المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

موسوعة محمد رسول الله ﷺ يختصر زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم

أحمد بن عثمان المزيد

صفحة ٦ من ٣٢

86 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وكان يصليِّ فجاءَتْه جاريتانِ من بني عبد المطلب قد اقتتلتا، فأخذهما بيديه، فنزعَ إحداهما من الأخرى وهو في الصلاةِ (1). وكان يَنفُخُ في صلاتِه، وكان يَبكي في صلاتِه وكان يَتنحنَحُ في صلاتِه، وكان يُصليِّ حافيًا تارةً، ومُنتعلاً أخرى، وكان يُصليِّ في الثوب الواحدِ تارةً، وفي الثوبين تارةً، وهو أكثرُ. وقنتَ في الفجرِ بعد الركوعِ شهرًا، ثم ترك القنوتَ؛ فإنه إنما قنت عند النَّوازلِ، فكان قنوتُه لعارضٍ، فلما زال ترك القنوتَ، و لم يكن يخَتصَّ بالفجر، بل كان يقنتُ في صلاةِ الفجرِ والمغربِ، ذكره البخاريُّ في صحيحه عن أنس (2)، وقد ذكره مسلم عن البراء(3). وكان هديُه ﷺ القنوتَ في النوازلِ خاصةً، وتَرَكَه عند عدمِها، ولم يكن يخصُّه بالفجر، بل كان أكثرُ قنوتِه فيها لأجلِ ما يُشرع فيها من الطولِ، ولاتصالها بصلاةِ الليلِ، وقربهِا من السَّحَرِ وساعةِ الإجابةِ، والتنزُّل الإلهيِّ، ولأنها الصلاةُ المشهودةُ التي يشهدها الله وملائكتُه، أو ملائكة الليل والنهارِ، كما روي هذا وهذا في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﴾ [78]. نعم صحَّ عن أبي هريرةَ أنه قال: والله لأنا أقربُكم صلاةً برسولِ ا ﷺ، فكان أبو هريرةَ يقنتُ في الركعةِ الأخيرةِ من صلاةِ الصبحِ بعدما يقولُ: سمِعَ الله (1) أخرجه أبو داود717.) (2) أخرجه البخاري في أكثر من خمسة عشر موضعا منها1001،2801،4088،4090)، وفي بعضها ذكر الصبح، وليس في واحد منها ذكر المغرب. (3) أخرجه مسلم678.)

عدد الصفحات ٨٧

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |87 لمن حمدَه، فيدعو للمؤمنين، ويلعنُ الكفارَ (1). ولا ريبَ أن رسولَ ا ﷺ فعلَ ذلك ثم تركَه، فأحبَّ أبو ه ريرةَ أن يعلِّمَهم أن مثلَ هذا القنوتِ سنةٌ، وأن رسولَ الله ﷺ فعلَه، وهذا ردٌّ على أهلِ الكوفةِ الذين يكرهون القنوتَ في الفجرِ مطلقًا عندَ النوازلِ وغيرِها، ويقولون: هو منسوخٌ وفِعلُه بدعةٌ، فأهلُ الحديث متوسطونَ بينَ هؤلاء وبينَ مَن استحبَّه عندَ النوازلِ وغيرِها، وهم أسعدُ بالحديثِ مِن الطائفتين، فإنهم يقنتون حيث قنتَ رسولُ الله ﷺ، ويتركونه حيث تركَه، فيقتدون به في فعلِه وتركِه، ويقولون: فِعلُه سنةٌ وتركُه س نةٌ، ومع هذا فلا ينكرون على مَن داومَ عليه، ولا يكرهون فِعلَه، ولا يرونه بدعةً، ولا فاعلَه مخالفًا للسنةِ، كما لا ينكرون على مَن أنكرَه عندَ النوازلِ ولا يرون تركَه بدعةً ولا تاركَه مخالفًا للسنةِ، بل مَن قنتَ فقد أحسنَ، ومن تركَه فقد أحسنَ. وإذا جهرَ به ا لإمامُ أحيانًا ليعلِّمَ المأمومين فلا بأسَ بذلك، فقد جهرَ عمرُ بالاستفتاحِ ليعلِّم المأمومين، وجهر ابنُ عباس بقراءةِ الفاتحة في صلاةِ الجنازة ليعلمَهم أنها سنةٌ، ومن هذا أيضًا جهرُ الإمام بالتأمين، وهذا مِن الاختلاف المباح الذي لا يُعنف فيه مَن فَعلَه ولا مَن تَركَه. 4- فصل في هديِ ه ﷺ في سجودِ السهو ثبت عنه ﷺ أنه قال: «إنما أنا بشٌَ مثلُكم، أنسَى كما تَنسون، فإذا نسيتُ فذك روني»(2). (1) أخرجه البخاري797)، ومسلم676.) (2) أخرجه البخاري401)، ومسلم572.)

عدد الصفحات ٨٨

88 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وكان سهوُه في الصلاةِ من إتمامِ نعمةِ الله على أُمَّتِه وإكمالِ دينِهم، ليقتدوا به فيما يشرعُه لهم من السهوِ. فقامَ ﷺ من اثنتين في الرُّباعيَّةِ، ولم يجَلس بينهما، فلما قضَ صلاتَه سجدَ سجدتين قبلَ السلامِ ثم سلَّم، فأُخذَ من هذا قاعدةُ: أن من ترك شيئًا من أجزاءِ الصلاةِ التي ليست بأركانٍ سهوًا، سجدَ له قبلَ السلامِ، وأُخذ من بعضِ طرُقِه: أنه إذا ترك ذلك وشرعَ في رُكنٍ، لم يرجع. وسلَّم ﷺ من ركعتين في إحدى صلاتي العَشِِّ، ثم تكلَّم، ثم أتمَّها، ثم سلَّم، ثم سجدَ سجدتين بعد السلامِ والكلامِ، يكبرِّ حين يسجُدُ، ثم يكبرُ حين يرفعُ. وذكرَ أبو داود والترمذي أن النبي ﷺ صلىَّ بهم فسجدَ سجدتَينِ، ثم تشهَّد، ثم سلَّم. قال الترمذي: حسن غريب (1). وصلىَّ يومًا فسلَّم وانصرف وقد بَقِي من الصلاةِ ركعةٌ، فأدركه طلحةُ بن عبيد الله، فقال: نسيتَ من الصلاة ركعةً، فرجع فدخل المسجدَ، وأمر بلالاً فأقام الصلاةَ، فصلىَّ للناس ركعةً. ذكره الإمام أحمد (2). وصلى الظهرَ خمسًا، فقيل له: زيدَ في الصلاةِ؟ فقال «وما ذاك؟ » قالوا صلَّيت خمسًا؛ فسجد سجدتين بعدما سلَّم. (1) أخرجه أبو داود1039)، والترمذي395.) (2) أخرجه أحمد45/227 (27254)، وأبو داود1023)، والنسائي664.)

عدد الصفحات ٨٩

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |89 وصلى العصرَ ثلاثًا، ثم دخلَ منزلَه فذَكَّره الناسُ، فخرجَ فصلى بهم ركعةً، ثم سلمَ، ثم سجد سجدتين، ثم سلَّم. فهذا مجموعُ ما حُفظ عنه ﷺ من سهوِه في الصلاةِ، وهو خمسةُ مواضعَ، وقد تضمَّن سجودَه في بعضِه قبلَ السلام، وفي بعضِه بعدَه. وأما الشكُّ فلم يَعرضْ له ﷺ وإنما أمرَ فيه بالبناءِ على اليقينِ، وإسقاطِ الشكِّ، والسجودِ قبل السلامِ. 5- فصل [ ﷺ في النظر بثناء الصلاة ولم يكن من هديِه ﷺ تغميضُ عينيه في الصلاةِ، وقد تقدَّم أنه كان في التشهدِ يُومِئ ببصرِه إلى أصبعِه في الدعاءِ، ولا يجُاوزُ بصره إشارتَه. وقد اختلف الفقهاء في كراهته، فكرهه الإمامُ أحمد وغيرُه، وقالوا: هو فعلُ اليهود(1)، وأباحه جماعةٌ ولم يكرهوه. والصوابُ أن يُقالَ: إن كان تفتيحُ العين لا يخُلُّ بالخشوعِ فهو أفضلُ، وإن كان يحولُ بينه وبين الخشوعِ لمِا في قِبلته من الزخرفةِ والتزويقِ أو غيرِه ممَّا يُشوِّشُ عليه قلبَه، فهنالك لا يُكرَه التغميضُ قطعًا، والقولُ باستحبابِه في هذا الحال أقربُ إلى أصولِ الشرع ومقاصدِه م ن القولِ بالكراهةِ، والله أعلم. (1) المغني لابن قدامة2/396.

عدد الصفحات ٩٠

91 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 6- فصل: فمدا كان رسولُ الله ﷺ يقولُ ه بنعد انصرافِ ه من الصلاةِ ، وجلوسِ ه بنعدها، وسرع ِ انفتالِه منها، وما شرعهُ لأمَّ تِه من الأذكارِ والقراءةِ بنعدها. كان ﷺ إذا سلَّم استغفرَ ثلاثًا، وقال: «اللهم أنت السلامُ، ومنك السلامُ، تباركتَ يا ذا الجلالِ والإكرامِ »(1). ولم يمكُث مُستقبلَ القبلةِ إلا مقدارَ ما يقولُ ذلك، بل يُسرعُ الانفتالَ إ المأمومين، وكان يَنفتلُ عن يمينِه وعن يَسارِه، ثم كان يُقبِل على المأمومين بوجهِه، ولا يخَصُّ ناحيةً منهم دونَ ناحي ةٍ. وكان إذا صلىَّ الفجرَ جلس في مُصلاَّه حتى تَطلُع الشمسُ. وكان يقولُ في دُبرِ كُلِّ صلاةٍ مكتوبة: «لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شِيكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كُل شيءٍ قديرٌ، اللهمَّ لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا مُعطيَ لما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجَد منك الجَدُّ »(2). وكان يقولُ«لا إلهَ إلا الله وحده لا شِيكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كُل شيء قديرٌ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبدُ إلا إيَّاه، له النعمةُ، وله الفضلُ، وله الثناءُ الحسَنُ، لا إلهَ إلا الله، ولا نَعبدُ إلا إياه مُُلصين، له الدينَ ولو كرِه الكافرون »(3). (1) أخرجه مسلم591.) (2) أخرجه البخاري844)، ومسلم593.) (3) أخرجه مسلم594.)

عدد الصفحات ٩١

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |90 ونَدَبَ أُمَّته إلى أن يقولوا في دُبرِ كُلِّ صلاةٍ «سبحان الله ثلاثًا وثلاثين، والحمدُ لله كذلك، والله أكبَ كذلك »، وتمام المئة«لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شِيكَ له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كُل شيء قديرٌ »(1). وفي صفةٍ أخرى: التكبير أربعًا وثلاثين فتتمُّ به المئة (2). وفي صفةٍ أخرى «خمسًا وعشَين تسبيحةً، ومثل ها تحميدةً، ومثلها تكبيرةً، ومثلها لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شِيكَ له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كل شيء قدير ٌ»(3). وفي صفةٍ أخرى«عشَ تسبيحاتٍ، وعشَ تحميداتٍ، وعشَ تكبيراتٍ »(4). وفي المسندِ والسننِ عن عقبةَ بن عامر قال «أمرني رسولُ ا ﷺ: أن أقرأَ بالمعوذاتِ في دبرِ كلِّ صلاةٍ »، ورواه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه، والحاكم المستدرك وقال: صحيح على شرط مسلم، ولفظ الترمذي: «بالمعوذت»(5). وأوصى معاذًا أن يقولَ في دبر كلِّ صلاةٍ «اللهم أعن ي على ذكرِك وشكرِك وحسنِ عبادتِك »(6). (1) أخرجه مسلم597.) (2) أخرجه مسلم596.) (3) أخرجه النسائي1350.) (4) أخرجه أبو داود5065)، والترمذي3410 .) (5) أخرجه أحمد 28/633 (17417)، وأبو داود 1523)، والترمذي 2903)، وابن حبان 5/344 (2004)، والحاكم1/383 (929.) (6) أخرجه أبو داود1522)، والنسائي1303.)

عدد الصفحات ٩٢

92 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ودُبرُ الصلاة هنا يحَتملُ قبلَ السلامِ وبعده، وكان شيخُنا يُرجِّحُ أن يكونَ قبل السلامِ (1). 7- فصل [ﷺ في السترة وكان رسولُ الله ﷺ إذا صلىَّ إلى الجِدارِ، جعل بينه وبينه قدرَ ممرِّ الشاةِ، ولم يكن يتباعدُ منه، بل أمرَ بالقُرب من السترةِ، وكان يَركِز الحربةَ في السفرِ والبرِّيَّة، فيُصليِّ إليها، فتكون سُترتَه، وكان يَعرضُ راحلتَه، فيُصليِّ إليها، وكان يأخذُ الرحلَ فيعدلُه فيصليِّ إلى آخرتِه، وأمر المُصليِّ أن يستترَ ولو بِسهمٍ أو عصًا، فإن لم يجد فليَخطَّ خطًّا بالأرضِ. فإن لم يكن سترةٌ فإنه صحَّ عنه أنه يقطعُ صلاتَه المرأةُ والحمارُ والكلبُ الأسودُ، وثبتَ ذلك عنه من روايةِ أبي ذرٍّ، وأبي هريرةَ، وابنِ عباسٍ، وعبدِ الله بن مغفل. وكان ﷺ يصليِّ وعائشةُ  نائمةٌ في قِبلته، ذلك ليس كالمارِّ، فإن الرجلَ محُرَّمٌ عليه المرورُ بين يدي المصلي، ولا يُكرهُ له أن يكون لابثًا بين يديه، وهكذا المرأةُ يقطعُ مرورُها الصلاةَ دون لبثِها، والله أعلم. 6- فصل في هديِ ه ﷺ في السننِ الرواتبِ كان ﷺ يحافظُ على عشر ركعاتٍ في الحضِْ دائماً، وهي التي قال فيها ابنُ عمر: حفِظت من النبيِّ ﷺ عشرَ ركعات: ركعتين قبل الظهرِ، وركعتين بعدها، وركعتين بعدَ المغربِ في بيتِه، وركعتين بعد العِشاءِ في بيته، وركعتين قبل صلاةِ الصبح (2). (1) مجموع الفتاوى لابن تيمية22/499. (2) أخرجه البخاري1180.)

عدد الصفحات ٩٣

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |93 ولما فاتته الركعتان بعد الظهرِ، قضاهما بعد العصرِ، وداومَ عليهما؛ لأنه كان إذا عملَ عملاً أثبتَه. وكان يصلي أحيانًا قبل الظهر أربعًا كما في «صحيح البخاري » عن عائشةَ  أنهﷺ كان لا يدعُ أربعًا قبل الظهرِ، وركعتين قبل الغداةِ (1). فإمَّا أن يقالَ: إنه ﷺ كان إذا صلىَّ في بيتِه صلىَّ أربعًا، وإذا صلىَّ في المسجدِ، صلىَّ ركعتين، وهذا أظهرُ، وإما أن يقالَ: إنه كان يفعلُ هذا وهذا، فحكى كلٌّ من عائشةَ وابنِ عمرَ ما شاهده، والحديثانِ صحيحانِ لا مطعنَ في واحدٍ منهما. وقد روى مسلمٌ في «صحيحه» من حديثِ أمِّ حبيبةَ قالت: سمعتُ النبي ﷺ يقول: «من ص ثنتي عشَةَ ركعةً في يومٍ وليلةٍ، بُني له بهن بيتٌ في الجنَّةِ »(2). وزاد الترمذي والنسائي فيه «أربعًا قبلَ الظهرِ، وركعتين بعدَها، وركعتين بعدَ المغربِ، وركعتين بعدَ العشاءِ، وركعتين قبلَ صلاةِ الفجر ». قال النسائي «وركعتين قبلَ العصرِ » بدل«وركعتين بعدَالعشاءِ »، وصححه الترمذي(3). وأما الأربعُ قبل العصرِ، فلم يصحَّ عنه في فعلها شيءٌ، إلا حديثَ عاصمِ بن ضمرةَ عن عليٍّ الحديثَ الطويل، وسمعتُ شيخَ الإسلام ابن تيميةَ يُنكر هذا الحديثَ ويدفعُه جدًّا ويقول: إنه موضوعٌ، ويذكر عن أبي إسحاق الجوزجاني إنكارَه (4). (1) أخرجه البخاري1182.) (2) أخرجه مسلم728.) (3) أخرجه الترمذي415)، والنسائي1801.) (4) انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية2/125،358.

عدد الصفحات ٩٤

94 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وقد روى أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ من حديثِ ابن عمرَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «رحِمَ الله امرًا صلى قبل العصِ أربعًا »(1) وقد اختُلف في هذا الحديث، فصححه ابنُ حبان، وعلله غيرُه. وأما الركعتان قبل المغربِ فلم ينقل عنه ﷺ أنه كان يصليهما، وصح عنه ﷺ أنه أقرَّ الصحابةَ عليهما، وكان ﷺ يَراهم يُصلونهَما فلم يَأمُرهم ولم ينههم، وفي الصحيح عن عبدِ الله المزني أنه ﷺ قال: «صلُّوا قبلَ المغربِ »، قال في الثالثةِ «لمن شاءَ . كراهةَ أن يتخذها الناسُ سُنَّةً »(2). وهذا هو الصوابُ في هاتينِ الركعتينِ، أنهما مستحبت انِ مندوبٌ إليهما، وليستا بسنةٍ راتبةٍ كسائرِ السننِ الرواتب. وكان يُصليِّ عامةَ السننِ والتطوعَ الذي لا سببَ له في بيته، ولا سيَّما سُنَّةَ المغربِ، فإنه لم يُنقل عنه أنه فعلَها في المسجد البتَّةَ. وفي سُنَّةِ المغرب سُنَّتان: إحداهمُا : أنه لا يُفصل بينها وبين المغربِ بكلامٍ. والسُنَّةُ الثانيةُ : أن تُفعل في البيتِ. وكان تعاهدُه ومحافظتُه على سُنَّةِ الفجرِ أشدَّ من جميعِ النوافلِ؛ ولذلك لم يكن يَدعُها هي والوتر حضًْا ولا سفرًا، ولم يُنقلْ عنه في السفرِ أنه ﷺ صلىَّ سنةً راتبةً غيرهما . (1) أخرجه أحمد10/188 (5980)، وأبو داود1271)، والترمذي430.) (2) أخرجه البخاري1183.)

عدد الصفحات ٩٥

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |95 وقد اختلف الفقهاءُ: أيُّ الصلاتين آكدُ؟ وسمعت شيخَ الإسلام ابنَ تيمية يقول: سُنَّةُ الفجر تِري مجَرى بدايةِ العملِ، والوترُ خاتمتُه؛ ولذلك كان [ ﷺ] يصلي سُنَّةَ الفجرِ والوترَ بسورتي الإخلاصِ وهما الجامعتانِ لتوحيدِ العلمِ والعملِ، وتوحيدِ المعرفةِ وا لإرادة، وتوحيدِ الاعتقادِ والقصد. انتهى. 9- فصل [ﷺ في الاضطجاع بنعد سن الفجر وكان ﷺ يضطجعُ بعد سنة الفجر على شِقِّهِ الأيمن، هذا الذي ثبتَ عنه في «الصحيح»(1)، مِن حديثِ عائشةَ . وقد غلا في هذه الضَّجعةِ طائفتان، وتوسَّطت فيها طائفةٌ ثالثة، فأوجبها جماعةٌ من أهل الظاهرِ، وأبطلوا الصلاةَ بتركِها كابنِ حزم ومن وافقه، وكرِهها جماعةٌ من الفقهاءِ، وسمَّوها بدعةً، وتوسَّط فيها مالكٌ وغيرُه فلم يروا بها بأسًا لمن فعَلَها راحةً، وكرِهوها لمن فعلها استنانًا، واستحبَّتها طائفةٌ على الإطلاقِ، سواءٌ استراحَ بها أو لا. 11- فصل في هديِ ه ﷺ في قمامِ اللملِ قد اختلفَ السلفُ والخلفُ في أنه: هل كان فرضًا عليه أم لا؟ والطائفتانِ احتجُّوا بقوله تعالى: ﴿ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﴾ [79]، وسيأتي مزيدُ بيانٍ لهذه المسألةِ إن شاء الله تعالى عند ذكرِ خصائصِ النبي ﷺ(2). (1) أخرجه البخاري626)، ومسلم736.) (2) ذكر ابن القيم أكثر من موضع أنه سيأتي تفصيله في ذكر خصائص النبي ﷺ، غير أني لم أقف على ذكره خصائصه ﷺ في هذا الكتاب، فلربما صرف ابنَ القيم صارفٌ عن تقييد هذا المبحث، أو ذهل عنه، والله أعلم.

عدد الصفحات ٩٦

96 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ولم يكن النبيُّ ﷺ يدعُ قيامَ الليلِ حضًْا ولا سفرًا، وكان إذا غلبه نومٌ أو وجعٌ، صلى من النهارِ ثنتي عشرةَ ركعةً، فسمعت شيخَ الإسلامِ ابنَ تيمية يقول: في هذا دليلٌ على أن الوترَ لا يُقضَ لفواتِ محَلِّه، فهو كتحيةِ المسجدِ؛ لأن المقصودَ به أن يكون آخرُ صلاة الليل وترًا (1). وكان قيامُهﷺ بالليلِ إحدى عشرة ركعةً، أو ثلاث عشرةَ ركعةً، كما قال ابنُ عباس وعائشةُ، فإنه ثبتَ عنهما هذا وهذا. واختُلف في الركعتين الأخيرتَين: هل هما ركعتا الفجرِ أو هما غيرُهما؟ فإذا انضاف ذلك إلى عددِ ركعات الفرضِ والسننِ الراتبةِ التي كان يحُافِظ عليها، جاء مجموعُ وردِه الراتبُ بالليل والنهارِ أربعين ركعةً، كان يحُافظ عليها دائماً، وما زاد على ذلك فعارضٌ غيرُ راتبٍ، كصلاةِ الفتحِ ثمان ركعات، وصلاةِ الضحى إذا قَدِم من مغيبه، وصلا تِه عند من يزورُه، وتحيةِ المسجد، ونحو ذلك. فينبغي للعبدِ أن يواظبَ على هذا الوردِ دائماً إلى المماتِ، فما أسرعَ الإجابةَ وأعجلَ فت حَ الباب لمن يقرعه كُلَّ يوم وليلةٍ أربعين مرَّةً. والله المستعان. 11- فصل في سماقِ صلاتِ ه ﷺ بناللملِ ووترِ ه، وذكرِ صلاتِه بوَّ لِ اللملِ وكان ﷺ إذا استيقظَ، بدأ بالسِّواك، ثم يذكر الله تعالى، وقد تقدَّم ذكرُ ما كان يقولُه عندَ استيقاظِه، ثم يتطهَّر، ثم يُصليِّ ركعتين خفيفتين، كما في «صحيح (1) الفتاوى الكبرى لابن تيمية 2/240، وفيه «وفيه قول آخر: إن الوتر لا يقضَ... والصحيح أن الوتر يقضَ قبل صلاة الصبح فإنه إذا صليت لم يبق في قضائه الفائدة التي شرع لها»

عدد الصفحات ٩٧

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |97 مسلم» عن عائشةَ قالت: كان رسول ا ﷺ إذا قام من الليلِ، افتتحَ صلاتَه بركعتين خفيفتين(1). وكان يقومُ تارةً إذا انتصف الليلُ، أو قَبله بقليلٍ، أو بعده بقليلٍ، وربما كان يقومُ إذا سمعَ الصارخَ، وهو الديكُ، وهو إنما يصيحُ في النصفِ الثاني. وكان يقطعُ وِردَه تارةً، ويَصِلُه تارةً وهو الأكثرُ، فيقطعُه كما قال ابن عباسٍ في حديثِ مبيتِه عندَه أنه ﷺ استيقظَ، فتسَوَّك وتوضَّأ وهو يقول: (ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ) [ 190] فقرأَ هؤلاء الآياتِ حتى ختم السورةَ، ثم قام فصلى ركعتين أطالَ فيه القيامَ والركوعَ والسجودَ، ثم انصرفَ، فنام حتى نَفَخَ، ثم فعلَ ذلك ثلاثَ مراتٍ ستَّ ركعاتٍ. ولم يذكر ابن عباسٍ افتتاحَه بركعتين خفيفتين كما ذَكَرَتهُ عائشةُ، فإما أنه كان يفعلُ هذا تارةً، وهذا تارةً، وإما أن تكون عائشةُ حفِظَت ما لم يحَفظ ابنُ عباسٍ، وهو الأظهرُ؛ لمواظبتها له، ولمراعاتهِا ذلك، ولكونها أعلمَ الخلقِ بقيامِه بالليل، وابن عباس إنما شاهده ليلةَ المبيتِ عندَ خالتِه، وإذا اختَلفَ ابنُ عباس وعائشةُ في شيء من أمرِ قيامِه بالليل فالقولُ ما قالت عائشةُ. وكان قيامُه ﷺ بالليل ووترُه أنواعًا: فمنها: هذا الذي ذكره ابنُ عبَّاسٍ. والنوع الثاني: الذي ذكرته عائشةُ. (1) أخرجه مسلم767.)

عدد الصفحات ٩٨

98 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد النوع الثالثُ : ثلاثَ عشرةَ ركعةً ك ذلك. النوع الرابعُ : يصلي ثمانِ ركعات، يُسلِّم من كُلِّ ركعتين، ثم يُوترُ بخمسٍ سردًا متواليةً، لا يجلسُ في شيءٍ إلا في آخرهنَّ. النوع الخامسُ : تسعُ ركعاتٍ، يسردُ منهن ثمانيًا لا يجلسُ في شيءٍ منهن إلا في الثامنةِ، فيجلسُ يذكرُ الله تعالى ويحمدُه ويدعوه، ثم ينهضُ ولا يُسلِّم ثم يُصليِّ التاسعةَ، ثم يقعُد فيتشهَّد ويسلم، ثم يُصليِّ ركعتين جالسًا بعدما يُسلم. النوع السادسُ : يصلي سبعًا كالتسعِ المذكورةِ، ثم يُصليِّ بعدها ركعتين جالسًا. النوع السابعُ : أنه ﷺ كان يُصليِّ مثنى مثنى، ثم يُوترُ بثلاثٍ لا يَفصِلُ فيهن. وهذه الصفةُ فيها نظرٌ. النوع الثامنُ : ما رواه النسائي عن حذيفةَ، أنه صلى مع رسول الله ﷺ في رمضانَ فركع، فقال في ركوعِه: «سبحان ربي العظيمِ » مثل ما كان قائماً، ثم جلس يقول: «رب اغفرْ لَ، رب اغفِر » مثل ما كان قائماً، ثم سجد، فقال «سبحان ربي الأعلى » مثل ما كان قائماً، فما صلىَّ إلا أربعَ ركعاتٍ حتى جاءَ بلالٌ يدعوه إ الغَداةِ (1). وأوتر أوَّلَ الليل، ووسَطه، وآخرَه، وقام ليلة تامةً بآ ية يتلوها ويُردِّدُها حتى الصباحِ: «(ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ) [116]». (1) أخرجه النسائي1665.)

عدد الصفحات ٩٩

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |99 وكانت صلاتُه بالليل ثلاثةَ أنواعٍ أحدُها -وهو أكثرُها -: صلاته قائماً. الثاني: أنه كان يُصليِّ قاعدًا ويركع قاعدًا. الثالث: أنه كان يقرأُ قاعدًا، فإذا بقي يسيرٌ من قراءتِه، قام فركع قائماً. والأنواعُ الثلاثةُ صحَّت عنه. فصل وقد ثبت عنه ﷺ أنه: كان يُصليِّ ركعتين بعد الوترِ جالسًا تارةً، وتارةً يقرأ فيهما جالسًا فإذا أراد أن يركعَ قام فركعَ، ففي «صحيح مسلم» عن أبي سلمةَ قال سألتُ عائشةَ  عن صلاةِ رسولِ ا ﷺ، فقالت: كان يُصليِّ ثلاث عشرةَ ركعةً، يصلي ثمانِ ركعات، ثم يُوترُ، ثم يُصليِّ ركعتين وهو جالسٌ، فإذا أرادَ أن يركعَ، قام فركعَ، ثم يُصليِّ ركعتين بين النداءِ والإقامةِ من صلاةِ الصبحِ (1). وقد أُشكل هذا على كثيرٍ من الناسِ، فظنوه مُعارضًا، لقولِه ﷺ: «اجعلوا آخرَ صلاتكم بالليلِ وترًا »(2). والصوابُ: أن يقال: إن هاتين الركعتين تِريان مجرى السنة، وتكميل الوتر؛ فإن الوتر عبادةٌ مستقلةٌ، ولا سيما إن قيل بوجوبِه، فتجري الركعتان بعده، مجَرى سُنَّةِ المغرب من المغربِ، فإنها وترُ النهارِ والركعتان بعدها تَكميلٌ لها، فكذلك الركعتا ن بعد وترِ الليلِ. (1) أخرجه مسلم738.) (2) أخرجه البخاري998)، ومسلم751.)

عدد الصفحات ١٠٠

011 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 12- فصل [ﷺ في قنوت الوتر والدعاء بنعده ولم يحُفظ عنه ﷺ أنه قنتَ في الوِترِ، إلا في حديثٍ رواه ابنُ ماجه (1)،عن أبيِّ بن كعبٍ، أن رسولَ ﷺ كان يوتر فيقنت قبل الركوع. وقال أحمدُ في روايةِ ابنهِ عبد الله: أختارُ القنوتَ بعدَ الركوعِ، إنَّ كلَّ شيء ثبتَ عن النبي ﷺ في القنوتِ إنما هو في الفجر لما رفعَ رأسَه من الركوع، وقنوتُ الوتر أختارُه بعدَ الركوع، ولم يصحَّ عن النبي ﷺ في قنوتِ الوتر قبلُ أو بعدُ شيءٌ. وقال الخلال: أخبرني محمدُ بنُ يحيى الكحالُ، أنه قال لأبي عبد الله في القنوتِ في الوترِ، فقال: ليس يُروى فيه عن النبي ﷺ شيءٌ، ولكن كان عمرُ يقنتُ مِن السنةِ إلى السنةِ. وقد روى أحمدُ وأهلُ السنن، من حديث الحسن بن علي  قال «علَّمَني رسولُ ا ﷺ كلماتٍ أقولهن في قنوتِ الوترِ: اللهم اهدِني فيمن هديتَ، وعافِني فيمن عافيتَ، وتولَّني فيمن توليتَ، وبارِك لَ فيما أعطيتَ، وقِني شَِّ ما قضيتَ، إنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذلُّ من واليتَ، تباركتَ ربَّنا وتعاليتَ »(2) .زاد النسائي والبيهقي: «ولا يعزمَن عاديتَ »(3). والقنوتُ في الوتر محَفوظٌ عن عمرَ، وأُبيٍّ، وابنِ مسعودٍ، والروايةُ عنهم به أصحُّ من القنوت في الفجرِ، والروايةُ عن النبيِّ ﷺ في قنوتِ الفجرِ أصحُّ عنه من الرواية في قنوتِ الوترِ. (1) سنن ابن ماجه1182.) (2) أخرجه أبو داود1425)، والترمذي464)، والنسائي1745.) (3) أخرجه أبو داود في الموضع السابق، والبيهقي 2/296 (3138)،3/56 (4859)، ولم أجد هذه اللفظة عند النسائي.

عدد الصفحات ١٠١

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |010 وقد روى أبو داود والترمذيُّ والنسائي مِن حديث عليِّ بن أبي طالب ، أن رسولَ ا ﷺ كان يقولُ في آخرِ وترِه: «اللهُمَّ إني أعوذُ برضاك من سخطِك، وبمعافاتِك من عقوبتِك، وأعوذُ بك منك، لا أحصِ ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسِك ». وفي إحدى الرواياتِ للنسائي: كان يقولُ إذا فرغَ من صلاتِه وتبوأ مضجعَه. وثبت عنه ﷺ أنه قال ذلك في السجودِ، فلعله قاله في الصلاةِ وبعدها. وذكرَ الحاكمُ في المستدرك من حديثِ ابن عباسٍ ، في صلاةِ النبي ﷺ ووترِه: ثُم أوترَ، فلما قضَ صلاتَه، سمعتُه يقولُ: «اللهُمَّ اجعَلْ في قلبي نورًا، وفي بصِي نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا، واجعَلْ لَ يومَ لقائِك نورًا » .قال كريب: وسبعٌ (1)، فلقيتُ رجلاً من ولدِ العباس، فحدثني بهن، فذكر: «لحمِي ودمِي، وعصبي وشعري وبشري »، وذكر خصلتين. وفي روايةِ النسائي في هذا الحديثِ: وكان يقولُ في سجودِه. وقد ذكرَ أبو داود والنسائي من حديثِ أُبيِّ بن كعبٍ، قال: كان رسولُ الله ﷺ يقرأُ في الوِتر، بـ «(ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ) و(ﭑ ﭒ ﭓ ) و(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ )»، فإذا سلَّم قال«سبحان الملكِ القُدُّوسِ » ثلاث مرَّاتٍ، يمُدُّ صوتَه في الثالثةِ ويرفعُ. وهذا لفظ النسائي، زاد الدارقطني «رب الملائكة والروح»(2). (1) أي: سبع كلمات كن في قلبي ولكني نسيتها (2) أخرجه الدارقطني2/355 (1660)، وأخرجه أيضا أبو داود1430)، والنسائي1699.)

عدد الصفحات ١٠٢