012 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 13- [ﷺ في القراءة وكان ﷺ يقطع قراءَته، ويقف عند كُلِّ آيةٍ. وذكر الزهريُّ أن قراءةَ رسولِ الله ﷺ كانت آيةً آيةً. وهذا هو الأفضلُ، الوقوفُ على رءوس الآياتِ وإن تعلَّقَتْ بما بعدَها، وذهبَ بعضُ القراءِ إلى تتبعِ الأغراضِ والمقاصدِ والوقوفِ عندَ انتهائِها، واتباعُ هديِ النبي ﷺ وسنتِه أولى. وكان ﷺ يرتلُ السورةَ حتى تكو ن أطولَ من أطول منها، وقام بآيةٍ يردِّدها حتى الصباح، وقد اختلف الناسُ في الأفضلِ من الترتيل وقِلَّةِ القراءة، أو السرعةِ مع كثرةِ القراءةِ: أيهما أفضلُ؟ على قولين. والصوابُ في المسألة أن يُقال: إن ثوابَ قراءةِ الترتيلِ والتدبُّرِ أجَلُّ وأرفعُ قدرًا، وثوا بَ كثرةِ القراءة أكثرُ عددًا، وفي صحيح البخاري عن قتادة قال: سألتُ أنسًا عن قراءة النبي ﷺ، فقال: كان يمدُّ مدًّا (1). وكان رسولُ ا ﷺ يُسرُِّ بالقراءةِ في صلاة الليلِ تارةً، ويجهرُ بها تارةً، ويطيلُ القيام تارةً، ويخففه تارةً. 14- [ﷺ في صلاته التطوع على الراحل وكان يُصليِّ التطوُّعَ بالليل والنهار على راحلتِه في السفر قِبلَ أيِّ وجهةٍ توجَّهتْ به، فيركعُ ويسجدُ عليها إيماءً، ويجعلُ سجودَه أخفضَ من ركوعِه، وقد روى أحمد وأبو داود عن أنسِ بن مالكٍ، قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا أراد أن (1) أخرجه البخاري5045.)
عدد الصفحات ١٠٣مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |013 يُصليَِّ على راحلته تطوُّعًا، استقبل القبلةَ، فكبرَّ للصلاة، ثم خلىَّ عن راحلتِه، ثم صلىَّ حيث توجَّهتْ به (1). 15- فصل في هديِ ه ﷺ في صلاةِ الضحى روى البخاريُّ في «صحيحه» عن عائشةَ، قالت: ما رأيت رسولَ الله ﷺ يصلي سُبحةَ الضحى، وإني لأُسبِّحها (2). وروى أيضًا من حديثِ مُورِّق العجلي: قلتُ لابن عمرَ: أتُصليِّ الضحى؟ قال: لا. قلتُ: فعمر؟ قال: لا. قلتُ: فأبو بكر؟ قال: لا. قلتُ: فالنبي ﷺ؟ قال: لا إخاله(3). و«صحيح مسلم» عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ ا ﷺ يُصليِّ الضحى أربعًا، ويزيدُ ما شاء الله (4). و«الصحيح» عن أم هانئٍ : أنه صلىَّ يومَ الفتحِ ثماني ركعاتٍ وذلك ضحىً (5). فاختَلفَ الناسُ في هذه الأحاديثِ على طرقٍ (1) أخرجه أحمد 20/377 (13109)، وأبو داود 1225)، وأصله في البخاري 1100)، ومسلم (702.) (2) أخرجه البخاري1128)، ومسلم718.) (3) أخرجه البخاري1175.) (4) أخرجه مسلم719.) (5) أخرجه البخاري357)، ومسلم336.)
عدد الصفحات ١٠٤014 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 1- منهم من رجَّح روايةَ الفعلِ على التركِ بأنها مثبتةٌ تتضمَّن زيادةَ علمٍ خَفيتْ على النافي. قالوا: وقد أخبرَتْ عائشةُ، وأنسٌ، وجابرٌ، وأمُّ هانئٍ، وعليُّ بن أبي طالب، أنه صلاَّها. قالوا: ويؤيد هذا الأحاديثُ الصحيحةُ المرضية المتضمنة للوصية بها، والمحافظة عليها، ومدحِ فاعلها، والثناء عليه: ففي «الصحيح» : عن أبي هريرةَ قالَ: أوصاني خَليلي محمدٌ ﷺ بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كُلِّ شهرٍ، وركعتي الضحى، وأن أُوتِرَ قبل أن أنامَ (1). 2- وطائفةٌ ثانيةٌ : ذهبت إلى أحاديثِ الترَّك، ورجَّحتها من جهة صحَّةِ إسنادِها، وعَملِ الصحابةِ بمُوجَبها، فروى البخاريُّ عن ابن عمرَ، أنه لم يكن يُصلِّيها، ولا أبو بكر، ولا عمرُ، قلت: فالنبيُّ ﷺ؛ قال: «لا إخالُه»(2). 3- وذهبت طائفةٌ ثالثةٌ : إلى استحباب فِعلها غِبًّا، فتُصلى في بعضِ الأيامِ دون بعضٍ، وهذا إحدى الروايتين عن أحمدَ، وحكاه الطبريُّ عن جماعةٍ، قال: واحتجُّوا بما روى الجريري، عن عبد الله بن شقيق، قال: قلتُ لعائشةَ: أكان رسولُ الله ﷺ يُصليِّ الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيءَ من مغيبِه. ثم قال: كذا ذكر من كان يفعلُ ذلك من السلفِ (3). 4- وذهبت طائفةٌ رابعةٌ : إلى أنها إنما تُفعلُ لسببٍ من الأسبابِ، وأن النبيَّ ﷺ إنما فعلَها لسببٍ. (1) أخرجه البخاري1178)، ومسلم721.) (2) أخرجه البخاري1175.) (3) أخرجه مسلم717.)
عدد الصفحات ١٠٥مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |015 ومن تأمَّل الأحاديثَ المَرفوعة وآثارَ الصحابة، وجَدَها لا تَدلُّ إلا على هذا القولِ، وأما أحاديثُ الترغيبِ فيها والوصيَّةِ بها فالصحيحُ منها كحديثِ أبي هريرةَ وأبي ذرٍّ لا يدلُّ على أنها سُنَّةٌ راتبةٌ لكل أحدٍ، وإنما أَوصىَ أبا هريرة بذلك؛ لأنه قد رُوي أن أبا هريرةَ كان يختارُ درسَ الحديثِ بالليل على الصلاةِ، فأمره بالضحى بدلاً من قيامِ الليل، ولهذا أمره ألاَّ ينامَ حتى يوتِرَ، ولم يأمُرْ بذلك أبا بكر ولا عمرَ وسائرَ الصحابةِ. 16- فصل [في هديِ ه ﷺ في سجودِ الشرر وكان من هديِه ﷺ وهدي أصحابِه سجودُ الشكر عند تَِدُّد نعمةٍ تَسرُّ، أو اندفاعِ نِقمةٍ، كما في «المسند» عن أبي بَكرةَ، أن النبيﷺ، كان إذا أتاه أمرٌ يَسرُّه، خرَّ لله ساجدًا شكرًا لله تعالى. وسجد كعبُ بن مالكٍ لما جاءته البُشرى بتوبةِ الله عليه، ذكره البخاري (1). 17- فصل في هديِ ه ﷺ في سجودِ القرآنِ كان ﷺ إذا مرَّ بسجدةٍ كبرَّ وسجد، وربما قال في سجودِه: «سجدَ وجهي للذي خلقَه وصوَّره، وشقَّ سمعَه وبصَِه، بحولِه وقوَّته »(2). وربما قال «اللهمَّ احطُط عني بها وِزرًا، واكتُب لَ بها أجرًا، واجعلها عندك ذُخرًا، وتقبَّلها مني كما تقبلتَ من عبدِك داودَ » ذكرهما أهلُ السنن (3). (1) صحيح البخاري4418.) (2) أخرجه أبو داود1414)، والترمذي580.) (3) أخرجه الترمذي579)، وابن ماجه1053.)
عدد الصفحات ١٠٦016 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ولم يُنقل عنه أنه ﷺ كان يُكبرِّ للرفعِ من هذا السجودِ، ولا نُقل عنه فيه تَشهُّدٌ ولا س لامٌ البتَّةَ. وصحَّ عنه ﷺ أنه سجدَ في: (ألم تنزيل)، وفي (ص)، وفي (النجم)، وفي (إذا السماء انشقت)، وفي (اقرأ باسك ربك الذي خلق). وذكر أبو داودَ عن عمرِو بن العاص، أن رسولَ الله ﷺ أقرأَه خمسَ عشرة سجدةً، منها ثلاثٌ في المُفصَّل، وفي سورة الحجِّ سجدتان (1). 16- فصل في هديِ ه ﷺ في اجوُ دُع ِ وذكر خصائصِ يومِ ها في «صحيح مسلم» عن أبي هريرةَ، وحُذيفةَ قالا: قال رسولُ ا ﷺ: «أضلَّ الله عن الجمعةِ مَن كان قبلنا، فكان لليهودِ يومُ السبت، وكان للنصارى يومُ الأحدِ، فجاءَ الله بنا فهدانا ليومِ الجمعةِ، فجعلَ الجمعةَ والسبتَ والأحدَ؛ ولذلك هم تَبعٌ لنا يومَ القيامةِ، نحن الآخرون من أهلِ الدنيا، والأوَّلون يومَ القيامةِ، المَقضي لهم قبلَ الخلائق »(2). و«جامع الترمذي» من حديث أبي هُريرةَ، عن النبي ﷺ قال: «خيرُ يومٍ طلَعت فيه الشمسُ يومُ الجمعةِ، فيه خُلِقَ آدمُ، وفيه أُدخلَ الجنةَ، وفيه أُخرجَ منها، ولا تقومُ الساعةُ إلا في يومِ الجمعةِ »(3). (1) أخرجه أبو داود1401)، وابن ماجه1057.) (2) صحيح مسلم856.) (3) أخرجه الترمذي488)، وأخرجه أيضا مسلم854)، وأبو داود1046)، والنسائي1373.)
عدد الصفحات ١٠٧مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |017 وروى مالكٌ «الموطَّأ» عن أبي هُريرةَ مرفوعًا «... وفيها ساعةٌ يُصادفها عبدٌ مسلمٌ وهو يصلي يسألُ الله فيها شيئًا إلا أعطاه إياه »(1). 19- فصل في مبدبِ اجودع ِ قال ابن إسحاق: عن عبدِ الرحمن بنِ كعبِ بن مالكٍ، قال: كنت قائدَ أبي حين كُفَّ بصرُه، فإذا خرجتُ به إلى الجمعةِ فسمعَ الأذانَ بها استغفرَ لأبي أُمامةَ أسعدَ بنِ زرارةَ، فمكث حينًا على ذلك منه؛ فقلت: إن هذا عجزٌ ألا أسألَه عن هذا، فخرجتُ به كما كنت أخرجُ، فل ما سمعَ الأذانَ للجمعةِ، استغفر له، فقلت: يا أبتاه، أرأيتَ استغفارَك لأسعدَ بن زُرارةَ كلما سمعتَ الأذان بالجمعةِ؟ قال: أيْ بُني، كان أسعدُ أوَّلَ من جمََّعَ بنا بالمدينةِ قبل مَقدَمِ رسولِ الله ﷺ في هَزمِ النَّبيتِ من حرَّةِ بني بيَاضةَ في نقيعٍ يُقال له: نقيعُ الخضَمات. قلتُ: وكم كنتم يومئذٍ؟ قال: أربعون رجلاً. قلتُ: وهذا كان مبدأُ الجمعة، ثم قدِم رسولُ الله ﷺ المدينةَ، فأقام بقُباءَ في بني عمرو بن عوفٍ، وأسَّس مسجدهم، ثم خرج يومَ الجمعةِ فأدركته الجمعةُ في بني سالمِ بن عوفٍ، فصلاها في المسجدِ الذي في بطنِ الوادي، وكانت أوَّلَ جمعةٍ صلاها بالمدينةِ، وذلك قبل تأسيسِ مسجدِه ﷺ. 21- فصل [خصائص يوم اجودع وكان من هديِه ﷺ تعظيمُ هذا اليومِ وتشريفُه وتخصيصُه بعبادات يختصُّ بها عن غيرِه. (1) أخرجه مالك1/108 (15)، وأبو داود1046.)
عدد الصفحات ١٠٨018 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وقد اختَلفَ الفقهاءُ: هل هو أفضلُ، أم يومُ عرفةَ؟ على قولين، هما وجهانِ لأصحابِ الشافعيِّ. وكان ﷺ يقرأُ في فجرِه بسورتي: (ﭑ ﭒ ﭓ) و(ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ). ويظنُّ كثيرٌ ممن لا علمَ عنده أن المرادَ تخصيصُ هذه الصلاةِ بسجدة زائدة، ويسمُّونها سجدةَ الجمعة، وإذا لم يقرأ أحدُهم هذه السورةَ استحبَّ قراءةَ سورة أخرى فيها سجدة؛ ولهذا كَرِهَ مَن كَرِهَ من الأئمةِ المداومةَ على قراءةِ هذه السورة في فجر الجمعة، دفعًا لتوهم الجاهلين. وسمعتُ شيخَ الإسلامِ ابنَ تيميةَ يقولُ: إنما كان النبي ﷺ يقرأُ هاتين السورتينِ في فجرِ الجمعة؛ لأنهما تَضمَّنَتا ما كان وما يكون في يومها: فإنهما اشتملَتا على خلقِ آدمَ عليه السلام، وعلى ذكرِ المعاد، وحشرِ الخليقةِ (1). فهذه خاصةٌ من خواصِّ يوم الجمعةِ الخاصَّةُ الثانيةُ : استحبابُ كثرةِ الصلاةِ فيه على النبيِّ ﷺ وفي ليلتِه؛ لقوله ﷺ: «أكثِروا من الصلاةِ عليَّ يومَ الجمعةِ وليلة الجمعةِ »(2). ورسولُ ا ﷺ سيدُ الأنام، ويومُ الجمعة سيدُ الأيام، فللصلاةِ عليه في هذا اليوم مزيةٌ ليست لغيره مع حكمةٍ أخرى، وهي أنَّ كلَّ خيرٍ نالَتْه أمتُه في الدنيا والآخرة فإنما نالَتْه على يدِه، فجمعَ الله تعالى لأمتِه به بين خيرَي الدنيا والآخرة، فأعظمُ كرامةٍ تحصلُ لهم فإنها تحصلُ يومَ الجمعة، فإن فيه بعثَهم إلى منازلهم (1) الفتاوى الكى لابن تيمية 2/360. (2) أخرجه أبو داود1047)، والنسائي1374)،وابن ماجه (1085.)
عدد الصفحات ١٠٩مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |019 وقصورِهم في الجنة، وهو يومُ المزيدِ لهم إذا دخلوا الجنةَ، وهو يومُ عيدٍ لهم الدنيا، ويومٌ فيه يُسعفهم الله تعالى بطلباتهِم وحوائجِهم، ولا يردُّ سائلَهم، وهذا كله إنما عرفوه وحصلَ لهم بسببِه وعلى يدِه، فمن ش كرِه وحمدِه وأداءِ القليل من حقِّه ﷺ أن نُكثرَ من الصلاةِ عليه في هذا اليومِ وليلتِه. الخاصةُ الثالثةُ : صلاة الجمعةِ التي هي من آكدِ فروضِ الإسلامِ، ومن أعظمِ مجامعِ المسلمين، وهي أعظمُ من كلِّ مجمعٍ يجتمعون فيه وأفرضه سوى مجمعِ عرفةَ. الخاصَّةُ الرابعة : الأمرُ بالاغتسالِ في يومِها، وهو أمر مؤكَّدٌ جدًّا، ووجوبُه أقوى من وجوبِ الوِترِ. وللناسِ في وجوبِه ثلاثةُ أقوالٍ: النفيُ، والإثباتُ، والتفصيلُ بين من له رائحة يحتاجُ إلى إزالتِها فيجبُ عليه، ومَن هو مستغنٍ عنه فيستحبُّ له. والثلاثة لأصحاب أحمد. الخاصَّةُ الخامسةُ : التطيُّبُ فيه. وهو أفضلُ فيه من التطيب في غيرِه من أيامِ الأسبوعِ. الخاصَّةُ السادسةُ : السواكُ فيه، وله مزيَّةٌ على السواكِ في غيرِه. الخاصَّةُ السابعةُ : التبكيرُ للصلاةِ. الخاصَّةُ الثامنةُ : أن يشتغلَ بالصلاةِ والذكرِ والقراءة حتى يخرجَ الإمامُ. الخاصَّةُ التاسعةُ : الإنصاتُ للخطبةِ إذا سمعها وجوبًا في أصحِّ القولينِ.
عدد الصفحات ١١٠001 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد الخاصَّةُ العاشِةُ : أنه لا يُكره فعلُ الصلاة فيه وقتَ الزوالِ، وفي الحديثِ الصحيح: «لا يَغتسلُ رجلٌ يومَ الجمعة فيتطهَّر ما استطاعَ من طُهرٍ، ويدَّهنُ من دُهنِه، أو يمسُّ من طيب بيتِه، ثم يَرجُ، فلا يُفر ق بين اثنين، ثم يُصلي ما كُتب له، ثم يُنصت إذا تكلم الإمامُ إلا غُفر له ما بينه وبين الجُمعةِ الأخرى » رواه البخاريُّ (1). فندبه إلى صلاةِ ما كُتب له، ولم يمنعْه عنها إلا في وقتِ خروج الإمامِ. الحاديةَ عشَةَ : قراءة سورة (الجُمعةِ ) و(المنافقين)، أو (سبح) و(الغاشية) في صلاةِ الجمعة، فقد كان رسولُ الله ﷺ يقرأُ بهن في يوم الجمعةِ، ذكرَه مسلمٌ في «صحيحه»(2). الثانيةَ عشَةَ : أنه يوم عيدٍ مُتكرِّر في الأسبوعِ. الثالثةَ عشَةَ : أنه يُستحبُّ للرجلِ أن يَلبسَ فيه أحسنَ الثيابِ التي يقدرُ عليها، وفي «سنن أبي داودَ» عن عبدِ الله بن سلام، أنه سَمِ عَ رسولَ الله ﷺ يقول على المنبر في يوم الجمعة: «ما على أحدِكم لو اشترَى ثوبَينِ ليومِ الجمعةِ سوى ثوبيَ مهنتِه»(3). الرابعةَ عشَةَ : أنه لا يجوزُ السفرُ في يومِها لمن تلزمُه الجمعةُ قبل فعلِها بعد دخولِ وقتِها، وأمَّا قبلَه ففيه ثلاثةُ أقوال للعلماءِ وهي رواياتٌ منصوصاتٌ عن أحمدَ، إحداها: لا يجوزُ، والثانية: يجوزُ، والثالثة: يجوزُ للجهادِ خاصةً. (1) صحيح البخاري883.) (2) صحيح مسلم878،879.) (3) أخرجه أبو داود1078)، وابن ماجه1096.)
عدد الصفحات ١١١مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |000 هذا إذا لم يخََفِ المسافر فوتَ رُفقتِه، فإن خاف فوتَ رُفقتِه وانقطاعه بعدهم جاز له السفرُ مُطلقًا؛ لأن هذا عذرٌ يُسقطُ الجمعة والجماعة. الخامسةَ عشَةَ : أن للماشي إلى الجمعةِ بكل خطوةٍ أجرَ سنةٍ صيامَها وقيامَها، قال عبد الرزاق: عن أوس بن أوس قال: قال رسولُ الله ﷺ: «من غسَّل واغتسَلَ يومَ الجمعة، وبكَّر وابتكَرَ، ودنا مِن الإمامِ فأنصَتَ، كان له بكل خطوةٍ يَطوها صيامُ سنةٍ وقيامُها وذلك على الله يسيرٌ »(1). ورواه الإمام أحمد « مسنده»(2)، وقال الإمامُ أحمدُ: غسَّل بالتشديد: جامَعَ أهلَه، وكذلك فسرَّه وكيع. السادسةَ عشَةَ : أنه يومُ تكفير السيئاتِ ، ففي «صحيحِ البخاري » عن سلمانَ قال: قال رسولُ الله ﷺ: «لا يغتسلُ رجلٌ يومَ الجمعة ويتطهَّرُ ما استطاع مِن طهرٍ، ويدهنُ من دهنِه، أو يمسُّ من طيبِ بيتِه، ثم يَرجُ فلا يفرقُ بين اثنين، ثم يصلي ما كُتِبَ له، ثم ينصتُ إذا تكلَّم الإمامُ، إلا غُفِرَ له ما بينَه وبينَ الجمعةِ الأخرى»(3). السابعة عشَةَ : أن فيه ساعةَ الإجابةِ، وهي الساعةُ التي لا يَسألُ اللهَ عبدٌ مسلمٌ فيها شيئًا إلا أعطاه، ففي «الصحيح» من حديثِ أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: «إن في الجمعة لساعةً لا يوافقُها عبدٌ مسلمٌ وهو قائمٌ يصلي يَسألُ اللهَ شيئًا إلا أعطاه إياه. وقال بيدِه هكذا يقللها »(4). (1) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه3/259 (5570.) (2) أخرجه أحمد26/92 (16172) (3) أخرجه البخاري883.) (4) أخرجه البخاري935)، ومسلم852.)
عدد الصفحات ١١٢002 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وقد اختَلفَ الناسُ في هذه الساعةِ: هل هي باقيةٌ أو قد رُفعتْ؟ على قولين حكاهما ابنُ عبدِ البر (1) وغيرُه، والذين قالوا: هي باقيةٌ ولم تُرفَع، اختلفوا هل هي في وقتٍ من اليومِ بعينِه أم هي غيرُ معينةٍ؟ على قولين، ثم قد اختلف مَن قال بعدمِ تعيينِها: هل تنتقلُ في ساعاتِ اليوم، أو لا؟ على قولين أيضًا، والذين قالوا بتعيينِها اختلفوا على أحدَ عشرَ قولاً. وأرجحُ هذه الأقوالِ قولانِ تَضَمَّنتهُما الأحاديثُ الثابتة، وأحدُهما أرجحُ من الآخر: القولُ الأول : أنها ما بين جلوسِ الإمامِ إلى انقضاءِ الصلاةِ، وحجَّةُ هذا القول ما رواه مسلمٌ في «صحيحه» من حديث أبي بُردةَ بن أبي موسى، أن عبدَ ا بن عمرَ قال له: أسمِعتَ أ باك يحُدِّث عن رسولِ الله في شأن ساعةِ الجمعة؟ قال: نعم، سمعتُه يقول: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: «هي ما بين أن يََلس الإمامُ إ أن تُقضى الصلاةُ »(2). والقولُ الثا : أنها بعدَ العصرِ، وهذا أرجحُ القولين، وحجَّةُ هذا القولِ ما روى أبو داودَ والنسائي، عن جابرٍ، عن النبي ﷺ قال: «يومُ الجمعةِ اثنا عشََ ساعةً، فيها ساعةٌ لا يوجدُ مسلمٌ يَسألُ الله فيها شيئًا إلا أعطاه، فالتمِسوها آخرَ ساعةٍ بعدَ العصِِ »(3). (1) التمهيد لابن عبد ال19/17-19 . (2) أخرجه مسلم853.) (3) أخرجه أبو داود1048)، والنسائي1389.)
عدد الصفحات ١١٣مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |003 الثامنةَ عشَةَ : أنَّ فيه صلاةَ الجمعةِ التي خُصَّت مِن بين سائرِ الصلوات المفروضاتِ بخصائصَ لا توجدُ في غيرِها: مِن الاجتماع والعددِ المخصوصِ، واشتراطِ الإقامة والاستيطانِ، والجهرِ بالقراءة. وقد جاء من التشديدِ فيها ما لم يأتِ نظيرُه إلا في صلاة العصرِ. التاسعةَ عشَةَ : أنَّ فيه الخطبةَ التي مقصودها الثناءُ على الله وتمجيدُه، والشهادةُ له بالوحدانيةِ ولرسوله ﷺ بالرسالة، وتذكيرُ العبادِ بأيامه، وتحذيرُهم من بأسِه ونِقَمِه، ووصيتُهم بما يُقربهم إليه وإلى جناتِه، ونهيُهم عماَّ يُقربهم من سخطِه ونارِه، فهذا هو مقصودُ هذه الخطبة والاجتماع لها. العشَون: أنه اليومُ الذي يُستحبُّ أن يُتفرغَ فيه للعبادةِ، وله على سائرِ الأيام مزيةٌ بأنواعٍ من العباداتِ واجبة ومستحبة، فالله سبحانه جعلَ لأهلِ كلِّ ملةٍ يومًا يتفرَّغون فيه لعبادته ويتخلَّون فيه عن أشغالِ الدنيا، فيومُ الجمعة يومُ عبادة، وهو في الأيام كشهرِ رمضانَ في الشهورِ، وساعةُ الإجابة فيه كليلةِ القدرِ في رمضان؛ ولهذا مَن صحَّ له يومُ جمعتِه وسلمَ سلمَتْ له سائرُ جمعتِه، ومَن صحَّ له رمضانَ وسلمَ سلمَتْ له سائرُ سنته، ومن صحَّت له حجتُه وسلمَتْ له صحَّت له سائرُ عُمَرِه، فيومُ الجمعة ميزانُ الأسبوعِ، ورمضانُ ميزانُ العام، والحجُّ ميزانُ العمر. وبالله التوفيق. الحادية والعشَون : أنه لما كان في الأسبوعِ كالعيدِ في العام، وكان العيدُ مشتملاً على صلاةٍ وقربانٍ، وكان يومُ الجمعة يومَ صلاة، جعلَ الله سبحانه التعجيلَ فيه إلى المسجدِ بدلاً مِن القربانِ وقائماً مقامه، ف يجتمع للرائحِ فيه إلى المسجد الصلاةُ والقربانُ، كما في «الصحيح» عن النبيﷺ أنه قال: «مَن راحَ
عدد الصفحات ١١٤004 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد في الساعةِ الأولى فكأنَّما قرَّب بدنةً، ومَن راحَ في الساعةِ الثانية فكأنما قرَّب بقرةً، ومن راحَ في الساعةِ الثالثة فكأنما قرَّب كبشًا أقرنَ »(1). وقد اختَلفَالفقهاءُ في هذه الساعات على قولين: أحدهما: أنها مِن أولِ النهار، وهذا هو المعروفُ في مذهبِ الشافعيِّ (2) وأحمد(3) وغيرهما. والثاني: أنها أجزاءٌ مِن الساعةِ السادسة بعدَ الزوال، وهذا هو المعروفُ في مذهبِ مالكٍ (4)، واختاره بعضُ الشافعية (5). قلتُ: ومدارُ إنكار التبكير أولَ النهار على ثلاثةِ أمور: أحدُها: على لفظةِ (الرواح)، وأنها لا تكونُ إلا بعدَ الزوالِ، والثاني: لفظةُ (التهجير)، وهي إنما تكون بالهاجرةِ وقتَ شدة الحر، والثالثُ: عملُ أهل المدينة، فإنهم لم يكونوا يأتون مِن أول النهارِ. فأمَّا لفظةُ (الرواح) فلا ريبَ أنها تطلقُ على المضِ بعدَ الزوال، وهذا إنما يكون في الأكثرِ إذا قُرنت بالغدوِّ، وقد يُطلقُ الرواحُ بمعنى الذهاب والمضِ، وهذا إنما يجيءُ إذا كانت مجردةً عن الاقترانِ بالغدوِّ. (1) أخرجه البخاري881)، ومسلم850.) (2) انظر: بحر المذهب للرويا 2/412، المجموع للنووي4/540. (3) المغني لابن قدامة3/164. (4) المنتقى للباجي1/183. (5) انظر: نهاية المطلب للجويني2/565، المجموع للنووي4/540.
عدد الصفحات ١١٥مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |005 وأمَّا لفظُ(التهجير والهجير والمهجر) فمن الهجر والهاجرة، قال الجوهري: هي نصفُ النهارِ عندَ اشتداد الحرِّ، تقول منه: هجر النهار (1). قال الآخرون الكلامُ في لفظِ (التهجير) كالكلامِ في لفظ (الرواح)، فإنه يُطلقُ ويُرادُ به التبكيرُ. وأمَّا كونُ أهلِ المدينة لم يكونوا يروحون إلى الجمعةِ أولَ النه ار فهذا غايته أنه عملُهم في زمن مالكٍ ، وهذا ليس بحجةٍ، ولا عندَ مَن يقول: إجماع أهل المدينة حجة؛ فإن هذا ليس فيه إلا تركُ الرواحِ إلى الجمعة مِن أول النهار، وهذا جائزٌ بالضْورة، وقد يكونُ اشتغالُ الرجلِ بمصالحه ومصالحِ أهله ومعاشِه وغير ذلك مِن أمورِ دينِ ه ودنياه أفضلَ مِن رواحِه إلى الجمعةِ مِن أول النهار. الثانية والعشَون : أنه يوم يتجلىَّ الله فيه لأوليائِه المؤمنين في الجنةِ، وزيارتهم له، فيكون أقربهُم منهم أقربهَم من الإمام، وأسبقُهم إلى الزيارة [ إلى الجمعةِ الثالثة والعشَون : أنه اليومُ الذي تَفزَعُ منه السماواتُ والأرضُ والجبالُ والبحارُ، والخلائق كلها إلا شياطين الإنسِ والجنِّ، ففي حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: «لا تطلعُ الشمسُ ولا تغربُ على يومٍ أفضل من يومِ الجمعة، وما مِن دابةٍ إلا وهي تَفزَعُ ليومِ الجمعة إلا هذين الثقلينِ مِن الجن والإنسِ »(2)، وهو حديث صحيح. وذلك أنه اليومُ الذي تقومُ فيه الساعةُ، ويُطوى العالمُ، وتخربُ فيه الدنيا، ويبعثُ فيه الناسُ إلى منازلهِم من الجنةِ والنارِ. (1) الصحاح للجوهري2/851. (2) أخرجه أحمد13/116 (7687)، وأصله في البخاري881)، ومسلم850.)
عدد الصفحات ١١٦006 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد الرابعة والعشَون : أنه اليومُ الذي ادَّخره الله تعالى لهذه الأمة وأضلَّ عنه أهلَ الكتابِ قبله م، كما في «الصحيح» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ ﷺ قال: «ما طلعَتْ شمسٌ ولا غربَتْ على يومٍ خير مِن يوم الجمعةِ، هدانا الله له، وضلَّ الناسُ عنه، فالناسُ لنا فيه تبعٌ، هو لنا، ولليهودِ يومُ السبتِ، وللنصارى يومُ الأحدِ »(1). الخامسة والعشَون : أنه خيرةُ الله مِن أيام الأسبوع، كما أن شهرَ رمضانَ خيرتُه من شهورِ العام، وليلةُ القدر خيرتُه من الليالي، ومكةُ خيرتُه من الأرض، ورسوله محمدٌ ﷺ خيرتُه مِن خلقِه. السادسة والعشَون : أنه يُكرهُ إفرادُ يومِ الجمعة بالصومِ، ففي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيﷺ قال: «لا تختصُّوا ليلةَ الجمعةِ بقيامٍ من بين الليالَ، ولا تختصُّوا يومَ الجمعة بصيامٍ من بين الأيامِ، إلا أن يكونَ في صومٍ يصومه أحدُكم »(2). 21- فصل في هديِ ه ﷺ في خُ طَبِه كان ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوتُه، واشتدَ غضبُه حتى كأنه مُنذرُ جيشٍ، يقول: «صبَّحكم ومسَّاكم »، ويقول «أما بعدُ، فإن خيرَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ، وشَِّ الأمور محُدثاتُُا، وكُلَّ بدعة ضلالةٌ »، ثم يقول: «أنا أولى بكُل مؤمنٍ من نفسِه، م ن ترك مالاً فلأهلِه، ومن ترك دَينًا أو ضَياعًا فإلََّ وعلي » رواه مسلم(3). (1) أخرجه أحمد16/421 (10723)، وأصله في البخاري881)، ومسلم850.) (2) أخرجه مسلم1144.) (3) أخرجه مسلم867.)
عدد الصفحات ١١٧مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |007 وكان يُقصرِّ الخطبةَ ويطيلُ الصلاةَ، ويكثرُ الذكرَ ويَقصد الكلماتِ الجوامعَ، وكان يقول: «إن طولَ صلاة الرجلِ وقِصِ خطبتِه مَئِنَّةٌ من فقهه »(1). وكانﷺ يُعلِّم أصحابَه في خطبتِه قواعدَ الإسلامِ وشرائعَه، ويأمرُهم وينهاهم في خُطبتِه إذا عرضَ له أمرٌ أو نهَيٌ، كما أمرَ الداخلَ وهو ﷺ يخطبُ أن يُصليَ ركعتين. ونهى المُتخطِّي لرقابِ الناسِ عن ذلك، وأمرهُ بالجلوسِ. وكان ﷺ يقطعُ خطبتَه للحاجةِ تَعرِضُ، أو السؤالِ لأحدِ من أصحابِه، فيجيبُه، ثم يعودُ إلى خطبته، فيتمُّها. وكان ربما نزلَ عن المنبرِ للحاجةِ ثم يعودُ فيتمُّها، كما نزلَ لأخذِ الحسنِ والحسينِ، فأخذهما ثُم رَقِيَ بهما المنبرَ، فأتمَّ الخطبةَ. وكان ﷺ يدعو الرجلَ في خطبتِه: تعال يا فلان، اجلِسْ يا فلان، صلِّ يا فلان. وكان يأمرُهم في خطبتِه بمقتضَ الحالِ، فإذا رأى بينهم ذا فاقةٍ وحاجةٍ أمرَهم بالصدقةِ وحضَّهم عليها. وكان يشيرُ بأصبعِه السبَّابةِ في خطبته عند ذكرِ الله تعالى ودعائه. وكان يَستسقي لهم -إذا قَحطَ المطرُ - في خطبتِه. (1) أخرجه مسلم869.)
عدد الصفحات ١١٨