوكِ على هذه الأركان الأربعة، وأسعدُهم بها مَن سلكَ فيها المنهاجَ النبوي المحمدي، ولم ينحرِف انحرافَ الغالين، ولا قصرَ تقصيرَ المفرطين، وقد ذكرنا هديَه ﷺ في صيامِه وقيامِه وكلامِه، فلنذكر هديَه في اعتكافه. كان ﷺ يعتكفُ العشرَ الأواخرَ من رمضان حتى توفاهُ الله ، وتركَه مرةً فقضاهُ في شوال. واعتكفَ مرة في العَشرِ الأولِ، ثم الأوسطِ، ثم العَشرِ الأخيرِ يلتمسُ ليلةَ القدر، ثم تبين له أنها في العشرِ الأخير، فداومَ على اعتكافِه حتى لحِقَ بربه . وكان يأمُر بخباءٍ فيُضَْبُ له في المسجدِ يخَلو فيه بربه . وكان إذا أرادَ الاعتكافَ صلى الفجرَ ثم دخلهُ وكان يعتكفُ كلَّ سنة عشرةَ أيامٍ، فلما كان العامُ الذي قُبِضَ فيه اعتكفَ عشرين يومًا، وكان يعارضُه جبريلُ بالقرآنِ كل سنةٍ مرةً، فعرضَ عليه تلك السن ة مرتين.
عدد الصفحات ١٦٣مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |063 وكان إذا اعتكفَ دخلَ قُبَّته وحده، وكان لا يدخلُ بيته في حال اعتكافِه إ لحاجةِ الإنسانِ، وكان يخُرجُ رأسَه من المسجدِ إلى بيت عائشةَ، فترجِّله وتغسِله وهو في المسجدِ وهي حائضٌ، وكانت بعض أزواجِه تزورُه وهو معتكفٌ، فإذا قامت تَذهبُ قام معها يقلِبُ ها، وكان ذلك ليلاً، ولم يكن يباشرِ امرأةً من نسائِه وهو معتكفٌ لا بقُبلةٍ ولا غيرِها، وكان إذا اعتكفَ طُرحَ له فراشُه، ووُضعَ له سريرُه في معتكفِه، وكان إذا خرجَ لحاجته مرَّ بالمريضِ وهو في طريقِه فلا يُعَرِّج ولا يَسألُ عنه، واعتكفَ مرة في قبة تركية، وجع لَ على سُدَّتها حصيرًا، كل هذا تحصيلاً لمقصودِ الاعتكافِ وروحِه، عكس ما يفعلُه الجهَّالُ مِن اتخاذِ المعتكفِ موضعَ عشرةٍ ومجلبةٍ للزائرين، وأخذهِم بأطرافِ الأحاديثِ بينهم، فهذا لونٌ، والاعتكافُ النبويُّ المحمدي لونٌ. والله الموفق.
عدد الصفحات ١٦٤064 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد [رة 1- فصل في هديِ ه ﷺ في حجِّ هِ وعُ دَرِه اعتمرَ ﷺ بعد الهجرةِ أربعَ عُمَرٍ كلهن في ذي القعدةِ: الأولى: عمرةُ الحديبيةِ، وهي أولاهُنَّ سنة ستٍّ، فصده المشركون عن البيت، فنحرَ البُدنَ حيث صُدَّ بالحديبية، وحلَقَ هو وأصحابُه رؤوسَهم، وحلوا من إحرامِهم، ورجعَ من عامه إلى المدينةِ. الثانية: عمرةُ القضيةِ في العام المقبلِ، دخل مكةَ فأقام بها ثلاثًا، ثم خرج بعد إكمالِ عمرتِه. الثالثة: عمرتُه التي قرنهَا مع حجتِه. الرابعة: عمرتُه من الجِعرانةِ، لما خرجَ إلى حُنين. فصل ولم يكن في عُمرِه عمرةٌ واحدةٌ خارجًا من مكةَ، وإنما كانت عُمَرهُ كلُّها داخلاً إلى مكة، فالعمرةُ التي فَعَلَها رسولُ الله ﷺ وشرَعَها هي عمرةُ الداخِلِ إلى مكةَ، لا عمرةُ من كان بها فيَخرُجُ إلى الحلِّ ليَعتَمِر، ولم يَفعل هذا على عهدِه أحدٌ قط إلا عائشةُ وحدها بين سائرِ من معه؛ لأنها كانت قد أهلَّت بالعمرةِ فحاضَت فأمَرَها فأَدخَلَت الحجَّ على العمرةِ وصارت قارنةً، وأخبرها أن طوافَها بالبيت وبين الصفا والمروةِ قد وقعَ عن حجتِها وعمرَتهِا، فوجدَت في نفسِها، فأمرَ أخاها عبدَ الرحمن أن يُعمِرَها من التنعيمِ تَ طييبًا لقلبِها.
عدد الصفحات ١٦٥مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |065 2- فصل [ﷺ في بشهر عُدَره عُمَرُه كلها كانت في أشهرِ الحجِّ مخالفةً لهديِ المشركين، فإنهم كانوا يَكرهون العُمرةَ في أشهرِ الحج ويقولون: هي من أفجرِ الفجورِ، وهذا دليلٌ على أن الاعتمارَ في أشهرِ الحج أفضلُ منه في رجب بلا شكٍّ، وأما الت فضيلُ بينَه وبينَ الاعتمار في رمضان فمَوضِعُ نظرٍ، فقد صحَّ عنه أنه أمرَ أمَّ معقل لما فاتها الحجُّ أن تعتمرَ في رمضانَ وأخبرَها أن عمرةً في رمضان تعدلُ حجةً (1). 3- فصل [ ﷺ في الاعتدار في السن الواحدة ولم يحُفَظ عنه ﷺ أنه اعتَمَرَ في السنةِ إلا مرةً واحدةً. فإن قيل فبأيِّ شيءٍ يستحبُّون العمرةَ في السنةِ مرارًا إذا لم يُثبتوا ذلك عن النبي ﷺ؟ قيل: قد اختُلفَ في هذه المسألة، فقال مالك: أكرهُ أن يُعتمرَ في السنةِ أكثرَ من عمرةٍ واحدةٍ، وخالفه مطرفٌ من أصحابه وابنُ المواز، قال مطرف: لا بأسَ بالعمرةِ في السنة مرارًا، وقال ابنُ المواز: أرجو ألاَّ يكونَ به بأسٌ (2)، وقد اعتمرت عائشةُ مرتين في شهرٍ، ولا أرى أن يمنع أحدٌ من التقربِ إلى الله بشِءٍ من الطاعات، ولا من الازديادِ من الخيرِ في موضعٍ لم يأت فيه بالمنع منه نصٌّ، وهذا قول الجمهور. (1) أخرجه البخاري1782)، ومسلم1256.) (2) المدونة لسحنون1/403، التبصرة للخمي3/1253، التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب لخليل بن إسحاق 2/520.
عدد الصفحات ١٦٦