المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

موسوعة محمد رسول الله ﷺ يختصر زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم

أحمد بن عثمان المزيد

صفحة ٥ من ٣٢

71 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وأما العصرُ فعلى النِّصف من قراءةِ صلاةِ الظهر إذا طالت، وبقدرِها إذا قَصرُت. وأما المغربُ فكان هديُه فيها خلافَ عملِ الناس اليومَ، فإنه صلاها مرَّةً بـ(الأعراف) فرَّقها في الركعتين، ومرَّةً بالطور، ومرَّةً بالمرسلات، فالمحافظةُ فيها على الآيةِ القصيرةِ والسورةِ القصيرةِ من قصارِ المُفصَّلِ خلافُ السُّنَّةِ. وأما العِشاءُ الآخرةُ فقرأَ فيها ﷺ بـ(ﭑ ﭒ )، ووقَّت لمُعاذٍ فيها بـ(ﭑ ﭒ )، و (ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ) و(ﮖ ﮗ ﮘ) ونحوَها، وأنكرَ عليه قراءَته فيها بالبقرة بعد ما صلىَّ معه ثم ذهب إلى بني عمرٍو، فأعادَها بهم بعد ما مضََ من الليلِ ما شاء الله، وقرأ البقرة؛ ولهذا قال له: «أفتَّانٌ أنت يا مُعاذُ »(1) فتعلَّق النقَّارون بهذه الكلمةِ، ولم يَلتفِتوا إلى ما قبلَها ولا ما بعدَها وأما الجمُعةُ فكان يقرأُ فيها بسورتي: (الجمعة) و(المنافقين) كاملتين وسورتي: (سبح) و(الغاشية). وأما قراءتُه في الأعيادِ؛ فتارَةً كان يقرأ بسُورتي: (ق) و(اقتربت) كاملتين، وتارة بسورتي (سبح) و(الغاشية)، وهذا هو الهَديُ الذي استمر ﷺ عليه إلى أن لقي الله سبحانه لم ينسخْه شيءٌ. وأما قولُه ﷺ: «أيُّكم أمَّ الناسَ فلْيُخف ف »(2)، وقولُ أنس  :«كان رسولُ الله ﷺ أخفَّ الناسِ صلاةً في تمامٍ »؛ فالتخفيف أمرٌ نسبيٌّ يرجع إلى ما فعله (1) أخرجه البخاري705)، ومسلم465.) (2) أخرجه البخاري90)، ومسلم466.)

عدد الصفحات ٧١

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |70 النبيﷺ وواظبَ عليه، لا إلى شهوةِ المأمومين، وهديُه الذي كان يواظبُ عليه هو الحاكمُ في كُلِّ ما تنازعَ فيه المتنازعون. وكان ﷺ لا يُعينُِّ في الصلواتِ سورةً بعينِها لا يقرأُ إلا بها، إلا في الجمُعةِ والعيدين. وكان من هديه قراءةُ السورةِ كاملةً، وربما قرأها في ركعت ين، وربما قرأَ أوَّلَ السورةِ، وأما قراءةُ أواخرِ السورِ وأوساطِها فلم يحُفظْ عنه، وأما قراءةُ السورتين في ركعةٍ فكان ﷺ يفعلُه في النافلَةِ، وأما في الفرضِ فلم يحُفظْ عنه، وأما قراءةُ سورةٍ واحدةٍ في ركعتين معًا فقلما كان يفعلُه. وكان ﷺ يُطيلُ الركعةَ الأولى على الثانيةِ من صلاةِ الصبحِ، ومن كُلِّ صلاةٍ، وربما كان يطيلُها حتى لا يُسمعَ وقعُ قدمٍ. وكان يُطيل صلاةَ الصبحِ أكثرَ من سائرِ الصلوات؛ وهذا لأنَّ قرآنَ الفجر مشهودٌ، وأيضًا فإنها لما نقصَت عددُ ركعاتها جُعل تطويلُها عوضًا عما نقصَ تْه من العددِ، وأيضًا فإنها تكونُ عَقيبَ النومِ والناس مستريحون، وأيضًا فإنهم لم يأخذوا بعدُ في أشغالِ المعاشِ وأسبابِ الدنيا، وأيضًا فإنها تكونُ في وقتٍ يواطئ فيه السمعُ واللسانُ القلبَ لفراغِه وعدمِ تمكنِ الأشغالِ فيه، فيفهمَ القرآنَ ويتدبَّرَه، وأيضًا ف إنها أساسُ العملِ وأولُه، فأُعطيتْ فضلاً من الاهتمامِ بها وتطويلِها، وهذه أسرارٌ إنما يعرفها من له التفاتٌ إلى أسرارِ الشريعةِ ومقاصدِها وحِكمِها، والله المستعان.

عدد الصفحات ٧٢

72 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وكان ﷺ إذا فرغ من القراءةِ سكت بقدر ما يَترادُّ إليه نفسُه، ثم رفع يديه كما تقدَّم، وكبرَّ راكعًا ووضع كفَّيه على رُكبَتيه كالقابضِ عليهما، ووَتَّر يديه فنحَّاهما عن جَنبيه، وبَسطَ ظهَره ومدَّه واعتدل، ولم يَنصِب رأسَه ولم يخفضْه، بل يجعلُه حيالَ ظهره مُعادلاً له. وكان يقول: «سبحانَ ربي العظيم »(1) وتارةً يقول مع ذلك أو مقتصرًا عليه «سبحانَكاللهمَّ ربنَّا وبحمدِك، اللهمَّ اغفرْ لَ »(2)، وكان ركوعُه المعتادُ مقدارَ عشر تسبيحاتٍ، وسجودُه كذلك. وأما حديثُ البراءِ بن عازب  :«رمقتُ الصلاةَ خلفَ النبي ﷺ فكان قيامُه فركوعُه فاعتدالُه فسجدتُه فجلستُه ما بين السجدتين قريبًا من السواء»(3)، فمرادُ ال اءِ -والله أعلم - أن صلاتَه ﷺ كانت معتدلةً، فكان إذا أطالَ القيامَ أطال الركوعَ والسجودَ، وإذا خفَّف القيامَ خفف الركوعَ والسجودَ، وتارةً يجعل الركوعَ والسجودَ بقدرِ القيامِ، ولكن كان يفعلُ ذلك أحيانًا في صلاة الليلِ وحدَها، وفعلُه أيضًا قريبًا من ذلك في صلاةِ الكسوفِ، وهديُه الغالبُ ﷺ تعديلُ الصلاةِ وتناسبُها. وكان يقول أيضًا في ركوعِه: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكةِ والروحِ »(4) وتارةً يقول «اللهمَّ لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، خَشَعَ لك سمعي وبَصِي ومُُ ي وعظمي وعَصَبي »(5) وهذا إنما حُفظ عنه في قيامِ الليل (1) أخرجه مسلم772.) (2) أخرجه البخاري794)، ومسلم484.) (3) أخرجه البخاري792)، ومسلم471.) (4) أخرجه مسلم487.) (5) أخرجه مسلم771.)

عدد الصفحات ٧٣

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |73 ثم كان يرفع رأسَه بعد ذلك قائلاً: «سمع الله لمن حمِده» ويرفعُ يديه، ورَوى رفعَ اليدين عنه في هذه المواطنِ الثلاثةِ نحوٌ من ثلاثين نفسًا، واتَّفقَ على روايتِها العشرةُ، ولم يثبُت عنه خلافُ ذلك البتَّةَ، بل كان ذلك هديَه ﷺ إلى أن فارَق الدنيا. وكان دائماً يُقيم صُلبه إذا رف عَ من الركوعِ وبين السجدتين ويقول: «لا تُُزئُ صلاةٌ لا يُقيمُ فيها الرجلُ صُلبَه في الركوع والسجودِ ». ذكره ابن خزيمة صحيحه(1). وكان إذا استوى قائماً قال «ربَّنا ولك الحمدُ »(2) وربَّما قال «ربَّنا لك الحمدُ »(3) وربما قال«اللهمَّ ربَّنا لك الحمدُ »(4)، صحَّ ذلك عنه كله. وكان من هديِه إطالةُ هذا الركنِ بقدر الركوعِ والسجودِ، فصحَّ عنه أنه كان يقول: «سمع الله لمن حمِدَه، اللهم ربَّنا لك الحمدُ، مِلء السموات ومِلءَ الأرضِ، وملءَ ما شئت من شيءٍ بعدُ، أهلَ الثناء والمجدِ، أحقُّ ما قال العبدُ، وكلُّنا لك عبدٌ ، لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا مُعطيَ لما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجَد منك الجَدُّ »(5). وصحَّ عنه أنه كرر فيه قولَ «لِربي الحمدُ، لربي الحمدُ »(6) حتى كان بقدر الرُّكوعِ (1) صحيح ابن خزيمة 1/300 (591)، وأخرجه أيضا أبو داود 855)، والترمذي 265)، والنسائي (1027.) (2) أخرجه البخاري689)، ومسلم411.) (3) أخرجه البخاري722)، ومسلم409.) (4) أخرجه البخاري796)، ومسلم409.) (5) أخرجه مسلم471.) (6) أخرجه أبو داود874)، والنسائي1069.)

عدد الصفحات ٧٤

74 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وصحَّ عنه أنه كان إذا رفع رأسَه من الرُّكوعِ يَمكثُ حتى يقولَ القائلُ: قد نسيِ، من إطالتِه لهذا الركنِ، فذكر مسلمٌ عن أنسٍ : كان رسولُ ا ﷺ إذا قال: «سمِع الله لمن حمِده » قام حتى نقولَ: قد أَوهَمَ، ثم يسجدُ، ويَقعُد ب السجدتين حتى نقولَ: قد أَوهَم (1). وصحَّ عنه في صلاةِ الكسوف أنه أطالَ هذا الركنَ بعد الركوعِ حتى كان قريبًا من ركوعِه، وكان ركوعُه قريبًا من قيامِه، فهذا هديُه المعلوم الذي لا مُعارضَ له بوجهٍ. ثم كان ﷺ يُكبرِّ ويخِرُّ ساجدًا ولا يرفعُ يديه، وقد رُوي عنه أنه كان يرفعُهما أيضًا، وصحَّحه بع ضُ الحُفَّاظ كابن حزمٍ ، وهو وهْمٌ، فلم يصحَّ عنه ذلك البتةَ. وكان ﷺ يضعُ رُكبتيه قبل يديه، ثم يديه بعدَهما، ثم جبهتَه وأنفَه، هذا هو الصحيحُ الذي رواه شرَيكٌ، عن عاصمِ بن كُليبٍ، عن أبيه، عن وائلِ بن حُجرٍ: رأيتُ رسولَ الله ﷺ إذا سجد وضع رُكبَتيه قبل يديه، وإذا نهضَ رفعَ يديه قبلَ ركبتَيه(2). ولم يُرو في فعلِه ما يخُالف ذلك وكان ﷺ يسجُد على جبهته وأنفِه دون كَورِ العِمامةِ، ولم يثبُت عنه السجودُ على كَورِ العِمامةِ في حديثٍ صحيح ولا حسنٍ. (1) أخرجه البخاري821)، ومسلم473.) (2) أخرجه أبو داود838)، والنسائي1089.)

عدد الصفحات ٧٥

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |75 وكانﷺ يسجُد على الأرضِ كثيرًا، وعلى الماءِ والطينِ، وعلى الخُمرةِ المُتخذةِ من خُوصِ النخلِ، وعلى الحصيرِ المتَّخذِ منه، وعلى الفروةِ المَدبوغةِ. وكان إذا سجد مكَّنَ جبهتَه وأنفَه من الأرضِ، ونحَّى يديه عن جنبيه، وجافى بهما حتى يُرى بياضُ إبطيه، ولو شاءت بهَمَةٌ -وهي الشاةُ الصغيرة- أن تمرَّ تحتهما لمرَّت. وكان يضع يديه حَذو مَنكِبيه وأُذنيه، وفي «صحيح مسلم» عن البرَاءِ أنه ﷺ قال: «إذا سجدتَ فضعْ كفيك وارفعْ مِرفَقيك »(1). وكان يعتدل في سجودِه ويستقبلُ بأطرافِ أصابعِ رجليه القبلةَ وكان يبسُط كفَّيه وأصابعَه، ولا يُفرِّج بينها ولا يَقبِضُها، وفي «صحيح ابن حبان»(2): كان إذا ركع فرَّج أصابعَه وإذا سجد ضمَّ أصابعَه وكان يقول: «سبحان ربي الأعلىَ »(3) وأَمَرَ به وكان يقول: «سبحانك اللهمَّ ربَّنا وبحمدِك، اللهمَّ اغفرْ »(4). وكان يقول: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ ربُّ الملائكة والروحِ »(5). وكان يقول«سبحانك وبحمدِك لا إلَه إلا أنت »(6). (1) أخرجه مسلم494.) (2) صحيح ابن حبان1920.) (3) أخرجه مسلم772.) (4) أخرجه البخاري794)، ومسلم484.) (5) أخرجه مسلم487.) (6) أخرجه مسلم485.)

عدد الصفحات ٧٦

76 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وكان يقول: «اللهمَّ إني أعوذُ برضاك من سخطِك، وبمُعافاتِك من عُقوبتِك، وأعوذُ بك منك، لا أُحصِِ ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسِك »(1). وكان يقول «اللهمَّ لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، سَجَدَ وجهي للذي خلقَه وصوَّره وشقَّ سمعَه وبصَِه، تبارك الله أحسنُ الخالقين »(2). وكان يقول«اللهمَّ اغفر لَ ذنبي كُلَّه، دِقَّه وجِلَّه، وأوَّلَه وآخرَه، وعلانيتَه وسرَِّه »(3). وكان يقول«اللهمَّ اجعل في قلبي نورًا، وفي سم عي نورًا، وفي بصِي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شِمالَ نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، واجعل لَ نورًا »(4). وأمرَ بالاجتهادِ في الدعاءِ في السجودِ وقال «إنه قَمِنٌ أن يُستجابَ لكم»(5). والاستجابةُ نوعانِ: استجابةُ دعاءِ الطالب بإعطائِه سؤله، واستجابةُ دعاءِ المثني بالثوابِ، وبكلِّ واحدٍ من النوعين فُسرَِّ قولُه تعالى: ﴿ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴﯵ ﴾ [186]، والصحيحُ أنه يعمُّ النوعَينِ (1) أخرجه مسلم486.) (2) أخرجه مسلم771.) (3) أخرجه مسلم483.) (4) أخرجه البخاري6316)، ومسلم763.) (5) أخرجه مسلم479.)

عدد الصفحات ٧٧

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |77 وقد اختلف الناسُ في القيامِ والسجود، أيهُّما أفضلُ؟ فرجَّحت طائفةٌ القيامَ لوجوه. وقالت طائفةٌ: السجودُ أفضلُ. وقالت طائفةٌ: طولُ القيامِ بالليل أفضلُ، وكثرة الركوعِ والسجود بالنهار أفضلُ. وقال شيخُنا: الصوابُ أنهما سواءٌ، والقيامُ أفضلُ بذكره وهو القراءة، والسجودُ أفضلُ بهيئتِه؛ فهيئةُ السجود أفضلُ من هيئة القيامِ، وذِكرُ القيام أفضلُ من ذكر السجودِ، وهكذا كان هديُ النبي ﷺ، فإنه كان إذا أطالَ القيامَ أطالَ الركوعَ والسجودَ، كما فعلَ في صلاةِ الكُسوفِ، وفي صلاة الليلِ، وكان إذا خفَّف القيامَ خفف الركوعَ والسجود، وكذلك كان يفعل في الفرضِ (1). ثم كان رسول اﷺ يرفع رأسَه مُكبرًِّا غير رافعٍ يديه، ويرتفعُ منه رأسُه قبل يديه، ثم يجلسُ مُفترشًا يفرشُ رجلَه اليُسرى ويجلسُ عليها، وينصِبُ اليُمنى، ولم يحُفظْ عنه ﷺ في هذا الموضع جلسةً غير هذه. وكان يضعُ يديه على فخِذيه، ويجعلُ مِرفَقيه على فخِذه وطرفَ يده على ركبَته، ويقبضُ ثِنتين من أصابعِه ويحُلِّق حلقةً، ثم رفعَ أصبعَه يدعو بها ويحرِّكها، هكذا قال وائلُ بن حُجر عنه (2). ثم يقولُ«اللهمَّ اغفر لَ وارحمني واجبَُني واهدِني وارزقنِي »(3) هكذا ذكر ابنُ عباسٍ  عنهﷺ، وذكرَ حذيفةُ أنه كان يقول: «رب اغفر لَ، رب اغفر لَ»(4). (1) مجموع الفتاوى لابن تيمية23/69-83. (2) أخرجه أبو داود726)، والنسائي889.) (3) أخرجه الترمذي284.) (4) أخرجه أبو داود874)، والنسائي1145.)

عدد الصفحات ٧٨

78 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وكان هديُه إطالةَ هذا الركن بقدرِ السجودِ، وهكذا الثابتُ عنه في جميعِ الأحاديثِ، وفي «الصحيح» عن أنسٍ : كان رسولُ ا ﷺ يقعُدُ بين السجدتين حتى نقول: قد أَوهَم (1). وهذه السنَّةُ تركها أكثرُ الناسِ من بعد انقراضِ عصرِ الصحابةِ؛ ولهذا قال ثابتٌ: وكان أنسٌ يصنعُ شيئًا لا أراكم تَصنعونه: يمكثُ بين السجدتين حتى نقولَ: قد نَسيِ أو قد أَوهَم. ثم كان ﷺ ينهض على صُدورِ قدميه ورُكبتيه مُعتمدًا على فخِذيه، كما ذَكره عنه: وائلٌ وأبو هريرةَ، ولا يعتمدُ على الأرضِ بيديه، وقد ذَكر عنه مالكُ بن الحُويرث أنه كان لا ينهضُ حتى يستويَ جالسًا، وهذه هي التي تُسمَّى جلسةَ الاستراحةِ، واختلف الفقهاءُ فيها: هل هي من سننِ الصلاة فيستحب لكلِّ أحدٍ أن يفعلَها، أو هي ليست من السننِ، وإنما يفعلُها مَن احتاج إليها؟ على قولَينِ هما روايتانِ عن أحمدَ . وكان إذا نهضَ افتتح القراءةَ ولم يَسكت كما كان يسكتُ عند افتتاحِ الصلاةِ، فاختلفَ الفقهاءُ: هل هذا موضعُ استعاذةٍ أو لا بعدَ اتفاقِهم على أنه ليس بموضعِ استفتاحٍ، وفي ذلك قولانِ هما روايتانِ عن أحمدَ، وقد بَناهما بعضُ أصحابِه على أن قراءةَ الصلاةِ هل هي قراءةٌ واحدةٌ؛ فيكفي فيها استعا ذة واحدة، أو قراءةُ كلِّ ركعة مستقلة بنفسها؟ (1) أخرجه البخاري821)، ومسلم473.)

عدد الصفحات ٧٩

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |79 والاكتفاءُ باستعاذةٍ واحدةٍ أظهرُ للحديثِ الصحيح عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ كان إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بـ ﴿ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﴾ [2]، ولم يَسكت يكفي؛ لأنه لم يتخلَّل القراءتَينِ سكوتٌ، بل تخللهما ذكرٌ، فهي كالقراءةِ الواحدة إذا تخللها حمدُ الله أو تسبيحٌ أو تهليلٌ أو صلاةٌ على النبي ﷺ، ونحو ذلك. وكان النبي ﷺ يُصليِّ الثانيةَ كالأُولى سواءً إلا في أربعةِ أشياء: السكوتِ، والاستفتاحِ، وتكبيرةِ الإحرامِ، وتطويلِها. فإذا جلس للتشهُّدِ وضع يدَه اليُسرى على فخِذه اليسرى، ووضع يدَه اليُمنى على فخِذه اليمنى وأشارَ بأصبُعه السبَّابة، وكان لا ينصِبُها نصبًا ولا يُنيمها، بل يحَنيها شيئًا ويحُرِّكها كما تقدَّم في حديثِ وائلِ بنِ حُجر، وكان يقبضُ أصبعين وهما الخِنصر والبِنصر، ويحُلِّق حلقةً وهي الوُسطى مع الإبهامِ، ويرفع السبَّابة يدعو بها، ويرمي ببصرِه إليها، ويبسطُ الكفَّ اليُسرى على الفخِذ اليسرى، ويتحاملُ عليها. وأما صفةُ جلوسِه فكما تقدَّم بين السجدتين سواء، يجلسُ على رجلِه اليسرى وينصبُ اليمنى، ولم يُرو عنه في هذه الجلسةِ غيرُ هذه الصفةِ. ثم كان ﷺ يتشهَّدُ دائماً في هذه الجلسةِ، ويُعلِّم أصحابَه أن يقولوا: «التحياتُ لله والصلواتُ والطيبات، السلامُ عليك أيَا النبيُّ ورحمة الله وبركاته، السلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصالحين، أشهد ألا إلهَ إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله»(1). (1) أخرجه البخاري831)، ومسلم402.)

عدد الصفحات ٨٠

81 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وكان ﷺ يخفِّف هذا التشهدَ جدًّا حتى كأنه على الرضْف -وهو الحجارةُ المحماةُ - ولم يُنقل عنه في حديثٍ قطُّ أنه صلىَّ عليه وعلى آله في هذا التشهد، ولا كان أيضا يستعيذُ فيه من عذابِ القبر وعذابِ النار وفتنةِ المحيا والممات وفتنةِ المسيح الدجال، ومن استحبَّ ذلك فإنما فهمه من عموماتٍ وإطلاقاتٍ قد صحَّ تبيينُ موضعِها وتقييدُها بالتشهدِ الأخير. ثم كان ينهضُ مُكبرًِّا على صدورِ قدميه وعلى رُكبتيه مُعتمدًا على فخِذيه كما تقدَّم، وفي حديثِ عبدِ الله بنِ عمرَ  أنه كان يرفعُ يديه في هذا الموضعِ (1)، على أن هذه الزيادة ليست متفقًا عليها في حديثِ عبدِ الله بنِ عمرَ، فأكثرُ رواتِه لا يَذكرونها. ثم كان يقرأُ الفاتحةَ وحدَها، ولم يثبت عنه أنه قرأَ في الركعتين الأُخرَيَين بعد الفاتحةِ شيئًا. فهديُه الراتب ﷺ إطالةُ الركعتَينِ الأوليَينِ من الرباعيةِ على [، وإطالةُ الأولى من الأوليَينِ على الثانيةِ. وهذا كان هديه ﷺ في سائرِ صلواتِه: إطالة أوَّلهِا على آخرِها. وكان ﷺ إذا جلسَ في التشهُّد الأخيرِ جلسَ مُتورِّكًا، وكان يُفضِ بِوَرِكه إلى الأرضِ ويخُرجُ قدمَه من ناحيةٍ واحدةٍ، فهذا أحدُ الوجوهِ الثلاثةِ التي رُويت عنه ﷺ في التورُّكِ، [ في حديثِ أبي حمُيد (1) أخرجه البخاري739.)

عدد الصفحات ٨١

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |80 الوجه الثا: ذكرَه البخاري في صحيحِه (1) من حديثِ أبي حميدٍ أيضًا قال «وإذا جلسَ في الركعةِ الآخرةِ قدَّم رجلَه اليسرى ونصبَ اليمنى، وقعدَ ع مقعدتِه»، فهذا موافقٌ للأول في الجلوسِ على الوركِ، وفيه زيادةُ وصفٍ في هيئة القدمَينِ لم تتعرَّض الروايةُ الأولى لها . الوجه الثالث: ما ذكرَه مسلم في صحيحِه (2) من حديثِ عبدِ الله بنِ الزبيرِ أنه ﷺ «كان يجعلُ قدمَه اليسرى بينَ فخذِه وساقِه، ويفرشُ قدمَه اليمنى »، وهذا مخالفٌ للصفتَينِ الأوليَينِ في إخراجِ اليسرى مِن جانبِه، وفي نصبِ اليمنى. ولعله كان يفعلُ هذا تارةً وهذا تارةً، وهذا أظهرُ، ويحتملُ أن يكونَ من اختلافِ الرواة. ولم يُذكر عنه عليه السلام هذا التوركُ إلا في التشهدِ الذي يليه السلامُ. وكان ﷺ إذا جلسَ في التشهُّد وضعَ يدَه اليمنى على فخِذه اليمنى، وضمَّ أصابعَه الثلاثَ ونصبَ السبَّابةَ. وكان يبسُط ذراعَه على فخِذِه ولا يجُافيها، فيكون حدُّ مِرفَقه عند آخر فخِذِه، وأما اليُسرى فممدودةُ الأصابعِ على الفخِذ اليسرى. وكان يستقبلُ بأصابعِه القبلةَ في رفعِ يديه، وفي ركوعِه، وفي سجودِه، وفي تشهُّدِه، ويستقبلُ أيضًا بأصابعِ رجليه القبلةَ في سجودِه، وكان يقول في كُلِّ ركعتين التحية. (1) أخرجه البخاري828.) (2) أخرجه مسلم579.)

عدد الصفحات ٨٢

82 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وأما المواضعُ التي كان يدعو فيها في الصلاةِ فسبعةُ مواطن: أحدُها : بعد تكبيرةِ الإحرامِ في محل الاستفتاحِ. الثاني: قبل الركوعِ، وبعد الفراغِ من القراءةِ في الوترِ. الثالثُ : بعد الاعتدالِ من الركوعِ. الرابعُ : في ركوعِه. الخامسُ : في سجودِه، وفيه كان غالبُ دعائِه. السادسُ : بين السجدتين. السابعُ : بعد التشهدِ وقبلَ السلام، وبذلك أمرَ في حديثِ أبي هريرةَ وحديثِ فضالةَ بنِ عبيد، وأمرَ أيضًا بالدعاءِ في السجودِ. وأما الدعاءُ بعد السلامِ من الصلاةِ مُستقبلَ القبلةِ أو المأمومين فلم يكن ذلك من هديِه ﷺ أصلاً، ولا رُوي عنه بإسنادٍ صحيحٍ ولا حسنٍ، وعامَّةُ الأدعية المتعلقةِ بالصلاة إنما فعَلَها فيها وأمرَ بها فيها، إلا أن هاهنا نكتةٌ لطيفةٌ، وهو أن المصليَ إذا فرغَ من صلاتِه وذَكر الله وهلَّله وسبَّحه وحمدَه وكبرََّه بالأذكارِ المشروعةِ عقيب الصلاةِ، استُ حبَّ له أن يصليَ على النبيِّ ﷺ بعد ذلك ويدعو بما شاءَ، ويكون دعاؤه عقيبَ هذه العبادة الثانية، لا لكونه دبر الصلاة، فإن كلَّ من ذَكر الله وحمدَه وأثنى عليه وصلىَّ على رسول الله ﷺ استُحبَّ له الدعاءُ عقيبَ ذلك، كما في حديث فَضالة بن عبيدٍ: «إذا صلىَّ أحدُكم فليبدَأْ بحمدِ الله والثناءِ عليه، ثم ليصل على النبي ﷺ، ثم لِيَدْعُ بعد ما شاءَ » قال الترمذي: حديث صحيح(1). (1) سنن الترمذي3477)، وفيه: حديث حسن صحيح

عدد الصفحات ٨٣

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |83 ثم كان ﷺ يسلِّم عن يمينه: «السلامُ عليكم ورحمةُ ا »(1)، وعن يسارِه كذلك. هذا كان فعلُه الراتبُ رواه عنه خمسةَ عشرَ صحابيًّا، وقد رُوي عنه ﷺ أنه كان يُسلِّم تسليمةً واحدة تِلقاءَ وجهِهِ (2)، ولكن لم يَثبت عنه ذلك من وجهٍ صحيحٍ. 2- فصل [ ﷺ في دعائه في صلاته وكان ﷺ يدعو في صلاتِه فيقول: «اللهمَّ إني أعوذُ بك من عذابِ القبَِ، وأعوذُ بك من فتنةِ المسيحِ الدجالِ، وأعوذُ بك من فتنةِ المَحيا والممات، اللهمَّ إني أعوذُ بك من المَغرمِ والمأثَم»(3). وكان يقول في صلاتِه أيضًا «اللهمَّ اغفرْ لَ ذنبي، ووس ع لَ في داري، وباركْ لَ فيما رزقتَني »(4). وكان يقولُ في سجودِه «رب أعط نفسي تَقواها، وزك ها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها»(5). وقد تقدَّم ذكرُ بعضِ ما كان يقولُ في ركوعِه وسجودِه وجلوسِه واعتدالِه في الركوعِ. (1) أخرجه مسلم431.) (2) أخرجه ابن ماجه918.) (3) أخرجه البخاري832)، ومسلم589.) (4) أخرجه الترمذي3500.) (5) أخرجه مسلم2722.)

عدد الصفحات ٨٤

84 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد والمحفوظُ في أدعيتِه ﷺ في الصلاة كُلِّها بلفظ الإفرادِ. 3- فصل [ ﷺ في مراعاة بحوال المأمومين ، مع كدالِ إقبالِه وقربنِه من الله تعالى، وحضورِ قلبِه بنينَ يديه ] وكانﷺ إذا قام في الصلاةِ طأطأ رأسَه، ذكرَه الإمامُ أحمد ، وكان ﷺ في التشهدِ لا يجاوزُ بصرُه إشارتَه وقد تقدَّم، وكان قد جعلَ الله قُرَّةَ عينِه ونعيمَه وسرورَه وروحَه في الصلاةِ، وكان يقولُ ﷺ: «يا بلالُ، أرِحْنا بالصلاةِ »(1)، وكان يقولُ «جُعلت قرَّةُ عيني الصلاةِ »(2)، ومع هذا لم يكن يَشغَلُه ما هو فيه من ذلك عن مُراعاةِ أحوالِ المَأمومين وغيرِهم، مع كمالِ إقبالِه وقربِه من الله تعالى، وحضورِ قلبِه بينَ يديه واجتماعِه عليه. وكان يَدخلُ في الصلاةِ وهو يُريد إطالتَها فيسمعُ بكاءَ الصبيِّ فيخفِّفها مخافةَ أن يش قَّ على أمِّه، وأَرسلَ مرَّةً فارسًا طليعةً له، فقام يصليِّ وجعلَ يلتفتُ إلى الشِّعبِ الذي يجيءُ منه الفارسُ، ولم يَشغَلْه ما هو فيه عن مراعاةِ حالِ فارسِه. وكذلك كان يُصليِّ الفرضَ وهو حاملٌ أمامةَ بنت أبي العاصِ بنِ الربيعِ ابنةَ بنتِه زينب على عاتقِه، إذا قام حملَها، وإذا ركعَ وسجدَ وضعَها . وكان يُصليِّ فيجيءُ الحسنُ أو الحسينُ فيركبُ ظهرَه فيطيل السجدةَ؛ كراهيةَ أن يلقيَه عن ظهرِه . (1) أخرجه أبو داود4985.) (2) أخرجه النسائي3939.)

عدد الصفحات ٨٥

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |85 وكان يُصليِّ فتجيءُ عائشةُ من حاجتِها والبابُ مغلقٌ، فيمشِ فيفتحُ لها البابَ، ثم يرجعُ إلى مصلاه. وكان يردُّ السلامَ بالإشا رةِ على من يُسلِّم عليه وهو في الصلاةِ. وقال جابرٌ: بعثني رسولُ الله ﷺ لحاجةٍ ثم أدركتُه وهو يُصليِّ، فسلمت عليه فأشارَ إليَّ (1). وكانﷺ يُصليِّ وعائشةُ معترضةٌ بينه وبين القبلةِ، فإذا سجدَ غمزَها بيده فقبضَت رِجليها، وإذا قام بسطَتهما (2). وكانﷺ يصليِّ فجاءه الشيطانُ ليقطعَ عليه صلاتَه، فأخذَه فخنقَه حتى سال لعابُه على يده(3). وكان يصلي على المِنبر ويركعُ عليه، فإذا جاءت السجدةُ نزلَ القَهقَرَى، فسجدَ على الأرضِ، ثم صعدَ عليه. وكان يصلي إلى جدار، فجاءت بهمةٌ تمرُّ من بين يديه، فما زال يُدارِئُها حتى لصقَ بطنُه بالجدار، ومرَّت من ورائه (4). يدارئها: يفاعلها من المدارأة وهي المدافعة. (1) أخرجه البخاري1217)، ومسلم540.) (2) أخرجه البخاري384)، ومسلم512.) (3) أخرجه أحمد 18/302 (11780) ، 7/41 (3926) والنسائي في الكبرى 1/294 (555)، 10/234 (11375.) (4) أخرجه أبو داود708.)

عدد الصفحات ٨٦