المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

موسوعة محمد رسول الله ﷺ يختصر زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم

أحمد بن عثمان المزيد

صفحة ٤ من ٣٢

54 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 32- فصل في هَ دْيه ﷺ في مُ عامَ لته كان أحسَنَ الناس مُعامَلةً، وكان إذا استَسْلَف سلَفًا قضََ خيرًا منه. واقترََض بَعيرًا فجاء صاحِبُه يَتَقاضاه فأَغلَظ للنَّبيِّ ﷺ فهَمَّ به أصحابُه فقال: «دعَوهُ فإِنَّ لِصاحِبِ الحَق مَقالاً »(1). وباعَه يهَوديٌّ بيعًا إلى أجَل فجاءَهُ قبلَ الأجَل يَتَقاضى ثمَنَه فقال «لم يَُِل الأَجَلُ »، فقال اليَهوديُّ: إنَّكم لمُطْل يا بَني عبدِ المُطَّلِب، فهَمَّ به أصحابُه فنَهاهُم، ولمَْ يَزِدْه ذلك إلاَّ حِلماً، فقال اليَهوديُّ: كلُّ شيءٍ منه قد عرَفْته مِن عَلامات النُّبوَّة وبقِيَت واحِدةٌ وهي أنه لا تَزيدُه شِدَّة الجَهْل عليه إلاَّ حِلماً فأَرَدْت أن أَعرِفها؛ فأَسلَم اليَهوديُّ (2). 33- فصل في هَ دْيه ﷺ في مَ شْمه وحدَ ه ومع بَ صحابنِ ه كان إذا مشَى تَكفَّأ تَكفُّؤًا ، وكان أَسرَع الناس مِشيةً وأَحسَنَها وأَسكَنَها، قال أبو هُرَيرةَ: ما رأَيْتُ شيئًا أحسَنَ مِن رَسولِ الله ﷺ، كأنَّ الشمسَ تَِرِي في وَجْهه، وما رأَيْتُ أحَدًا أَسرَعَ في مِشيَتِه من رَسولِ الله ﷺ، كأنَّما الأرض تُطوَى له، وإنا لنُجهِد أَنفُسَنا وإنه لغَيرْ مُكترَِث (3). (1) أخرجه البخاري2306)، ومسلم1601.) (2) أخرجه ابن حبان 1/521،523 (288)، وابن أبي عاصم «الآحاد والمثا »4/110 (2082)، والطبراني في «الكب»5/222 – 223،5147)، والحاكم3/700 – 701 (6547)، والبيهقي «دلائل النبوة»6/278-281. (3) أخرجه الترمذي3648.)

عدد الصفحات ٥٥

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |55 وأمَّا مَشيُه مع أصحابه فكانوا يَمشون بين يَدَيْه وهو خَلْفهم ويَقول «دَعُوا ظَهْرِي لِلْمَلائِكَةِ »(1)، وكان يَمشِِ حافيًا ومنتعلاً، وكان يُماشي أصحابَه فُرادى وجماعةً، وكان في السفرِ ساقةَ أصحابِه يُزجي الضعيفَ ويُردفه، ويدعو لهم. ذكره أبو داود(2). 34- فصل في هَ دْيه ﷺ في جُ لوسه واتِّ رائِ هِ كان يجَلِس على الأرض وعلى الحَصيرِ والبساطِ، وكان يَسْتلقي أحيانًا، وربما وضعَ إحدى رجلَيْه على الأخرى، وكان يتكئُ على الوسادةِ، وربما اتكأَ على يسارِه، وربما اتكأَ على يمينِه، وكان إذا احتاجَ في خروجه توكَّأَ على بعضِ أصحابِه مِن الضعفِ. 35- فصل في هَ دْيه ﷺ عِند قَ ضاء الحاج ِ كان إذا دخَل الخَلاءُ قال: «اللَّهُمَّ إني أَعوذُ بِكَ مِنَ الخُْبُثِ وَالخَبَائِثِ »(3). وكان إذا خرَج يَقول «غُفْرانَكَ »(4)، وكان يَستَنْجي بالماء تارةً، ويَستَجمِر بالأَحْجار تارةً، ويجَمَع بينهما تارةً. وكان إذا ذهَبَ في سفَره للحاجة انطلَق حتَّى يَتَوارَى عن أَصْحابه. (1) أخرجه ابن ماجه246.) (2) أخرجه أبو داود2639.) (3) أخرجه البخاري142)، ومسلم375.) (4) أخرجه أبو داود30)، والترمذي7.)

عدد الصفحات ٥٦

56 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وكان يستترُ للحاجةِ بالهدف تارةً، وبحائشِ النخل تارةً، وبشجرِ البوادي تارةً. وكان يَرتاد لبَوْله المَوضِعَ الدمِث -وهو اللَّينِّ الرَّخْو منَ الأرض -، وأكثَرَ ما كان يَ بول وهو قاعِد. وكان إذا سلَّم عليه أحَدٌ وهو يَبول لم يَرُدَّ عليه. ذكَرَه مُسلِم في صَحيحِه عنِ ابن عُمرَ (1). وكان إذا استنجَى بالماءِ ضِبَ يدَه بعدَ ذلك على الأرضِ، وكان إذا جلسَ لحاجتِه لم يرفَعْ ثوبَه حتى يدنو من الأرضِ. 36- فصل في هَ ديِ ه ﷺ في الفِ طْرة وتَ وابنِ عِها كان يُعجِبه التَّيمُّن في تَنعُّله وتَرجُّله، وطُهوره، وأَخْذه، وعَطائه، وكانت يَمينُه لطَعامِه وشرَابِه وطُهوره، ويَسارُه لخَلائِه ونحوه من إزالة الأَذَى. وكان هَديُه في حَلْق الرأس تَركَه كلَّه أو أَخْذه كلَّه، ولم يَكُن يحَلِق بعضَه ويَدَع بعضَه، ولم يحُفَظ عنه حلَقَه إلاَّ في نُسُك. وكان يحُِبُّ السِّواك، وكان يَستاكُ مُفطِرًا وصائِماً، ويَستاكُ عِند الانتِباهِ منَ النَّوْم، وعِند الوُضوء، وعِند الصلاة، وعِند دُخول المَنزِل، وكان يَستاك بعُود الأَراكِ. وكان يُكثِر التَّطيُّب ويحُِبُّ الطِّي بَ. (1) أخرجه مسلم370.)

عدد الصفحات ٥٧

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |57 وكان أوَّلاً يَسدِل شَعرَه ثُم فرَقَه واختلف الصحابةُ في خضابِه: فقال أنس: لم يخضِبْ. وقال أبو هريرة: خضبَ. وكان يحُِبُّ الترَّجُّل، وكان يُرجِّل نَفسَه تارةً وتُرجِّله عائِشةُ تارةً، وكان شَعْره فوقَ الجُمَّة ودونَ الوَفْرة، وكانت جمَُّته تَضِْب شَحْ مة أُذُنَيْه، وإذا طال جعَله غَدائِرَ أربعًا. وكانت لرَسولِ الله ﷺ سُكَّة يَتَطيَّب منها، وكان أحَبُّ الطيبِ إليه المِسكَ. 37- فصل في هديه ﷺ في قص الشار في صحيح مسلمٍ عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ: «جُزُّوا الشَّواربَ، وأَرخُوا الل حَى؛ خَالِفوا المجوسَ »(1)، وفي الصحيحين عن ابن عمر، عن النبي ﷺ: «خَالِفوا المشَكينَ ووف روا الل حَى، وأَحفُوا الشواربَ »(2)، وفي صحيح مسلم عن أنس قال: «وقَّت لنا النبيﷺ في قصِّ الشاربِ وتقليمِ الأظفارِ ألا نتركَ أكثرَ من أربعين ليلةً »(3). واختلفَ السلفُ في قصِّ الشا رب وحلقِه أيهما أفضل. (1) أخرجه مسلم260.) (2) أخرجه البخاري5892)، ومسلم259.) (3) أخرجه مسلم258.)

عدد الصفحات ٥٨

58 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 36- فصل في هَ دْيه ﷺ في كَ لامِ ه وسُ روته وضحِ ره وبنُ رائِ ه كان ﷺ أَفصَحَ خَلْق الله، وأعذَبهَم كلامًا، وأَسرَعَهم أداءً، وأَحلاهُم مَنطِقًا، حتى إن كلامَه يَأخُذ بالقُلوب ويَسبِي الأرواحَ، وشَهد له بذلك أَعداؤُه، وكان إذا تَكلَّم تَكلَّم بكَلام مُفصَّل مُبين يَعُدُّه العادُّ، ليس بهَذٍّ مُسرع لا يحُفَظ، ولا مُنقَطِع يتَخلَّله السكَتاتُ بين أفراد الكلم، بل هَديُه فيه أكمَلُ الهَدْي. قالت عائِشةُ: ما كان رَسولُ الله ﷺ يَسرُد سرَْدَكم هذا، ولكِنْ كان يَتَكلَّم بكَلام بينِّ فَصْل يحَفَظُه مَن جلَسَ إليه، وكان كَثيرًا ما يُعيد الكَلمة ثلاثًا لتُعقَل عنه، وكان إذا سلَّم سلَّم ثلاثًا، وكان طويلَ السُّكوت لا يَتكَلَّم في غير حاجة، ويتكلَّمُ بجوامعِ الكلامِ، فصلٌ لا فضولٌ ولا تقصيرٌ، وكان لا يَتَكلَّم فيما لا يَعنِيه، ولا يَتَكلَّم إلاَّ فيما يَرجو ثوابه، وإذا كرِهَ الشِءَ عُرِفَ في وَجْهه، ولم يَكُن فاحِشًا ولا مُتَفحِّشًا ولا صَخَّابًا، وكان جُلُّ ضحِكه التَّبسُّم، بل كلُّه التَّبسُّم، فكان نهِاية ضحِكه أن تَبدوَ نَواجِذُه. وأمَّا بُكاؤُه ﷺ فكان من جِنْس ضحِكِه، لم يَكُن بشَهيق ورَفْع صَوت، كما لم يَكُن ضحِكُه بقَهْقهة، ولكِن كان تَدمَع عَيناهُ حتَّى تهَملاَ، ويُسمَع لصَدْره أَزيزٌ. وكان بُكاؤُه تارةً رحمةً للميت، وتارةً خوفًا على أُمَّته وشَفَقة، وتارةً من خَشْية الله، وتارةً عِند سَماع القُرآن، وهو بُكاء اشتِياق ومحَبَّة وإِجْلال مُصاحِب للخَوْف والخَشْية، ولمَّا مات ابنُه إبراهيمُ دمَعَتْ عيناهُ وبكَى رحمةً له وقال: «تَدْمَعُ الْعَينُْ وَيَُْزَنُ الْقَلْبُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يُرْضِِ رَبَّنَا، وَإِنَّا بِكَ يَا إِبْرَ اهِيمُ لمَحْزُونُونَ »(1). (1) أخرجه البخاري1303)، ومسلم2315.)

عدد الصفحات ٥٩

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |59 وكان يَبكَي أحيانًا في صَلاة اللَّيْل 39- فصل في هَ دْيه ﷺ في خُ طَبِه خطَب ﷺ على الأَرْض، وعلى المِنبرَ، وعلى البَعير، وعلى الناقة، وكان إذا خطَب احمَرَّتْ عَيناهُ، وعلا صوتُه، واشتَدَّ غضَبُه، حتَّى كأنه مُنذِر جَيْش يَقول: «صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ »(1)، ويَقولﷺ: «بُعِثْتُ أَنا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَينِْ »(2)، وَيَقْرِنُ ب أُصبُعَيْه السَّبَّابة والوُسطَى، ويَقول: «أَمَّا بَعْدُ، فإِنَّ خَيرَْ الحَديثِ كِتابُ اللهِ، وَخَيرَْ الهَْدْيِ هَدْيُ محَُمَّدٍ، وشََِّ الأُمورِ محُْدَثاتَُُا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٍ »(3). وكان لا يخَطُب خُطبة إلاَّ افتَتَحها بحَمْد الله، وكان يخَطُب قائماً وكان يخَتِم خُطبته بالاستِغْفار، وكان كَثيرًا يخَطُب بالقُرآن. وكان مدارُ خطبِه على حمدِ الله والثناءِ عليه بآلائه وأوصافِ كماله ومحامدِه، وتعليمِ قواعد الإسلام، وذكرِ الجنةِ والنارِ والمعادِ، والأمرِ بتقوى الله، وتبيينِ مواردِ غضبه ومواقعِ رضاه، فعلى هذا كان مدارُ خطبِه. وكان يخطبُ في كلِّ وقتٍ بما تقتضيه حاجةُ المخاطبينَ ومصلحتُهم. وكان مِنبرَُه ثلاثَ درَجات، فإذا استَوَى عليه واستَقبَل الن اسَ أخَذَ المُؤذِّن في الأذان فقَطْ، ولم يَقُلْ شيئًا قبلَه ولا بعدَه، فإذا أخَذَ في الخُطْبة لم يَرفَع أحَدٌ صوتَه بشِءٍ البَتَّةَ لا مُؤذِّن ولا غيرُه. (1) أخرجه مسلم867.) (2) أخرجه البخاري6504)، ومسلم2951.) (3) أخرجه مسلم867.)

عدد الصفحات ٦٠

61 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ولم يكن يخطبُ خطبةَ إلا افتتحَها بحمدِ الله، وتشهَّدَ فيها بكلمتَي الشهادةِ، ويذكرُ فيها نفسَه باسمِه العلمِ، وثبت عنه أنه قال: «كلُّ خطبةٍ ليس فيها تشهدٌ فهي كاليد الجذماءِ »(1). وكان إذا عَرَض له في خُطبته عارِض اشتَغَل به ثُمَّ رجَع إلى خُطْبته، وكان يخَطُب فجاء الحسَنُ والحُسينُ يَعثُران في قَميصَينْ أَحمَرَيْن، فقطَعَ كلامَه فنزَل فحمَلَهُما ثُم عاد إلى المِنبرَ ثُم قال: «صدَقَ اللهُ العَظيمُ ﴿ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ﴾ [15] رَأَيْتُ هَذَيْنِ يَعْثُرَانِ فيِ قَمِيصَيْهِماَ فَلَمْ أَصْبَِْ حَتَّى قَطَعْتُ كَلاَمِي فَحَمَلْتُهُماَ »(2). وكان يقصرُ خطبتَه أحيانًا ويطيلُها أحيانًا بحسبِ حاجةِ الناس، وكانت خطبُه العارضةُ أطولَ من خطبِه الراتبةِ. وكان يخَطُب النِّساءَ على حِدةٍ في الأَعياد، ويحَضُهن على الصدَقة، واللهُ أَعلَمُ. (1) أخرجه أبو داود4841)، والترمذي1106.) (2) أخرجه أبو داود1109)، والترمذي3774.)

عدد الصفحات ٦١

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |60 [ فصول في هديهﷺ في العبادات

عدد الصفحات ٦٢

62 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد

عدد الصفحات ٦٣

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |63 [بوكتا الطهارة 1- فصل في هديِ ه ﷺ في الوضوءِ كان ﷺ يتوضَّأ لكل صلاةٍ في غالبِ أحيانِه، وربَّما صلىَّ الصلوات بوُضوء واحدٍ، وكان يتوضَّأ بالمُدِّ تارةً، وبثُلثيه تارةً، وبأزيدَ منه تارةً. وصح عنه ﷺ أنه توضَّأ مرَّةً مرة، ومرتين مرَّتين، وثلاثًا ثلاثًا، وفي بعضِ الأعضاء مرَّتين وبعضِها ثلاثًا. وكان يتمضْمضُ ويستنشق، تارةً بغَرفةٍ، وتارةً بغَرفتين، وتارةً بثلاثٍ، وكان يصلُ بين المضمضة والاستنشاقِ، فيأخذ نصفَ الغرفة لفمِه ونصفَها لأنفه، ولا يمكن في الغرفةِ إلا هذا. ولم يجئ الفصلُ بين المضمضةِ والاستنشاقِ في حديثٍ صحيحٍ البتَّةَ. وكان يستنشق بيدِه اليُمنى ويستن ثِرُ باليسرى، وكان يمسح رأسَه كُلَّه، وتارةً يُقبِل بيديه ويُدبر، وعليه يحُمل حديثُ مَن قال: مسح برأسِه مرتين. والصحيحُ أنه لم يكن يكررُ مسحَ رأسِه. ولم يصحَّ عنه في حديثٍ واحدٍ أنه اقتصرََ على مسح بعضِ رأسِه البتة، ولكن كان إذا مسحَ بناصيتِه كملَ على العما مةِ. ولم يتوضَّأ رسولُ الله ﷺ إلا تمضْمَضَ واستنشقَ، ولم يحُفظ عنه أنه أخلَّ به مرَّةً واحدةً. وكذلك كان وُضوؤه مرتبًا متواليًا لم يخُلَّ به مرةً واحدةً البتَّةَ.

عدد الصفحات ٦٤

64 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد وكان يمسح على رأسِه تارةً، وعلى العِمامة تارةً، وعلى الناصيةِ والعِمامة تارةً، وأما اقتصارُه على الناصيةِ مجُرَّدةً فلم يحُفظ عنه. وكان يغسلُ رجلَيه إذا لم يكونا في خفَّينِ ولا جوربَينِ، ويمسحُ عليهما إذا كانا في الخفَينِ وكان يمسحُ أذنيه مع ماءِ رأسِه، وكان يمسحُ ظاهرَهما وباطنَهما، ولم يَثبت عنه أنه أخذَ لهما ماءً جديدً ا، وإنما صحَّ ذلك عن ابنِ عمرَ. ولم يصحَّ عنه في مسحِ العُنق حديثٌ البتَّةَ، ولم يحُفظ عنه أنه كان يقول على وُضوئه شيئًا غيرَ التسميةِ، وكُلُّ حديثٍ في أذكارِ الوضوء الذي يُقال عليه فكذِبٌ مخُتلقٌ لم يقل رسولُ الله ﷺ شيئًا منها، ولا علَّمه لأُمَّتِه. وثَبتَ عنه التسميةُ في أولِه، وقولُه: «أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شِيك له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه »(1) في آخرِه ولم يكن يقولُ في أوَّلِه: نويتُ رفع الحدَث، ولا استباحةَ الصلاةِ، لا هو ولا أحدٌ من أصحابه البتَّةَ، ولم يُرو عنه في ذلك حرفٌ واحدٌ، لا بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ. ولم يتجاوز الثلاثَ قَطُّ، وكذلك لم يَثبُت عنه أنه تِاوز المِرفقين والكَعبين. ولم يكن رسولُ الله ﷺ يعتادُ تنشيفَ أعضائِه بعد الوضوءِ، ولا صحَّ عنه في ذلك حديثٌ البتَّةَ، بل الذي صحَّ عنه خلافُه. (1) أخرجه مسلم234.)

عدد الصفحات ٦٥

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |65 ولم يكن من هديِهﷺ أن يُصبَّ عليه الماءُ كلما توضأ، ولكن تارة يَصبُّ على نفسِه، وربما عاونه من يَصبُّ عليه أحيانًا لحاجةٍ. وكان يخللُ لحيتَه أحيانًا، ولم يكن يُواظِب على ذلك، وقد اختلفَ أئمةُ الحديثِ فيه، وكذلك تخليلُ الأصابعِ لم يكن يحُافظُ عليه. 2- فصل في هديهﷺ في المسح على الخُ فَّين صح عنه ﷺ أنه مسحَ في الحضَْ والسَّفرِ، ولم يُنسخ ذلك حتى تُوفيِّ، ووقَّت للمُقيم يومًا وليلةً، وللمسافرِ ثلاثةَ أيام ولياليهن في عِدَّة أحاديثَ حِسانٍ وصحاحٍ، وكان يمسح ظاهرَ الخفين، ولم يصحَّ عنه أنه مسحَ أسفلَهما إلا في حديثٍ منقطعٍ، والأحاديثُ الصحيح ةُ على خلافِه. ومسحَ على الجوربَينِ والنعلَينِ، ومسحَ على العمامةِ مقتصرًا عليها ومع الناصية، وثبت عنه ذلك فعلاً وأمرًا في عدةِ أحاديثَ. ولم يكن يتكلفُ ضدَّ حالِه التي عليها قدَماه، بل إن كانتا في الخُفِّ مسحَ عليهما ولم ينزِعهُما، وإن كانتا مكشوفتَين غسَلَ القدمين ولم يلبس الخُفَّ ليَمسحَ عليه، وهذا أعدلُ الأقوالِ في مسألةِ الأفضلِ من المسحِ والغَسل، قاله شيخُنا (1)، والله أعلم. (1) الفتاوى الكبرى لابن تيمية5/304.

عدد الصفحات ٦٦

66 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد 3- فصل في هديِ ه ﷺ في التمدُّ ِ كان ﷺ يتيمَّمُ بضْبةٍ واحدةٍ للوجه والكفَّين، ولم يصحَّ عنه أنه تيمَّمَ بضْبتين ولا إلى المِرفقين. وكذلك كان يتيمَّمُ بالأرضِ التي يُصلي عليها ترابًا كانت أو سبخةً أو رملاً، وصحَّ عنه أنه قال: «حيثما أدركتْ رجلاً من أمتي الصلاةُ فعنده مسجدُه وطَهورُه »(1)، وهذا نصٌّ صريحٌ في أن من أدركته الصلاةُ في الرملِ فالرملُ له طهورٌ. ولم يصحَّ عنه التيممُ لكل صلاةٍ، ولا أمرَ به، بل أطلقَ التيممَ وجعله قائماً مقامَ الوضوء، وهذا يقتضِ أن يكون حكمُه حكمَه، إلا فيما اقتضَ الدليلُ خلافَه. (1) أخرجه أحمد36/451 (22137.)

عدد الصفحات ٦٧

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |67 [ثانماكتا الصلاة 1- فصل في هديِ ه ﷺ في الصلاةِ كان ﷺ إذا قام إلى الصلاةِ قال: «الله أكبَُ»(1) ولم يقل شيئًا قبلها، ولا تلفَّظ بالنيَّةِ. وكان يرفع يديه معها ممدودةَ الأصابعِ مُستقبلاً بها القبلة إلى فروعِ أذنيه، وروي: إلى مَنكِبيه، ثم يضعُ اليُمنى على ظهرِ اليُسرى. وكان يستفتح تارةً بـ«اللهمَّ باعد بينِي وبين خطاياي كما باعدتَ بين المَشَق والمَغربِ ، اللهمَّ اغسلني من خطاياي بالماءِ والثلجِ والبََدِ، اللهمَّ نق ني من الذنوب والخطايا كما يُنقَّى الثوبُ الأبيض من الدَّنسِ »(2). وتارةً يقول «وجَّهتُ وجهيَ للذي فطرَ السمواتِ والأرض حنيفًا وما أنا من المُشَكين (ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ) [162-163] اللهمَّ أنت المَلك لا إله إ أنتَ، أنت ربي وأنا عبدُك، ظلمتُ نفسي واعترفتُ بذنبي، فاغفرْ لَ ذُنوبي جميعًا، إنه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنت، واهدِني لأحسنِ الأخلاقِ لا يََدي لأحسنِها إلا أنتَ، واصرفْ عني سي ئَ الأخلاق، لا يصِف عن ي سي ئَها إلا أنت، لبَّيكَ وسَعديك، والخيرُ كُلُّه في يَديك، والشَُّ ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركتَ وتعاليتَ، أستغفرُك وأتوبُ إليك »(3). (1) أخرجه البخاري738)، ومسلم390.) (2) أخرجه البخاري744)، ومسلم598.) (3) أخرجه مسلم771.)

عدد الصفحات ٦٨

68 |مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد ولكنَّ المحفوظَ أن هذا الاستفتاحَ إنما كان يقولُه في قيامِ الليلِ. وتارةً يقول: «اللهمَّ ربَّ جبَائيلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ، فاطرَ السمواتِ والأرض، عالمَ الغيبِ والشهادةِ، أنت تحكم بين عبادِك فيما كانوا فيه يََتلفون، اهدِني لما اختُلف فيه من الحق بإذنِك، فإنك تُدي مَن تشاءُ إلى صراطٍ مستقيم »(1). وتارة يقول «اللهمَّ لك الحمدُ، أنت نورُ السموات والأرضِ ومن فيهنَّ... » الحديثَ(2). وكان يقول بعد ذلك «أعوذُ بالله من الشيطانِ الرجيم »، ثم يقرأُ الفاتحةَ، وكان يجَهر بـ (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ) [1] تارةً، ويخُفيها أكثرَ مما يجَهر بها وكانت قراءتُه مَدًّا يَقف عند كُلِّ آيةٍ ويَمُدُّ بها صوتَه. فإذا فرغَ من قراءةِ الفاتحة قال: «آمينَ»(3)، فإن كان يجهر بالقراءةِ رفع بها صوتَه وقالها مَن خلفَه. وكان له سَكتتانِ: سكتةٌ بين التكبيرِ والقراءة، وعنها سأله أبو هُريرةَ (4)، واختُلف في الثانيةِ؛ فرُوي أنها بعد الفاتحةِ، وقيل: إنها بعد القراءةِ وقبلَ الركوعِ، وقيل: هي سكتتان غيرُ الأولى فتكون ثلاثًا، وال ظاهرُ إنما هي اثنتان فقط، وأما الثالثةُ فلطيفةٌ جدًّا؛ لأجل ترادِّ النفس ولم يكن يصلُ القراءةَ بالركوع، بخلافِ السكتةِ الأولى، فإنه كان يجعلُها بقدرِ الاستفتاحِ، والثانيةُ قد قيل: إنها لأجلِ قراءةِ المأمومِ. (1) أخرجه مسلم770.) (2) أخرجه البخاري1120)، ومسلم769.) (3) أخرجه البخاري782)، ومسلم410.) (4) أخرجه البخاري744)، ومسلم598.)

عدد الصفحات ٦٩

مختصرزاد المعاد في هدي خير العباد |69 فإذا فرغ من قراءةِ الفاتحةِ أخذ في سورةٍ غيرِها، وكان يُطيلُها تارةً ويخُفِّفها لعارضٍ من سفرٍ أو غيرِه، ويتوسَّط فيها غالبًا. وكان يقرأ في الفجرِ بنحو ستينَ آيةً إلى مئةِ آيةٍ، وصلاها بسورةِ (ق)، وصلاها بـ(الروم)، وصلاَّها بـ (ﭑ ﭒ ﭓ )، وصلاَّها بـ (ﭩ ﭪ )، في الركعتين كِلتَيْهما، وصلاَّها بـ (المُعوِّذتين ) وكان في السفرِ، وصلاها فافتتحَ بـ(سورة المؤمنين) حتى بلغَ ذِكرَ موسى وهارون في الركعةِ الأولى أخذتْه سعلةٌ فركعَ. وكان يُصلِّيها يومَ الجمعة بـ (ﭑ ﭒ ﭓ ) السجدةِ، وسورةِ: (ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ) كاملتين، وإنما كان ﷺ يقرأُ هاتَينِ السورتَينِ لما اشتملتا عليه مِن ذكرِ المبدأِ والمعادِ، وخلقِ آدم، ودخولِ الجنةِ والنارِ، وذلك مما يكونُ في يومِ الجمعةِ، فكان يقرأُ في فجرِها ما كان ويكون في ذلك اليوم، تذكيرًا للأمةِ بحوادثِ هذا اليومِ، كما كان يقرأُ في المجامعِ العظامِ كالأ عيادِ والجمعةِ سورةَ (ق) و(اقتربت) و(سبح) و(الغاشية) . وأمَّا الظهرُ فكان يُطيلُ قراءتهَا أحيانًا، حتى قال أبو سعيدٍ: كانت صلاةُ الظهر تُقام فيذهب الذاهبُ إلى البقيعِ فيقضِ حاجتَه، ثم يأتي أهلَه فيتوضَّأ ويُدركُ النبيَّ ﷺ في الركعةِ الأولى مما يُطيلها. رواه مسلم(1). وكان يقرأُ فيها تارةً بقدر سورة (ﭑ ﭒ ﭓ )، وتارةً بـ (ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ)، ونحو (ﮖ ﮗ ﮘ)، وتارةً بـ(ﭑ ﭒ ﭓ)، و(ﭑ ﭒ). (1) أخرجه مسلم454.)

عدد الصفحات ٧٠